رسائل للخالد الدميني في ذكرى استشهاده الاربعين

الجمعة, 28 آب/أغسطس 2020 17:23 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

كانت معرفتي بالشهيد الخالد د. عبد السلام الدميني متأخرة نسبياً، فلقائي الأول به كان في موسكو في سبتمبر ١٩٧٥، الا ان خمس سنوات من التعامل والزمالة القريبة معه والنضال السياسي المشترك جعلته الصديق والأخ والرفيق الأعز الذي لم أجد طوال اربعين عاما بعد رحيله من يملأ الفراغ الذي تركه في حياتي شخصيا وفي خندق النضال اليومي لبلوغ الأهداف العظيمة لشعبنا ووطننا.

كان نموذجا إنسانيا وسياسيا فريدا يصعب ان يتكرر بكل صفاته وتعاملاته. لم أتجرأ أن أكتب شيئا عنه حتى الآن لمعرفتي بأن مهاراتي اللغوية والوصفية مهما تكثفت وتكاملت لن تفيه حقه، كنت ولا أزال مرعوبا من الاقتراب من مغامرة قد تقودني لأن انتقص او أتجاوز عن شي من أعمال وصفات ذلك النموذج او من النضالات الجسورة التي تجشم عناءها، ناهيك طبعا عن أن معوقا هاما آخر حال دون تحمسي للكتابة وذلك هو عجزي عن الإحاطة بتفاصيل هامة عن جريمة الاغتيال والإحاطة بخفايا تقصير رفاقه وحزبه ونظامه في الجنوب أو تهاونهم في متابعة الكشف عن جريمة اغتياله مع أخويه ، وكذلك عجزي عن معرفة من قبض ثمن تمرير جريمة الاغتيال البشعة والواضحة دون عقاب. 

إن ما سأكتبه أدناه يصعب عليّ اعتباره محاولة للتذكير بمناقب الشهيد ونضالاته، فقدراتي كما اشرت لا ترقى للوفاء بمهمة كهذه، كما أن عددا من قادة حزبنا وفي مقدمتهم الشهيد جارالله عمر، والمرحوم احمد السلامي والرفيقين يحي الشامي و د. محمد الثور وعدد من شعرائنا الكبار ومثقفينا وغيرهم سبق لهم وان كتبوا عن كثير من معالم إنسانيته الفريدة ومآثره البطولية، وهي ما ينبغي على رفاقنا في الحزب وعلى سائر شباب الوطن التواق للحرية والعدالة والتقدم معرفتها والتسلح بمضامينها.

 ومع ذلك فاني سأحاول في ذكرى استشهاده الأربعين ان ابعث له بضع رسائل تجيب على عدد من الأسئلة التي أشعر انه بحاجة ماسة لسماع إجابات عنها:

الرسالة لأولى: أدرك ايها الخالد حجم قلقك على رسالة السلام والحوار والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، التي قدمت حياتك ثمنا لتحقيقها، وأود تطمينك بأن الكفاح من أجلها لم يهدأ للحظة وان رفاقك المخلصين يواصلون مشوارك بعزيمة لا تلين، مع ان أعداداً ليست بالقليلة منهم اختارت طريق الشهادة  وودعتنا باكراً مثلك (وفي مقدمتهم صديقك الحميم ورفيقك محمد عبدالله عبدالقاهر ورفيق كفاحك الطويل جار الله عمر ومعهم قافلة لا تُحصى من الرفاق الشهداء) ورغم ان سلطات القمع والإرهاب تضطرنا للانحناء وللتراجع كلما اقتربنا من تحقيق الأهداف السامية لرسالتكم، لكن مسيرة كفاحنا متواصلة، ترفدها أجيال شابة، واعدة ومتشبعة بنفس قيمكم واخلاصكم وثباتكم انت وكل من سقطوا على ذلك الدرب. 

الرسالة الثانية: أدرك ايضا انك حتى وانت بقبرك لا تزال مهموما بما ترتب عن تراكم السلطة والثروة والقوة العسكرية بأيدي نظام يستثمرها للتآمر على شعبنا ولحَبْك مؤامرات شق صفوف الأحزاب وشراء الذمم الرخيصة عبر الإغراء بالمال. أخالك دوما تسألني عن ذلك كلما تذكرتُ مضمون حديثك عبر الهاتف مع علي صالح - رئيس الجمهورية يومها، حين اتصل على رقم هاتف الشقة التي استأجرتها لسكنك المؤقت في حي الصافية (خلف نادي ضباط القوات المسلحة)، قبل جريمة اغتيالك بيومين او ثلاث، كنت يومها تعبر له عبر الهاتف عن استغرابك من تشديد حصارهم لك بالمخبرين الأمنيين المنتشرين حول الشقة والمتابعين لتحركاتك اثناء تنقلك في مدينة صنعاء، كان يراوغك بالرد مدعيا انهم مهتمون بالحماية وانه سيوجه بتخفيف عددهم، لكن هاجسه طوال المكالمة كان منكبا على هدف آخر، فقد كشف بوضوح عن تبرمه وانزعاجه الشديد من تحركاتك المتواصلة واتصالاتك بأبناء ومشائخ مختلف قبائل شمال الشمال، تساءل يومها بالمكشوف عما تهدف اليه من تواصلك مع أبناء الجوف وارحب وريده وبني عبد وحرف سفيان وصعده ووائلة، ولم يُخفِ رغبته الجامحة في أن يراك هادئا مستقرا في صنعاء. كنت كعادتك حريصا على عدم إظهار غضبك واستيائك حتى مع أشد خصوك، وحاولت ان تنبهه إلى عدم صواب ما ينقلونه اليه من مبالغات وأكاذيب حول أنشطة وفعاليات الجبهة الوطنية في تلك المناطق، وأن هم الجبهة الأول صار تحقيق الاستقرار ونبذ العنف عن طريق نشر وتعزيز خيار النضال السلمي الديمقراطي والسير بالحوار وبعملية السلام إلى نهايتهما المحققة للاتفاق المبرم مع السلطة في يناير ١٩٨٠.

أتذكر ملامح وجهك الباسمة والبريئة التي كانت تحاول إيصال نواياك حتى عبر سلك الهاتف لتُقنع ذلك الخصم اللدود وتُزيل مخاوفه عندما قلت له: كنت اتوقع يا افندم  انك لو عرفت وقدرت حق التقدير  قيمة ما نقوم به من أعمال في هذه المناطق، واقتنعت ان نشاطنا هناك يصب في مصلحة تعزيز الاستقرار والنضال السلمي- الديمقراطي في عموم اليمن، فإنك ستبادر بنفسك لتسهيل تنقلاتنا وربما تتحمس وتخصص وسائل تنقل لنا لإنجاز عمل كهذا.

نعم.. هكذا كنت تلقائيا وبسيطا في محاولة إثبات مصداقية أقوالك ونواياك لا أكثر، ولم يدر بخلدك اية نوايا أو رسائل أخرى تريد تمريرها عبر ذكر وسائل التنقل، لكن للأسف كان للرئيس كما اتضح معاييره الأخرى في تأسيس وتقييم تعاملاته وعلاقته مع الناس، إذ قرر فورا ان كلامك يحوي تلميحا لطلب وسيلة تنقل شخصية وعرض عليك استعداده الفوري لصرف سيارة  وتأمين كل متطلبات استقرارك في صنعاء، عندما تسارع بوقف تنقلاتك واتصالاتك في مناطق شمال الشمال.

أدركتُ فورا وانا الحظ الاختفاء الكامل لملامح الانشراح في وجهك ان الرئيس قد خاض في دائرة المحرمات بالنسبة لك، وفهمت أكثر عندما بادرتَهُ بالقول: كم هو مؤسف ان يذهب خيالك بعيدا وتتوقع بأني سأطلب طلبا كهذا، 

طلبي هو ان تدركوا أن برنامجنا للتطور السلمي - الديمقراطي ليس تكتيكا يمكن التراجع عنه وأن نشره في كل ربوع البلاد واقناع الناس بأهميته هي مهمتنا الملحة في هذا الظرف ولهذا بدأنا الحوار معكم كوسيلة لتحقيق استقرار فعلي يوصلنا إلى السلام.

لم أعد اتذكر السياق اللاحق لإنهاء مكالمتك تلك مع من ادّعى بأنه يتكفل بحمايتك كأحد أعضاء وفد الجبهة الوطنية المفاوض له ولسلطته، لكني اتذكر جيدا مقدار الإنزعاج الذي أبديته إثر المكالمة من عواقب تركز السلطة والمال والقوة العسكرية بأيدي زعامات تفكر بالطريقة التي سمعتَها بجلاء اثناء المكالمة.

 لهذا تجدني أرد عليك اليوم كي أؤكد لك بان مخاوفك كانت في محلها، وان النظام قد نجح في توظيف سياسة شراء الذمم أيما توظيف، وأننا لانزال حتى اللحظة ندفع أثمانا باهضه بسبب من باعوا ذممهم وقضية شعبهم مقابل المال المدنس، مع ان أعداد رفاقك وامثالك ممن لايزالون رافعين هاماتهم دون انحناء لاتزال كثيرة.

الرسالة الثالثة: اعرف جيدا هماً آخرا من همومك التي تنتظر إجابات حولها حتى وانت في قبرك، انه حلمنا القديم بيمن ديمقراطي موحد عادل وغير خاضع لهيمنة خارجية. كم يؤسف القول بانه لايزال حلما كما كان ، بل إن بلوغه صار أصعب، بعد مغامرة أولى غير محسوبة  لوحدة سلقوها سلقاً عام ١٩٩٠ ثم عمدوها بالدم عام ١٩٩٤، فتحول الجنوب بسببها الى إقطاعيات تنهبها الزعامات العسكرية والقبيلة والدينية، وجاءت المغامرة الثانية غير المحسوبة عام ٢٠١١ بانتفاضة أحدثت صدعا في جسم النظام المتهالك وخلقت توافقات وحوارات وطنية واعدة، لكن النظام السابق وحلفائه القدامى - الجدد بدأوا مغامرة محسوبة هذه المرة ونفذوا انقلابا دمّر كل التوافقات ومخرجات الحوار  وأدخل البلاد في متاهة حرب ضروس مزّقت البلاد وحولتها إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية افقدت اليمن كامل سيادتها، وحولتها إلى إقطاعيات متناثرة تديرها ميليشيات وزعامات دينية وقبلية يحركها الولاء للممولين القادمين من خارج الحدود. هذه هي المحطات والمغامرات المحسوبة وغير المحسوبة التي لاتزال تتقاذف حلم تحقيق اليمن الديمقراطي العادل والمستقل، وما يهمني ان تعرفه هو أن كل المخاطر التي حالت دون بلوغه إنما تعود إلى الدور الذي لايزال يلعبه المال المدنس في شراء ذمم الجاهزين لبيع قضية شعبهم والمتاجرة بوطنهم. 

في الأخير أملي كبير ان لا تُفهم رسائلي أعلاه والموجهة للشهيد الخالد عبد السلام الدميني كدعوة للثأر وللانتقام عبر مواصلة البحث في ملفات الماضي. انها مجرد محاولة لتذكير كل من قصّر في فعل ما يمكن فعله للكشف عن مرتكبي جريمة اغتيال الدميني مع أخويه بأن مواصلة السكوت والقبول بإخفاء الحقائق وتسجيل الجريمة ضد مجهول هو خيانة مكشوفة للقيم والأهداف التي قدمنا جحافل الشهداء من أجلها ومنها عدم الإفلات من العقاب. إنها محاولة للتذكير بأن الفعل الاجرامي الذي بدأه النظام بحق كوكبة من المناضلين أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، و تكرر في التسعينات ولاتزال تواصله السلطات والميليشيات المتحكمة في مصائرنا منذ ٢٠١٤، يمكن أن يتواصل دون انقطاع ليضل شعبنا يجتر دوامة العنف والعنف المضاد عشرات السنين إن لم يتحول السلام والتحول الديمقراطي الى برنامج نضال سلمي يومي يقوده مكافحون مخلصون وأوفياء من نمط ذلك الخالد الذي نحيي اليوم الذكرى الأربعين لاستشهاده.

قراءة 1957 مرات آخر تعديل على الجمعة, 28 آب/أغسطس 2020 19:37

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة