الحرب والوطنية والمواطنة (1-2)

الجمعة, 14 آب/أغسطس 2020 18:49 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

 

إن كل الصراعات والحروب كانت تتحرك وتدور على طريق التأسيس لكيانات الممالك، والدول، في تجلياتها السياسية والوطنية التاريخية. ذلك أن معنى الوطن والوطنية، ليسا مفهومين ناجزين جاهزين وحاضرين في التاريخ السياسي والاجتماعي في هيئة صلبة واحدة، حيث مفهوم الوطنية، وهو هنا مشتق من فكرة وقضية الوطن، جرى تبلوره وتشكله عبر قرون طويلة على قاعدة الهوية اليمنية، والكيان الثقافي/الحضاري لليمنيين، في صورة هذه الممالك أو تلك الدول وما يزال في حالة تشكل، وصيرورة.

إن مفهوم الوطنية ينمو ويتطور في سياق حركة سياسية، فكرية ثقافية اجتماعية تاريخية، وكلما تبلور وتطور ونضج مفهوم وشكل الدولة في واقع الممارسة، وتطورت معه المعرفة التاريخية للناس بأنفسهم، وبالمجتمع من حولهم، كان يستتبعه بالضرورة تطور ونضوج واكتمال لمعنى الوطنية.

وبالعودة للتاريخ السياسي العالمي، فإن مفهوم الوطنية، وتحديداً مفهوم المواطنة، هما اصطلاحان أو مفهومان حديثان بالنسبة لأوروبا البرحوازية/ الراسمالية (ومعاصران بالنسبة لنا في المنطقة العربية)، مفهومان تبلورا وتشكلا ضمن سياق منظومة فلسفية/ نظرية/ معرفية، ثقافية تاريخية، هي خلاصة لعصر النهضة (الاصلاح الديني)، ولعصر التنوير والعقلانية، عصر الثورة الصناعية الراسمالية (القومية البرجوازية) الصاعدة، مرحلة "دعه يعمل دعه يمر"، قبل تحولها إلى ظاهرة امبريالية استعمارية.

قطعاً، إن مفهوم الوطن، والوطنية أقدم في التاريخ العالمي، قياساً إلى مفهوم المواطنة (الإنسان الحر/المساواة)، الإنسان كمركز للكون، الذي جاء نتاج الفلسفة العقلانية الأوروبية وعلى أنقاض المفاهيم الدينية / الكهنوتية/ الكنسية، وفي سياق الحركة الفكرية العلمية والعقلانية. لم يكن ذلك تعبيراً عن صعود أوروبا من دولة الكهنة الملك، أو دولة الكنيسة/ الملك، بل بانتقال أوروبا الرأسمالية نفسها إلى دولة الحريات والكرامة، والحقوق (حقوق الإنسان)، وهي مرحلة متأخرة في تطور أوروبا، واكتملت صورتها النهائية بعيد نهاية الحرب العالمية الأولى، وفي ما بعدها، أي في نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تجلت فيها صورة المواطنة بصورة اعمق وأوضح وأشمل.

أي أن مفهوم المواطنة نتاج طبيعي/ تاريخي لتطور الفلسفة والعلم والانتاج الصناعي والتكنولوجيا، والعقل الإنساني المفتوح على فضاءات الحرية، انجز فيها العقل تحرره من الخرافة والعقل الغيبي الإيماني والأسطوري. كانت تلك تطورات معرفية جديدة هي ثمرة كفاح الشعوب من أجل الحرية، والكرامة الشخصية، والانسانية، جاءت لتعطي مفهوم المواطنة أبعاداً ومضاميناً معرفية، وسياسية وقانونية وأخلاقية وقيمية جديدة، متوحدة ومندمجة بمعنى الحرية والديمقراطية، والحقوق، والشراكة والمشاركة.

المواطنة، في تقديري، منتج سياسي، ثقافي، اجتماعي، حضاري معاصر، خلاصته: المساواة بين المواطنين، وتنظيم العلاقة بين المواطنين والحكام، أي بين الدولة والفرد، على قاعدة الحقوق والواجبات فقط.

إن أسوأ وأخطر مشاكل الدولة اليمنية في المرحلة الإمامية، وإلى ما بعد الثورة السبتمبرية 1962م، -بهذا القدر أو ذاك – هو أن المشيخة القبلية/ والعكفة الجدد، ورجال الدين السياسي، حلوا في قمة السلطة/ الدولة، باعتبارهم ورثة الإمامة الجدد.

وهنا تجددت وتطورت بصورة أعمق "المشكلة اليمنية"، في صورة أزمة الدولة الوطنية، "أزمة المواطنة"، (السيد/ والرعوي) ولاحقا (الشيخ/ والرعوي)،(شيخ الرئيس /ورئيس الشيخ)، وتجلت مظاهر تلك الأزمة في ملمحين أو بعدين:

ملمح وبعد عدم المساواة في المواطنة، وملمح احتكار الحكم/ السلطة في رموز دولة المركز و(العصبية والفردية، والقبيلة، والمذهب)، تحت الغطاء الجمهوري "المجلس الجمهوري"، لاحقا، ومن هنا كان صعبا وغير مقبولٍ بالنسبة لرموز دولة المركز/ والعصبية أن يصل إلى السلطة بعد ثورة فبراير 2011م، اسم رئيس للدولة،  من خارج صيغة دولة المركز والعصبية التاريخية.

وكلنا يعلم ويتذكر كيف تم حصار الرئيس القاضي/عبدالرحمن الارياني بالحرب السياسية عليه، وبالمحاولات الجادة لتحويله إلى "مشقر/ زينة" من لحظة وصوله إلى قمة السلطة التي كان يعبر عنها في صور اعتكافه في المدينة تعز والحديدة أحياناً، وفي المغادرة المتكررة إلى دمشق/اللاذقية.

ولا أفهم ولا أقرأ جريمة حرب 1994م، إلا باعتبارها نقضاً بالحرب للوحدة السلمية الديمقراطية، ومصادرة لأي امكانية لقيام دولة مدنية حديثة. وفي ذات السياق أقرأ وأفهم الانقلاب والحرب على مخرجات الحوار الوطني الشامل، حيث تقدمت المعالجات العسكرية ( الانقلاب/الحرب)، كحل لاحتمال ظهور شكل جديد من السلطة، ومن نظام الحكم (الدولة).. حروب هدفها إعادة أنتاج أزمة المواطنة "المشكلة اليمنية" في صور الدويلات التي نشاهدها اليوم في الشمال والجنوب.

ومن هنا الضرورة السياسية والوطنية والتاريخية لوجود وبناء دولة الحريات والحقوق والمواطنة.

لقد كان من أول المهام السياسية والعسكرية لحرب 1994م، هو نقض وتدمير فكرة وقضية المواطنة في واقع الممارسة.. وتجلى ذلك في تحويل الجنوب (جنوب اليمن /وليس الجنوب العربي)، إلى غنيمة حرب (وكأنها دولة فتح /دولة جباية/ خراجية). لقد حولت حرب 1994م جنوب البلاد إلى حالة فيد شامل: فيد سياسي، وفيد اقتصادي، وفيد ايديولوجي، وفيد ثقافي، ما تزال علائمه قائمة وواضح حتى اللحظة.

كانت أول جرائم حرب 1994م، السياسية والقانونية والدستورية، هو الانقضاض بالحرب على أهم نصوص دستور دولة الوحدة، ومنها نص المادة (27) التي رفعت من قدر ومكانة المواطنة، بأنها فوق الجنس، والعرق، والدين، واللغة.. الخ.. وجاء دستور سلطة الحرب المعدل، أو بالاصح المغير، لينسف من الأساس فكرة وقضية المواطنة.

لقد نص دستور الوحدة الذي تم الإستفتاء عليه في، 15-16مايو1991م، وبنسبة، 98،3% من إجمالي المستفتين، الذين أدلوا بأصواتهم، حيث نصت المادة (27)، من الباب الثاني الخاص بحقوق وواجبات المواطنين الأساسية على أن "المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون. وهم متساوون في الحقوق والواجبات ولاتمييز بينهم، بسبب الجنس أو اللون أو الأصل أو اللغة أو المهنة أو المركز الاجتماعي أو العقيدة"، وجاء الدستور المعدل بعد حرب، 1994م، باجهاض هذا النص الدستوري والغائه، وتشتيت مفرداته وأسسه، ومضامينه، بشكل يفقد معه مفهوم المواطنة معناه الحقوقي والقانوني... وذلك في عدد من المواد المتناثرة في الدستور المعدل، سواء في دستور عام، 1994م، أو في دستور، 2001م.. حيث ورد نص خاص بحقوق وواجبات النساء، ضمن الفصل الثالث، من الباب الأول الخاص بالأسس الاجتماعية والثقافية، حيث نصت المادة (31)،على: (أن النساء شقائق الرجال، ولهن من الحقوق وعليهن من الواجبات، ما تكفله الشريعة وينص عليه القانون"،.. ثم جاءت المادة (41)، من الباب الثاني الخاص في حقوق وواجبات المواطنين الأساسية بالنص على أن "المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة"، وهو نص فضفاض يحتمل كل شيء، وبالتالي تم الغاء نص المادة(27)،من قانون دولة الوحدة الصادر عام، 1991م

وهناك قوانين تمييزية عديدة، منها، قانون التمييز بين المواطنين على أساس المهنة، مثل قانون محاكمة شاغلي الوظائف، وقانون الأحوال الشخصية الذي ينص في بعض نصوصه على أن القول قول الرجل في مسائل الإثبات لقضايا الخلافات بين الزوجين، وهو نوع فاضح وصارخ من التمييز، وعدم المساواة، وغيرها من القوانين التي انتجتها جريمة حرب، 1994م.

وتكون الكارثة طامة، وشاملة، حين نعرف أن الدستور المؤقت، بعد ثورة 26سبتمبر، 1963م، تنص المادة (17)، منه على أن "اليمنيون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لاتمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو العقيدة أو المذهب"، وهنا نكتشف مدى وحجم التراجع في مفهوم ومعنى المواطنة، بين الدستور المؤقت بعيد ثورة 26سبتمبر1962م وبين الدستور المعدل لحرب1994مالصادر في 2001م. وحول ذلك يمكنكم العودة إلى المجلة القضائية الصادرة عن وزارة العدل، في10مارس، 2014م.

وهنا ندرك ونعرف حجم الاثار السياسية، والاجتماعية، والدستورية والقانونية المدمرة التي تركتها حرب، 1994م، على، وفي حياتنا، والتي ما نزال نتجرع نتائجها المرة والمدمرة في كل ما يجري اليوم.

تقدم دائرة المعارف البريطانية، تعريفا للمواطنة، بأنها "العلاقة بين فرد ودولة، كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة"، وجاء دستور حرب، 1994م، ليلغي جذر فكرة المواطنة، من الأساس.. وهنا توحد المسجد، بالمعسكر.

وعموما يبقى مفهوم المواطنة لدينا في المنطقة العربية جديداً- قياسا إلى الغرب الراسمالي - وما يزال حتى اللحظة بكراً في طور التبلور والتشكل، ولذلك يظهر مفهوم المواطنة في بعض الكتابات خطأً بمعنى الوطنية، أو كأن الوطنية والمواطنة شيئاً واحداً.

فعلى الرغم من احتواء بعض الدساتير العربية المعاصرة لمفردة، أو مفهوم المواطنة، على أن ذلك بقي كلمة/ أو نصاً فلكلورياً / وثيقة نصية ممنوعة من الصرف في واقع الممارسة.

لقد غلَبتَ وعظَّمت الدولة الوطنية الاستقلالية العربية خلال الستة العقود المنصرمة، من شعار التحرر، على حساب وقيمة الحرية والديمقراطية والحقوق، بعد أن رُحلَ أو عُلق تنفيذ مبدأ الديمقراطية على مشجب حل المسألة الاجتماعية، ومواجهة الاستعمار، أصبح معها شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" و"قومية المعركة"، معولان وسوطان مسلطان لمصادرة الديمقراطية والحريات والحقوق.

فما قيمة الوطن والوطنية في تاريخنا المعاصر الذي ما نزال نعيش تمظهراته الفاسدة في كل ما يحصل اليوم، بدون إنجاز وتحقيق فكرة وقضية المواطنة (الإنسان الحر)، في واقع الممارسة؟!! ثم ماذا تعني الوطنية، بدون حريات وبلا ممارسة ديمقراطية؟! والأهم والأخطر، ماذا يعني شعار الوطنية بدون قرار سياسي مستقل، وبدون سيادة وطنية على الأرض؟!.

ومع الحرب الجارية في بلادنا، وفي العديد من أقطار المنطقة العربية، استطيع القول إننا نفقد ونفتقد مع صباح كل يوم شيئاً عزيزاً وعميقاً ليس من معنى المواطنة فقط، بل وحتى من معنى الوطن، ناهيك عن فقداننا لفضاء واسع من الحريات والحقوق، والكرامة الإنسانية.

إن من يرهن قراره السياسي والسيادي للأجنبي، تحت أي مسمى كان ذلك الأجنبي، عربي، أو غربي/ أوروبي ، مسلم، أو مسيحي، سني، أو شيعي، فإنه لا يحق له بعد ذلك أن يتحدث عن الوطن والوطنية، بعد أن صارا (الوطن، والوطنية) في خبر كان.

    يمكنني الجزم بالقول إن مفهوم السيادة، والوطن، والوطنية، والمواطنة، جميعها تتراجع اليوم حتى عما كان قبل عقود طويلة، حتى لا أقول قرون.. أنظروا ماذا يجري في سوريا، والعراق، ولبنان، وليبيا، واليمن، والقائمة مفتوحة في واقع هذا "السدح مدح"، حسب تعبير إخواننا في مصر.

وإلى هنا تكون الدولة الوطنية الاستقلالية/التحررية العربية، وصلت إلى قمة أزمتها البنيوية: أزمة علاقتها التناقضية بمواطنيها، أزمة فقدانها شرعيتها السياسية والوطنية، وازمة مشروعيتها الاجتماعية والتاريخية، وبالنتيجة ازمتها التنموية/الاقتصادية المستفحلة، بعد أن استأثرت "الزبائنية"، بالملكية الاجتماعية العامة للمجتمع، (الثروة الوطنية للشعب)، وصولا إلى ذروة أزمتها السياسية، في قمع ومصادرة الحريات والحقوق.

إن واحدة من أهم غايات هذه الحرب (الحرب كوسيلة)، كما تتكشف لنا من خلال نتائجها السياسية والعملية الملموسة، هو تدمير المجتمع، وتفكيك بنية الدولة، إلى دويلات هوياتية (قزمة): مذهبية، طائفية، قبلية، قروية، (جهوية)، وهو ما يقوم به الكفلاء في الخارج، بالاستعانة بالوكلاء في الداخل.

إن لم يُدرك، ويتدارك مخاطر هذه الانحدارت بالوطن إلى حافة الهاوية، فإن العواقب / النتائج قد يصعب معالجتها وترميم جروحها بسهولة، وفي زمن قصير.

لا يحتاج القارئ العادي، وغير اللبيب، الناظر في المشهد السياسي والحربي الجاري اليوم، إلى بذل جهد عقلي كبير ليعرف أن المطلوب هو إرجاعنا إلى تاريخ العصور الوسطى، لأن أجندات بعض الداخل (الوكيل) التي تتحرك وفق ما يمليه عليها الخارج (الكفيل) هو فقط أن نتقدم للخلف، وهو المسموح الوحيد به لنا للحركة.

هناك قوى في الداخل (النافق علي عبدالله صالح أو بقايا نظامه/ ومعه الجماعة الحوثية/ وأطراف فيما تسمى الشرعية الميتة التي استبدلت بالاحتلال السعودي، الاماراتي)، كل ما يهمهم هو استمرار الحرب، وليس استقرار البلاد. ولذلك فهم جميعا لم يسمحوا للعملية السياسية بالمرور بسلام، ولن يسمحوا بتحول المرحلة الانتقالية إلى ظاهرة سياسية واقعية، في صورة نظام سياسي مستقر، ودولة وطنية مدنية ديمقراطية حديثة.

كنا إلى عقد أو عقدين من الزمن نرفض ونقاوم بقاءنا خارج شرط الحرية والديمقراطية والحقوق، واليوم نجد أنفسنا – أو البعض منا على الأقل - يترحم على ما كان من بقايا الدولة الفاسدة والمستبدة. وكأنه/ كأنهم يريدون  ضمنا ادانة ثورة 2011م. ومن هنا الخطاب الزائف الذي يطلقه ويروج له البعض في الترحم على علي عبدالله صالح  ونظامه الفاسد، على طريقة قياس الأسوأ بالسيء، علما أن كل خلفيات ومقدمات كل ما يجري اليوم تم صناعتها داخل مطابخ واقبية نظام علي عبدالله صالح، خلال الأربعة العقود المنصرمة، وهي الثمار المرة لسياساته الإجرامية على كافة المستويات: من السياسة، إلى الإدارة، إلى الإقتصاد، إلى مصادرة الديمقراطية  والحريات، حتى اللعب على الورقة الدينية والمذهبية  والقبلية، والإرهاب، وصولاً إلى محاولته البائسة لتوريث الجمهورية في الأبناء والأحفاد وأبناء الأخوة. وكانت قمة تلك الثمار الكالحة تدبيره وتشجيعه وقيادته الشخصية للعملية الانقلابية على العملية السياسية الحوارية، والمرحلة الانتقالية بالحرب.. العملية الإنقلابية التي لولاها لما انفتح باب الحرب بالصورة التي تشهدها البلاد اليوم.

إن أخطر نتائج الانقلاب والحرب، تدمير التراكم السياسي، والمدني، وثقافة السلم الأهلي (النسيج الاجتماعي والوطني)، واستبدال ثقافة الحوار (مخرجات الحوار الوطني الشامل) بالحرب، وبتعميم ثقافة الحرب على كل المجتمع.

قراءة 1745 مرات آخر تعديل على الجمعة, 14 آب/أغسطس 2020 18:55

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة