عن عبدالوارث عبدالكريم (12)

الأحد, 25 تشرين1/أكتوير 2020 18:50 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)


(23)

الانفجار العظيم

وفي أحد أيام شهر يونيو وبالذات في 26 يونيو كنا في طريقنا لزيارة بعض الإخوان في ميدان التحرير وأمام قبة المتوكل سمعنا انفجار وكان له صوت مدوي في كل المنطقة وجاءت الأخبار الأولية من يقول أن الانفجار في القيادة العامة ومن يقول أنه في الشارع خارج القيادة وآخر يفيد أن الانفجار في باب شعوب، كنت بمعية الشيخ حمود بن محمد بن ناجى أبو راس والشيخ مقبل بن علي أبو اصبع والرفيق محمد بن محمد الشيبة من برط والرفيق محمد القربي من البيضاء من ضباط الحزب ومن أبطال السبعين، اقترح القربي الاتصال بالتلفون إلى القيادة العامة للاستفسار حيث معه معاريف هناك ثم قدتهم إلى معرض أحمد شمسان الدالي كان في باب المتجر مثل كل أصحاب المتاجر والحوانيت واقفين على أبوابها بعد الانفجار جاء رد التلفون على القربي ان الانفجار في المبنى الذي يوجد فيه مكتب رئيس الجمهورية الغشمي، وليس عندهم بعد تفاصيل لأن الجميع في حالة ربكة طاحنة، ثم اقترح البعض أن نذهب إلى القيادة العامة إلا أن الرفيق محمد محمد الشيبة وهو عسكري رفيق من برط من ذي محمد رفض وقال قد يجري اتهامنا في لحظات لم يظهر لنا شيء، فوافقناه الرأي ثم اتصل القربي مرة أخرى فجاءه الخبر أن الانفجار في مكتب الرئيس مع وفد وصل من الجنوب وأن حياة الرئيس وضيوفه الجنوبيين غير معلومة للتكتم حتى الآن، أصبنا جميعاً بالذهول وبعضنا بالفرحة والسرور والبعض يتستر على مشاعره بالصمت والطنان، ولم تمض إلا عشر دقائق وإذا الأخبار الصحيحة تتواصل وتفيد بمقتل الرئيس والوفد الجنوبي ثم تتواتر الأخبار في ميدان التحرير والقريب من القيادة العامة من يقول أن الانفجار من عبوة ناسفة شديدة الانفجار كانت موضوعة تحت مكتب الرئيس ومجرد دخول الوفد الجنوبي انفجرت العبوة الناسفة، ومن يقول أن الوفد الجنوبي هو من قتل الرئيس انتقاماً لمقتل الحمدي وآخر يقول أن هناك تواطؤ مع الوفد الجنوبي الذي تمكن من قتل الرئيس والفرار من القيادة العامة بتسهيلات من داخل القيادة، ثم يحصل الرفيق القربي على مكالمة مفادها أن الانفجار قتل الرئيس والوفد الجنوبي معاً، وقد تمزقت أجسادهم أشلاء مبعثرة في المكتب وبعض هذه الأشلاء خرجت من النوافذ إلى حوش القيادة، وسط هذا اللغط والأخبار المتلاطمة والمتناقضة قرر حمود أبو راس ومقبل أبو اصبع الذهاب إلى القيادة العامة وأما أنا فقد نصحني الرفيق محمد الشيبة من المؤسسين للحزب في شمال الشمال بعدم الذهاب معهما والانتظار في معرض الدالي حتى يعودون وبعد نصف ساعة تقريباً عاد الإخوان وفي جعبتهما الأخبار بالمشاهدة والمعاينة وأنهما دخلا المكتب حيث الانفجار الذي لم يصب أحد خارج المكتب وقالا أن جميع ضباط الاستخبارات العسكرية والأمنية هناك والرواية التي يتحدثون بها أن موفد الرئيس سالم ربيع علي (وليس وفد جنوبي) دخل مكتب الرئيس بمفرده ولم يسمح الرئيس لأحد بالدخول بل وبيده أغلق باب مكتبه ورفض السماح لمحمد خميس نفسه أو غيره أن يدخل المكتب مع الموفد الشخصي للرئيس الجنوبي سالمين، وهؤلاء الاستخبارات يقولون أن الموفد كان يحمل القنبلة المؤقتة داخل حقيبته وبمجرد أن جلس أمام الرئيس فجر القنبلة وقتل نفسه مع الرئيس، وبعض من هؤلاء الضباط يقول أن الرئيس وضيفه الموفد الرئاسي كانا ضحية عملية مرتبة ودقيقة بواسطة عبوة ناسفة وضعت في قاعة المكتب حيث يستقبل الرئيس ضيوفه والغرض هو منع التواصل بين الرئيسين أو التقارب بين صنعاء وعدن، وأخيراً صدر أول بيان رسمي من صياغة عبدالله الأصنج وخميس وصالح الهديان الملحق العسكري السعودي خلاصة هذا البيان أن المبعوث الخاص بسالم ربيع علي وبمجرد جلوسه مع الرئيس فتح الشنطة التي يحملها فانفجرت على الفور وصار ضحيتها الرئيس وحامل الشنطة المرسلة من الرئيس الجنوبي، وقالوا وشاعوا من خلال تشغيل جهاز الدعاية والإعلام المخابراتي والسعودي ما يفيد أن الرئيس سالمين سبق وأن أقسم اليمين وهو فوق ضريح (قبر) الحمدي أنه سينتقم وأنه رد على الجماهير المحتشدة في تشييع الحمدي والتي كانت تهتف في وجه أحمد حسين الغشمي وهو يمسك بيد سالمين (غديته وأين وديته بمعنى غديت الحمدي ثم أين وديته) والبعض كان في هذه الحشود يرمي الأحذية والجزمات باتجاه الغشمي والبكاء والصراخ والنواح يملأ السماء مما دفع بالرئيس سالم ربيع تحت تأثير الجماهير المنفعلة والغاضبة أن يقسم أنه سينتقم لإبراهيم الحمدي الذي كان منتظر زيارته إلى عدن خلال ساعات، ثم تقول دعاية هذا المطبخ أن سالمين بكى من شدة التأثر وأنه وبخ الغشمي في أكثر من مكان ورفض أن يودعه الغشمي والأخير كان قد رفض زيارة سالم ربيع للمشاركة في تشييع الحمدي وأنهم في صنعاء قد فوجئوا بوصول طائرة الرئاسة من عدن ومن فوق صنعاء وفوق المطار طالبت بالهبوط وكان هبوطاً مفروضاً دون إذن، بل جرى التهديد مرات كثيرة بإسقاط الطائرة،  وهذا ما افادنا فيه محمد ضيف الله قائد سلاح الجو.. وقد تحرك  سالمين من المطار بالسيارات التي وصلت معه على متن الطائرة متجهاً إلى بيت الحمدي إلا أن المسؤولين قد استقبلوه في الطريق وأشعروه أن جثمان الرئيس إبراهيم وأخيه عبدالله في القصر الجمهوري، ثم تشيع أخبار وترويجات هذا المطبخ أن سالم ربيع علي قد مهد لهذه العملية الغادرة باتصالات ورسائل تطمين وتقارب مع الرئيس الغشمي طوال الشهور الماضية وكان يغريه بأخبار زائفة واستعداد للتقارب مع صنعاء في كل شيء بما في ذلك عمل خطة يتخلص بها من الحزب الاشتراكي ومحاصرة الجبهة الوطنية ومن كثرة هذه التواصلات بين الرئيسين التي لم تنقطع شهراً واحداً وقع الغشمي في الفخ الذي أعده سالمين بعناية فائقة وعلى رأس هذا المطبخ عبدالله الأصنج، ثم يواصل هذا المطبخ الدعائي فبركاته والتي يشتم منها رائحة عبدالله الأصنج كما أفادنا في مرة من المرات الأستاذ الفاضل المناضل الكبير محمد سالم باسندوه أن بصمات الأصنج تفوح من كل هذه البيانات والدعايات لأن حقده على النظام في الجنوب يفوق كل تصور، وحين سئل خميس وقادة الأجهزة الأمنية عن غيابهم أثناء الانفجار أفادوا أن الرئيس الغشمي منعهم رغم إلحاحهم عليه قبل وصول المبعوث من منطلق أن هذا المبعوث سيوصل معه معلومات ووثائق وخرائط لكيفية تصفية قيادات الحزب الاشتراكي وقيادات الجبهة الوطنية وما هو المطلوب في التنسيق العسكري والأمني والإعلامي والتمويني من جانب الرئيس الغشمي ونظام صنعاء والسرية التي ينبغي الحفاظ عليها حتى لا تتسرب إلى خارج الرئيسين الغشمي وسالمين، ومن حرص الغشمي بعدم تسرب أي أخبار عن تحركات سالمين إلى أصحابه في المكتب السياسي وقيادة النظام في عدن بصورة عامة من هنا هذا الحرص الشديد من الرئيس الغشمي بعدم كشف أي من الوثائق القادمة مع المبعوث إلا ما تسربه هذه الوثائق، هذا كله من نسيج المطبخ الإعلامي للاستخبارات وعلى رأس هذا المطبخ عبدالله الأصنج، ثم تأتي بلاغات وبيانات تبين اسم المبعوث وأن اسمه الحاج تفارش من الضالع وأنه الذي رتب هذا المبعوث وأعده لسالمين هو صالح مصلح قاسم الشريك الوحيد لسالمين بهذه الخطة والخبطة، ويفسر الأصنج ومن معه اسم (تفارش) أن هذا الرجل (المبعوث الرئاسي) درس في الاتحاد السوفيتي (موسكو) سنتين أو ثلاث سنين ولم يستطع فهم اللغة الروسية الا كلمة تفارش.. ثم يسردون قصته وحياته وسنه ومكان هذا المبعوث وأنه في القرية الفلانية ومتزوج واسم زوجته وعدد أولاده وأسمائهم وأنه شريب للخمر والحشيش، المهم طوال ما يقارب خمسين ساعة أي من ظهر يوم 26 يونيو إلى ظهر يوم 28 يونيو 1978م والمطبخ الإعلامي لم يتوقف عن نشر الشائعات والدعايات والقصص والأساطير عن قضية اغتيال الغشمي من قبل سالمين، سالمين الذي سحل العلماء، سالمين وراء الانتفاضات الشعبية والفلاحية ومصادرة أملاك السلاطين والإقطاعيين، سالمين من أمم المطاعم والحوانيت الصغيرة والمهن الحرفية، سالمين وراء تهجير الجنوبيين بعشرات الآلاف إلى الشمال وإلى السعودية، سالمين من أنشأ مدارس النجمة الحمراء ومدارس البدو الرحال لتدريس الفكر الشيوعي الماركسي المادي لينشر بواسطتهم أفكاره الشيوعية المتطرفة والملحدة والمستوردة من الصين على وجه الخصوص: اليوم الثاني التقيت عبدالحميد حنيبر والذي لم تتم سفرته إلى عدن لأن قيادة الحزب في عدن ألزموه بالبقاء لمتابعة الأوضاع

(24)

والمستجدات خاصة بعد غياب عبدالوارث عبدالكريم خلف القضبان، أبلغني أنه تم إعلان الطوارئ القصوى داخل الحزب على مستوى الساحة كلها واستبدال بعض المنازل والمقرات السرية بأخرى وعمل تغييرات داخل أطر الحزب الداخلية بما يستجيب للأوضاع الأمنية المستجدة واحتمالات قيام الأجهزة باعتقالات وتصفيات للحزب ولفصائل اليسار ثم طلب مني موافاته بكل جديد أحصل عليه وحدد علي شخص ليكون همزة الوصل اسمه الحركي (المسعودي) وفي لهجته يظهر أنه من أبناء البيضاء ولم يكن وارد أن اسأل عن اسمه الحقيقي فهذا لا يجوز بل ومن المحرمات البحث عن الأسماء الحقيقية ومراتبها الحزبية ووظائفها ومناطقها وإقامتها، وقال المسعودي أنه سيتردد عليّ كلما تطلب الأمر وأنه قادر على العثور عليّ بطريقته طالما أنا في صنعاء، وقال لا داعي لأماكن محددة فقد ألتقي بك في الشارع أو في المطعم أو وأنت في بيت، المهم هذا شغلي، قلت له ينصر أفكارك الخلاقة يا جدع، فعلاً أحياناً أراه على موتر يسوقه هو وأحياناً على سيارة أجرة وأحياناً راجلاً، وبعد لقائي بعبدالحميد حنيبر ذهبت لعبدالقادر هاشم و اتجهنا نحو الاستاذ الرباعي و كان معه حسين المقدمي ومحمد عبدالملك المتوكل ومحمد عبدالله الفسيل. 

كان الجميع مستغرب من الإعلام الموجه للمطبخ الإعلامي وتركيزه على سالم ربيع علي فقط وأحياناً يشركون معه صالح مصلح قاسم. اقترح الفسيل أن نذهب لمقابلة رئيس الوزراء عبدالعزيز عبدالغني والتقينا د. محمد سعيد العطار وزير الاقتصاد في حوش مجلس الوزراء قال للرباعي على انفراد أن الانفجار مرتب من الأجهزة الأمنية وأن الغشمي والحاج تفارش ضحية خطة جهنمية يريدون إعداد البلد لحروب لا تنتهي وأن السعوديين يسعون بكل ثقلهم لترتيب الأوضاع ثم الحرب مع الجنوب بذريعة أخذ الثأر من سالمين ومن الجنوب لقتلهم الرئيس اليمني الشمالي، ويتهم العطار الأصنج بأنه في قلب هذه الزوبعة، وأفاد أن حسن مكي اعترض على ما يجري من الأساس واتهم من وراء هذه الأخبار الملوثة وغير الدقيقة وغير الموزونة بأنهم مجانين وأن الحقد على الجنوب وإشعال الحرب مقصدهم وغايتهم الأولى لأجل الحرب والفيد والغنيمة تحت ذريعة الدفاع عن الاسلام وإعادة الدين الإسلامي إلى الجنوب الشيوعي كما يروجون.

دخلنا عند الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني وخرجنا مثلما دخلنا لا علم ولا خبر، ملتزم الصمت المطبق والطنان البارد، وسمعنا أذان العصر وكنا لا نشعر أننا في وقت العصر فقد مضى الوقت بسرعة قياسية، ونحن خارجين من حوش مجلس الوزراء التقينا عبدالجبار المجاهد وسعيد الحكيمي وقالوا أنهم قادمون من عند الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ومعلوماته أن الرائد علي عبدالله صالح قائد تعز قد مسك زمام الأمور بعد وصوله بطائرة من تعز على الفور، وهو من يدير البلد، وأما علي صالح الشيبة فهو مجرد واجهة كقائد عام للقوات المسلحة، وعند خروجنا من الحوش فاجأني (المسعودي) ضابط الاتصال بيني وبين عبدالحميد حنيبر وأمسك بساعدي وسحبني على جنب ومتنكر بالملابس وكأنه من تهامه بالكوفية الخيزران، وقال لي عرفتني، قلت له نعم وهل يخفى القمر، قال ما هي الأخبار، أعطيته ما عندي بظرف أربع أو خمس دقائق وعلى وجه السرعة، وقال سوف أمر عليك لاحقاً، وفي مساء ذلك اليوم سمعنا عن تشكيل مجلس قيادة وتعيين عبدالكريم العرشي رئيساً وعضوية القائد العام للقوات المسلحة علي صالح الشيبة وعلي عبدالله صالح، والذي صدر قرار على وجه السرعة بتعيينه أركان حرب القوات المسلحة.

ويأتي يوم 28 يونيو والأخبار تتسرب عن توترات وتحشدات في عدن، وبعد عصر ذلك اليوم أذيع من إذاعة عدن نبأ إعدام سالم ربيع علي و جاعم صالح وسالم بلعور وتضمن البيان عدد من الفقرات منها إقدام سالم ربيع على تنفيذ العملية التي أودت بحياة الرئيس الغشمي، وإقدامه على هذا الفعل الجبان بمفرده دون أن يطلع المكتب السياسي – قيادة الحزب على خططه التي أساءت للنظام وللحزب وخطه وبرنامجه السياسي الداعي إلى التفاهم والحوار مع أشقائنا في الشطر الشمالي من الوطن، كما أنه رفض المثول أمام لجنة التحقيق وشكلت محكمة عسكرية مستعجلة لمحاكمته إلا أنه رفع السلاح في وجه الحزب والدولة وباشر إطلاق النار..

بعد هذه الأنباء دخل المجتمع اليمني كله في دوامه هائلة من الفوضى الإعلامية والربكة والبلبلة بصورة متلاحقة ومفاجئة ودراماتيكية قطعت أنفاس المواطنين وهم يلهثون وراء الأحداث المتتالية والمفجعة المضحكة والمبكية، وفي الوقت الذي يعيش الشعب في حيص بيص ووسط توقعات بويلات وكوارث مباغته يأتي مطبخ السلطة الإعلامية والاستخباراتية والأصنجية في صنعاء لتشيع وتنشر بيانات وبلاغات مصحوبة بحملة دعائية مرعبة ضد المكتب السياسي وكل قيادات الحزب والنظام في عدن معلناً الأسف الشديد والتعاطف والحزن على الرئيس سالم ربيع هكذا مائة وثمانين درجة، يتحول هذا الإعلام وبدون تدرج أو ترتيب أو حساب لما قد نشروا وأشاعوا وأكدوا خلال اليومين الماضيين ضد الرئيس سالمين، وفجأة يحول الإعلام في صنعاء الرئيس سالمين من قاتل ومجرم ومتطرف وصاحب خطة المبعوث والشنطة إلى ضحية ووطني ويمني أصيل وأن من قام بقتله هو من قتل الغشمي هكذا وبكل وقاحة وصفاقة ودون خجل من الشعب اليمني، وإعلان العويل والبكاء على الرئيس الشهيد سالم ربيع علي، وهكذا أصبح الشعب اليمني شمالاً وجنوباً مشدوداً بقوة إلى إعلام صنعاء وعدن مع توقع القادم المفجع

 أما نحن في أحزاب اليسار فقد أصبنا بحالة من التبلد والريبة ومحاولة تفسير ما وراء مصطلحات اليمين الانتهازي الرجعي واليسار الطفولي الانتهازي، وأمام المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقنا في أن نقيم ونحلل ما جرى في صنعاء وعدن لأعضاء أحزابنا  المصابين بالربشه و الربكه والحسرة وصار واضحاً أن ما جرى في عدن قد هز أركان النظام وأضعف هيبته في الجنوب.

إن ما حدث في صنعاء وعدن من تفجرات وتبدلات وفجائع كان وسيظل من مفاجئات الزمن اليماني المتقلب والمضطرب التي لم تكن في الحسبان ولا في الخيال ومن هنا حالة الذهول والحيرة عند كل القوى المتعلمة والأمية، المسيسة والجاهلة، المتحزبين واللامنتمين، الجميع سواء وهكذا، في تاريخنا اليمني العجيب والمفاجئ وأحياناً الخارج عن كل الحسابات والتنبؤات.

فخلال أربعين عاماً أو أربعة عقود حدثت مفاجئتان (حتى اليوم) غير متوقعتين إذا قفزنا إلى اليوم 2020م، ولا محسوبتين  من العيار الأثقل من كل ثقيل، الأولى في يونيو 1978 بقتل الرئيسين أحمد حسين الغشمي وسالم  ربيع على سالمين والثانية بعد ثورة فبراير 2011 وحتى 2018م وما زالت ماثلة وقائمة منذ ثورة الربيع في 11 فبراير ودخول الحوثيين (أنصار الله) صنعاء ثم ذمار وإب وتعز وحتى عدن و من ثم المعاشيق وتحالفهم مع علي عبدالله صالح وحزبه المؤتمر الشعبي العام ثم عاصفة الحزم بقصف جوي غير مسبوق وحتى انتفاضة علي عبدالله صالح الورقية لخمسين ساعة انتهت بمصرعه وتخلي ملايين السبعين الذين هتفوا بالروح بالدم نفديك يا علي وحولوا هذا الهتاف بسرعة البرق إلى الصرخة الموت لأمريكا ..، ..، ...، ... ، وهكذا ببساطة وسهولة وتستمر هذه المفاجأة الثانية ليس في ثبات وشجاعة الحوثيين وحلفائهم في التصدي للعدوان السعودي الإماراتي وإنما في إحتمالات هزيمة السعودية ومن معها على أيدي مقاتلين حفاة عراة كما عايشتهم بعد الحرب السادسة عندما كنت في صعده رئيساً للجنة الرئاسية لإنهاء حرب دماج، وفي السنوات الأولى من هذه الحرب، وسيكون الفشل الذريع والاستسلام السعودي الإماراتي هو التتويج المبجل للمفاجأة الثانية والتي يمكنني تسميتها بالمفاجأة الكبرى وسيقول التاريخ أن عاصفة الحزم التي أعلنت أهدافها في استعادة الدولة وإعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب الحوثي وقطع يد إيران والحفاظ على الوحدة اليمنية والأمن والاستقرار، وعند الوقوف أمام أهداف عاصفة الحزم التي دشنت التدخل السعودي وبإسم التحالف العربي الإسلامي من عشر دول، أما الهدف الأول استعادة الدولة ومؤسساتها فقد دمرت الدولة وقضت على ما تبقى من مؤسساتها عن قصد ومع سبق الإصرار، أما إعادة الشرعية فقد حولتها عاصفة الحزم إلى كيان بلا أرض ولا سماء وصارت فضيحة بجلاجل ليس لها من مردود أو فائدة إلا تبرير العدوان السعودي الإماراتي بإسم الشرعية وتنفيذ خطط السعودية الجهنمية بإسم هذه الشرعية البائسة. أما هدف القضاء على الانقلاب الحوثي وإعادته إلى جبال مران فإن الحاصل أن الحوثيين اليوم متمركزين في جبال جيزان وعسير ونجران وصار نظام صنعاء هو الأقوى على الإطلاق عسكرياً مقابل تمزق القوى الأخرى التي تعمل بإسم الشرعية وبقيادة وأموال السعودية والإمارات، وقتالهم ضد بعضهم البعض على الموازنات والمرتبات، ونهب الأموال السعودية المرصودة بإسم مائتي ألف أو ثلاثمائة ألف من الجيش على الورق وما يمزق هذه القوى أكثر هو الاختلاف على تقاسم الأموال وهي خطة سعودية لتبقى هذه القوى في حالة ضعف وشتات لتتمكن السعودية والإمارات على الدوام من تمرير خططها الغبية التوسعية والسيطرة على السواحل اليمنية.

أما بخصوص الحفاظ على الوحدة اليمنية، فمن الواضح أن السعودية وصلت إلى قناعة مفادها تجزئة اليمن إلى قطع مبعثرة يستحيل توحيدها مستقبلاً ووصلوا إلى قناعة مفادها يستحيل هزيمة الحوثيين ولهم الشمال (ج.ع.ي) وللسعودية والإمارات الجنوب والذي يرى ويسمع ويعايش ما يجري في عدن فقط يعرف أي مستقبل قاتم ومفزع ومخيف ينتظر الجنوب، وعدن شاهد الحال.

و بريطانيا وأمريكا ضالعتان في كل هذا الربيش المفجع.

أعتذر لأنني قفزت على موضوع الحلقات وتسلسل الأحداث في النصف الثاني من القرن العشرين إلى الربع الأول من القرن الواحد والعشرين.

........ يتبع

قراءة 409 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة