عن الثورة والوطنية والحرب الاهلية والتدخل الخارجي

الأربعاء, 22 نيسان/أبريل 2015 18:40 كتبه 
قيم الموضوع
(8 أصوات)

شهدت الثورات العربية الراهنة كما كبيرا من الاوهام والاساطير ، لعل اهمها الثرثرة الطويلة حول المدنية والسلمية الخ ، وتصدر ناشطي منظمات غير حكومية واكاديميين طاحونة الثرثرة تلك ، والتي لم تعكس موقف قيمي واخلاقي بقدر ما عكست محاولة التعمية على طبيعة الحراك الاجتماعي واحيانا الجهل التام . حاولت طاحونة الاعلام والثرثرة تلك تقديم الثورة باعتبارها النقيض التام للعنف ، وانها امر ينم عن وحدة المجتمع لا بلوغ الانقسام الاجتماعي ذروته – فضلا عن اشكال الانقسام القبل وطني وسواه - ..والحال انه على عكس ذلك فأن تاريخ الثورات الكبرى والصغرى هو تاريخ تفجر الصراع والانقسام . و على عكس ما حاولت اشاعته من افكار ومفاهيم طاحونة الاعلام ،فأن كل الثورات الكبرى كانت على تماس وثيق بالحروب الاهلية كما هو حال الثورة الفرنسية والروسية والصينية .

ولا اظن احدا بحاجة الى اعادة شرح تاريخ تلك الثورات . واذا كان مفهوما بالنسبة للتيارات الليبرالية وحتى الاسلامية تجاهل الطابع الصراعي ، والاكتفاء بالمواقف الاخلاقية ، باعتبار الصراع الاهلي فتنة الخ ، فأن التقليد اليساري الثوري كان قد درس الحرب الاهلية ولم يكتفي بأخذ موقف اخلاقي منها ، معتبرا انها مع مأسيها قد تسمح باطاحة سلطة الطبقة المهيمنة واعادة تنظيم المجتمع على اسس اكثر عدلا وتحررا..

يعرف كل من درس تاريخ الثورات الحديثة والمعاصرة دور العنف ، ومخاطر الحروب الاهلية .. واندلاع هذه الاخيرة لا يعني الاعتذار المتأخر عن الثورة او التشكيك في كونها ثورة من اصله !! وهو الموقف الذي اصبح يسم كل المرتدين والمعادين للثورة من انصار النظام القديم والمنضمين اليهم من انصار ما يسمى بالممانعة ، اللذين انتقلوا من ادعاء انهم الثورة والتي اعتبروها اسلامية !! الى انكار وجود الثورة واعتبارها مؤامرة اجنبية !!على ان ذلك لا يفيد ولا يبدل شيئا..

ومن المفيد التنبيه على ان العنف والحروب الاهلية تنشأ اساسا عن محاولة الانظمة والطبقات المهيمنة منع التغيير والاحتفاظ بالهيمنة على الثروة والسلطة والسلاح ، كما نرى في الثورة المضادة الصالحية الحوثية ، حيث قام التحالف الرجعي بتعبئة قطاعات واسعة من الجماهير الشعبية القبلية من اجل استمرار الطبقة السياسية المهيمنة مستغلا طبيعة التركيبة السياسية المعاصرة التي جعلت اغلب هذه الطبقة تنتمي الى المناطق القبلية الشمالية موهما الطبقات الشعبية ان خروج السلطة من هذه الطبقة سيحرم جماهير القبائل موارد العيش والتي هي اساسا العمل في قطاع الدولة !! وهي اسطورة من ضمن اساطير شائعة في الفكر السياسي اليمني ، مدارها اهلية المناطق الشمالية القبلية الزيدية للحكم ، موجودة بعدة صيغ منها مثلا ما يعنيه سامي غالب بالذكاء الشمالي !!

الامر الاخر المرتبط بالثورات اضافة الى الحرب الاهلية ، هو التدخل الخارجي ، والحال اننا في تاريخ كل الحروب الاهلية الناتجة عن الثورات شاهدنا استدعاء اطراف الحرب الاهلية لاطراف خارجية لترجيح كفته ، او بالاحرى شاهدنا تدخل الخارج للاستفادة من ظروف الحرب الاهلية لتوسيع نفوذه ولكن خصوصا لمنع مخاطر انتشار الثورة الى البلدان المتدخلة بالذات !! شاهدنا كيف احتشدت اوربا كاملة ضد الثورة الفرنسية ، كما شاهدنا تدخل اكثر من عشرين دولة ضد الثورة الروسية وشاهدنا كيف ان الطبقة الارستقراطية الروسية المهيمنة – وهي الاكثر حديثا عن الخصوصية والعظمة القيصرية الروسية – ترتص وراء التدخل الخارجي الذي سعى الى اسقاط النظام الثوري في قلب الامبراطورية الروسية نفسها !! اكثر من ذلك شاهدنا كيف استعانت البراجوازية الفرنسية المذعورة من كومونة باريس بالعدو التاريخي للفرنسيين ، الالمان للقضاء على الثورة .. وفي إطار التدخل الخارجي ليس مفارقا للعادة تبدل مصائر هذا التدخل والموقف منه كما يمكن أن نرى في التدخل السوري في لبنان الذي بدأ بطلب القوى المسيحية الانعزالية ضدا على الحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير، وانتهى مع الحركة الوطنية اللبنانية او مكوناتها ضد الانعزالية المسيحية.. فيما تقلب جنبلاط مرات ومرات بين مع وبين ضد!!

وعندما نتحدث عن العدو التاريخي كيمنيين لا شك ان تحضر السعودية ، على ان فكر وطبيعة العداء تختلف جذريا ما بين امتين كاملتين ومكرستين بقومية ولغة وثقافة وتاريخ مختلف ، وتنافس على الهيمنة داخل اوربا ، وبين حال قطرين عربيين هما مجال للنفوذ والهيمنة الاجنبية اساسا. كرست واعتبرت الحركة الوطنية اليمنية ، السعودية كعدو تاريخي – لم يكن التيار الامامي الجذر الاجتماعي للحوثية ولا الاخوان المسلمين يعتبروها كذلك – لسببين رئيسين

- الاول احتلال جزء من اليمن الطبيعية من قبل نظام ال سعود اساسا جيزان ونجران وعسير

- والثاني اعتبارها قاعدة للانظمة الرجعية في المنطقة ، وخصوصا لوقوفها ضد الثورة اليمنية ودعمها للملكية الامامية !!

وفي الواقع للسبب الثاني اكثر .. وعندما نتحدث عن الوطنية اليمنية ، علينا ان ندرك انها ظاهرة حديثة نستطيع ان نرجع بداية تبلورها الى ثلاثينيات القرن الماضي . وعلينا ان نميزها عن النزعة اليمنية التقليدية التاريخية التي كثيرا ما تبلورت باسم القحطانية خصوصا على ايدي بعض اسر القضاة .

كانت دول الائمة وسواها تستند على اساس من الشرعية التقليدية ، باعتبار الامام حاكم شرعي وفق شروط المذهب والشروط الفقهية المعروفة . وكان الامام يطالب عادة بما يظنه البلاد التي حكمها اسلافه كحق شرعي وارث مكتسب ، وفي لحظات الضعف كان يكتفي بالمطالبة بحكم المناطق التي تدين بالمذهب ، لم تكن اليمن ككيان وقطر امرا مغفلا ، لكن عموما ما كان يحرك السياسية هي الاعتبارات التقليدية الدينية والصراعات العشائرية مع تأثير كبير طبعا لمراكز الخلافات الاسلامية .

وحتى داخل الحركة الوطنية التقليدية لم تكن الامور بهذا الوضوح ، اذا اننا سنجد اذا ما تتبعنا مألات رجالات هذه الحركة، ان جلهم سينتهون بالعودة للاشكال التقليدية كما سنرى مع اصحاب الذات اليمنية مثل النعمان والزبيري والارياني ، اذا طغت النزعة القحطانية وفهم اليمن كمكونات تقليدية لا كشعب ، بينما سيذهب رجل مثل مطيع دماج للتحالف الكامل مع القوميين والشيوعيين مطالبا بسلطة العمال والفلاحين وبسلطة وطنية بأفق قومي !! ولعل مألات هذا الاخير تكشف عن استحالة وجود الوطنية اليمنية بدون مضمون اجتماعي تقدمي !!

ويمكن القول ان الوطنية اليمنية لم تتبلور بشكل كامل الا مع الحركة الوطنية التي سيكون الحزب الاشتراكي اليمني جماع لاهم تياراتها ، والذي سيضع وحدة اليمن الطبيعي وتحديثه وتمدينه كبرنامج تحرر وطني واجتماعي كمشروع وهدف ، ودون ان نستطرد فأن رؤية المصير الذي ألت اليه مع دخول الحزب في حالة من الشلل نتيجة تعثر مشروع الوحدة وبروز ما سمي بالقضية الجنوبية ، واذا رأينا كيف انتهى احد رموزه التاريخيين كعلي سالم البيض - صف طويل في الواقع - لا منكرا للوحدة فقط بل منكر ليمنيته متحدثا عن جنوب عربي ، استطعنا ان نعرف حجم ازمة الوطنية اليمنية .

وطبعا لا يصعب تذكر أن اليمنيين في ثورة سبتمبر طلبوا تدخل ومساعدة مصر من الطرف الجمهوري، والسعودية من الطرف الملكي..

طبعا يستطيع الكثير ان يجادل فيما اذا كانت الوطنية اليوم قادرة على ان تحمل مشروع انساني تقدمي ، على ان الحال في مجتمعاتنا القطرية الفاقدة لكل شروط التحرر والاستقلال والتنمية ، الحال يجعل الافق العربي التقدمي شرطا لازما لكل حل .

طبعا لا احد يتوقع في الحديث السائد عن الحرب الاهلية العدوانية التي يشنا التحالف الرجعي الحوثي الصالحي اساسا / مع تبلور وتصلب مراكز مقاومة له في اكثر من مكان . ولا في الحديث عن التدخل العدواني السعودي العشري ، نقاشا جديا لهذه المسائل ، فهي في جوهر الحرب المستعرة اليوم ؟

غير ان على الثوريين وهم يفكرون في مصير ثورتهم التي تحولت حربا اهلية وبلدهم التي تحولت الى ساحة حرب اقليمية ، مع ادراك ان طبيعة وتاريخ المنطقة جعلا من الثورات العربية حربا اهلية قطرية وعربية واسلامية ، ان لا يخضعوا للضغوط التي تطلب منم الالتحاق بأحد المعسكرين الرجعيين ، مرة باسم الوطنية واخرى باسم الحرية .

كما ان عليهم خصوصا عدم الاكتفاء بأخذ موقف اخلاقي متعالي على الصراع . يدين الحرب عموما، فهذا لا يجدي ولا يؤثر ، والمطلوب الانخراط التام في كافة المستويات وتنظيم انفسهم وخوض الصراع على اساس استكمال مهام الثورة ، واستعادة زمام المبادرة على كافة المستويات بما فيها السلاح !!

وللحديث صلة !!

قراءة 864 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة