أم النازحين

الإثنين, 22 آذار/مارس 2021 01:21 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

لا أريد أن أقول لك كل عام وأنت بخير، أو كل عام وأنت سندي ومصدر قوتي، ولا أريد أن أردد كلمات نستهلكها كل عام، كما لا أريد أعرف العالم كم أنا فخورة بك كأم عظيمة عملت وتعمل لأجلنا بكل حب وصدق وعطاء، أو كم أنتِ مضحية لأجلنا وأنك المرأة التي كانت تطمح ولا زالت أن تواصل دراستها العليا وأوقفت مواصلة ذلك فقط لأجل أن تستطيع بجانب أبي أن توفر لأبنائها ثمن دراستهم الجامعية، أعلم ربما قد لا تكوني حققت لنا كل ما نحلم به، ولكن أثق بأنك أعطيتنا كل ما تملكين، وربما كل ما قدمتيه وتقدمينه تشترك معك به كل أم تعمل لأجل إسعاد أبنائها.

لكن أجدني اليوم أدين لك بأن لا أعرف الناس عن روضة الأم التي ربما تشبه الكثير من أمهات بلدي، بل روضة الإنسان التي قد تغضب كثيراً عندما ترى هذا المقال، روضة المرأة الرقيقة والصلبة في آن واحد، تلك الإنسانة التي أفخر أني وجدت نفسي فيها، المرأة التي لا تحب الأضواء ولا تحب العمل أمام الكاميرا، التي دوما تجدها في قلوب البسطاء ممن كانت يدها ممدودة لهم ولا زالت.. سأخبرهم عن روضة (أم النازحين) بالمناسبة هذا اللقب من أطلقه عليها هم النازحون أنفسهم، التي فتحت بيتها كمركز إيواء لنازحي الحرب من تعز وعدن وصنعاء وكل مكان، في بداية حرب 2015 وفي ظل الحصار الجبان لمليشيات الحوثي لمدينة تعز واجتياحها مدينة عدن فرت المئات من الأسر هرباً من جحيم الحرب إلى مناطق لم تصلها بطش يد المليشيات بعد، وكانت مدينة النشمة في مديرية المعافر أكبر مدينة تجمع فيها النازحون من كل مكان، بحسب الإحصاءات وصل النازحون فيها إلى قرابة ألف أو أكثر، والتي تبعد بالمناسبة 30 كيلو عن مركز مدينة تعز.

 سأخبركم كيف كان من يسمع بأن هناك امرأة تدعى روضة تقدم المساعدة للنازحين في مدينة النشمة، كان يتجه إلى هناك دون تردد، عملت مع مجموعة من رفاقها على تشكيل لجنة اجتماعية لأجل إيواء ومساعدة النازحين، ساعدوا بعض النازحين في إيواءهم، وعملوا وحدة رصد لأجل مساعدتهم بشكل أسرع وبكشوفات رسمية تساعد بوصول المساعدات بشكل عاجل وكأن كل ذلك عمل طوعي، لكن سرعان ما توقف ذلك فاستمرت وحدها، عملت على رصد جميع النازحين بمجهودها الذاتي ومن راتبها الشخصي، وصارت قاعدة بيانات لديها تقدم لكل المنظمات والجهات التي كانت تقدم مساعدات للنازحين، حتى أنها حولت شقتنا الصغيرة إلى مركز إيواء لعائلات من عدن وأبين وتعز، وعاشوا معنا كأنهم عائلتنا، والتي لا نعرف عنهم شيئاً سوى أن الحرب هي فرضت هذا الواقع عليهم وعلينا.

أتذكر في أحد الأيام وصلت عائلة مكونة من 20 فرداً، منهم جرحى أطفال وكبار سن، نتيجة قذيفة وقعت على منزلهم في مدينة تعز، وصلوا إلى أمام منزلنا.. سألتهم من دلكم على بيتنا.قالوا: وصلنا إلى السوق وأحد الأشخاص أخذنا إلى هنا وقال وحدها روضة من تستطيع أن توفر لكم ملجأ، كان عددهم كبيراً، وفي بيتنا أسر كثيرة نازحة، وقتها رأيت أمي تتخبط مرتبكة.. ما الذي أفعل؟ أين سينام كل هؤلاء؟ كان الوقت بعد المغرب. أخذت حالها وذهبت وحدها إلى أحد المدارس البعيدة عن منزلنا، وجدت حارس المدرسة، طلبت منه أن يفتح فصلين لأجل إدخال هؤلاء النازحين، لكنه رفض وقتها بحجة أنه يريد أمراً من مدير المدرسة، والذي كانت تتصل به وهاتفه مغلق، قالت له: أنا من سيكسر هذا القفل وعندما يسألك من فعل ذلك قول له روضة، ويقدم بي شكوى، وسأحضر وقتها، لكن الآن هناك عائلة كبيرة يجب أن تبات هنا، أدخلت العائلة ووفرة لهم كل شيء حتى تحولت المدرسة إلى مركز إيواء كبير، وفتحت معه العديد من المرافق الحكومية كواقع فرض حاله.

عندما انقطع الغاز وكان الحصول على أسطوانة غاز أشبه بالوصول إلى سطح القمر، أصبح حتى الحصول على الحطب وقتها شبه مستحيل خصوصاً في المدن، في أحد الأيام عادت أمي إلى البيت تبكي.. سألتها ما بك؟ قالت: إحدى النازحات عمرها 17 عاماً تقول لرجل من الحي الذي نسكن فيه، اعطيني أسطوانة غاز أو حزمة حطب سيكون هو مهري، لم تنم طوال الليل وهي تردد تلك الجملة وتبكي، في صباح اليوم الآخر أخذت نفسها وذهبت إلى مناطق وقرى لم تكن قد ذهبت لهم بحياتها، واشترت حطباً من مالها، تواصلت بوجهاء وأعيان وطلبت منهم أن يدعموها بالحطب من قراهم، لأجل أن توزعه للنازحين.. فعلاً تجاوب الكثير من الناس معها ووصلت كمية كبيرة لكل مراكز الإيواء ولكل المنازل التي يتواجد بها نازحون.

وحتى عندما انقطع الماء عن المنطقة بسبب غياب مادة الديزل، وفرت وايتات ماء لكل الحارات للنازحين وغير النازحين بالتعاون مع فاعلي خير كانوا قد أتوا هم بأنفسهم لها نتيجة ما سمعوا عنها وما تقدمه للآخرين.

هذا القليل فقط مما قدمته لأني لو تحدثت لن أنتهي من سرد ما قدمته -وما زلت- لكل من يحتاج لها دون تردد.

أنا لا أفاخر بك فقط كأم وصديقة لا تتكرر، بل أفاخر بك كإنسانة كان سيكون لي الشرف أن أتعرف عليها عن قرب  تعمل بصدق وإخلاص وحب لأجل الإنسان بعيداً عن الكاميرات وعن الأضواء، وأعتذر لأني كتبت هذا دون الرجوع لك، لكنه ليس فقط ليعرف الآخرون عنك بقدر ماهي توثيق للحظات بسيطة لمعاناة الحرب والنزوح الداخلي في اليمن، هذه اللحظات التي تحتاج لمجلدات ووقت كبير لسرد تفاصيلها الموجعة، تحدثت اليوم عنك لأني أثق بأن هناك ملاكاً مثلك في حياة كل نازح قد صادفه وقدم المساعدة له بشكل أو بآخر.

قراءة 616 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة