اربعون عاما على رحيل عبد السلام الدميني واخويه (9)

الثلاثاء, 27 تشرين1/أكتوير 2020 17:48 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)


(9)

ذهبت المساء لأنام عند سعيد الجناحي وزوجته المناضلة الرائعة حُسن أم أحمد وهم يعتبروني من البيت فالتعارف بين أسرنا قديمة جداً ومن أوائل الستينات، وجدت سعيد الجناحي وزوجته مشتبكين في نقاشات حامية الوطيس حول الأوضاع لأن سعيد الجناحي إبن أخ عبدالفتاح إسماعيل ولا شك انهما في حالة قلق على عبدالفتاح ما يجعل النقاش ساخناً ومن الأمور الجميلة واللطيفة عند سعيد وحسن أنهم سرعان ما يعودان إلى المرح والفرفشة و النكات.

بعد نقاشات أنا وهما اقترح سعيد أن نذهب لزيارة عبدالفتاح وشد أزره، ذهبنا واستقبلنا عبدالفتاح وهو ضاحك باسم حسب العادة يسألني لماذا لم أسافر وقال أنا أتابع مشاوريك أنت والدكتور عبدالسلام الدميني لأن عملكم هو الأفضل لمصلحة الوطن اليمني وتقدمه الاجتماعي، فالمستقبل بيدكم وأمثالكم أنتم و فرع الحزب الاشتراكي ومناضليه وجماهيره من خلال العمل السياسي والحزبي الرصين والجبهوي الواسع، ومن خلال نشاطكم اليومي الدؤوب والمثابر وخاصة وسط القبائل، فتحرير القبائل من الأمية السياسية وغرس قيم الوطنية اليمنية والوحدة وإزالة التشطير وتعميم ثقافة العصر في الحرية وقيم العدل والمساواة كلها سيقرب من اليوم الذي تتوحد فيه اليمن بالطرق السلمية وعلى أسس ديمقراطية حقيقية واستمر يحاضرنا ولا كأن في البلاد مشكلة، أو ما يعكر صفوها، فقلت له أرجوك أيها الرفيق الأمين العام لقد قرحت قلبي، جئنا نشوف عندك إلى أين تذهب الأمور والصراعات بالبلد حتى نعود إلى الشمال وأوضاعنا النفسية هادئة إلى حد ما، وأضاف سعيد الجناحي، الشارع كله معك والجيش والأمن في أغلبيتهم المطلقة معك، قاطعنا عبدالفتاح وغابت الابتسامة، أرجو أن لا يذهب بكم التفكير أن عبدالفتاح يمكن أن يسمح بأن يصل الخلاف إلى الصراع المسلح، شيلو من رؤوسكم هذا التصور، أنا مستعد أقدم استقالتي الآن أو غداً حفاظاً على وحدة الحزب، والتجربة ولن أسمح بإراقة قطرة دم واحدة من أجل الكرسي، بعد هذا اللقاء بيومين فقط نسمع أن الأمين العام عبدالفتاح إسماعيل قدم استقالته وغادر عدن إلى موسكو للراحة والاستجمام في نهاية شهر أبريل عام 1980، وقد التقيته في موسكو مرات وتكلمنا في مختلف القضايا.

كان آخر عهدي بعبدالفتاح إسماعيل في سبتمبر 1983م في موسكو عشية سفري إلى الصين الشعبية بعد تعييني في سفارة الشمال في بكين، وحول تعييني في السلك الدبلوماسي أي في وزارة الخارجية، لابد الإشارة الموجزة أنه بعد توقيع اتفاق تعز بين الرئيسين علي ناصر محمد وعلي عبدالله صالح والذي نص على دخول قوات صنعاء إلى جميع مناطق الجبهة الوطنية بدون استثناء وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والحوار بين الجبهة الوطنية وسلطات صنعاء، هذا الاتفاق المبرم في 1982 وقبلها تفاهمات بين صنعاء وعدن ومنع الجبهة الوطنية من أي عمل مسلح حتى لو تعرض أفرادها للقصف والاغتيال، كل هذا قد وضعني في ظرف حرج وأنا في موسكو وقد أشرفت على الانتهاء من علاج الأسرة وعودتهم إلى صنعاء، التقيت الرئيس علي عبدالله صالح عند زيارته لموسكو أوائل 1982 بواسطة السفير صالح الأشول وهو صديق عزيز جداً وعن طلب علي عبدالله صالح بواسطة السفير أنه يريد مقابلتي وقد كنت ضمن المستقبلين وكان معه ضمن الوفد الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر والشيخ ناجي عبدالعزيز الشايف الذي اهتم بي من أول لحظة باعتباره شيخ ذو غيلان وأنا منهم!!! وكان معي قلباً وقالباً عند جلوسي مع علي عبدالله صالح في الكرملين، أما الشيخ عبدالله فقد قال لي بالحرف الواحد، عد يا شيخ يحيى ونحن سنتجاوز عن أفعالكم لقد تسامحنا مع محمد صالح الحدي ويديه ورجليه مليئة بالدماء أما أنت فأنت إبننا أنت من صبيان ذو محمد ومن خرج من جلده جاف، عد إلى اصلك.

 كانت جلستي مع علي عبدالله صالح جلسة عتاب وشد وجذب وسألني عن العائلة فشرح له السفير الأشول الظروف الصحية الصعبة للعائلة وللأطفال، ثم في زيارته الثانية في شتاء 1983 عند وفاة الرئيس برجنيف وكذا مشاركة الرئيس علي ناصر محمد العزاء وكنت قد تلقيت توجيهات من قيادة حوشي (حزب الوحدة الشعبية) أن أحاول أرتب أموري فهم لا يقدرون أن يفعلوا شيئاً إلا استقبالي في عدن فقط.

وكذا نصحني الرئيس علي ناصر محمد بقبول العرض الدبلوماسي. كان قد تغير السفير صالح الأشول وجاء بدلاً عنه السفير والأديب والشاعر عبده عثمان هو من الرعيل الأول الذي جرى طردهم من مصر بتهمة الماركسية هو وعمر الجاوي وأبوبكر السقاف و آخرين ، ونعم الرجل لقد تولى بنفسه الحوار والتفاهم مع علي عبدالله صالح بتعييني وزير مفوض في سفارتنا في موسكو ولا أنسى موقف وزير الخارجية الأستاذ علي لطف الثور ورئيس الوزراء عبدالكريم الإرياني فقد عملوا جهدهم لإقناع الرئيس بالمقترح، إلا أن المطبخ الذي يعجن ويطبخ القرارات قد عارضوا فكرة تعييني في موسكو واقترحوا بتعييني في بلد أفريقي لا يوجد فيه يمنيين حتى لا أنشط فيهم وبدرجة سكرتير أول أو مستشار (يعني درجة مدير عام) ودخلنا في دوامة كبيرة استغرقت شهوراً كثيرة ورفضت أقل من وزير مفوض وأصريت على موسكو، وأنني اكن بالتقدير لجهود السفير عبده عثمان والذي كان له علاقة ممتازة بعلي عبدالله صالح .

فجاء القرار من صنعاء بتعييني وزير مفوض ولكن في بكين جمهورية الصين الشعبية وليس في موسكو وقد تحدث معي رئيس الوزراء عبدالكريم الإرياني و علي لطف الثور وزير الخارجية عبر تلفون السفير عبده عثمان بقبول القرار.

عرضت القرار على قيادة منظمة الحزب الاشتراكي اليمني في موسكو وعلى الخصوص الرفيق عبده محمد المعمري والرفيق محمد المخلافي (نائب الأمين العام للحزب اليوم) ثم ذهبت أنا وعبده محمد المعمري إلى عبدالفتاح فبارك التعيين في الصين وقال يكفي أخذ ورد وسوف ترتاح في بكين أفضل من ضجة موسكو والقيل والقال فيها لا ينتهي وسوف أعود إن شاء الله لأسجل وقائع الأحاديث والنقاشات الساخنة التي دارت بيني وبين علي عبدالله صالح وهي تستحق أن تسجل ولكن أذكر أنه قال لي أن لديه توصية من الرئيس الغشمي بالاهتمام بي.

وأعود إلى لقائي الختامي والأخير بعبدالفتاح إسماعيل عشية سفري إلى الصين الشعبية وتناولنا في نقاشاتنا الأوضاع في عدن والتطورات والمستجدات بعد ثلاث سنوات من مغادرة عبدالفتاح عدن إلى منفاه الاختياري وشرح لنا أن الخلافات بدأت تبرز وتتسع بين علي ناصر محمد و تياره وبين علي عنتر و تياره وأن قادة حوشي حانبون في الوسط وقال أن صالح مصلح التقى به عند زيارته لموسكو ووفود أخرى يحملون له أخبار البلاد ورغبة كل فريق أن يكسب عبدالفتاح إلى صفه كون أصحاب عبدالفتاح ما زالوا قوة مؤثرة ورقم صعب تجاوزه إذا تحرك وفاق من رقدته، وقد سألته عن رأيه فاشتمينا منه أنه ينتقد تصرفات الجميع وهو أميل إلى علي عنتر وغير راضٍ عن جماعة علي ناصر، فكان لي موقف قوي قلت له أنا ذاهب الصين وقد لا نلتقي أرجو منك أن تقلع تماماً عن أي اصطفاف كما أرجو ألا تعود مطلقاً إلى عدن مهما فرشت لك الأرض سجاداً وريحانا.

عفواً لقد ذهبت بعيداً عن موضوعنا وهي ترتيب خروجنا من عدن والعودة إلى عملنا في شمال الشمال، اقترحت على عبدالسلام الدميني أن يعود عن طريق العبر بالطائرة، وأنا سأعود عن طريق إب ثم الجوف وهناك سنتواصل معاً ونتدارس بالتركيز على مواضيع الكتابين أو مشاريع الكتابين فقد بذلت يا عبدالسلام جهداً غير عادي في التدوين ودراسة الواقع القبلي بجوانبه المختلفة وإن شاء الله تنال بهما أكثر من دكتوراه وهذا العمل هو الأفضل والأكثر فائدة لنضالات حزبنا على مدى الأيام والسنين القادمة، وأما الجنوب فهو باق والحزب والتجربة تعودت هذه الصراعات والعواصف قبل الاستقلال وبعده، ورغم ثقتنا وإيماننا بالمبادئ والأهداف في برنامج الحزب ووثائقة البرنامجية إلا أنني قد توصلت أنا وعبدالسلام إلى استنتاج مفاده أننا نعود إلى عدن قادمين من محافظات صنعاء والجوف وصعده أي من المجتمع القبلي ونحن أكثر تفاؤلاً وطموحاتنا العريضة لا حدود لها في انتصاراتنا وتتعزز قناعتنا بإشاعة ونشر وثائق الحزب وتشييد بناء تنظيمي نموذجي مكافح من أبناء القبائل في إطار أبناء الشعب اليمني، وللأسف حين نبقى في عدن ونتعايش مع الأوضاع نصاب بالإحباط وهذه الخلافات التي لا تتوقف..

....... يتبع

قراءة 2285 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة