نبيلة العبسي

نبيلة العبسي

الأربعاء, 05 شباط/فبراير 2020 13:41

ظلال وعي

 

 

لا نهضة بدون وعي، ولا ينبت الوعي من اللاشيء، بل هو تراكمي يمر عبر بوابات الألم والدماء والاحتقان، يقوده المفكرون ويتبناه العامة، والوصول للوعي عبر كل هذا الظلام هو ما يجعل لكل هذه التضحيات قيمة.

رحلة الوعي طويلة وشاقة يقودها الفكر ويحميها منظومة من الأخلاق والثقة المتبادلة بين الرأس والقاعدة، وعندما استطاع المفكرون والفلاسفة الغربيون إنزال فكرهم للعامة، وعندما تبنى العامة هذه الأفكار، اندلعت الثورة الفرنسية لتؤسس دولة مدنية حديثة وأثرت في العالم كله، ومن هنا بدأ التغيير الحقيقي.. تغيير من روح المجتمع وخصائصه وليس مستورداً.

التغيير الذي لا يراعي منهج حياة مجتمع معين أو ثقافته لا يرسو به على بر أمن.

نستطيع استيراد كل القيم الثورية والحماسية، وإطلاق الألقاب هنا وهناك، ولكن لا نستطيع إيجاد تغيير نوعي إلا بمثقف حقيقي، يزرع في المجتمع القيم و يُنير له الطريق، ويعيد خلق وعي جديد بما يتناسب مع إنسانية الإنسان، وحق الجميع بالعيش معاً بأمان مهما كانت مذاهبهم أو أحزابهم، فلن يتغير واقعنا بتغير أشخاص أو جماعات مادامت الثقافة البائدة هي السائدة والتي تحكم الجميع والتي جعلتنا لا نفرق بين جميع الاطراف المتنازعة إلا بالأسم.

ويظل السؤال : ما الذي تغير فينا و في ادركنا وغير من وعينا منذ ٢٠١١..!؟

الأربعاء, 29 كانون2/يناير 2020 16:29

الأرض المحروقة "قصة قصيرة"

إنك تعيق تحركنا ومحاولتنا للتسلل والعبور من المنطقة من دون أن يلاحظنا الأعداء... هكذا قال أحدهم وكان يبدو كزعيمهم من خلال أوامره لهم وتوزيعه للأدوار والمهام بينهم.

التفت إليه ذلك الفتى الهزيل، والذي يبدو عليه آثار الجوع والتعب، وقال له: لكني لا أحب ألعابكم هذه، فلا أحد يستيقظ مرة أخرى ويحاول الفوز بالمعركة مرات عديدة..

نظروا إليه شزراً وعلق أحدهم هل تظنها ألعاب فيديو...!! هذه معركة حقيقية من يمت لا يعود.. وهذه أرض قتال وليست المزرعة السعيدة.. واستطرد غاضباً أفق يا هذا، هل نسيت سبب وجودك هنا وكيف وافقت على المجيء بعد أن تعهدوا لك أنهم سيعطون لأمك الأرملة وأخواتك البنات راتباً شهرياً يمنعهن من ذل الفاقة..

نكس رأسه ذلك الصغير وهو يحلم بالعودة لحضن أمه الدافئ وتنهد كبيرهم وهو يصك على أسنانه غيظاً وبرداً، وهو يشتم قادته الذين لم يجدوا سوى هؤلاء الأطفال ليرسلوهم إلى هذه المحرقة.

مضى أكثر الليل وهم يراقبون الوضع علهم يجدوا ثغرة ينفذون منها بعد أن لجأوا لأحد الكهوف بعد أن حصدت غارة أرواح زملائهم ووجدوا أنفسهم بين الدخان والنيران والأشلاء.. كانوا ثمانية يتراوح أعمارهم بين العاشرة والسادسة عشرة ساقتهم الأقدار ليكونوا حطب هذه الحرب.. تركوا بيوتهم ومدارسهم راكضين وراء وعود دنيوية وأخروية.. فوجدوا أنفسهم في أرض محروقة لا نبات فيها ولا زهر وكيف ستنبت فيها الورود وكيف ستلاحق الضوء لتزهر.!! وقبل الفجر يحاولون التسلل ويحاول هو أن يخفي دموعه على رفاقه كي لا يتهموه بالجبن.. يتطاير الرصاص من حولهم.. وضع يديه فوق رأسه كأنهما ستنجيانه من رصاصة غادرة أو شظية تبحث لها عن مأوى، أغمض عينيه.. أعادوه لأمه في صندوق.

الجمعة, 24 كانون2/يناير 2020 20:54

دهاليز..

خلال سنوات من تسارع الأحداث من حولي أصبت بدوار وأنا أقرأ كيفية نقل كل طرف لما جرى ويجري، فسألت نفسي من سيوثق التاريخ للأجيال القادمة، وإذا تُهنا أثناء معاصرتنا لها فكيف ستمحصها الأجيال القادمة؟!

والأدهى والأمرّ كيف بإمكاني الوثوق بما وصل إلينا من تراكم للأحداث التاريخية وسط كل هذه التناقضات والتلاعبات المقصودة تارة لمصلحة الأديان وأخرى لصالح السياسة والنزعات القومية وغيرها مما يرضي كيس نقود الكاتب وغرور حاكمه ورغبات الجماهير؟

كيف لي بأن أثق بتاريخ يجعل من يشاء بطلاً أو طاغية.. يجعل من الفيلسوف زنديقاً ويمجد من يبيع فتاويه للحاكم؟

وكيف أؤمن بتاريخ يكتبه المنتصر ويسلم به المهزوم، وهل فعلاً المهزوم سيكتب الحقيقة كما هي في غياب العقل الموضوعي التحليلي النقدي العربي كمؤرخ أو متلقٍ؟!

تزييف الوعي في عصر الثورة التكنولوجية أصبح صعباً.. فكل كلمة تقال تحفظ وتوثق كتابة أو صورة فلم يعد هناك شرطة للفكر تعمل على إعادة كتابة الفقرة الموجودة في خطاب القائد بالشكل الذي يظهر أنه تنبأ بما وقع فعلاً اعتماداً على الذاكرة المثقوبة للشعوب أو خنوعهم خوفاً من عواقب الاعتراض.. لكن للأسف ثورة العقل العربي لم تكن بمستوى الثورة المعلوماتية فقد قبع في قيود الفكر والعقد النفسية كثيراً وعندما بدأ يتنفس بدأ في استخدام نفس أساليب كان ينتقدها، ما دامت في مصلحة من يخطب ودهم أو دفاعاً عن فكرة مثالية يؤمن بها ولكن كان انعكاسها سلباً على أرض الواقع.. فيأتي التوثيق للحدث كما كان يتمناه وليس كما وقع فعلاً.

نعم، نحتاج لإعادة قراءة تاريخنا بأدوات علمية معتمدين على مناهج دقيقة وبموضوعية وإعادة النظر بمناهجنا الدراسية ولكن قبل ذلك نريد إعادة بناء العقل العربي بحيث يكون قادراً على امتلاك النظرة النقدية لمجريات الأمور بعيداً عن العاطفة.