الوقتُ بخطوات عجولة (2)

الأربعاء, 01 نيسان/أبريل 2020 22:18 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
صورة قديمة للمدرسة الاحمدية محفوظة لدى معمل جاود الذي كان يقع اسفل المدرسة صورة قديمة للمدرسة الاحمدية محفوظة لدى معمل جاود الذي كان يقع اسفل المدرسة

عن تعز والمدْرسة ومحمد الساحر

أرسلَ لي أبي، مع جارٍ لنا، حقيبةً مدرسيةً بلونٍ بُنّي، كانت تُفتح وتُغلق على ظِلْفَتَيْن، بشريطٍ معدنيٍّ طويلٍ “أبو سوستة”، وبها أقلامُ رصاصٍ ودفاترُ صينيةٌ “أبو عشرين ورقة”، وممحاةٌ ومِبْراةٌ، وكتاب القراءة المصورة المصرية. ومعها أرسل زمزميةً بلاستيكيةً أيضاً.

كان ذلك قبل مطلع العام 1974. حينها لم يكن مضى الكثيرُ من الوقت على استقراره في تعز، بعد أشهرٍ عديدةٍ قضاها في القرية، إثرَ تَرْكِه لمدينة عدن أواخر العام 1972. لم تزَلْ رائحةُ الحقيبة والممحاة، ورائحةُ ورق كتاب القراءة، عالقةً بأنفي حتى الآن، ووقتُ البحث عن غطاء الزمزمية في مجرى الماء بـ”المَحْقَنَة” طرياً كأنه الأمس .

لم يكن هناك مدرسةُ في المنطقة ولا في مجاوراتها القريبة؛ وإن كان يوجد في سوق المنطقة (سوق السبت) مبنىً عشوائيٌّ مغلقٌ، من ثلاث حُجُرات، ظَلَّ “بَعْثِيُّو” المنطقة يَعُدّونه منجزَهم التاريخي الكبير. افتُتح لاحقاً باسم مدرسة “الوحدة”، مع نشاط هيئة التعاون الأهلي في المنطقة عام 1978، ووصولِ أول مدرّسين مصريين إليها.

كان لم يزلْ الفقيه أحمد بن أحمد، في قرية المدهف، والفقيه فارع في قرية الزقزوق، وأمين قاسم في قرية الهزيز، يقومون بتعليم الأطفال، الذين لم يغادروا القرى إلى المدن، أصولَ القراءة والكتابة بالطريقة التقليدية القديمة (المعلامة).

أسابيعَ قليلةً فقط درستُ عند الفقيه فارع؛ في جرفٍ صخريٍّ بديعٍ أعلى قريته، نحتتْه الطبيعةُ في الجبل الأبيض بأزميلٍ أسطوريٍّ ومزاجِ فنان، ولم يزلْ يحمل اسمَ “حيد الجُمَر”. كنتُ الشخصَ الوحيد الذي يمتلك حقيبةً ودفاترَ وأقلاماً بدلاً عن اللوْح، وكتاباً مصوراً بدلاً عن المصحف. انتقلتُ بعدها إلى تعز بطلبٍ من أبي، الذي استقرّ للعمل في “دكان” لبيع المواد الغذائية في السوق المركزي. أعلى بابِهِ الأزرق، وفي مربعٍ خاصٍّ وبلونيْن متداخليْن، خُطّ اسمُ “مستودع الشيباني لصاحبه سعيد عمرو غالب”.

لم ألتحقْ بالمدرسة مباشرةً، بل التحقتُ لأسابيعَ في معلامةٍ أخرى تقع بجوارها، وبالقرب من مسكن محمد الساحر، الذي كان أشهرَ الشخصيات وأكثرَها إخافةً ومهابة. لم أعدْ أتذكّر من “المعلامة” في مدينة تعز سوى السّحنةِ الغليظة للفقيه، وشقاوةِ الأطفال بأسنانهم البُنّيّة ولَكْنَتِهم الغريبة، وألفاظِهم البذيئة حين يتلاسنون، ومِنْ محمد الساحر أسنانه المذهبة وكوفيته الزنجباري، وقدرته على تحويل “البُقَش” الصفراء إلى جنيهاتٍ لامعة، وأوراق الجرائد إلى نقودٍ غريبة، وإخفاء العضو التناسلي “لديجول” الحمَّال، واستنبات عضوٍ منتصبٍ للمُهَمّشة “سُعُود”، تُدهش وتُضحك كلَّ السوق، قبل أن تعود الأشياء إلى طبيعتها خلال ثوانٍ. أتذكّر مرورَه الصاخبَ على المحلات لأخذ حاجاته اليومية القليلة من الخضار والبهارات بالمجّان.

كنت في الثامنة عندما التحقت بمدرسة الثورة (الأحمدية سابقاً)؛ كانت مَشِيدةً بالطراز الصنعائي، وبطابعٍ عثمانيٍّ صِرْفٍ، مِثلَها مثل مباني الإدارة الحكومية في “العُرْضي” ودارِ الضيافة والمجمع الحكومي

ما أتذكّره من تلك الأيام، المظاهرةُ الطلابية الكبيرة التي جابت الشوارع، ومنها شارع 26 سبتمبر القريب من المعلامة، ورؤيتي للأواني المعدنية المُعلّقة على أبواب حوانيتَ أسفل مدرسة “ناصر” القديمة، وهي تهتزّ جَرّاء رَشْقها بأحجار المتظاهرين، الذين لم أذكرْ من شعاراتهم سوى كلمة “الإرياني”.

وبسبب الفوضى العارمة وهروبِ المتظاهرين إلى الحواري، بعد تضييق جنود الأمن عليهم، وجدتُ نفسي عالقاً في حارة المدرسة -حارة الجزارين كما اعتاد الوعيُ الشعبيُّ تسميتها- والتي دخلْتُها مكرهاً لأول مرةٍ في حياتي، بسبب ما كان يُبَثّ من رعبٍ في داخلنا، منها ومن سُكانها. حشرتُ جسدي الصغيرَ مع مجموعةٍ من المتظاهرين في بيتٍ قديمٍ وضيقٍ وَسَطَها، وكنتُ في حالة ذعرٍ وبكاءٍ شديدين. وحينما عدتُ إلى الدكان، في وقتٍ متأخرٍ من الظهيرة، وجدتُ بانتظاري أولَ عَلْقةٍ ساخنةٍ من أبي لم تزل تَحفرُ في وجداني عميقاً.

السنةُ الدراسية الأولى لي في مدرسة “الثورة” (الأحمدية سابقاً)، كانت وأنا على عتبة الثامنة، في العام 1974. على تلٍّ صغيرٍ يُشْرف على الباب الكبير ومدرسة “ناصر”، تقع مدرسة “الثورة”، وتحتها يمرّ شرقاً وجنوباً شارع 26. كانت مَشِيدةً بالطراز الصنعائي وبطابعٍ عثمانيٍّ صِرْفٍ، مِثلَها مثل مباني الإدارة الحكومية في “العُرْضي” (المَقام وملحقاته)، ودارِ الضيافة والمجمع الحكومي.

كنا ندخلها من بوابةٍ خشبيةٍ ضخمةٍ من الجهة الشمالية، ونصل إلى باحةٍ تتوسط حجراتِها في الدورين، ثم ننْفُذُ جنوباً إلى ساحةٍ ترابيةٍ أُعِدَّتْ كمَلاعبَ، بها خزّانٌ أسمنتيٌّ مكشوفٌ ومتسخٌ، وحماماتٌ مخلوعةُ الأبواب تغطي المكانَ بالروائح الكريهة.

كنا طلاباً في الفترة المسائية، وكنا في الأيام الأولى ننتظر أذانَ العصر بفارغ الصبر، لأنه ارتبط بموعد مرور مسؤول التغذية على الفصول، لتسليم المشرف حصةَ الفصل من التغذية، المكونةَ من قطعة جُبْنٍ وأحياناً “لانشون” أسترالي مُعلّب، وقطعةِ خبزٍ مستطيلة “روتي”، قبل أن تَعَافَ نفسي تلك الوجبةَ بسبب رداءة جُبن المَعُونات ورائحة الـ”لانشون” الزَّنِخة، وعفونة الخبز .

بعد عامٍ من انتقالي منها، إلى المعهد العلمي، أو ما كان يُعرف بـ”تحفيظ القرآن” في منطقة المُصَلّى، وأنا طالبٌ في الصف السادس، هُدمتْ مبانيها القديمة بقرار أرْعَن. وحين عدتُ إليها في 1983، كنتُ طالباً ثانوياً، وكان قد أُعيدَ بناؤها بالأحجار بدلاً عن الطابوق، وبتصميمٍ منمَّطٍ، مثل أيّ مبنىً باردٍ، لكنه شديدُ الإضاءة، وبحمّاماتٍ نظيفةٍ وخزاناتٍ بلاستيكيةٍ مغطاة.

(*) المصدر موقع (خيوط)

قراءة 1876 مرات آخر تعديل على الخميس, 02 نيسان/أبريل 2020 16:44

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة