سحر العبسي

سحر العبسي

الجمعة, 06 كانون1/ديسمبر 2019 18:18

لن يمروا

 

الشهقة الاولى:

رصاصة غادرة تخترق قلب بحجم وطن..

بعد أن ألقى التحية وناشد الجميع

 بالمحبة والسلام...

عين فاجرة تترابص بقلب صغير

كان بحجم وطن.

عند منتصف الكلمة كانت الرصاصة

تشق المكان وتسكت صوتنا.

وشهقنا.. و بكينا..

 وصرخنا لا

لا لا  لن يمروا..

أعداء الكلمة.. قتلة الأنبياء

لصوص الحرية والشرف

لا لن يمروا....

لكنهم بالأمس مروا!!

من فوق رغيفنا اليابس مروا

من أمام دموع الأرامل مروا

من بين صرخات اليتامى مروا

كـ كلاب مسعورة جائعة

كعاهرات الليل اللاتي يُسابقن الظلام

 خوفا من الفضيحة..

لكننا شاهدناهم.. وعرفناهم

وصرخنا عاليا لا لن ندعهم يمروووا...!!

و مروا

من فوق جثثنا

و بالقرب من جنائزنا..

ابتسموا بخبث

بعثوا لنا التعازي بقلم احمر جبان

ومرووا.. مرووا...!!!

 والان...

 يتسللون بخفة غادرة

في الجهة المقابلة..

يرفعون البنادق.. ويحفرون الخنادق

فلما لا نمنعهم من أن يمرووووا...!!!

 

الشهقة الثانية:

رصاصة اخرى تخترق قلب بحجم وطن..

هم يدركوا بأن شمس النهار

ستفضحهم.. ستعريهم.. ستكشف عورتهم

و سنرى الحقيقة الأكثر قبحا و فجور

أرادوا أن يطفئوا النور

أن يشعلوا نار الحقد و الفتن

حاكوا الدسائس ليلاَ

 كالخفافيش

وعند منتصف الظهيرة قتلوك!!

و شهقنا... بكينا.. و صرخنا

تبا لهم قتلووك!!

برصاص العار والغدر

ظنوا بأننا سنضعف.. و أننا سنهزم

 ونرضخ.. ومع مرور الأيام سننسى

كيف قتلوك!!

 سيذرفون الدمع كالعادة..

ويكتبون تعازي الفقد والوجع

سيصافحون بعضهم البعض

ويظنوا بذلك انهم سيمروا..!!

لكننا حصنا َ منيع.. بركان ثائر

صوتا هائجا يصيح

لا لن تمروا.. لن تمروا... لن تمروا

السبت, 02 آذار/مارس 2019 23:05

لكنه لم يمت..

مقبل مات هكذا جاءني الخبر في صبيحة 1/ مارس هذا التاريخ الذي لن يمح من الذاكرة..

مقبل مات فجرا.. تردد بداخلي صوت مثقل بفاجعة الموت و مرارة الانكسار.. مزيج من الدمع والالم.. "لكنه لم يمت"

ربما كان ذلك الصوت محاولة يائسة لتفادي شرارة الصدمة التي اصابتني بالذهول..

مقبل مات فجرا..

وحدهم الأنقياء يرحلون عند الفجر

وحدهم الأنبياء يصعدون إلى السماء في هذه الساعات الممتلئة بالسكينة.

وحدهم  الفقراء.. و الكادحين.. و عشاق الأرض من يودعون في هذه الساعات الراحة والدف  ليشقوا طريقهم إلى الكفاح وحبات العرق تتلألأ فوق جباههم..

مقبل الفارس الصلب الشجاع.. كلمة الحق امام الباطل..

القوة امام الضعف والجبن..

للفقراء صديقا

للتائهين نجما لا يفل

هو لم يمت..

بل ربما ارهقته فكرة الوطن المسلوب.. اتعبه منظر الانكسار والحزن المرسوم في العيون.

ولأنه قويا لم يضعف امام أحد من خصوم هذا الوطن، ومحاربا لم ييأس يوما.. شديد العزيمة في اشد أوقات الهزيمة.. فضل أن يغمض عيناه طويلا على أن يرى هذا العبث والقبح. 

كان يرقد في احدى غرف مستشفى الثورة يعاني المرض والخذلان..

في 13 من يناير

ذهبت بمعية بعض الرفاق لزيارته لكنها لم تكن زيارة عادية، هناك فقط شعرت بمعنى أن تقف امام شجرة باسقة لا تنحني مهما بلغت العواصف من شدتها..

سرت بي قشعريرة كبيرة وأنا اقترب من سريره خطوة  خطوة قبلت رأسه ويديه.. وجلست بجانبه كنت كورقة صغيرة بجانب شجرة عملاقة ابتسمت له كثيرا ورد لي بابتسامة  بيضاء نقية وهزة صغيرة من راسه وكانه يقول لي اهلا.. أو هكذا حسبت..

الزوار يتجاوز عددهم العشرات الجميع يدخل ليقبل راسه ويلتقطون معه صور للذكرى ويرحلون.. لكنني بقيت ولم أرحل معهم ولم التقط صورة ايضا.. كل الذي فعلته انني جلست بجواره ممسكة بيده المرتعشة من آثر التعب والارهاق.. تمعنت كثيرا في ملامحه فهي المرة الاولى التي اقابل فيها مقبل وجدته قويا لا يُهزم.. مبتسما وهو يعاني.

رحل الجميع وبقيت أنا والرفيق فيصل وزوجته.. امتلأت الغرفة بالصمت.. قلت له "ما شاء الله صحتك جيدة.. نحن نستمد قوتنا منك".. كانت محاولة مني لاختراق حالة الصمت التي سادت في المكان.. نهضت بعدها لترتيب بعض الأشياء التي كانت في الغرفة ومنها باقات ورود من بعض محبيه.

كانت سعادتي لا توصف.. مر الوقت سريعا و كان قد تأخر على موعد الغداء والدواء بسبب كثرة الزيارات

اقتربت منه ( أم عفاف) زوجته لتناوله الغداء ولكنه رفض وقال شابع لكنها أشارت لي بان أخذ الطعام واطعمه بنفسي وكان ذلك.

 استجاب سريعا لطلبي بأن يأكل حتى القليل  كي يتعافى.. كنت في قمة السعادة وأنا اطعمه بيدي بدلا من الملعقة البلاستكية وكلما قال لي (خلاص شبعت) اترجاه مجددا أن يتناول المزيد ..فيكرر ابتسامته لي ويهز راسه بالموافقة..

ولم يتبقى الا العلاج ناولته علاجه وانا أقسم له بأن جميع الأطباء أكدوا أن صحته احسن من اي وقت مضى نظر إليا مطولا لكن دون ابتسامة وقال:

اشكرك اشكرك جدا عزيزتي...

في الساعة الخامسة والنصف تقريبا غادرت الغرفة بعد أن طبعت فوق رأسه قبلة وحيدة وأخيرة...

مقبل لم يمت.. لكن ارهقته فكرة الوطن المسلوب ..