هوامش على المسألة التنظيمية *

الخميس, 26 أيار 2016 16:09 كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

مقدمة:

لا أريد أن أخوض في واقع الحزب. فالحزبيون أدرى بأوضاع حزبهم. ويستطيعون أن يقدموا تقييماً أكثر دقة وشمولاً، مما أستطيع تقديمه. وما سأتناوله هنا لن يتجاوز حدود بعض الهوامش والمسلمات والتصورات، التي أعتقد أنها تشكل أسسَ العملِ التنظيمي لأي حزب سياسي، يناضل في واقع متخلف كواقعنا العربي. وسأنطلق في ورقتي هذه من قاعدة، أظنها صحيحة، وهي: أن مهمة الحزب، في واقع متخلف، هي تغيير الواقع نحو الأفضل. ولكي يستطيع أن يغير الواقع لابد أولاً أن يغير نفسه. ولعل حالة الحزب الحالية، كما يمكن أن يراها شخص مثلي، تستوجب التوقف عند ثلاثة مستويات:

1.         المستوى النظري.

2.         المستوى التنظيمي.

3.         مستوى الممارسة العملية.

وإذا أردنا هنا أن نكرس حديثنا للمسألة التنظيمية، فإنه يمكننا تجاوز المستوى الثالث، أي الممارسة العملية. لأن الممارسة العملية، لأي حزب، تمثل المخرجات الطبيعية لفكره ولحالته التنظيمية. ولذا فالمعالجات يجب دائماً أن تتوجه إلى المدخلات، أي إلى الأسباب، لا إلى النتائج. لأن معالجة الأسباب، ستؤدي إلى تغيير النتائج. أما الإستغراق في معالجة النتائج وحدها، وإغفال أسبابها فهو أمر غير ذي جدوى ومضْيعة للوقت والجهد. فالنتائج ستستمر في الوجود، مهما وُضعت لها من معالجات، طالما لم تُعالَج أسبابها. أما المستوى الثاني، وهو المستوى النظري، فلا يمكننا تجاوزه، ولابد من ملامسته ولو ملامسة سريعة. لأن المسألة التنظيمية مرتبطة أشد الإرتباط بالمسألة النظرية، ومبنية عليها، بحيث لايمكن أن يُبنى تنظيم حزبي فاعل، دون وجودِ نظرية واضحة، توجه عمل الحزب وتحكمُ نضاله، وتفرض شكله التنظيمي، الملائم لمقتضياتها، القادر على خدمة ما يتفرع عنها من استراتيجيات وتكتيكات وبرامج عمل. 

المستوى النظري:

أكدت في مقال نُشر في العدد العاشر من صحيفة المستقبل، بتاريخ 8 أغسطس 1990م، تناولت فيه واقع الأحزاب السياسية اليمنية، تحت عنوان (قضايا تهم الجميع: الأحزاب، التجانس، التعدد المفترض)، أكدت على ضرورة قيام الحزب الإشتراكي اليمني بمراجعات نظرية، على ضوء الواقع المتغير، محلياً وعربياً وعالمياً. فقلت في ما قلته: "وفي إطار المراجعات التي تشهدها الأحزاب اليسارية في العالم، سواءً على مستوى النظرية، أو على مستوى الممارسة، لاشك أن الحزب الإشتراكي يعيش أيضاً مراجعاته الخاصة، على ضوء المتغيرات العالمية، وعلى ضوء التجربة الثورية اليمنية. ولاشك أن هذه المراجعات ستمس فكر الحزب وبرامجه وعلاقاته بالقوى الإجتماعية المختلفة. ومثل هذه المراجعات تبدو مسألة ملحة، لابد أن ينجزَها الحزب الإشتراكي اليمني، إذا أراد أن يحافظ على دوره كحزب سياسي مؤثر في الساحة اليمنية".

فهل أنجز الحزب، منذ عام 1990م وحتى الآن، أي خلال مايزيد عن ربع قرن من الزمان، هل أنجز المراجعات النظرية المطلوبة؟ لا شك أن قيادات الحزب وأعضائه أقدر مني على الإجابة عن هذا السؤال.

وبما أننا نقصد بالجانب النظري، النظرية، التي يمتلكها الحزب والتي تحكم توجهاته وسياساته ومواقفه، بل ويُبنى وفقاً لها تنظيمه الحزبي، فإننا يمكن أن نجمل فهمنا لها، بصورة موجزة، لانطيل التوقف عندها، إلا بقدر ما تضيء لنا الجانب الذي نتحدث عنه، وهو التنظيم الحزبي، أي الأداة، التي يُفترض أن تحول التفكير النظري إلى واقع سياسي واقتصادي واجتماعي ملموس. فما هي النظرية التي نقصدها؟

لنقل إن النظرية، التي نقصدها هنا، هي الرؤية العامة إلى العالم، بانقساماته الحادة وقواه المتصارعة وبالمصالح المتضادة والعلاقات المتداخلة والتحالفات الثابتة والمتغيرة، وبالمجرى العام لتطوره، ومكانتنا نحن فيه، كبلد عربي وكأمة، لها وجودها التاريخي والجغرافي والسكاني والثقافي، ولها مصالحها الغائبة وثرواتها المنهوبة وإرادتها المسلوبة. هذه الرؤية العامة، سيتولد عنها إدراكنا لدورنا في العالم ودورنا في صنع واقعه، بدءاً بالواقع اليمني، فالعربي، فالإقليمي، ثم العالمي. وسنحدد، بناءً على هذا الإدراك، سياساتنا وتحالفاتنا وأساليبَ نضالنا، الهادف إلى حل مشكلات التخلف والجهل والفقر والإستبداد والتبعية. كما سننشئ تنظيماتِنا بأشكال تعبر عن محتوى نظريتنا. وبحيث تكون، أي هذه الأشكال، قادرة على إنجاز برامجنا السياسية المرحلية، وصولاً إلى تحقيق أهدافنا الوطنية ـ العربية الكبرى. هنا يرتبط الشكل التنظيمي للحزب بالنظرية العامة، التي يمتلكها، وبالمهام المرحلية، التي يجب أن ينجزَها، وبالأهداف البعيدة، التي يسعى إلى بلوغها.

فهل يعاني الحزب إذاً من مشكلة حقيقية على المستوى النظري، تتجلى في خطه السياسي وخياراته وتحالفاته، وتلقي بظلالها على المستوى التنظيمي؟ سأترك الإجابة عن هذا السؤال. وأستعيض عنها بثلاثة أسئلة رئيسية، ربما تُسهِّل الإجابة عنه:

س1: هل يمتلك الحزب تصوراً واضحاً عن المصالح المتصارعة في العالم، وامتداداتها في الإقليم، وتأثيرها في الداخل اليمني؟ 

س2: هل يدرك الحزب بأن اليمن هو جزء من وطن عربي كبير، يتشارك معه في التخلف والجهل واستبداد الأنظمة الحاكمة، المرتبطة وظيفياً بالمصالح الأجنبية، كما يتشارك معه في أمنه القومي وفي وحدة المصير، وأنه، أي اليمن، سيبقى عاجزاً عن الدفاع عن مصالحه وإحداث تنمية حقيقية ونقلة حضارية، بمعزل عن عمقه العربي؟ 

س3: هل لدى الحزب خارطة واضحة المعالم، لتحالفاته الداخلية والعربية والإقليمة والعالمية، مؤسسة على مبادئ وأهداف واضحة، وعلى مصالح مشتركةٍ للحركة الثورية اليمنية والعربية والعالمية؟ 

وهنا لا بد من التأكيد على أن الإجابات المطلوبة عن هذه الأسئلة وأمثالها، لابد أن تتجاوز الإجابات الفردية، التي يجتهد كل عضو من أعضاء الحزب في إعطائها. فاجتهادات الأفراد في حزب منظم يجب أن تتفاعل وتتبلور، مشكلة إجابات جماعية، تعبر عن فكر الحزب واتجاهه العام وانحيازه إلى القضايا الوطنية والإجتماعية وموقفه الموحد، الذي يمثل القناعة الإجمالية لجميع قياداته وقواعده. وفي تقديري أن هذا هو الشرط الضروري لبناء تنظيم حزبي متماسك، مسلح بالوعي مسترشد بنظرية واضحة المعالم.

لقد أُصبنا، على مدى عقود طويلة، بمرض التقليد، أي بنقل النماذج الفكرية الخارجية بحرفيتها، دون انتباه للواقع الذي ولدت من رحمه، لتلبي احتياجاته وتعالج مشكلاته، مستسهلين نقلها جاهزة، وتطبيقَها على واقعنا دون عناءً. بل لقد عمدنا إلى رسم صورة متوهَّمة لواقعنا، تغاير الواقع الفعلي الذي نعيشه، لنقنع أنفسنا بأنه واقع ملائم للنماذج المنقولة. مكرسين بذلك عجزنا عن إبداع أفكار جديدة، تنبثق من واقعنا نحن، وتعالج مشكلاته الحقيقية.

هكذا نهجنا نهجاً خاطئاً، وحرصنا على التمسك به. رغم أن بعض مثقفينا اليساريين العرب رددوا طويلاً مقولة لينين المعروفة (الماركسية هي التحليل الملموس للواقع الملموس)، دون أن يفهموها أو يعملوا على تطبيقها. فهذه المقولة تعني أن الماركسية، التي تبنوها، ليست موضة ولا نظريات محنطة، يُكتفي باستظهارها وترديدها، للبرهنة على أنهم مثقفون ثوريون، وبالتأكيد يساريون، بل هي منهج لتحليل الواقع المعاش، بهدف فهمه، كمدخل ضروري لتغييره. ومن الطبيعي أن استخدام المنهج ذاته، في واقع مختلف، سيؤدي إلى نتائج مختلفة. وهذا ما جهَلَه بعض هؤلاء وتجاهلَه بعضهم الآخر. وهكذا فشلوا في استخدام المنهج واستعاضوا عنه بحفظ الصيغ النظرية والشعارات الجاهزة، يتباهون في ترديدها في كل حين، ويجهل الكثيرون منهم حتى معانيها، لأن معانيها تنتمي إلى عالم آخر وإلى واقع مختلف. وكانت النتيجة عجزاً فاضحاً في فهم الواقع العربي، وإخفاقاً في وضع الحلول الملائمة لمشكلاته الحقيقية. وهذا يفسر، إلى حد كبير، تخبطَنا الدائم، وإخفاقاتنا المتوالية، على مدى أكثر من نصف قرن من الزمن، إرتكبنا خلاله أخطاءً جسيمة، ودفعنا أثماناً باهضة.

 الوضوح النظري إذاً شرط لاغنى عنه لبناء الحزب وللشكل التنظيمي الذي يتخذه. وهو، أي الوضوح النظري، شرط لاغنى عنه أيضاً للروح النضالية لأعضاء الحزب. فكل عضو يحتاج، للإستمرار في نضاله، إلى معرفة ما يناضل الحزب من أجله، وما يناضل هو شخصياً من أجله، كعضو ناشط في صفوف الحزب. فإذا تشوشت الرؤية وأصبح العضو لا يعرف لماذا يناضل، ومن أجل ماذا يضحي، فإنه سيتوقف عن النضال، حتى لو لم يقطع صلتَه بالحزب. فعضويته في الحزب ستصبح في هذه الحالة مجرد عضوية شكلية، فارغة، خالية من اليقين ومن المهام النضالية. وستصبح علاقاتُه بحزبه وبرفاقه علاقاتٍ واهية، إذا لم تتحول إلى نفور وخصومات عبثية. وينطبق هذا على العضو العادي في الحزب وعلى العضو القائد أيضاً. 

المستوى التنظيمي:

 لابد أن نكرر التأكيد هنا، مرة أخرى، على ضرورة وجود نظرية للحزب، تمثل رؤيته للعالم، بكل ما يمور به من تناقضات وصراعات. ينطلق منها إلى بناء أداته التنظيمية، أو لنقل إلى إعادة بناء أداته التنظيمية. وإلا فسيبقى كل جهد يُبذل على المستوى التنظيمي، مجرد جهد يفتقر إلى الروح، وينتهي إلى الفشل، وإلى مزيد من الإحباط. فعلى قاعدة الوضوح النظري يُبنى التنظيم الحزبي. ولا يمكن أن يُبنى تنظيم حزبي دون وضوح نظري.

وفي الوقت الذي نؤكد فيه على ضرورة وجود نظرية لدى الحزب، يُبنى عليها التنظيم الحزبي، نحذر مرة أخرى أيضاً من مرض التقليد الأعمى، الذي أشرت إليه آنفاً، ومن الميل الغريزي إلى نقل النظم الفكرية والأشكال التنظيمية الجاهزة، دون فهم لواقع بيئاتها وظروف نشأتها، لما ينتج عن ذلك من تعطيل للعقل ومن تخبط في العمل السياسي، ومن إعاقة لمسيرة التطور والنهوض في بلادنا.

لقد سمعت مراراً، من يقول، بأن الشكل التنظيمي، الذي عرفه الحزب حتى الآن، أصبح من الماضي، ولابد من شكل جديد، يساير الأشكال الحزبية الموجودة في البلدان الأوربية المتقدمة. أي لابد من موضة جديدة لشكل التنظيم، نستوردها، ونقلد فيها شكل الأحزاب الأوربية. نعم بهذه البساطة. دون إدراك لحقيقة أن شكل التنظيم تحكمه مهامه، في الواقع الذي يناضل فيه. ولكي نبني أحزاباً مشابهة تنظيمياً وأساليب عمل للأحزاب الأوربية، علينا أولاً أن نجعل الواقع في بلدنا مشابهاً لواقع البلدان الأوربية. بمعنى آخر، يجب أن ننقل الواقع الأوربي بكامله إلينا أو ننتقل إليه. لا أن ننقل الأداة السياسية وحدها، وننتزعها انتزاعاً من تربتها، لنزرعها في تربة غريبه، لن تلبث أن تموت فيها، أو تبقى شكلاً عليلاً دون مضمون. لأن هذه الأداة صممت هناك، للقيام بمهام محددة، هناك، أي في ذلك الواقع المختلف عن واقعنا. وما دام واقعنا مختلفاً، فمهام أحزابنا لابد أن تكون مختلفة، وشكل التنظيم الحزبي، الذي سينهض بهذه المهام لابد أن يكون مختلفاً.

الحزب هناك أداةٌ إنتخابية فحسب. لذا يتشكل تشكلاً مرناً، من أطر قيادية، تمثل طبقات إجتماعية ومصالح اقتصادية محددة، ثم من جماهير الناخبين، التي يتم حشدها في المناسبات الإنتخابية فقط. أما الحزب عندنا فيجب أن يكون أداة تغيير لواقع متخلف، تدافع عنه قوى إجتماعية مستفيدة من عوامل التخلف السائدة. هنا لابد من تنظيم حزبي قوي يمتلك هيكلية تنظيمية متماسكة، يستطيع بها أن يناضل نضالاً مؤثراً في هذا الواقع، لا في الواقع الأوربي، ويصارع عوامل وقوى التخلف، المستشرسة في الدفاع عن مصالحها والمستميتة في الإبقاء على الواقع المتخلف الراهن.

النضال هنا ليس نضالاً موسمياً مريحاً، بل هو نضال يومي صعب. لذا يحتاج إلى أداة محكمة التنظيم، تتحرك يومياً في المجتمع، وتعمل على حشد قوى التقدم فيه، وتأطيرها وتنظيم فعلها المقاوم للتخلف، وتوجيهه نحو المستقبل المنشود. هنا لايصلح تنظيم يديره عدد محدود من المثقفين، يقودون جمهوراً إنتخابياً، تتغير مواقفه، بحسب البرامج الحزبية المعلنة، وتأثير الآلة الإعلامية المهيمنة، وسطوة رأس المال المتحكم في مجمل الحياة السياسية.

وبما أنني لست مؤهلاً للخوض في تفاصيل الوضع التنظيمي الراهن للحزب، ولا أعرف عنه سوى بعضِ تجلياته في الواقع العملي، على مستوى أداء قياداته وقواعده، فسأكتفي هنا باستذكار بعض المبادئ التنظيمية المهمة، على افتراض أن الجانب النظري متوفر لدى الحزب. وسأستقي هذه المبادئ من تجارب أحزاب ثورية، ناضلت في بقاع مختلفة من العالم، كانت بعض ظروفها مشابهة لظروف واقعنا العربي الراهن. وهي تجارب استرشدت بها أحزاب عربية، ووقع بعضها في خطيئة التقليد الأعمى. فقتل التقليد روح الإبتكار والإبداع فيها، وجعلنا زاهدين في التعلم منها. لأنها عجزت، بنهج التقليد الذي اتبعته، عن أن تقدم لنا دروساً مفيدة.

 هذه المبادئ التنظيمية قد تساعد على وضع الإصبع على مواطن الداء في جسم أي تنظيم حزبي عربي. وسأحرص هنا على عدم إيرادها بحرفيتها، بل بما يُستفاد من معانيها، ممزوجة بتجربة شخصية متواضعة، توارت خلف عقود من السنين: 

1.         يجب أن يضم التنظيمُ قادةً، مهنتهم العمل الحزبي، أي متفرغين لهذا العمل، غير منشغلين بوظائف حكومية أو غير حكومية، أو بأعمال ونشاطات تجارية أو غيرها. إذ لايمكن أن يكون هناك تنظيم حزبي متين ومؤثر في الواقع الذي يناضل فيه، دون وجود أطر قيادية متفرغة وقادرة على تأمين استمرار العمل. وكلما كثرت أعداد الجماهير الملتفة حول الحزب، وكثر المنتسبون إليه، كلما ازدادت الحاجة إلى هذه الأطر القيادية المتفرغة. 

2.         ليست مهمة قيادة الحزب تحديد الإتجاه العام ورسم السياسات فحسب، بل مهمتها أيضاً وضع أساليب العمل الصحيحة، لضمان المحافظة على الإتجاه العام، ثم إدارة عملية التطبيق، أي تطبيق السياسات المرسومة.

3.         لا يمكن أن يكون هناك تنظيم حزبي قادر على التأثير في واقع بلده، دون توفر الإنضباط الصارم، في مستوياته القيادية والقاعدية. ولا يمكن إيجاد المستوى المطلوب من الإنضباط الحزبي، إذا لم تتوفر جملة من الشروط، سأكتفي هنا بذكر ثلاثة منها، وهي:

*          الوعي المبني على نظرية واضحة، والمتجلي في برامج عمل مفصلة وسياسات صائبة ومواقف غير مرتبكة.

*          ثم النموذج القيادي المقنع لقواعد الحزب. في نقائه وإخلاصه للحزب، وصواب فكره، وفي أدائه العملي وسلوكه الشخصي.

*          ثم تحديد المهام الحزبية بدقة، من قبل القيادات الحزبية المسؤولة، ومتابعة التنفيذ، ومحاسبة المقصرين، دون إبطاء.

       فإذا لم تتوفر مثل هذه الشروط، فإن إيجاد حالة إنضباطية عالية في أوساط الحزب، وعمل مؤثر في أوساط الشعب، سيغدو أمراً صعباً.

4.         الوعي، كشرط من شروط الإنضباط، هو استيعاب حركة الواقع المحلي، بغناها وتعقيداتها وتناقضاتها الداخلية، التي تدفع بالواقع نحو اتخاذ أشكال جديدة، تقدمية أو تراجعية، في إطار مجمل الصراعات الدولية والإقليمية، المعبرة عن المصالح المتناقضة في العالم. 

5.         إذا لم يتحرك التنظيم بكل قياداته وقواعده، تحركاً واحداً منسجماً، لانشاز فيه، فلا يمكنه أن يقود ملايين الناس، على طريق النضال، من أجل تحقيق الأهداف الوطنية. وهل يمكن العزف على البيانو دون تحريك الأصابع العشر؟ لابد، كما يقول الصينيون، من تعلم العزف الصحيح للحصول على موسيقى جميلة.

6.         يشكل التعاون والتفاني في تنفيذ المهام الحزبية، حتى مع من تختلف معهم من رفاقك، يشكل الضمان لاستمرار مسيرة الحزب، ويولِّد مناخاً صحياً داخلَه، ويساعد على تحويل الإختلاف في الرأي، إلى مصدرِ إغناءٍ وحافزٍ للنقاش والحوار المثمر.

7.         إمسكوا جيداً. أي إمسكوا بالمهام الحزبية بحزم. لايكفي الإمساك بالمهمة. بل لابد من الإمساك بها بحزم. ولايمكن إمساك شيئ إلا بالإطباق عليه بقوة، دون أقل ارتخاءٍ في الأصابع. وعدم الإمساك بقوة يؤول إلى عدم الإمساك مطلقاً.

8.         من أهم المبادئ في العمل التنظيمي، الإختيار الدقيق للأعضاء وتحديد المهام اليومية لكل عضو ومتابعة تنفيذها. وكذا إعداد الحزبيين المحترفين، إعداداً نظرياً وعملياً. 

9.         العدد الأقل من الأعضاء المتميزين المعَدِّين إعداداً جيداً، والقادرين على العمل، خير من الأعداد الكثيرة العاجزة. لأن عجزها سيشكل عبئاً على الحزب، ويسبب تفشي حالةِ العجز فيه، ويؤثر تأثيراً سلبياً، حتى على القادة والأعضاء المتميزين.

10.       إرسموا خطوطاً واضحة، بين قوى التقدم وبين أعداء التقدم، بين الأعداء الرئيسيين وبين الأعداء الثانويين، بين التناقضات الرئيسية وبين التناقضات الثانوية. ولا تسمحوا بتداخل الخطوط. لأن نتيجة التداخل ستكون وخيمة على مسيرة الحزب، وستؤدي إلى تخبطه في مساره، ويأس الجماهير منه، وانفضاضها عنه، وبالتالي فشلِه في النهوض بمهمته التاريخية.

11.       في داخل الحزب أيضاً، إرسموا خطوطاً واضحة، بين الصواب وبين الخطأ. بين النقاء وبين الإنتهازية. بين المثابرة وبين الإهمال. بين الحيوية وبين الكسل. بين القادة والأعضاء الفاعلين، وبين ضيوف الشرف. بين الكلام والثرثرات والكتابات غير المسؤولة، وبين الطرح الرصين المسؤول. بين من يتحدثون كثيراً ويعملون قليلاً، وبين من يعملون بصمت، ويحرصون على أداء مهامهم، على أحسن وجه ممكن. بين عشاق الأضواء والشهرة والمال، وبين الزاهدين فيها. إرسموا حدوداً واضحة، بين هؤلاء وأولئك، تضمنوا سلامة الحزب وتماسكَه وصحةَ مساره وصوابَ مسيرته.

هذه المبادئ وغيرُها، يمكن أن تساعد على التمييز، بين شعوركم بأنكم حزب، وبين أن تكونوا حزباً حقيقياً في الواقع. إن الحركة الجماهيرية العفَوية، دون قيادة تاريخية، لايمكن أن تصنع التاريخ. صناعة التاريخ تحتاج إلى قادة. وقادة هذا العصر هي الأحزاب. فهل تجعلون من حزبكم حزباً مؤهلاً لصنع تاريخ اليمن، وللمساهمة في صنع تاريخ الأمة العربية، وللتأثير في مسار تاريخ العالم؟ هذا دون شك طموح كبير. ولكن التحديات الكبيرة، التي يواجهها وطننا الصغير اليمن ووطننا الكبير الوطن العربي، لايمكن مواجهتها إلا بطموحات كبيرة، وبفعل كبير، يرتقي إلى مستوى الطموحات وإلى مستوى التحديات.

ما العمل؟:

بعد هذه الملامسة الخفيفة، لمسألتي النظرية والتنظيم، حان الوقت لنطرح سؤالاً، نعرفه جميعنا. فقد تردد على ألسنةِ قادةٍ كبار، في بقاع كثيرة من العالم: ما العمل؟ فعندما تلتبس الأمور، وتتداخل الخطوط، وتختلط الأوراق، وتتشوش الرؤية، علينا أن نتوقف قليلاً، ونسأل أنفسَنا: ما العمل؟

لقد ترددت، ليس فقط في الإجابة عن هذا السؤال، بل في تقديم هذا الموضوع برمته. لأني أعتقد، بأن أعضاء الحزب أكثرُ دراية مني بالأوضاع الداخلية في حزبهم، وأن أي عضو في الحزب يمكنه أن يتحدث فيها، بصورة أكثر تحديداً وفهماً، مما يمكنني فعله. فأهل مكة أدرى بشعابها. ولكنَّ رغبة بعضِ الأصدقاء، جعلتني أركب الصعب، وأمضي على حقل الألغام الشائك هذا، مدركاً أنني أجهل خارطته ولا أضمن أن لا تزل قدمي، فينفجر لغم هنا ولغم هناك. ومع ذلك فإني أعرف أمراً واحداً، وهو أن الإنضباط هو مفتاح العمل الناجح. وما دمت قد التزمت بتقديم هذا الموضوع، فلا بد إذاً من أن أنضبط، وأُنفذ ما التزمت به. وبما أنني أتحدث من خارج الإطار التنظيمي للحزب، وأحاول أن أدلوَ بدلوي في بئره العميقة، فإن ما سأطرحه الآن، لن يكون إلا من قبيل التخيُّل. ولكن، ألم يكن التخيُّل دائماً هو البداية لكل عمل ناجح ولكل إنجاز كبير؟

إذاً فلنتخيَّل معاً، أن قيادة الحزب قد أصدرت قراراً بتكوين لجنة عليا، مكلفة بإعادة ترتيب أوضاع الحزب التنظيمية في كل اليمن، وحددت مهامها وصلاحياتها بدقة، وخولتها تشكيلَ لجان فرعية في المحافظات، تساعدها في مهمتها، وتعمل تحت إمرتها.

لا شك أن أول سؤال ستطرحه اللجنة العليا على نفسها، هو: من أين نبدأ؟ فهل نغامر، ونحاول أن نساعدها في الإجابة عن هذا السؤال؟ أعتقد أن المغامرة مجدية. فلنمض معاً، وسأحاول من جانبي أن أرتب مقترحاً للإجابة، في نقاط موجزة. أستحضرها من تجربة قديمة مشابهة مررت بها، ولكن في إطار أضيق بكثير من الإطار الحالي للحزب. تاركاً لأعضاء الحزب، وهم أكثر علماً ودراية مني، ليتوسعوا في هذه النقاط، أو يحذفوها ويستبدلوها بنقاط أفضل منها، أو يهملوا الأمر كله. علماً بأن الحديث هنا سيظل في دائرة التخيُّل، ولن ينتقل إلى دائرة الفعل. فالإنتقال إلى دائرة الفعل ليس من شأننا، ولا يدخل في نطاق صلاحياتنا: 

1.         قبل البدء بأي إجراء، لابد من تشخيص الحالة الراهنة، التي يعيشها الحزب. وهذا يتطلب بالضرورة العودة إلى الخلفية التاريخية، أي إلى لحظة نشوء الحزب، للوقوف على العيوب البنيوية، الناجمة عن ظروف النشأة. ثم استعراض مساره: فكره وتجربته السياسية، بسلبياتها وإيجابياتها، وعلاقاته الداخلية والمنعطفات الحادة، التي مر بها حتى الآن. ولابد من الوقوف على خصائص قياداته المتعاقبة: مؤهلاتها، ثقافاتها، خلفياتها الإجتماعية، طبائعها، خلافاتها وصراعاتها، وما تركته من بصمات، جيدة أوسيئة، على مسيرة الحزب...إلخ، دون إغفالٍ لتأثير المحيط الإجتماعي، والإنتماءات المناطقية، على علاقات الحزب الداخلية، وعلى صراعات أجنحته، وعلى خياراته السياسية. وهذا كله يدخل ضمن ما نسميه بالخلفية التاريخية. فتشخيص أيةِ ظاهرة إجتماعية، يقتضي العودة إلى خلفيتها التاريخية، لمعرفة ظروف نشأتها، وتفاعل مكوناتها الداخلية، وعلاقاتها بالظواهر المحيطة بها، ومنحى تطورها ووصولها إلى ما وصلت إليه. وحتى المريض في بلاد الآخرين، يستجوبه الطبيب، في أول زيارة له، حول تاريخه المرضي وتاريخ والديه وإخوته ومحيطه الأسري، وربما محيطه الإجتماعي أيضاً. ليصل الطبيب أخيراً إلى تشخيص المرض، الذي جاء المريض يشكو منه، وليتمكن من معالجته. 

2.         بعد الوقوف على الخلفية التاريخية للحالة الراهنة، السياسية _ التنظيمية، التي يعيشها الحزب، تنْكبُّ اللجنة العليا على دراسة المشكلات العامة في الوضع التنظيمي الحالي. وبعد دراستها وتشخيصها، تضعُ اللجنةُ لنفسها خطة عمل تفصيلية لتحركها، تنطلق من استراتيجية واضحة.

3.         لوضع استراتيجية واضحة للعمل، لابد من الإجابة عن عدد من الأسئلة، مثل: ماهو الهدف، الذي نريد الوصول إليه؟ ومن أين ننطلق؟ وأي طريق نسلك؟ وكيف نتحرك في الطريق الذي سنسلكه؟ وماهي الإمكانيات المادية والبشرية، التي يجب أن نوفرها عند انطلاق العمل، ثم في مختلف مراحله، لضمان النجاح في مهمتنا هذه؟ وكيف نوظف هذه الإمكانيات توظيفاً جيداً ونديرها إدارة سليمة؟ إلى غير ذلك من الأسئلة، التي لابد أن تطرحها اللجنة على نفسها، قبل انطلاقها في العمل. وستشكل الإجابةُ عنها أساس العمل ومنهجه، أو مايمكن أن نسميه هنا (إستراتيجية العمل).

4.         بعد وضع استراتيجية العمل، يتم تحديد الخطوات التنفيذية، وأهمها، كما أتخيَّل:

‌أ.          حصر عام لإمكانيات الحزب البشرية والمادية. ونعني بالإمكانيات البشرية، عدد أعضاء الحزب ومراتبهم التنظيمية ومهامهم الحزبية ومؤهلاتهم العلمية ومهنهم ونشاطاتهم الإجتماعية ...إلخ. أما الإمكانيات المادية، فتشمل الرصيد النقدي للحزب والإستثمارات المختلفة، إن وجدت، والعقارات والأثاث والأجهزة والسيارات ...إلخ، ومقدار الإشتراكات الشهرية للأعضاء، ونسبها التصاعدية إلى دخولهم، والإعانات والتبرعات، الرسمية والأهلية.

‌ب.        وضع خارطة تفصيلية، لانتشار الحزب في مناطق اليمن المختلفة. من خلال المعلومات، التي تجمعها اللجان الفرعية، التابعة للجنة العليا. على أن تتضمن الخارطة: عددَ الأعضاء في كل منطقة، مع مستوياتهم التنظيمية ومؤهلاتهم العلمية ووظائفهم وصفاتهم المهنية (أساتذة، كتاباً، صحفيين، فقهاء، حرفيين، أطباء، مهندسين، محامين، محاسبين قانونيين، تجار، عمال، سواقين ...إلخ).

‌ج.         النزول الميداني إلى المناطق المختلفة، والوقوف على عمل اللجان الفرعية، وعقد لقاءات مع المنظمات القاعدية، وإدارة حوار معها، حول المهمة، التي كُلفت بها اللجنة العليا، وحول الصعوبات والمشكلات التي يعاني منها الحزب، مع تدوين ما يقدمه أعضاء الحزب من تصورات ومقترحات لتجاوز الصعوبات ومعالجة المشكلات.

‌د.          وضع تشخيص لأوجه القصور التنظيمي في الحزب، على ضوء النزول الميداني، والحوارت التي دارت خلاله، والتصورات والمقترحات، التي قدمها أعضاء المنظمات القاعدية واللجان الفرعية، مع وضع تصور للحلول الممكنة.

‌ه.          دراسة الهيكل الحزبي الراهن، وتحديد عيوبه ونواقصه، إن وجدت، ووضع هيكل جديد، يضع في اعتباره التوظيف الأمثل لإمكانيات الحزب، البشرية والمادية، بهدف الإرتقاء بمستوى الأداء الحزبي.

‌و.         رفع تقرير مفصل إلى قيادة الحزب، يتضمن كل ما قامت به اللجنة العليا، مع النتائج التي توصلت إليها والمقترحات، التي تراها كفيلة بتصحيح أوضاع الحزب وتحسين أدائه. 

5.         ولضمان نجاح جهود اللجنة، وتفعيل ما ستقدمه لقيادة الحزب من مقترحات عملية، لتصحيح وضعه التنظيمي، لايجب أن تنتهي مهمتها عند تقديم تقريرها إلى قيادة الحزب. بل لابد أن تواصل عملها، منتقلة من مرحلة التشخيص ووضع الحلول إلى المرحلة التطبيقية. فتتولى بنفسها، تحت إشراف قيادة الحزب، تطبيق الحلول المقترحة، التي وضعتها. وسيكون هذا اختباراً لمدى جديتها ومقياساً لمدى دقتها وموضوعيتها وعدم مبالغتها، فيما قدمته من تصورات ومقترحات على الورق. وهنا يمكن أن يتضمن عمل القيادة واللجنة معاً، في مرحلة التطبيق، النقاط التالية:

‌أ.          تحديد مهام كل عضو قيادي أوغير قيادي في الحزب بدقة، ومتابعة التنفيذ، والتأكد من أن كل عضو في الحزب لديه مهام حزبية، وفقاً لمبدأ (لا عضوية دون مهام حزبية).

‌ب.        ضبط الإشتراكات الشهرية للأعضاء، التي تشكل مورداً مالياً مهماً للحزب. عدا عن كونها عاملاً مهماً أيضاً، في تعزيز إنتماء الأعضاء إلى حزبهم، ومقياساً لمدى إلتزامهم.

‌ج.         العمل على إيجاد حلول، ولو مؤقته، للمشكلة المزمنة لآلاف من أعضاء الحزب وأصدقائه العاطلين عن العمل، الذين سُرحوا عنوة، لإرباك الحزب وإشغاله في مشكلتهم. وعدم الإكتفاء بمراجعة الجهات الحكومية، التي لم تظهر جدية في إعادة هؤلاء إلى أعمالهم. لأن نجاح الحزب في ابتداع حلول عملية، سيعكس نفسه إيجابياً على العمل التنظيمي، وسيثبت مصداقية الحزب، ويعزز التصاق هؤلاء بالحزب وبهيكله التنظيمي، وحماسهم في أداء واجباتهم الحزبية. ويطمئن من يمكن أن يتعرضوا للتسريح مستقبلاً، بأن الحزب لن يتخلى عنهم. 

‌د.          التخفف من العبء، الذي يمثله وجود أعضاء في المنظمات القاعدية وفي الهيئات القيادية، لامهام لهم ولا عمل، ولايمتلكون قدرة على المبادرة ولا على الإلتزام والإنضباط. على أن يُعطَوا قبل التخفف من عبء وجودهم، فرصة لاختبار قدراتهم واستعداداتهم. فإذا ثبت أن العيب يكمن فيهم، فالتخفف منهم يصبح ضرورة، لانطلاق الحزب بروح جديدة. لأن وجودهم يثقل الحزب، ويبث روح الوهن في بقية الأعضاءِ والقيادات النشطة. ولكن إذا تبين أن الخلل في أداء الحزب نفسِه، فلا بد، في هذه الحالة، من العمل على توظيف إمكانياتهم وتحديد مهامهم والمحافظة على وجودهم المفيد في الحزب.

‌ه.          وضع أشكال جديدة ومرنة، للعمل مع من يتخفف الحزب من عبء وجودهم فيه، من أعضائه ومن قياداته. بحيث لا تُفقَد الصلة بهم، بل يستمر الحزب بالتواصل معهم ومدهم ببياناته وأدبياته ومواقفه، وإشراكهم في نشاطاته العامة، من ندوات ومهرجانات ومسيرات وغيرها، وعقد لقاءات تشاورية حوارية معهم، بين الحين والآخر.

‌و.         التأكدُ أولاً، من انتظام الإجتماعات الدورية في هيئات الحزب المختلفة، من القمة إلى القاعدة. والتأكدُ ثانياً، من أن القيادات الحزبية تتلقى تقارير منتظمة ومفصلة، حول مهام المنظمات القاعدية، والمناقشات، التي تدور فيها، والقرارات والتوصيات، التي تُتخذ في تلك الإجتماعات. والتأكدُ ثالثاً، من أن القيادات الحزبية تقوم بواجبها في إصدار التوجيهات المنتظمة، التي تنساب، دون انقطاع، من المستويات القيادية العليا، إلى المستويات التي تليها، وصولاً إلى المستويات القاعدية، عبر التسلسل الحزبي، الذي لايجوز تجاوزُه.

‌ز.         إنزال القيادة العليا في الحزب إلى القواعد، بصورة منتظمة ودون انقطاع، تعميمات سياسية، تتضمن تحليلات للوضع السياسي والتطورات الحاصلة فيه وموقف الحزب من هذه التطورات، لضمان وحدة الرؤية والموقف، واستيعاب الخط السياسي للحزب، من قبل كل قياداته وكل أعضائه ومؤيديه، وعبرهم كل جماهيره.

‌ح.         إشراف قيادات المنظمات القاعدية، وفق خطط مدروسة، على النشاط المنظم في الأحياء ومرافق العمل، وفي أوساط المنظمات الشعبية، من نقابات واتحادات وجمعيات ومنتديات ثقافية ...إلخ. والعمل على توظيف طاقات وقدرات ومهارات الأنصار والمؤيدين، توظيفها في هذه النشاطات، لإتاحة المجال لهم للتفاعل مع أعضاء الحزب والمشاركة في توسيع دائرة تأثيره في المجتمع، وتهيئتهم، في الميدان العملي، للإنتظام لاحقاً في هيكله التنظيمي. 

‌ط.         التقيد بمواعيد المؤتمرات الحزبية، لتجديد حياة الحزب، بالرؤى السياسية والتنظيمية، وبضخ دماء جديدة إلى المستويات القيادية، من الأعضاء الذين اكتمل إعدادهم، وأثبتوا، من خلال العمل، كفاءاتهم وأهلياتهم، لتولي مواقع أعلى، في هيكل الحزب التنظيمي.

‌ي.         الحرص على عدم الإفراط في تضخيم أعداد الأعضاء في الهيئات العليا للحزب، كاللجنة المركزية والمكتب السياسي، مثلاً. لأن تضخيم الأعداد يحوِّل الهيئة إلى جثة ثقيلة، يصعب تحريكها، وينوء الحزب تحت ثقلها، ويصبح من الصعب عقد اجتماعاتها الدورية أو الإستثنائية، فتنعدم الفائدة منها. وإذا ما اجتمعت، فإن اجتماعاتها، بأعدادها الغفيرة، ستأخذ شكل مهرجانات خطابية، لاستحالة مناقشة أية قضية مع جمهور أعضائها، مناقشة جادة، تفضي إلى نتائج مثمرة.

‌ك.         دراسة أوضاع الأحزاب السياسية المختلفة، من النواحي الفكرية والتنظيمية والممارسة العملية، وتحديد أحجامها ومناطق انتشارها وتأثيرها وطرائق عملها والقواسم المشتركة بينها وبين الحزب، لوضع تصور لكيفية التعامل معها.

‌ل.         تشجيع المبادرات الخلاقة لأعضاء الحزب، سواءً في مجال النشاط الجماهيري، أو الإبداع العلمي والأدبي والفني، ووضع الصيغ التنظيمية، الكفيلة بجعل هذه المبادرات أكثر تأثيراً في المجتمع، وأكثرَ إغناءً لمسيرة الحزب.

‌م.          تعهدُ الموهوبين من أعضاء الحزب، ورعايتُهم والأخذُ بأيديهم، والعملُ على إبرازهم وتقديمهم للجمهور، عبر وسائل الإعلام المتاحة، وعبر الندوات والمؤتمرات والمعارض. والحرصُ على طباعة أعمالهم الإبداعية ومساعدتهم في تسويقها والترويج لها. لما في ذلك من فوائد وطنية وحزبية، يُثبتُ الحزبُ عبرها، بأن دوره في المجتمع يتجاوز الدور السياسي الضيق، إلى الدور الحضاري الواسع.

6.         الإلتفات إلى مشروعين مفصَّلين، قدمتهما للحزب. الأول مشروع إنشاء مركز للبحوث والتوثيق تابع للحزب، قدمته بأهدافه وهيكليته وكلفة إنشائه، مع تصور لكلفة تشغيله في سنة التأسيس. والثاني مشروع إنشاء هيئة إستشارية من كوادر الحزب المتقدمة، المؤهلة علمياً، من تخصصات مختلفة، يرتبط بها مركز البحوث. وتقدم التصورات والمقترحات، المبنية على البحوث والدراسات المتخصصة، تقدمها لقيادة الحزب، لترشيد سياساتها وقراراتها ومواقفها، في مختلف المجالات، التعليمية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والعسكرية والأمنية ...إلخ. على أن يعمل كل عضو فيها في دائرة محددة، من الدوائر الموازية لعمل وزارات الحكومة. يتعمق في اختصاصات الوزارة المعني بها، ويتابع أعمالها ويقيمها، ويصبح خبيراً في قطاع عملها. لتكون هذه الهيئة أشبهَ بحكومة الظل. وقد سبق أن قدمت المشروع الأول، ثم الثاني، أكثر من مرة، منذ عام 2009م، كما أتذكر، تطوعاً في المرة الأولى، ثم بطلب من الحزب، في المرات التالية. ولكنهما تاها في بحره الواسع. ولولا خشيتي من أن أثقل عليكم أكثر مما قد أثقلت، لاختتمت هذه الورقة بتلاوة نصيهما. 

خاتمة:

أخيراً لابد من التأكيد على أن من أولويات مهام الهيئات القيادية في الحزب الثوري، العمل على تحقيق الإنسجام والتفاعل الخلاق في صفوفه وتوحيد الرؤية والتوجه لكل منتسبيه. ولايمكن أن تحقق ذلك إلا بإعادة النظر في المشكلات الراهنة على المستويات الثلاثة: النظرية والتنظيمية والممارسة العملية، ليتحرك الحزب جسداً واحداً متماسكاً، فاعلاً ومؤثراً في المجتمع. ولابد أن يستلهم الحزب، كما يقول الصينيون، فن العزف على البيانو، للحصول على موسيقى جميلة. أي لابد أن تتقن قياداتُه تحريك أعضاء الحزب جميعهم، حركة منظمة منسقة متكاملة، للحصول على أداء متقن. على هذا النحو ستؤدي كلُ إصبع مهمتَها ودورها في إبداع الموسيقى الجماعية الجميلة المؤثرة. أما إذا بقيت بعض الأصابع جامدة دون حركة، فستربكُ الأصابعَ الأخرى وتعيق عملها. وسينعكس هذا سلباً على مجمل أداء الحزب.

وإني على ثقة من أن ما أجهدتكم به هنا وما أجهد غيري نفسه، على مستوى القول والفعل، لن يكون لعباً في الوقت الضائع. فقيادات الحزب المجربة وكوادره المخلصة، التي يمكن أن يجتمع فيها حماس الشباب وحكمة الشيوخ، مع قواعده الواسعة، المؤمنة برسالة الحزب ودوره التاريخي، كل هؤلاء قادرون دون شك، على أن يعيدوا تأهيل حزبهم، سياسياً وتنظيمياً، ليصبح أقل أخطاءً وأكثر عطاءً وأعلى كفاءة، للمشاركة الفعالة في قيادة هذا البلد، نحو مستقبل، ما نزال نحلم به، رغم كل الكوارث والنكبات، التي حلت بنا.

وشكراً على تحملكم واستماعكم لهذا الموضوع الجاف.

صنعاء، في 15 مايو 2016م

ــــــــــــ

  * ورقة طُلب مني أن أساهم بها ضمن فعاليات ثقافية، نظمها الحزب الإشتراكي اليمني في أمانة العاصمة. ولعل مضمونها يصلح لأي حزب يمني. لأن أوضاع الأحزاب اليمنية متشابهة تقريباً.

قراءة 1589 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة