محطات لا تنسى مع القائد...!! [1]

الإثنين, 16 تشرين2/نوفمبر 2020 20:47 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

 

ما أزال أتذكر أول لقاء لي بالقائد.

‏بعد معركة المطار القديم بثلاثة أشهر في مديرية المعافر، وتحديداً كان داخل مدرسة 13 يونيو التي صارت بعد ذلك مقراً لقيادة اللواء 35 مدرع.

كنت حينها مع رفاقي نعد مهرجاناً جماهيرياً لإشهار إعادة تجميع وتشكيل قوة اللواء 35 مدرع، ودعم المقاومة الشعبية.

في ذلك المهرجان الجماهيري ــــ الذي حضرته قيادات حزبية، ووجهاء اجتماعيين، وبعض الضباط الأحرار المنشقين عن وحداتهم العسكرية الموالية للانقلاب ـــــ اختارتني اللجنة المنظمة للمهرجان لتقديم فقرات الحفل.

قبيل تقديم العميد ركن عدنان الحمادي قائد اللواء 35 مدرع عضو المجلس العسكري لإلقاء كلمته الجماهيرية بقيت متفاجئة غير مصدقة وقتها أنه هو ذاته بطل معركة المطار القديم الذي صمد 23 يوما مع بضع مئات من المقاتلين ضد المليشيات، وكان الجميع يتغنى بهذا الفارس المتمرد الوحيد الذي واجه جحافل الإنقلاب.

كنت أتساءل: أيعقل أني الأن سوف أقدمه...

يا له من شرف كبير لك يا رشا...!

وما أن بدأت بتقديمه حتى أطبق الصمت على الحاضرين، وأخذت معهم أصغي لصوته بفخر كبير.

عندما امتطى صهوة منصة الخطابة رأيته يرتدي زيه العسكري دون رتب عسكرية، وهو دليل على أنه ابن معركة مستعد للمواجهة مرة أخرى، وكيف لا وآثار غبار معركة المطار مازالت تعفر بزته العسكرية، وفي الوقت ذاته هو دليل أخر يبين مستوى الذكاء الكبير الذي يتمتع به ويدفعه لأن يبقى حذراَ من إظهار نفسه في ظرف لا يستبعد فيه وجود خلايا نائمة تخدم العدو، أو المستائين من اقدامه على تلك الخطوة في أعادة بناء اللواء 35 مدرع من جديد، ناهيك عن تواضعه الجم الذي جعله يفضل عدم حمل رتبه العسكرية.

وشرع يلقي خطابه داعياً الجميع للوقوف صفاً واحداً لمواجهة الإنقلاب.

يومها دع المدنيين الذين يمتلكون أسلحة نوع "كلاشنكوف" الالتحاق به للتدرب بمركز التدريب.

كنت أشعر بصدق كل كلمة ينطقها هذا القائد أولاً: من حيث طريقة وقفته، وثانياً: من خلال قدرته على ارتجال الخطاب، وثالثاً: من امتلاكه ثقافة عالية قلما أجدها عند قائد عسكري غيره.

وقبل كل ذلك وجدته يحمل هم الوطن الكبير.

كان خطابه موزونا جدا فلم يكن مجرد خطاب حماسي للجماهير فحسب، وإنما كان يعرف جيداً من يخاطبهم، وماذا يريد منهم...ظ

ويعرف علاوة على ذلك كيف سيحركنا جميعا خلفه بدافع الحب لهذا الوطن العزيز والكبير...؟

أثناء الاستماع له بتركيز عال كنت سعيدة جدا بأن أراء شخصية عبد الرقيب عبد الوهاب تولد ثانية، وتتكرر من جدي.

وتتجلى سعادتي أكثر أن تلك البزة العسكرية تقف حارسة للجمهورية، ومكتسبات الحركات الوطنية اليمنية في هذا البلد لأنه كان من النادر وقتها أن تجد رجلاً يقاوم ببزته العسكرية.

***

أتذكر أنه قبل ذلك اليوم بشهر قمت بزيارة إلى جبهة الضباب مع الرفيق محمد عبد العزيز الصنوي لمعايدة المقاتلين.

في تلك الزيارة تعرفت على العقيد عبد الحكيم الجبزي، والعقيد دماج نصر، وقلة من الجنود الذين كانوا يتواجدون معهم أما بقية المقاتلين وهم الأكثر فقد كانوا مدنيين تحت قيادة هؤلاء الضباط.

وفي أحد التباب التي لم أستطع الصعود إليها نتيجة القنص المستمر من المليشيات كان يتواجد قائد مقاومة الحجرية فؤاد الشدادي، وأخيه حامد الشدادي، وابن فؤاد الذي استشهد بعد ذلك بأسبوعين.

كان الجميع يرتدي زياً مدنياً بما فيهم الضباط لا وجود للبدلة العسكرية، وكان هذا المنظر هو أكثر شيء آثار حفيظة نفسي.

أيعقل أنه في وقت المعركة الحقيقية لم أرى جيشنا النظامي الذي كان يجب أن يكون في المقدمة يقود معركة الانتصار للجمهورية...؟

قلت لنفسي ربما أن الجانب الأمني هو ما جعل الضباط المنشقين لا يرتدون بدلاتهم العسكرية أثناء المعركة بل هذا الأكيد كون الجيش وقتها كان يقاتل يجانب القوة الانقلابية.

وعندما رأيت العميد ركن عدنان يرتدي بزته العسكرية في ذلك المهرجان هو وحده من أعاد لي الأمل.

حقاً أعاد لي الأمل بأن هناك جيشا وطنيا قادم ينتمي للمؤسسة العسكرية، وليس للعائلة أو القبيلة.

***

بعد المهرجان الجماهيري بيومين ذهبت إلى مقر اللواء 35 مدرع المنشأ حديثا داخل مبنى ـــ مدرسة 13 يونيو ـــ بمدينة النشمة مركز مديرية المعافر، وبالمناسبة فقد درست في هذه المدرسة الثلاث السنوات الأولى من المرحلة الإبتدائية.

هاهي مدرستي، وقد صارت اليوم تمثل اللبنة الأولى لتأسيس نواة الجيش الوطني الجديد.

كان غرضي من مقابلة القائد كي أطلب موافقته على إجراء مقابلة صحفية معه خاصة بمعركة المطار القديم فحتى تلك اللحظة لم يكن هناك أي إعلامي أو أي وسيلة صحفية قد أجرت مقابلة مع العميد، ولا أحد يعلم شيئاً عن معركة المطار القديم الأسطورية سوى ما كان يتداول بين الناس من الذين نجوا منها في المدينة المحاصرة.

لا إنترنت، ولا كاميرات وثقت ما حصل هناك.

 أثناء انتظاري للعميد التقيت فجأة بالرفيق راشد محمد، وتفاجأت أنه قدم لنفس السبب الذي قدمت لأجله.

اتفقنا على إجراء المقابلة معاً لنسجل بذلك سبقاً صحفيا لنا حيث أرسلنا بالحوار إلى موقع الاشتراكي نت الذي انفرد بدوره بنشره فجاء رد فعل المليشيات الانقلابية أن أقدمت على حجب الموقع مباشرة.

حينها أجرينا المقابلة مع العميد بهاتفين، وقلمين ودفترين فقط، لا كاميرا توثق، ولا جهاز تسجيل جيد لكأننا نعيش حقبة زمنية لا تنتمي للقرن الواحد والعشرين نظرا لأن المدينة كانت محاصرة فلا كهرباء توجد ولا إنترنت، من النادر جدا وقتها أن تجد مكاناً تشحن فيه هاتفك.

حتى عندما قام صديقي راشد برفع المقابلة للموقع ذهب إلى أعلى تبه في المنطقة كي يستطيع إرسالها.

***

 في المقابلة حدثنا القائد عن المعركة بتفاصيل لا أعتقد أنه حدث أحداً قبلنا بها.

تفاصيل فيها ألم، ومقاومة، وتضحية.

وكيف أن جميع قادة الكتائب، والوحدات العسكرية في اللواء قاتلت حتى الرمق الأخير...؟

وكيف أن جنوداً وضباطاً تفحموا في أماكنهم دونما يسلم أحد أو يستسلم لــ 23 يوما، دون ماء، وأكل.

لا أريد أن أتحدث كثيراً عن معركة المطار فقد تم التطرق لذلك بذلك الحوار، وغيره من الحوارات المنشورة مع القائد الشهيد، ولكن تطرقت للإشارة الى ذلك اللقاء والحوار كونهما مهدا لي الطريق للتقرب أكثر من القائد.

وكنت كلما ألتقيه وقتها يغمرني التفاؤل إلى درجة كأني أعيش في عالم طوباوي بعيد كل البعد عن الوقع.

خصوصا أني وجدت الصدق النضالي في عيون القائد، وهم القضية من خلال نبرات صوته.

***

بعدها بأسبوعين كان هناك تسلل كبير لمليشيات الحوثي عبر النقاط العسكرية التابعة للمقاومة، ولكن تسللهم كان بزي نساء.

ونظرا لأن المساس بالمرأة أو حتى تفتيشها يعتبر عيباً أسوداً كبيراً وقتها.

أقول وقتها، لأن إطالة أمد الحرب جعل التعدي على النساء في الشوارع، وقتلهن أمر اعتاد عليه المجتمع مثله مثل كثير من الظواهر الخطيرة التي تظهر في فترات الحروب.

الحوثيون استغل نقطة قداسة، ومكانة المرأة في العرف اليمني فالتسلل بزي النساء هو أكثر أمانا لهم، ويساعدهم بالتحرك في المناطق الخارجة عن سيطرتهم بكل سهولة.

وقتها كنت أسمع بكل هذا، وذهبت للمعسكر، والتقيت بأحد المدربين العسكريين هناك.

أخبرته هل باستطاعتك تدريب كتيبة نساء على فنون قتال الشوارع، والتفتيش تساعد المقاتلين...؟

قال: نعم لكن إطرحي الفكرة على القائد.

طرحت أنا وهو الفكرة على القائد، وفوراً رحب بها، واشترط أن أكون أنا من يقود هذا الكتيبة بعد التخرج.

وقتها قال المدرب للقائد لكن أنا لا أعتقد في هذه الفترة أن الأهالي سوف يسمحوا لبناتهم بالتدريب، والدخول في السلك العسكري.

رد عليه العميد: “لذلك أنا اشترط أن تكون رشا قائدة للكتيبة، واعلم أن الأهالي عندما يعرفوا أنها في المقدمة سيكون هناك دفع كبير للسماح لبناتهم بالتدرب".

 اعترف أني كنت فعلياً برغم تحمسي للفكرة إلا أني كنت لا أعتقد أن يكون هنالك إقبالاً كبيراً بذلك الشكل من قبل الأهالي للدفع بفتياتهم للالتحاق باللواء.

وعندما أعلن اللواء طلب التجنيد للفتيات، تفاجأنا بأكثر من مئتين متقدمة إلى درجة أني اقترحت على المدرب وضع شروط معينة كي تتم الغربلة فنحن لا نحتاج لكل ذلك العدد الكبير من المتطوعات الذي يفوق الطاقة على استيعابهن في وقت كان اللواء مازال في طور التشكيل، وإعادة بنائه.

ففي النهاية كانت الحاجة لكتيبة تتكون من 90 مجندة على الأكثر مدربات بحرفية بغرض مساعدة المقاتلين في تفتيش النساء بالنقاط الأمنية، وتأمين المربعات التي يتم تحريرها من قبل اللواء، واقتحام المنازل المشتبه بها إلى جانب الهدف الرئيسي من إنشائها ويتمثل بردع المتسللين من قوات الإنقلابيين بأزياء النساء، والحد من تسللهن.

***

تطورت علاقتي بالقائد إلى حد أنها لم تبق مجرد علاقة بين فرد، وقائده إطلاقا فقد صارت علاقة إب وإبنه، صديق وصديقه،

هكذا كان دوما يشعرني في كل مرة التقي به.

كنت عندما اذهب كل صباح إلى المعسكر والتقي بالقائد لأجل أي شيء يخص الجبهات أو الكتيبة لا يسمح أن انتظر دقيقة واحدة بجانب الضباط أو انتظر حتى يأتي دوري للدخول إليه.

عندما يعرف بوجودي يطلب مني الذهب إلى أحد المكاتب التابعة للواء، ولا يقبل أبدا البقاء وقتا طويلا لانه يفهم جيدا ماذا يعني إنتظار فتاة وحيدة بجانب ضباط لوقت طويل داخل المعسكر.

وكان بهذا التصرف لأكثر من مرة إنما يؤسس لي قوة داخل اللواء تفرض على الجميع احترام هذا الفتاة التي لا تقل واجبا عنهم كونها تقضي نصف اليوم في المعسكر، وهذا الشيء جعلني قوية في نظرهم وقبل ذلك في نظري.

***

أما عن المهمة التي أسندت لي ‏فقد كانت قيادة الشرطة النسائية في اللواء، وبقيت أزاول هذه منذ تخرجنا من المركز التدريبي مع بقية الملتحقات المتطوعات باللواء حتى تاريخ مغادرتي اليمن للعلاج بالقاهرة.

اثناء قيادتي للكتيبة ‏أسندت لي مهاما كثيرة لا أستطيع الان حصرها هنا من بينها تشكيل مجموعة من الكتيبة، وإعادة ‏السلاح المنهوب من قبل أهالي منطقة الايفوع فقد حدث خطاء إنزال طيران التحالف العربي للسلاح ‏في تلك المنطقة.

أيضا مسح جميع مناطق المسراخ، والاقروض في مهمة إستمرت شهراً لتفتيش ‏جميع المنزل لإخراج السلاح الذي تم قام الأهالي بتفيده إثر هروب جماعات الحوثي.

‏أيضا أسندت لي مهمة مسك نقطة مدة اسبوع في خط التماس منطقة مابين الدمنة والأقروض.

وكل هذه المهام كانت تسند لي، و‏الكتيبة تحت قياداتي.

لكن ثمة مهام أخرى شخصية، وهذه أول مرة أتحدث عنها، هي:

ـــــــ مراقبة قيادة ‏وأفراد جميع النقاط التي تحت سيطرة اللواء كيف تتعامل مع المواطنين...؟

لقد كان أكثر شيء يهم ‏القائد هو كيفية تعامل الجيش مع المواطن.

وكان يؤكد أن الجيش ما وجد إلا لأجل المواطن، وأمنه.

ـــــــ ‏ أيضا القيام بعمل استطلاعات في ‏جبهات عدة مثل المسراخ والاقروض والكدحة.

***

كثيرة هي المواقف التي لن أنساها ما حييت لكن لأني على عجلة من الأمر لأسباب لا يتسع المقام هنا لذكرها، ولا لإيراد تلك المواقف سأكتفي بذكر موقف يستحيل أن محوه من ذاكرتي، وخلاصة هذا الموقف هو:

أنه ذات مرة كان لدى مقاتلين اللواء هجوماً على مواقع سيطرت عليه ميلشيا الحوثي في جبهة المسراخ منطقة الوجد، وكنت حينذاك معهم.

ذهبت مع الإمداد لأجل التعزيز بذخيرة، وأيضا لأجل توصيل الغداء للمقاتلين.

كان الوقت ظهراً تحديدا الساعة 12.

كان الهجوم عنيفاً والقنص شديداً.

وقع علينا حصارا هناك ونحن بجانب أحد المنازل مع بعض رفاقي.

فجأة وجدت رقماً غريباً يتصل بي، ولم أكن أسمع جيدا الصوت من شدة دوي أصوات النيران والرصاص.

رديت على الاتصال:

ـــــ من معي ...؟

المتصل يرد:

ــــ 111.

أدركت حينها أنه صوت القائد فقد كان هذا الرقم هو الشفرة التي أعطانيها، فقد كان دوما يغير الأرقام من ناحية أمنية.

كان كلما غير رقما يتصل ويقول فقط 111 حتى لا ينقطع تواصلي به حيث كنت ابلغه بأي جديد.

المهم وقتها خفت القائد يتصل.

إذن لقد علم إنني محاصرة، وتحدث معي بخوف الأب على إبنه، وبفخر القائد بجنوده.

هذا ما لمسته من خلال كلامه، ونبرة صوته.

لم يوبخن وقتها... كان فقط كل ما يهمه كيف هو أن انجو.

استمر يطمئن علي وعلى الجنود حتى تم فك الحصار علينا، واستطعنا العودة.

وعندما وصلت عائدة لأحد مراكز القيادة التابعة للواء في مفرق يفرس كان القائد هناك في انتظارنا، وقال لي:

ــــ تذكري أن هناك مهاما وطنية كثيرة تنتظرك... لا تستعجلي، ولا نريد أن نفقدك بهذا السرعة.

شعرت وكأن أبي من يوبخني بألا أندفع، ولكنه كان شعورا رائعا لأنه ممزوج برؤيتي أشعة الفخر تنضح في عينيه بي مع ابتسامته التي لا تشعرك ابدا أنك مذنب مع أنى حقيقة كنت مذنبة لأني تجاوزت خطوطاُ لم يكن علي تجاوزها.

مكان محدد، أو نقطة محددة يجب أن أبقى فيها لكن حماسي أثناء هجوم رفاقي جعلني أتهور وأتجاوز تلك النقطة المحددة.

***

 

 

 


[1]  ـــ إن هذه المقالة ليست كل ما بذاكرتي عن علاقتي بالقائد الشهيد عدنان الحمادي. ‏

إن هي إلا محطات مبتسرة موجزة لرحلة لا تكفيها رواية ضخمة، وإنما بضع روايات أو بضع ‏ملاحم لم يسبق أن شهدت مثلها الملاحم ذي قبل. ‏

نعم إن هي إلا محاولة أولى لاجتراح الكتابة عن قائد عسكري وطني قلما يتكرر في ذاكرة التاريخ ‏العسكري اليمني على الأقل في الزمن المنظور. ‏

محاولة أتمنى أن تنال الرضا من كل من سيقرأها، وقبل الجميع أن تنال قبول الانسان الذي فجأة ‏طالبني بكتابتها وهو الأستاذ منصور السروري كي يضمها إلى الكتاب الذي يعده عن القائد الشهيد، ‏فكتبتها في ظرف لا يبعث إطلاقاً على كتابة أي شيء خاصة عندما يكون جوهرها شخصية بحجم ‏ومكانة القائد عدنان الحمادي الذي لن تفيه حقه كتب ومجلدات. ‏

قراءة 2365 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة