ثلاثية المثقف اليمني

الثلاثاء, 07 نيسان/أبريل 2020 14:09 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

الإهداء:

 إلى الصديق الإنسان/ (أبو عبدالله) محمد عبده الشطفة، إنه (أبو عبدالله/ الكبير) قياساً وعلى عكس (أبو عبدالله الصغير/ الاندلسي) حيث يهب وينهض أبو عبدالله (الشطفة) مقاوماً لجميع الأمراض (الجسدية/  والسياسية) و لا يسلم الراية للخذلان  مثل البعض. رفض (أبو عبدالله / الكبير/ الشطفة) رواية وموقف(أبو عبدالله الصغير / الاندلسي)، الذي ترك ملكه هاربا بنفسه، فقالت له أمه: أضعت ملكا كالنساء ولم تعرف تدافع عنه كالأبطال (الرجال). ومن خلاله (خوفه)، كان سقوط غرناطة، (1492م)بعد أن ترك "الحمراء" مفتوحة للنهب. في حين أن أبو عبدالله الكبير/ الشطفة)، يعود فاتحاً/ ومحباً، باستمرار إلى (صنعاء/ وعدن) وكل شبر من الوطن معلنا اسم اليمن كبيراً، منتصراً لاسمه وتاريخه كواحد من أبطال التحرير، ورجال الدبلوماسية والسياسة.

إليه: مع خالص محبتي ومودتي.

مفتتح :

إن ثلاثية المثقف والوحدة والحرب، تعكس حالة جدلية لها حضور في تاريخ اليمنيين: القديم والإسلامي والحديث والمعاصر في أشكال وتعبيرات مختلفة. وفي كل مرحلة من تاريخ تمرحل وتموضع هذه الجدلية الثلاثية، كانت الغلبة تنتقل بين الكاهن (رجل الدين) والأمير، كما كان في التاريخ القديم وحتى المعاصر، وكان الشرط السياسي وموازين القوة، هي من تحدد –في الغالب- موقع ومكانة ودور المفكر/ المثقف، في صناعة التاريخ، ونقصد هنا تاريخ الوحدة، قياساً إلى حالة الانقسام والتشتت السياسي، الذي يبدو أن مساحته كانت تتحدد بمدى حضور الدولة «العادلة» المستقرة والمنتجة في التاريخ، وكلما توارت أو غربت شمس هذه الدولة، تراجعت جدلية العلاقة بين المثقف والوحدة، لصالح الحرب، والقوى التي تقف خلفها. ولا تزال هذه الجدلية الثلاثية قائمة، وهي التي تحكم وتتحكم بعلاقة المثقف، بالوحدة، والحرب.

أ- المثقف وخطاب الوحدة:

إن الوحدة اليمنية، باعتبارها حقيقةً موضوعية وسياسية واجتماعية وطنية تاريخية، هي كائن حي وليست فكرة مقدسة أو ديناً أو طوطماً سحرياً علينا الدوران حوله بالبخور والنذور كيفما اتفق، وهذا ما يطرح الوحدة بوصفها مسألةً حياتية وقضية سياسية اجتماعية وطنية في كل وقائعها الجارية وفي أفقها المستقبلي أمام مبضع المشرح النقدي، بصرف النظر عن ماهية أو هوية السياسي الحاكم اليوم أو غداً، وذلك بهدف تصويبها وتقويم اعوجاجها حين تستلزم الحاجة إلى ذلك.

وأنا على قناعة راسخة وكاملة بأن الحدث الوحدوي الكبير في مايو من العام 1990م، كان أكبر من الجميع ومن كل الذين تصدوا له، ولم تستطع كل «القامات» التي وقفت بموازاته أن تكون في مستوى القيمة الوطنية التاريخية العظيمة الذي مثله أو كانه الحدث ولا يزال. فأي حدث كبير أو بناء استراتيجي يدخل في صلب حياة الناس والمجتمع والدولة والتاريخ، ويطال أثره ونتائجه كل الوطن وثقافته التاريخية، هو دون شك في حاجة إلى إرادات جبارة ترتفع فوق مستوى الصغائر وتوافه الأمور. وحدث بحجم فعل الوحدة اليمنية حقاً كان في حاجة إلى مثل تلك الإرادات العظيمة التي لا تتعاطى مع الشأن العظيم على سبيل الاستثمار السياسي والحزبي الضيق، أو بأفق القبيلة والعشيرة والطائفة والمنطقة، بل بأفق وطني تاريخي وإنساني شامل.

ومن جانب آخر، فإنني على قناعة ثابتة أن الأحداث التي تأتي لتطرح ذاتها كمتغيرات تاريخية في حياة أي وطن، لا يمكن أن تأتي ثمارها الإبداعية في أشكال ما يُنتج (شعر، مسرح، قصة، رواية، نقد أدبي، موسيقى، أغنية.. إلخ) إذا لم يمسّ الحدث أو المتغير صلب وجوهر حياة الناس. وعلاقاتهم المتعدّدة ولو بعد حين.. المهم أن يكون ذلك التوجه عملياً وملموساً، وينقلهم نحو الأحسن وجدانياً وثقافياً. كما أن هذه الثمار الإبداعية الفكرية الثقافية الأدبية والفنية ليس من الميسور رؤيتها خلال مساحة الزمن السياسي أو في زمن قصير، لأن الزمن الإبداعي يختلف عن الزمن السياسي والاجتماعي، فهو في حاجة إلى زمنه الخاص حتى ينمو ويتطور ويختمر وينضج ويؤتي ثماره كنتاج إبداعي أدبي وفني وثقافي.

والكلام حول موضوع الوحدة والمثقف والحرب -في هذه النقطة، وفي هذه المرحلة الاستثنائية تحديداً- يأتي هنا في سياق الحديث عن الكتابة الثقافية الفكرية في إطارها الإبداعي الأوسع، وليس المجال الإبداعي الخاص جداً، إذ أن هذا الخطاب الخاص موجه إلى المثقف والوحدة في إطار الكتابة الإبداعية العامة (الخطاب الاقتصادي والتحليل الاجتماعي والرؤى السياسية الاستراتيجية والخطاب الثقافي العام)، وهي الأوجه المغيبة أو المستلبة في معادلة فعل المثقف، وحدث الوحدة.

فماذا عنت الوحدة في الممارسة الكتابية للمثقف، أي في خطابه الثقافي، سواء قبل إعلانها أو بعد تحققها؟ فقبل تحققها، وبإيجاز شديد -لأن ذلك ليس مجالاً للبحث الخصوصي فيه في هذا الزمن القصير المخصص لكتابة الموضوع- أستطيع أن أقول إن هناك ما يشبه الإجماع على أهميتها وحتميتها، وتجلى ذلك في الكتابة السياسية والثقافة السياسية وفي الكتابة التاريخية، التي كانت تدور أو تتمحور حول أهميتها، حقيقتها التاريخية، ضروراتها السياسية والوطنية الملحة خاصة ما احتوته مجلة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين «الحكمة يمانية» من كتابات كأبحاث تاريخية ومقالات سياسية ثقافية عامة، ومجلّتا «اليمن الجديد» و»الكلمة»، بهذه الصورة أو تلك.

كتابات كانت تتحرك في معظمها في إطار معنى الوعي السياسي والوطني الرومانسي عن الوحدة.. كتابات كان البعد السياسي الوطني هو المحرك الأكبر لها والأكثر تحديداً لخيوط اتجاهات، فيما كان سائداً في الشطرين، وهي أفكار ومفاهيم تدخل ضمن تصنيف -باستثناء القليل منها وهو ما كان ينشر في عدن- كتابات الثقافة السياسية العامة، وتكاد تكون خالية من الفكر النقدي العميق والرؤى الفكرية المستقبلية، يقف خلفها عقل وطني حالم بالوطن الموحد. كما أن هناك قراءات متناثرة حول فكرة الوحدة اليمنية في التاريخ (المكان/ الجغرافيا) فيها تأكيد للذاتية اليمنية في أصلها التاريخي، وهي محاولات لتأكيد وحدة الشعب اليمني في التاريخ، مع أن هذه الحقيقة بديهية وأصيلة في وعي الإنسان اليمني كقضية وإشكالية وطنية تاريخية -رغم التشطير السياسي الذي كان- ولا تحتاج إلى مزيد من البحث لإثباتها. وما عدا ذلك فليس من كتابات أصيلة علمية وسياسية موضوعية ومستقبلية تدخل في نطاق الكتابة الاستراتيجية حول واقع الوحدة ودولة الوحدة شروطها وآفاقها المستقبلية. وتبقى الإنتاجات والآثار الفكرية والثقافية والأدبية الشعرية والفنية المختلفة التي صيغت ودُوّنت بمداد دم التاريخ وروحية تفاصيله اليمنية عميقة الحضور، شاهداً على وحدة الشعب وأصله التاريخي وعمقه العروبي الذي شطرته السياسات والدول ومزقت وحدته السياسية في التاريخ: دويلات ملوك الطوائف والحروب وعقلية «الفيد» (المقصود باصطلاح «الفيد» هو النهب على الطريقة القبلية) التي هدّدت ودمرت وحدته واستقراره السياسي ونسيجه الاجتماعي الوطني، وهذا ينطبق على مرحلة ما قبل الوحدة بصورة عامة وما بعدها. إذ دخلت الحرب طرفاً قوياً ومؤثراً في تحديد صورة علاقة المثقف بالوحدة، أي الوحدة في زمن الحرب.

والحقيقة أن مسألة البحث حول الوحدة بالدلالات الوطنية والعلمية المعاصرة، ودور المثقف المعرفي الفكري الثقافي لبلورة معناها الواقعي وشروطها وحقائقها السياسية والمادية وفي الممارسة الواقعية الملموسة على الأرض، كان يجب أن تأتي أو تكون هي المقدمات لمشروع معرفي فكري ثقافي اقتصادي سياسي شامل يطرح حقيقة فكر الوحدة أو خطاب الوحدة، ليس في التاريخ فحسب، بل وفي الحقائق السياسية والمادية الملموسة على الأرض، وهو تعبير عن خلل القراءات الثقافية، -السياسية وقصورها عن متابعة خط أفق الوحدة السياسي الاجتماعي الاقتصادي ضمن رؤية استراتيجية لمعنى الوحدة ودولة الوحدة المنشودة في الواقع وفي المستقبل. ولعبت شروط ضيق مساحة الحرية والديمقراطية في الشطرين دوراً كابحاً ومؤثراً على إمكانية انتشار الكتابة الصريحة والمفتوحة حول الوحدة قبل قيامها، وكذا بعد قيامها، بحكم اصطفاف قطاعات المثقفين حول أيديولوجية حزبهم الخاصة، لأن الديمقراطية هي الفضاء الذي تتحقق فيه الكتابة المفتوحة حول أفق الخطاب الإبداعي الوحدوي، وحول الدولة وحول الشأن العام كلّه، كما هي الفضاء الواقعي لتجسيد الوحدة بالفعل في العلاقات الاجتماعية والسياسية وفي العلاقة بين الناس في سياق الإنتاج والعمل الاجتماعي. فالديمقراطية والحرية هما الأمل في وحدة المتخالفين والمتحالفين، وهي العمق الاستراتيجي للوحدة التي تقوم على التنوع والتعدد والحق في الاختلاف في الكتابة والسياسة، وهي الضامن لمستقبل الوحدة، لا باعتبار الوحدة غاية الغايات أو سدرة المنتهى، بل باعتبارها مقدمة لخلق المتّحد السياسي الاجتماعي الوطني اليمني المشترك وأساساً لرفاه الشعب وازدهاره.

وأستطيع القول اليوم إن الهامش الديمقراطي الذي ظهر مقترناً بالوحدة قد استطاع أن يعري السلطة والمعارضة، المثقف والسياسي، ويفضح هشاشة الهوية الثقافية الوطنية للسياسي السلطوي، وللمثقف «النُص-نُص» وتمكين القراءة النقدية من كشف خلل وعيهم السالب بالديمقراطية، وعلاقتهم الحذرة بوعي فكرة الحرية، وأظهر ضعف أدائهما المخالف للديمقراطية على صعيد المجتمع، وكذا على صعيد بنيتهما الحزبية الداخلية، إذ بقي كل هم قيادات السلطة والمعارضة -بدرجات متفاوته- تحاولان أن توظفا الهامش الديمقراطي- الذي بدأ عدّه العكسي من أول ستة أشهر من قيام الوحدة- لصالحهما أو بإفراغه من محتواه. كما كشف الهامش حجم الشرطي الكائن والمقيم في عقولنا ونفوسنا وداخل بنية عقل القيادات الحزبية كافة -بدرجات متفاوته- وهذا أبشع أثر تركه الهامش الديمقراطي -مع الأسف- في واقع حياتنا الخاصة والعامة، لأنه يرينا مدى امتثالنا أو تماثلنا مع أحط وأسوإ اللحظات المعرفية والثقافية والسياسية في وعينا التاريخي الذي كنا وما زلنا ندّعي أننا نقف منه الموقف النقيض، وهو دليل على خطورة قوة العادة الشمولية الراسبة في وجداننا وعقولنا وفي تاريخ حياتنا الخاصة والعامة كلها: المعرفية والثقافية والسياسية والسلوكية. ومن هنا تتضح صعوبة الانتقال الجارية في مسار تفكيرنا السياسي والثقافي، الذي أغلب عناصره وتركيباته الذهنية والنفسية لا يزال مشدوداً إلى ماضي السرية والشمولية، خاصةً أنه لم يُحْدِث في واقعنا اليمني الموحد انقلاباً اجتماعياً واقتصادياً ينقل حياة الناس إلى مستوى أفضل، أو تحولاً سياسياً عميقاً وشاملاً يطال بنية التفكير السياسي التاريخي.. أو نظاما سياسيا تقليديا في جذوره. ومن هنا كان الانقلاب والحرب في أشكالهما المختلفة، من حرب 1994م، إلى حرب اليوم، هما النتيجة الطبيعية التي أفقدت المثقف صاحب الكلمة الذي لا يستند إلى أي عصبية، قبيلة مناطقية مذهبية طائفية، أفقدته وجردته من كل حيلة، بعد أن تحولت الحرب إلى عنوان بارز يطغى على جميع العناوين.

ب- المثقف والحرب:

كلما اتسعت دائرة العنف والحرب، تقلصت مساحة حضور الفعل الثقافي، وانكمش بالنتيجة ليس دور المثقف، بل ومكانته. فالعلاقة بين الحرب والثقافة والمثقف عكسية (تناقضية)، فاتساع مساحة حضور أحدهما نفي لحضور الآخر.

والمثقف الإنساني (العضوي)، حسب تعبير أنطونيو غرامشي، هو مهندس وصانع فكرة الأمل (التغيير)، ولذلك وقفت دونه وفي مواجهته جميع قوى القديم/ التخلف، إذ وضعت الكلمة في مواجهة حالة من الحصار، بل ومن الحرب السياسية والمادية المباشرة. ذلك أن الحرب في الغالب تعبير عن كينونة سكونية معاندة لرياح التغيير، وفي حالتنا اليمنية هي حرب لها تاريخ تراكمي متصل، جاءت حرب 1994م، لتعلن مواصلة جديدة لذلك التاريخ، مواصلة طالت بنية الثقافة الوطنية والنسيج الاجتماعي وكل كيان الدولة وبنيانها. وما يجري منذ أكثر من خمس سنوات ليس سوى مواصلة لذلك التاريخ الدامي والجارح من سيرة الحرب. ومن هنا كانت قراءتنا للحرب الجارية بأنها نتيجة لمنطق تفكير فوضوي مضطرب ساد وهيمن على سلوك السياسي وعقله، وعلى المثقف معاً، (السلطة والمعارضة).

إن أخطر المَقاتل التي تصيب فكر المثقف بالموت، وعقله بالثبات والجمود هو حين يتوجه عقل المفكر أو المثقف نحو مسألة السلطة بالعمل على إبدالها بالمعنى المباشر، فيهيمن عليه همُّ الاستيلاء على السلطة، وذلك حين يتوجه عقل المثقف كليةً نحو دائرة السلطة ويصبح همّه الوحيد إبدالها أو التفكير الانقلابي ضدّها والحلول بديلاً عن القائمين عليها كسلطة، وليس كرؤيةٍ وفكرٍ ومنهج في الحكم، لأنه حينئذٍ يكون الموت الحقيقي للفكر النقدي الإبداعي عنده، ولأنه يستبدل فكرة التغيير الاجتماعي بعقل السلطة والدعوة في أحسن الأحوال إلى اقتسامها أو محاصصتها دون أن يدرك أنه يتجه إلى تأسيس معنى السلطة في داخله وبنفس الطريقة السائدة، ولا يعمل على تعميم فكرة التغيير العميقة في الوعي والفكر، خطوات نحو التغيير والتنوير أو الاستنارة العقلية في واقع حياة الناس. فلا يستهين المثقف بفعل ودور التراكمات الكمية الجديدة ومضاعفة رأسمالها في مجال المعرفة الثقافية والعلمية، ونشر الفكر الجديد وتعميم ثقافة الاستنارة العقلية والدفاع عن حرية الرأي والاجتهاد وتأكيد فضيلة التنوع والتعدد في الحياة.

فهي -جميعا- حتما ستؤتي ثمارها النوعية ولو بعد حين.. على حساب خطاب العنف والحرب، المهمّ أن يقلع المثقف والمفكر عن العادة الكريهة القديمة في اختصار الصراع حول معنى «التغيير الاجتماعي»، في بعد السلطة أو الهم السياسي السلطوي، الذي يقودنا جميعاً، ساسةً ومثقفين، إلى تكريس خيار الحرب على الحلول السلمية والثقافية.

من المهمّ أن تتبارى وتتنافس الأفكار والمفاهيم وأن تطرح الرؤى الفكرية والثقافية والبرامج السياسية الاستراتيجية حول واقع اليمن أو الوحدة اليوم وغداً، وألاّ تتوقف الصياغات الذهنية والكتابات حول معنى الوطن والشعب والدولة ودلالة حقيقة معنى اليمن والمواطنة المتساوية.

لقد اِرتبطَ خطابُ الوحدة وتوحّدَ تاريخياً بفكرة التغلُّب/ الغلبة، كما اقترنت الوحدة بالسلطة، سواء في الحقائق السياسية التاريخية أو في الذهنية الثقافية الوطنية المعاصرة لنا جميعاً، بهذه الصورة أو تلك.

كان من المتوقَّع أو المنتظر أن يشمخ الخطاب المعرفي والثقافي الديمقراطي ويتعملق دور المثقفين تحديداً بعد تحقيق الوحدة وإعلانها في 22 مايو 1990م باعتبار وجود شرط هامش الديمقراطية الذي وجد مرتبطاً بالوحدة، وذلك بأن يسهم المثقفون والمبدعون كتّاباً وشعراء، قاصّين ومسرحيين… إلخ في توجيه مشروع الوحدة السياسي بالمفاهيم والرؤى الفكرية الثقافية والأعمال الإبداعية النقدية وتعميق الإدراك بها سلباً أو إيجاباً حتى يأخذ الحدث الوطني الكبير بعده المعرفي والثقافي الإنساني الشامل. ولكنها الحرب قطعت الطريق للتأسيس لمرحلة انتقالية تسودها روح الديمقراطية، وذات جرثومة الانقلاب والحرب، هي من تمارس عبثيتها -في صورة ما يجري اليوم- في قطع الطريق أمام الانتقال إلى مرحلة تعددية وديمقراطية، في صورة تغليب وتعميم لصوت الحرب على صورة المشاريع الفكرية والثقافية الديمقراطية المنشودة.

إن تجربة علاقة المثقف بالوحدة والسياسة والسلطة والحرب، أكّدت أن السياسي في مرجعيّته العسكرية والقبلية، كان صاحب القرار المركزي والحاسم، وأن المعرفي والفكري الثقافي ليس إلاَّ تابعاً وملحقاً، في شرط غلبة السياسة والحرب، على دور المثقف المُغيَّب لصالح خطاب العنف والحرب.

وهي، عموماً، تساؤلات جديرة بالوقوف أمامها طويلاً، بالقراءة والمناقشة، هي أسئلة  للجميع: فهل كان مفروضاً على السلطوي التعجيل بقراره السياسي الفوقي بإعلانه قيام الوحدة؟ وإذا لم تكن الوحدة اليوم -أقصد في مايو 1990م- فإنها لن تكون غداً؟ هي مَرّة ثانية أسئلة مفتوحة لها وجاهاتها من الزوايا المختلفة. فقط يبقى سؤال المثقف والوحدة والحرب مفتوحاً على إجابات متعددة في واقع ما نعيشه اليوم، وما قدمته في هذه الوريقات، هو إحدى تلك الإجابات.

قراءة 158 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة