المشهد السياسي والعسكري الراهن في اليمن[1]

الجمعة, 18 آذار/مارس 2016 15:59 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

مقدمة: 

عدم توفر الجدية، من قبل المستثمر الخارجي للحرب، لتحريك العملية السياسية إيجابياً باتجاه الحل وإخراج اليمن من محنته، يقود إلى مزيد من الإيغال في الفعل العسكري، على أمل الوصول إلى مرحلة الحسم. وهذا الأمل يتكشف يوماً بعد يوم بأنه ضرب من الوهم المكلف. فهناك توازن عسكري في الميدان يدهش المراقبين جميعهم. فرغم القدرات المادية غير المتكافئة، التي تميل بشكل واضح لصالح الطرف السعودي وحلفائه الخارجيين وأنصاره في الداخل اليمني، سواءً من حيث المال والتسليح والقدرة على الحشد واستجلاب المقاتلين الأجانب واستقدام الوحدات العسكرية النظامية لبعض الدول العربية، أو من حيث السيطرة الجوية والبحرية المطلقة، رغم ذلك فإن الميدان يشهد توازناً في الفعل العسكري يجعل الحسم لصالح أحد طرفي القتال أمراً صعباً، إذا لم يكن مستحيلاً.

هذا التوازن القائم في الميدان العسكري وعدم تمكن أي من الطرفين المتحاربين من بلوغ مرحلة الحسم لصالحه، كان يمكن أن يدفع المتقاتلين اليمنيين إلى البحث عن مخارج وحلول سلمية، توقف عجلة الحرب وتنتشل بلدهم من محنته وتحفظ أرواح أبنائه وتحقن دماءهم. ولكن بدلاً عن ذلك أصبح التوازن العسكري، وبسبب العامل الخارجي المدمر وغياب الإرادة الوطنية الحرة لليمنيين، أصبح يؤثِّر سلباً على المشهد السياسي ويجعله يراوح في مكانه. وستستمر هذه المراوحة، طالما استمر غياب العقل، مع غياب القوى المدنية اليمنية الفاعلة، القادرة على  تحريك الشارع اليمني، ليشكل قوة ضاغطة على المتحاربين، تجبرهم على وقف القتل ونزع الذرائع، التي تستند إليها القوى الخارجية في تدخلها العسكري والسياسي في الشأن اليمني الداخلي، وتدفع بهم نحو الحل السلمي والتصالح الوطني وبناء الدولة.

ودعونا في مايلي نحاول أن نوصف المشهدين السياسي والعسكري، توصيفاً تقريبياً، لايخلو من النقص، بسبب عدم توفر المعلومات الدقيقة، من مصادر موثوقة. فنحن مع الأسف نعتمد في تحليلنا للواقع الراهن، بشقيه السياسي والعسكري، على المصادر الإعلامية، التي هي واحدة من أدوات الحرب الدائرة، مما يجعلها مصادر غير محايدة وغير مأمونة. ومع ذلك نحن مجبرون على التعامل معها. لأننا لانجد أمامنا مصادر معلومات سواها. ولكن بما أنها مصادر غير محايدة وغير مأمونة، فإن تعاملنا معها يجب أن يتسم بقدر كبير من الحذر، واستخدام الأدوات المعرفية والمنطقية، لاستخراج بعض مايمكن الإطمئنان إليه والوثوق به من معلومات، تختلط بالكثير من الزيف الإعلامي.

المشهد السياسي:

هناك ثلاث قوى سياسية _ عسكرية فاعلة في المشهد السياسي، إذا ما استبعدنا القوى المتفرعة عن تنظيم القاعدة، والتي هي دون شك ذات وزن وفعل مؤثرين، في المشهد العسكري بصورة خاصة. وهناك أيضاً قوى سياسية، غير عسكرية، أقل تأثيراً في مجريات الأحداث. وهذه القوى الفاعلة هي:

 الحركة الحوثية، المعروفة ب (أنصار الله):

ظهرت الحركة الحوثية في العقد التاسع من القرن الماضي في محافظة صعدة. وقد استهدفها النظام السابق بستة حروب متتالية، إعتباراً من عام 2004م وحتى عام 2010م. ولم تستطع تلك الحروب الستة كسر شوكة الحركة، بل أسهمت في تعزيز قوتها واكسبتها خبرة عسكرية، لايستهان بها. ووجدت الحركة نفسها مدفوعة إلى التحالف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تلتقي معها في التشيع العام لآل البيت. مع أن قواعد المذهب الزيدي السائد في اليمن، يختلف اختلافاً شديداً مع المذهب الإثني عشري السائد في إيران. ومن هنا يمكن القول، إن السياسة هي التي وحدت موقفيهما، ولم يوحدهما المذهب الديني.

وخلال عهد الرئيس عبد ربه منصور هادي، قويت شوكة الحركة الحوثية، وشاركت في الحياة السياسية، وكانت إحدى المكونات السياسية المشاركة بفاعلية في مؤتمر الحوار الوطني العام، الذي انعقد في الفترة، من مارس 2013 حتى يناير 2014م، بموجب الترتيبات، التي تضمنتها المبادرة الخليجية وآليتها المزمَّنة. ولكن ما أن انتهى مؤتمر الحوار الوطني حتى واصل أقوى حزبين سياسيين، وهما حزب الإصلاح والمؤتمر الشعبي العام، سياسة إقصاء هذا المكون. وبدلاً من تشكيل حكومة وحدة وطنية، تضم كل المكونات السياسية الفاعلة، بما فيها الحركة الحوثية، إكتفى الرئيس عبد ربه بإحداث تعديل على الحكومة القائمة حينذاك (حكومة باسندوة).

ولم يمر وقت طويل على انتهاء مؤتمر الحوار الوطني، حتى شهدت المناطق المجاورة لمحافظة صعدة، معقل الحوثيين، صراعاً مسلحاً، مالبث أن تمدد حتى وصل صنعاء العاصمة، التي دخلها الحوثيون في 21 سبتمبر 2014م، بتواطؤ من قبل الرئيس عبد ربه نفسه وتعاون الرئيس السابق على عبد الله صالح. وكلا الرئيسين، السابق واللاحق، كانا قد وصلا إلى حالة من الضيق بالقوة السياسية المهيمنة على الحياة السياسية والإدارية في صنعاء، وهي حزب الإصلاح. وكان تعاونهما يهدف إلى إضعاف هذا الحزب وإيجاد حالة من توازن القوى، عن طريق دعم الحركة الحوثية، مع احتفاظ كل من الرئيسين بمشروعه الخاص.

وبدخول الحركة الحوثية إلى صنعاء تغير المشهد السياسي تغيراً كبيراً. فقد أضحت الحركة هي الأقوى، بعد ما ألحقته من هزيمة عسكرية بحزب الإصلاح وحلفائه العسكريين والقبليين، في اشتباك مسلح محدود وسريع. وأصبحت الحركة تمسك بمفاصل السلطة الأمنية وأجهزة الدولة المختلفة في العاصمة صنعاء. وتم التوقيع على اتفاق للسلم والشراكة الوطنية، كان كفيلاً، لو التزمت به كل الأطراف الموقعة عليه، بأن يجنب اليمن الحرب الأهلية ويوجه كافة الجهود نحو بناء الدولة على أسس الشراكة الوطنية وتبادل السلطة سلمياً، عبر صناديق الإنتخابات. ولكن الأحداث تلاحقت، وتباينت المواقف ونشأت خلافات بين رئيس الدولة وحكومة بحَّاح، التي خلفت حكومة باسندوة، من ناحية، وبين الحوثيين، من ناحية أخرى، إنتهت باستقالة الحكومة والرئيس وامتناع الحكومة عن مزاولة أعمالها، كحكومة تسيير أعمال، ريثما تُشكل حكومة جديدة. فتولت الحركة الحوثية تسيير شؤون الدولة ووضعت الرئيس ورئيس الحكومة وبعض أعضائها رهن الإقامة الجبرية في منازلهم.

ولم يتم البت في استقالة الرئيس، لعدم التمكن من عقد اجتماع لمجلس النواب للنظر فيها. فقد رفضت أحزاب المشترك، وعلى رأسها حزب الإصلاح، ومعها الحركة الحوثية، رفضت إنعقاد المجلس. وقيل حينها أن سبب الرفض هو الخوف من أن يتسلم رئيس المجلس، المحسوب على الرئيس علي عبد الله صالح، الرئاسة المؤقتة، المكلفة بالإعداد لانتخابات رئاسية خلال ستين يوماً، مما قد يفضي إلى عودة الرئيس السابق علي عبد الله صالح إلى الرئاسة، بشخصه، أو من خلال إبنه أحمد.

ورغم عدم البت في استقالة عبد ربه، فقد اعتُبر رئيساً انتهت رئاسته وطُويت صفحته، سواءً بالإستقالة أو بالتقادم. وأخذ الحوثيون يديرون شؤون البلاد، باعتبارهم سلطة الأمر الواقع. وانفردوا فيما بعد بإصدار إعلان دستوري، تعثر تنفيذه، بسبب اعتراض القوى السياسية الأخرى عليه. كما توقف الحوار بين المكونات السياسية، الذي كان يديره في صنعاء ممثل الأمين العام للأمم المتحدة (جمال بن عمر). وهو الحوار الذي كان مكرساً لوضع الترتيبات السياسية الكفيلة بإخراج اليمن من أزمته وملء الفراغ الحاصل في السلطة. فقد وضعت الغارات الجوية، التي شنتها المملكة العربية السعودية وحلفاؤها على اليمن، إبتداءً من 26 مارس 2015م، وضعت نهاية له، ودفعت اليمن إلى مسار آخر، يصعب تحديد معالمه أو التنبؤ بنهايته.

المؤتمر الشعبي العام:

المؤتمر الشعبي العام هو حزب الرئيس السابق، على عبد الله صالح. وهو مكون سياسي مؤثر في الحياة السياسية اليمنية. ويأتمر بأمر رئيسه، الذي يمتلك أذرعاً عسكرية وقبلية قوية، كما  يمتلك علاقات داخلية وخارجية، عمل بدأب على نسجها خلال حكمه الطويل، الذي امتد ثلاثة وثلاين عاماً (من 1978م وحتى 2012م).

لم يغادر علي عبد الله صالح وحزبه المسرح السياسي، بعد تنحيه عن السلطة لنائبه عبد ربه. بل ظل لاعباً محورياً في مجمل الأحداث السياسية، حتى الآن. وازداد حضوره بانفجار الموقف العسكري عام 2014م، وتحالفه مع الحركة الحوثية. ومن الواضح أن القوة العسكرية الضاربة، التي حرص على بنائها خلال فترة حكمه، والتي فاجأت الجميع، داخلياً وخارجاً، بقدرتها القتالية العالية ووفرة أسلحتها المخزونة،  تلعب الآن دوراً أساسياً في كل محاور القتال الممتدة من الداخل السعودي وحتى المحافظات الشرقية والغربية والجنوبية، في ماكان يعرف سابقاً بالجمهورية العربية اليمنية. ومايزال علي عبد الله صالح يمثل رقماً صعباً في المشهد السياسي، لايمكن التفاوض بدونه ولايمكن الوصول إلى حلول سياسية، دون دعم ومساهمة فاعلة منه. ولعل هذه الحقيقة أصبحت إحدى مسلمات الحياة السياسية اليمنية وإحدى معالم المشهد السياسي الراهن.

 حزب الإصلاح اليمني:

هو حزب يمثل امتداداً لحركة الإخوان المسلمين العالمية. وقد لعب، مسنوداً بجناحه القبلي، دوراً مؤثراً في الحياة السياسية اليمنية، سواءً على مستوى السلطة، كشريك للرئيس السابق علي عبد الله صالح على مدى حكمه الطويل، أو على مستوى الشارع اليمني، من خلال تواجده المؤثر في المؤسسات التعليمية والدينية. وقد خاض حزب الإصلاح معارك سياسية ممتدة، ضد الحزب الإشتراكي اليمني والأحزاب القومية وضد الحركة الحوثية، مدعوماً بأجهزة السلطة وببعض دول الجوار وبالحركة العالمية للإخوان المسلمين. ثم تحالف مع أعداء الأمس، الإشتراكيين والقوميين، وقاد جبهةً معارِضةً للرئيس صالح في سنوات حكمه الأخيرة، ولعب دوراً بارزاً في قيادة الثورة الشبابية في الساحات، التي أفضت إلى تنحي صالح عن السلطة. وتمكن من تحقيق نفوذ واضح في السلطة التنفيذية وعلى مستوى القرار السياسي، في ظل رئاسة عبد ربه، وعمل على توسيع وتعزيز تواجده في الإدارة المدنية وفي الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة. مما ولد مخاوف لدى الرئيس عبد ربه، كما لدى الرئيس السابق علي عبد الله صالح، دفعتهما إلى تواطؤ الأول وتعاون الثاني مع الحركة الحوثية، كما أسلفنا[2]. وانتهى الأمر إلى اشتعال الموقف العسكري في اليمن، وتطوره إلى ما نشهده اليوم.

قوى أقل تأثيراً في الأحداث الدائرة:

هنا يمكن أن نذكر الحزب الإشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، ونغض الطرف عن مكونات سياسية، كالتجمع الوحدوي اليمني واتحاد القوى الشعبية، ومجموعات حزب البعث المتناثرة، وغيرها من الأسماء الكثيرة، التي ليس لها وجود سياسي أو عسكري فاعل.

تكوَّن الحزب الإشتراكي اليمني عام 1979م من مجموعة من الأحزاب السياسية اليمنية، النشطة حينذاك في جنوب اليمن وشماله، وعلى رأسها الحزب الحاكم في الجنوب (الجبهة القومية)، الذي تولى السلطة في الجنوب بعد رحيل الإستعمار البريطاني، في نهاية عام 1967م. وقاد الحزب الإشتراكي اليمني عملية توحيد شطري اليمن عام 1990م، مع شريكه الرئيس علي عبد الله صالح، رئيس الشطر الشمالي. ثم ما لبث الشريكان أن اختلفا وتحاربا عام 1994م. وبانتصار صالح في تلك الحرب هيمن على السلطة هو وحزبه (المؤتمر الشعبي العام)، مع شريكه في السلطة وفي الحرب، حزب الإصلاح. ودخل الحزب الإشتراكي فيما بعد في تحالف معارض لسلطة علي عبد الله صالح، تحت إسم (المشترك)، على رأسه حزب الإصلاح اليمني، الذي انتقل من السلطة إلى المعارضة. وتكللت جهود هذا التحالف بتنحي علي عبد الله صالح عن السلطة، في مطلع عام 2012م.

وعندما انفجر الموقف العسكري في اليمن عام 2014م، ودخل الحوثيون صنعاء وأمسكوا بمقاليد السلطة، ثم تمددوا عسكرياً في المحافظات اليمنية المختلفة وأضحوا مع حليفهم صالح يمثلون القوة المقاوِمة الوحيدة للعدوان الخارجي، تذبذب موقف الحزب الإشتراكي وتباينت مواقف قياداته وأعضائه، بين متعاطف مع الحوثيين، وبين مؤيد لأعدائهم الداخليين والخارجيين. ورغم إدانته العلنية للحرب الداخلية والخارجية، فإن قدرته على التأثير على مسار الأحداث السياسية والعسكرية بدت ضعيفة، بصورة غير مسبوقة.

 أما التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، فإن موقفه الإجمالي منذ البدء، أو على الأقل موقف صفه القيادي الأول يبدو محسوماً ضد الحوثيين ومع أعدائهم، الداخليين والخارجيين. ومع ذلك فإن تأثيره في سير الأحداث هو تأثير ضعيف، شأنه في ذلك شأن الحزب الإشتراكي اليمني.

وقد حاول الحزبان لبعض الوقت، وبالتعاون مع بعض المكونات الصغيرة (التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية، المكون من عدد محدود من المتقاعدين المدنيين والعسكريين، وحزب التجمع الوحدوي اليمني واتحاد القوى الشعبية) حاولا وضع مشروع يهدف إلى إيقاف الحرب وعودة المكونات السياسية اليمنية، وعلى رأسها الأطراف المتقاتلة، عودتها إلى طاولة الحوار، لوضع الترتيبات اللازمة لانسحاب المليشيات المسلحة من المدن وتسليم أسلحتها لهيئة محايدة وتشكيل حكومة انتقالية، تعمل على تطبيع الحياة والتوجه نحو المصالحة الوطنية وبناء الدولة. ولكن ذلك المشروع، الذي أُعلن في حينه عبر وسائل الإعلام، لم يحظ بالإهتمام اللازم من قبل القوى اليمنية المتقاتلة ومن قبل القوى الخارجية، ولم يكن باستطاعة من وضعوه ووقعوا عليه وأصدروه أن يجبروا الآخرين حتى على مناقشته، بفعل هشاشة مكوناتهم وضعفهم البيِّن في دائرة الفعل السياسي والعسكري، وعجزهم عن قيادة فعل مدني مؤثر في الشارع اليمني. لهذا لم يصغ إلى صوتهم أحد.

هذه هي القوى السياسية الفاعلة في المشهد السياسي اليمني الداخلي. وكلها أو معظمها تمارس فعلها في الداخل تحت تأثير مباشر أو غير مباشر من القوى الإقليمية والدولية المتنافسة في المنطقة.

تأثير العامل الخارجي: 

وإذا ما انتقلنا من الإطار الداخلي إلى الإطار الإقليمي والدولي، فسنرى أن هناك تحالفين كبيرين، تشكل كل منهما من دول تجمعها مصالح مشتركة. التحالف الأول يضم روسيا وإيران وحكومتا العراق وسوريا وحزب الله، ويدعم هذا التحالفُ الحركةَ الحوثية وحليفَها الرئيس السابق علي عبد الله صالح، دعماً معنوياً في الغالب. والتحالف الثاني مكون من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين والإقليميين، ممثلين بالإتحاد الأوربي وإسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية وقطر والبحرين، إضافة إلى بعض الدول العربية الفقيرة، وعلى رأسها السودان. ويدعم هذا التحالفُ القوى المناوئة للحوثيين في الداخل اليمني دعماً فعلياً، بالمال والسلاح والرجال، وبالتدخل العسكري المباشر والحصار الشامل، وبوسائل الإعلام العربية والعالمية المؤثرة.

وقد تطور الصراع في اليمن، ليتجاوز الجدل السياسي، الذي كان متاحاً، إلى عنف مسلح مدمر أودى بحياة آلاف اليمنيين وشرد مئات الآلاف منهم وقضى على جزء كبير من البنية التحتية المتواضعة لليمن. كما أكدت ذلك العديد من التقارير الدولية المعلنة. فالتطورات في صنعاء أحدثت قلقاً لدى المملكة العربية السعودية، ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، دفع بهم إلى التدخل العسكري المباشر. فقد قُيِّم الموقف من قبل هؤلاء على أن اليمن يوشك أن يسقط في دائرة النفوذ الإيراني. لاسيما بعد إمساك الحوثيين بمفاتيح السلطة في صنعاء وتوسعهم عسكرياً نحو المحافظات الجنوبية والغربية والشرقية (ماعدا محافظة حضرموت، التي أصبحت في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية). وهكذا تدحرج اليمن إلى دائرة الصراع الإقليمي والدولي وأضحى مسرحاً لاقتتال أبنائه نيابة عن الأطراف الخارجية المتنافسة.

لقد هبت المملكة العربية السعودية، ومن ورائها الولايات المتحدة وحلفاؤها، للتدخل العسكري المباشر، من خلال عاصفة الحزم، التي انطلقت في 26 مارس 2015م، ولفرض حصار بري وبحري وجوي شامل على اليمن، وتمويل القوى المحلية المعادية للحوثيين، بالمال والسلاح وتدريب مقاتليها ورفدها بمقاتلين أجانب من بلدان شتى، عربية وغير عربية. وقد تم التمهيد لهذا التدخل بترتيب عملية تهريب الرئيس عبد ربه من منزله في صنعاء إلى عدن ودفعه إلى الرجوع عن استقالته، لاستخدامه في تبرير التدخل العسكري، تحت غطاء الدفاع عن شرعيته[3]. وقد حاول عبد ربه مؤخراً التملص من مسؤوليته عن التدخل الخارجي، في مقابلة تلفزيونية، أنكر فيها علمه بعاصفة الحزم إلا بعد وقوعها، وأن الأمريكيين كانوا قد أكدوا له بأنه لن يكون هناك تدخل خارجي. 

هذا الواقع الجديد أفرز سلطتين في اليمن، السلطة الشكلية للرئيس عبد ربه منصور هادي، المتواجد غالباً في الرياض. وسلطة الأمر الواقع، المتمثلة بالحوثيين، المتحالفين سياسياً وعسكرياً مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

تعقُّد المشهد السياسي:

نظراً لتعدد القوى المحلية والإقليمية والدولية، المؤثرة في الأحداث اليمنية، وتداخل أو تعارض مصالحها، يبدو المشهد السياسي شديد التعقيد، ويبدو اليمنيون عاجزين عن اتخاذ قرارات سياسية، تفضي إلى وقف الحرب والعودة إلى الحوار الوطني. فمفاتيح الحلول السياسية الداخلية في اليمن سُلِّمت للفاعلين الخارجيين، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيين وأتباعها في المنطقة العربية. لهذا فشلت محاولات الحوار المتكررة بين اليمنيين، أو أُفشلت عمداً. ورأى بعض اليمنيين على الأقل بأن الحوار الرسمي فيما بينهم غير مجدي. لاقتناع هذا البعض بأن الوفود اليمنية القادمة من الرياض إلى مؤتمرات الحوار لاتملك حق اتخاذ قررارات أو الخروج عن المسار الذي ترسمه المملكة العربية السعودية، ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها. ولذا لابد، كما أعلن الرئيس السابق علي عبد الله صالح، لابد من حوار مباشر مع المملكة العربية السعودية، باعتبارها الدولة المعتدية على اليمن والمتحكمة بقراري السلم والحرب.

وإذا ما أردنا أن نلخص المشهد السياسي بعبارات موجزة، فإنه يمكننا القول: إنه مشهد غامض، لايمكن أن تتوضح معالمه ويفضي إلى النهايات التي يتمناها اليمنيون، إلا عندما يقرر اللاعبون الخارجيون ذلك، أو يصبح الموقف العسكري على الأرض أكثر وضوحاً وتحديداً. فالمتحكمون بالمشهد السياسي داخل اليمن هم في الواقع اللاعبون الإقليميون والدوليون، وهم أنفسهم الفاعلون الحقيقيون في المشهد العسكري، المتمسكون حتى الآن بخيار الحرب. ولا يمكن أن يتغير هذا الوضع ويصبح اليمنيون أنفسهم قادرين على وضع نهاية للحرب، بعيداً عن التأثير والهيمنة الخارجية، إلا إذا أدركوا بأنهم جميعهم خاسرون، وأن بلدهم هو الذي يُدمر وشعبهم هو الذي يُقتل وُيشرد ويُحاصر، وأن مسؤوليتهم الوطنية توجب عليهم أن يتجهوا نحو مصالحة وطنية، تحقن دماءهم وتحفظ أرواحهم وتوقف عملية التدمير الممنهج لبلدهم ولمقومات حياتهم، كما توجب عليهم أن يصطفوا جميعهم في خندق واحد لمواجهة المخططات والتدخلات الخارجية ويستعيدوا قرارهم السياسي، الذي صادره الخارج منذ عقود طويلة، ويتجهوا نحو بناء شراكة وطنية حقيقية، تؤسس لبناء دولتهم المدنية المستقلة العادلة، ويتوافقوا على أن السبيل الوحيد المتاح للوصول إلى السلطة هو صندوق الإنتخابات لا العنف المسلح. 

المشهد العسكري:

لايقل توصيف المشهد العسكري صعوبة عن توصيف المشهد السياسي، رغم أن الفعل العسكري أكثر بروزاً وأشد تأثيراً في إيقاع الحياة اليومية للمواطنين: قتلاً وتدميراً وتشريداً وترويعاً على مدار الساعة وحصاراً شاملاً للموانئ والمطارات والمنافذ البرية.

فالمصادر الإعلامية للطرفين المتقاتلين تتحدث يومياً عن انتصارات وتقدم في جبهات القتال، لايراها المواطن اليمني. ومسرح العمليات مسرح ممتد، لايستطيع المراقب في الداخل أو في الخارج أن يلم بتفاصيله. والقتال في المحافظات الشمالية، من تعز والبيضاء إلى صعدة وحجة، ومن الحديدة إلى مأرب والجوف، قتال متواصل، طابعه الكر والفر. وكأنه يدور في حلقة مفرغة. ورغم الإسناد الجوي الكثيف، والإسناد البحري المتقطع  والدعم السخي بالمال والسلاح وبالمقاتلين، من جنسيات عربية وغير عربية، الذي تقدمه المملكة العربية السعودية وحلفاؤها، لأنصارها في الداخل اليمني، ورغم الحصار الشامل، المضروب على كل اليمن، براً وبحراً وجواً، مما يحول دون حصول الطرف الآخر على مايحتاجه من إمدادات خارجية، بالسلاح والعتاد والمال، فإن الواقع على الأرض لا يتطابق مع الإنتصارات، التي تعلنها وسائل الإعلام العربية، المتحدثة باسم التحالف السعودي. فهناك مايشبه الجمود. إذ أن الطرف المقاوم، المتمثل بالحوثيين وحليفهم علي عبد الله صالح، متشبث بمواقعه، يدافع عنها باستماتة. بل ويدير عمليات مؤثرة في الداخل اليمني ضد القوات المدعومة من التحالف السعودي. كما يدير عمليات في الداخل السعودي، متجاوزة خط الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، ومهددة بعض القرى والبلدات والمدن الجنوبية، بالنيران، وأحياناً بالهجوم المباشر واحتلال بعضها، بمجاميع صغيرة للغاية، رغم السيطرة الجوية المطلقة للطيران السعودي.

أما في المحافظات الجنوبية، التي انسحب منها الحوثيون وقوات حليفهم صالح، على إثر دخول قوات التحالف العربي مدينة عدن، فقد أصبح الطابع العام للحياة هناك هو انعدام الأمن وانتشار الفوضى والإغتيالات والإقتتال اليومي بين المكونات، التي يُفترض أنها جميعها تأتمر بأمر الرئيس عبد ربه، والتي تحالفت بالأمس لدحر الحوثيين وحليفهم صالح. فالحراك الجنوبي يبدو اليوم مستهدفاً من القوى نفسها، التي تحالف معها بالأمس. إذ تحوَّل تحالفه معها إلى اقتتال يومي بينه وبينها، تشهده شوارع عدن، ويمتد إلى بعض مناطق المحافظات الأخرى، ماعدا محافظة حضرموت، التي يبدو أن اليد الطولى فيها هي لجماعات القاعدة، دون منافس. فهي الأقوى هناك، إن لم تكن الوحيدة.

وقد أضحى لافتاً للنظر تمدد تنظيم الدولة الإسلامية في جميع المحافظات الجنوبية، مع صمت قوى التحالف العربي والدولي، التي تقود وتوجه العمليات العسكرية المعادية للحوثيين في اليمن، صمتها عن هذا التمدد، بل وتأكيد الناطق العسكري الرسمي باسم التحالف (أحمد العسيري)، بأن تنظيمات القاعدة في اليمن، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية، لاتشكل أهدافاً عسكرية للتحالف. وهو تأكيد يستدعي التوقف عنده والتأمل فيه وإعادة قراءة خارطة الصراعات والتحالفات الإقليمية والدولية وتجلياتها، ليس داخل اليمن فحسب، بل وفي العراق وسوريا وليبيا وغيرها، قراءة قد توضح الأدوار، التي يراد لهذه التنظيمات أن تقوم بها، ضمن اللعبة الدولية الكبرى، كما تحل كثيراً من الطلاسم والألغاز وتكشف مايدبر في الخفاء، وما تخطط له دوائر الإستعمار الغربي وما ترسمه لمستقبل الوطن العربي البائس.  

إختلاط المشهدين السياسي والعسكري:

الحرب امتداد للسياسة، ووسيلة من وسائلها. هل يصْدق هذا على الحرب اليمنية الراهنة؟ بالتأكيد يصْدق هذا القول على ما نحن فيه. فوراء اقتتال اليمنيين أجندات سياسية خارجية، بعض اليمنيين يدركها وبعضهم لايدركها. ومع ذلك فنتائجها واضحة: إصطفافات يراد لها أن تأخذ طابعاً مناطقياً وطائفياً، وتفتيت للنسيج الإجتماعي، بدأنا نلمسه. رغم أن اليمن عبر تاريخه الطويل عرف المذهبية كنهج متسامح وغير متعصب، للتعبد لله سبحانه وتعالى وللتعامل مع البشر، ولم يعرف الطائفية، كانقسام إجتماعي وتوظيف سياسي للدين.

ولأن الطائفية والمناطقية أصبحتا عنوانين مهمين في الأجندة السياسية المرسومة للوطن العربي، يراد بهما استدعاء أحداث التاريخ وصراعاته بصورة مفتعلة، واستدعاء تفاصيل الجغرافيا الضيقة، فإن الإستعمار الغربي يوظفهما توظيفاً شريراً، لبلوغ أهدافه، كما يوظف الفعل العسكري، الذي سيساعد على تدمير اليمن ومجتمعه ونسيجه المتآلف والمتعايش منذ آلاف السنين، تمهيداً لإنشاء ستة كيانات سياسية، تحت مسمى ستة أقاليم، ببرلمانات ومجالس وزراء مستقلة، يمكن أن تُمنح فيما بعد حق تقرير المصير، تماماً مثلما يهيأ المسرح في كل من العراق وسوريا[4] وليبيا، وسيهيأ مستقبلاً في المملكة العربية السعودية ومصر والسودان وغيرها من الأقطار العربية، لتُفرض على العرب خارطة الشرق الأوسط الجديد. وهذا موضوع آخر سبق أن تناولناه في العديد من المقالات المنشورة.

من هنا يتداخل السياسي والعسكري والديني والثقافي، تداخلاً يجعل المرء محتاراً، وهو يحاول أن يحدد حدود هذه الجوانب وأن يميزها، بعضها عن بعضها الآخر. هل يتحكم الآن العسكري بالسياسي، أم العكس؟ وهل يرسم الديني والثقافي إتجاهات الحرب ومآلاتها، أم أن الأمر لايتجاوز حدود التوظيف المعهود لهذين العاملين؟ هل تستطيع النخب السياسية والثقافية والوجاهات الإجتماعية اليمنية أن تتبين طبيعة هذا الخلط وغاياته[5]، فتستيقظ وتعود إلى جادة الصواب وتتصالح فيما بينها وتعي مصالح شعبها وتدرك مايُحاك لها ولوطنها من مؤامرات وما يُرسم من مخططات، ستجعل اليمن في حال نجاحها ولا قدر الله مجرد ذكرى نقرأها في كتب التاريخ والأدب؟

سبيل الخروج من النفق:

في ختام هذه العجالة سأورد رؤية مكثفة، صيغت على شكل مبادرة من قبل التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية، في 15 مايو 2015م، وسُلِّمت للحزب الإشتراكي اليمني وللتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، قبل إعدادهما لمشروعهما المشترك، المشار إليه سابقاً. وهي رؤية كانت عند صدورها، وماتزال حتى الآن، رؤية مجدية ومعقولة، للخروج من هذا النفق المظلم، الذي نتخبط في دياجيره، شريطة أن يكون العقل السياسي اليمني قد وصل إلى مستوى من الإقتناع بضرورة التوجه نحو مصالحة وطنية عامة، وبأن استمرار الحرب والتدمير، لن يحقق سوى أهداف قوى لاتريد الخير لليمن، وستبذر بذور الكراهية، بين أبنائه، الذين عاشوا أجيالاً متحابين متعاونين متسامحين، دينهم واحد وثقافتهم واحدة وأرومتهم واحدة وحلمهم واحد، كما ظل وطنهم واحداً، رغم تعدد وتصارع الكيانات السياسية اليمنية في معظم فترات التاريخ،. فقد كانت تلك الكيانات سرعان ما تتلاشى وتختفي. وبقي اليمن، المجتمع والجغرافيا والتاريخ، يمناً واحداً، لم يتفتت عبر تاريخه الطويل:

 

مبادرة التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية،

 للخروج من حالة الحرب والعودة إلى الحوار اليمني ـ اليمني وبناء الدولة

على ضوء المشهد السياسي والعسكري شديد التعقيد، يمكن أن تسهم الخطوات التالية في الخروج من حالة الحرب الراهنة والعودة إلى طاولة الحوار اليمني ـ اليمني، كشرطين ضروريين لتحقيق التوافق الوطني والشروع في بناء الدولة اليمنية: 

يتم وقف القصف الجوي الخارجي، متزامناً مع وقف الإقتتال االداخلي في كل المناطق اليمنية، والعودة إلى طاولة الحوار تحت إشراف الأمم المتحدة. 

يُشكل المتحاورون الهيئات المؤقتة للدولة، بما فيها السلطة التشريعية والرئاسة ومجلس الوزراء، وتعاد صياغة الدستور وتتم إجراءات إنزاله للإستفتاء الشعبي العام ويوضع قانون جديد للإنتخابات على ضوء الدستور الجديد ويتم التوافق على تعيين لجنة انتخابات جديدة ويجري الإعداد للإنتخابات البرلمانية وانتخاب رئيس للدولة.

إلى جانب المهام السابقة، وبالتوازي معها، يوضع برنامج محدد ومزمن للمهام الإجرائية الأخرى، التي يجب أن تُنجز خلال المرحلة الإنتقالية، وأهمها:

إنسحاب جميع المليشيات المسلحة من كافة المدن والمحافظات، وتسليم المهام الأمنية إلى أجهزة الأمن المختصة، مع توفير مستلزمات نجاحها.

إنسحاب اللجان الثورية من مؤسسات الدولة وتسليمها للأجهزة الإدارية المختصة. 

مباشرة إعادة بناء القوات المسلحة بناءً وطنياً جديداً، لايستثني منطقة ولا مكوناً إجتماعياً، مع وضع الأسس الضامنة لمهنيته وحياديته وعدم ولائه لأشخاص أو لمكونات إجتماعية أو سياسية، بل لليمن كل اليمن، ليكون مؤسسة وطنية كافلة لأمن اليمن واليمنيين جميعهم، دون تمييز.  

تسليم كل المليشيات السياسية والقبلية جميع أسلحتها الثقيلة والمتوسطة للقوات المسلحة الجديدة الضامنة لأمن الجميع. ويمكن في وقت لاحق تسليم الجميع، بمن فيهم المواطنون العاديون، تسليم أسلحتهم الخفيفة أيضاً، بعد أن يأمن الناس على أنفسهم، وتحوز القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والسلطة القضائية على ثقتهم، ويتأكدوا من حياديتها ومهنيتها ومن طابعها الوطني (أي من بنيتها الوطنية المجسدة للوطن اليمني كله، لامنطقة بعينها ولا أسرة ولا عشيرة ولا طائفة بمفردها) ويسود الأمن بوجودها جميع مناطق البلاد، بحيث تنتفي دواعي حمل السلاح بمختلف أحجامه.

 وضع ميثاق شرف تلتزم به جميع المكونات السياسية، يتضمن أهم المبادئ، التي يقوم عليها النظام السياسي والحياة السياسية في اليمن، وعلى رأسها الشراكة الوطنية والتبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الإنتخابات ورفض العنف بكل أشكاله وتثبيت مبدأ المواطنة المتساوية وتكافؤ الفرص أمام أبناء اليمن جميعهم وتأكيد الولاء للوطن وتجريم الولاء للخارج. كل هذا يُبنى على مخرجات الحوار الوطني، التي وضعها اليمنيون بأنفسهم، خارطة لمستقبلهم.                                                   

صنعاء، في 15 مايو 2015م

 


[1]كُتب هذا الموضوع في مطلع شهر مارس 2016م، بطلب من باحث عربي صديق، كان بصدد إعداد بحث حول الأحداث الدائرة في اليمن. ثم قُدِّم ضمن البرنامج الثقافي للتجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية.

[2] مما يلفت الإنتباه في المشهد السياسي اليمني سرعة تغيُّر التحالفات، بين المكونات السياسية اليمنية خلال فترة زمنية قصيرة، من عداء إلى تحالف ومن تحالف إلى عداء. وهذا مايزيد المشهد السياسي غموضاً وارتباكاً، ويجعل الإحتمالات المستقبلية مقلقة. 

[3] مُنح عبد ربه شرعيته رئيساً للجمهورية اليمنية لمدة عامين، بموجب استفتاء شعبي، جرى في 21 فبراير 2012م. ثم تم التمديد له لمدة عام واحد في 21 فبراير 2014م، من قبل جهة غير مخوَّله، دون الرجوع إلى مصدر شرعيته الأصلي، وهو الإستفتاء الشعبي. وبُرر ذلك التمديد بحجةٍ، مفادها أن مدة الرئاسة مرتبطة بإنجاز المهام الموكلة إلى الرئيس، لا بالتحديد الذي تم التصويت عليه في الإستفتاء الشعبي. فمادام الرئيس لم ينجز تلك المهام، لا بد إذاً من التمديد له. وهي حجة لم تُقنع معارضيه. فعدم إنجازه للمهام الموكلة إليه، توجب في رأيهم محاسبته على تقصيره واستبعاده لا التمديد له. لأن ربط مدة رئاسته بإنجاز المهام سيدفعه إلى التراخي وعدم الجدية في إنجاز مهامه، ليضمن بذلك إستمراره رئيساً. ولذا فإن شرعيته الجديدة بقيت موضع خلاف، بين معارضيه ومناصريه، حتى الآن.

[4]بتفاهم مسبق كما يبدو، بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، صرح مؤخراً مسؤول روسي كبير بأن سوريا يمكن أن تصبح دولة فيدرالية. وتلقف الطابور الخامس في الوطن العربي هذا التصريح على الفور وبدأ يسوِّقه، فيتحدث عن عدد الولايات، التي ستتكون منها الدولة الإتحادية السورية (خمس ولايات مثلاً)، وأن كل ولاية يمكنها مستقبلاً أن تطالب بحق تقرير المصير. وهذا يؤكد صحة ما ذهبنا إليه ونبهنا إلى خطورته، بعد إعلان الرئيس هادي عن الأقاليم الستة مباشرة، في رسالة مفتوحة وجهناها إليه وإلى لجنة صياغة الدستور، تم نُشرها في الصحف والمواقع الإلكترونية. ثم كررنا التنبيه في مقال مستقل وفي سياق مقالات أخرى عديدة. فالأقاليم الستة، بتوصيفها المعلن (حكومة وبرلمان لكل إقليم وقوانين           خاصة تصدرها السلطة التشريعية للإقليم)، تتجاوز التقسيم الإداري المطلوب، لتمهد لتجزئة اليمن إلى ست دويلات هزيلة، إستناداً إلى مبدأ حق تقرير المصير، الذي أزاح الستار عنه الآن بعض صحافيي الطابور الخامس العربي، في سياق التسويق لفكرة الفيدرالية السورية. وهذا التسويق هو واحد من مهام مايسمى بالطابور الخامس في الوطن العربي. وكما هو معروف، فإن تسمية الطابور الخامس ترجع إلى الحرب الأهلية الأسبانية، بين عامي 1936م و 1939م. حيث حاصر الجنرالات الأسبان بقيادة فرانكو القوى الجمهورية بأربعة طوابير عسكرية، في حين كان أنصارهم منتشرين في أوساط الجمهوريين، يتجسسون وينشرون الإشاعات ويثبِّطون همم الجمهوريين ويبثون فيهم روح الإنهزام. فكان دورهم يكمل دور الطوابير العسكرية الأربعة ولايقل خطورة عنه، إن لم يفقه. ومن هنا أُطلق عليهم إسم (الطابور الخامس).   

[5] يتجاوز الأمر خلط السياسي بالعسكري بالديني بالثقافي، إلى خلط مفرط للمفاهيم والمصطلحات. بحيث أن مصطلحات كالشرعية والمقاومة والإحتلال، مثلاً، أفرغت من معانيها وفقدت دلالاتها الحقيقية، ووُظفت إعلامياً لإيجاد وعي زائف، يعمق الإنقسام الإجتماعي ويحرض على ممارسة العنف المنفلت، الذي بلغ حداً من البشاعة، في حضرموت وعدن ولحج وتعز، غير مسبوق، وغير مألوف لدى اليمنيين. وغاية هذا كله إدامة الحرب، حتى تبلغ أهدافها المرسومة. 

 

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

 

@aleshterakiNet

قراءة 1372 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة