عارف الشيباني

عارف الشيباني

الثلاثاء, 06 نيسان/أبريل 2021 18:24

من قطع الوريد إلى معركة النفير

 

الذين يقودون المقاومة في تعز  ويديرون معاركها  لا يمتلكون قرار إدارتها بالشكل الذي يؤدي إلى التحرير والحسم وتحقيق الانتصار فيها .. فيلجاؤن إلى خوض معارك الغرض منها إسقاط الواجب ومجاراة الرأي العام الضاغط والتواق  لتحرير المحافظة ليس إلا، وهذا واضح حين يتوجهون في معاركهم غرباً بدلاً من من توجههم شرقاً وفك الحصار عن المحافظة .. إنهم يديرون المعارك وفقاً لحساباتهم الخاصة ومصالحهم الذاتية التي ترتبط بمموليهم وأولياء نعمتهم ، وبحسب ما يمليه عليهم رعاتهم الاقليميين الذين تختلف استراتيجيتهم وأهدافهم وتتناقض  مصالحهم مع مصالح الشعب اليمني التواق  للقضاء على مشروع الإمامة ودحره وهزيمته ، ولا يهم هولاء  أن تزهق الأرواح وتسفك دماء الشباب وتسيل دماءهم لا لشيء سوى أن لا يكتشف المخدوعون  زيف ما يدعون ، وما يخفونه من أهدافٍ  غير معلن عنها، حتى أنهم يعمدون أن لا يحققون أي انتصار ما  يمكن البناء عليه ومراكمته ويبرر على الأقل هذه التضحيات..

ولكي يواروا خيباتهم وزيف ادعاءهم يبحثون عن أطراف أخرى كشماعات يعلقون عليها فشلهم، بل ويلصقون إليهم تهم شتى من أن هذه الأطراف هي من تقف عائقا ً أمام التحرير، بالرغم من أن من يصمونهم بذلك هم أولئك الذين تصدوا وتصدروا معارك مقاومة الانقلاب منذ الطلقة الأولى وبصدق وبمواقف واضحة وثابتة وهم ممن وقفوا في مواجهة المشاريع المتخلفة والظلامية وخاضوا معارك حقيقية وقدموا قوافل من الشهداء وحققوا انتصارات مشرفة في كافة الجبهات ...  وفي مقابل ذلك تعرضوا ويتعرضون حتى اليوم لكافة أشكال الإقصاء والتنكيل والمطاردة والاستبعاد، قُتل القائد الفذ عدنان الحمادي عنوان ورمز المقاومة وفخر العسكرية اليمنية ونكل برفاقه وقادة أركانه وقادة كتائب لوائه اللواء ٣٥..

واليوم يحاولوا أن يصوروا تلك الأطراف التي لطالما - كشفت زيفهم وفسادهم وعرتهم وفضحت ادعاءاتهم -   يصفونهم بالمتخاذلين الذين يعيقون التحرير بل ويحملون هذه الأطراف مسؤولية خيباتهم وإنكساراتهم  وهزائمهم  التي يلحقونها عامدين  متعمدين بالمقاومة الوطنية الشجاعة ببسوء خططهم ورداءة قيادتهم وادارتهم لمعارك التحرير..

لقد استقبلت مؤخراً جماهير المحافظة - تعز - الدعوة للنفير العام والاعلان عن البدء بمعركة التحرير بالترحاب التام  والمباركة الكبيرة  في كافة  الأوساط الشعبية والأحزاب السياسية ليتضح بعد ذلك أن هذه الدعوة لم تكن سوى المقدمة والتهيئة  لحملة جمع التبرعات بزعم دعم معركة التحرير ،ليس ذلك فحسب بل إتخاذ إجراءات الاستقطاعات المالية من رواتب الموظفين ومصادرة رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين.  ليتضح في النهاية أن الأمر كله تهريج وتلاعب بمشاعر الناس الطيبين واستغلال حماسهم من أجل حلب ما في جيوبهم..  وكما انتهت وذوت واضمحلت (معركة قطع الوريد) في السنة الماضية ها هي (معركة النفير) تخفت وتذوي بل ويتوارى قادتها والداعون إليها، ولم نعد نسمع لهم صوتا.. غير ابواقهم في مواقع التواصل الاجتماعي يلقون باللائمة على أطراف وقوى سياسية أخرى يصورون زيفا أنهم من يعرقلون معارك التحرير...

الجمعة, 19 آذار/مارس 2021 16:46

صعود رأسمالية الكوارث

 

(الصّٓدم والترهيب عمليتان تستتبعان مخاوف ومخاطر ودماراً يتعذّٓر على الشعب ؛ بشكل عام ،  وعلى عناصر أو قطاعاتٍ محدّٓدة من المجتمع المهدّٓد ، أو على قيادة هذا المجتمع أن تفـقٓـهـها .

كذلك يمكن للعناصر الطبيعية على غرار الأعاصير والزلازل والفيضانات والحرائق المستعرة ، والمجاعة والمرض أن تصدم البشر ، وتزرع الرهبة في نفوسهم).

" الـصّٓـدم والترهيب : تحقيق هيمنةٍ سريعة ، وهي  العقيدة العسكرية في حرب الولايات المتحدة الامريكية على العراق " ....

...................

بهذا النص أعلاه تستهل الكاتبة الكندية  "نعومي كلاين" كتابها الموسوم بــ "عقيدة الصدمة"  (صعود رأسمالية الكوارث) . ولسنا بصدد العرض للكتاب ولكن فقط الوقوف أمام هذا النص وتأمله..

 والكتاب يعد من أهم الكتب الصادرة حديثاً ، للكاتبة الكندية الشجاعة " نعومي كلاين " والذي تستعرِض فيه بالتحليل العلمي قضايا وأزمات عصرنا الراهن الذي يتسم بالفوضى والحروب المدروسة والموجهة كأدوات ونُهج لسيطرة أساطين رأس المال ، وهيمنة الشركات العابرة للقارات الحاكمة لدول المركز الرأسمالي العالمي ، والمتحكمة بصناعة القرار السياسي فيه ، وانتاج سياسات من شأنها إحكام قبضتها وهيمنتها على شعوب العالم وبالأخص منه شعوب العالم الثالث بهدف الاستحواذ على ثرواته ومقدراته ، وإعاقة تنميته وكبح جماح تقدمه ، من خلال هندسة وتصميم الحروب الأهلية واطلاقها في هذه المجتمعات بغية تدمير بناها ومؤسساتها الاقتصادية والسياسية وتفكيك أنسجتها الاجتماعية وعراها الثقافية ، وذلك باستخدام هذه الحروب المروعة وإدارة الصراعات فيها وبأدوات وقوي محلية ترتبط بعلاقة تبعية بهذا المركز الرأسمالي وتعد جزء من بنيته ومكون من مكوناته.

وبالعودة الى النص أعلاه.. فإن الحروب التي تدور رحاها في أكثر من دولة عربية ومنها اليمن ، هي حروب تم تصميمها وهندستها بإتقان وعناية بحيث تحقق أهداف ووظائف الغرض منها إحداث الصدمة والترهيب بسبب ماتخلفه من دمار وما ينجم من ويلاتها من مخاوف ومخاطر.

 تصيب الشعوب بالصدمة وترهبها ، وتشل قدراتها ونتيجة لهذه الصدمة وهذا الترهيب يتعذر على هذه الشعوب فهمها ــ اي الحروب ــ وادراكها  فينخرطون فيها كأطراف وجماعات تتخذ لها أسماء وعلامات مذهبية وطائفية توقد وتغذي أوارها  . وفي وضع كهذا يصبح من المتعذر على عناصر وقطاعات محددة في هذه المجتمعات  التي يطالها هذا التهديد أن تعي أو تدرك أو تفكر أو تفقه ما يدور بفعل ما أحدثته صدمة الحرب هذه.   

إن ما تخلفه الحرب وما يترتب عنها من دمار وترويع ومخاطر تجعل من المتعذر أيضاً على قيادة هذه المجتمعات القيام بأي دور أو مبادرة من شأنها التدخل وعمل شيء لانقاذ ما يمكن إنقاذه.

فبفعل الصدمة والترهيب الناجمة عن إشعال الحرب تفقد النخب القدرة على الفعل وكذا القدرة على تفسير وادراك مايحدث ـٕـ كما جاء في النص المذكور أعلاه ــ  فترتهن كلياّ للفاعلين  الذين أشعلوا هذه الحرب والذين يديرونها ويتحكمون في مساراتها  حتى تحقق أهدافها بسقوط المجتمع وتفكيكه وتطويعه وإعادة صياغته وتبديل مزاجه بآخر قابل للاستسلام والرضوخ والقبول بأي صيغة لتسوية ما  ، تنتشله من بين خراب وانقاض الحرب.

إن كارثة الحرب مثلها مثل الكوارث الطبيعية كالاعاصير والزلازل والفيضانات والحرائق ، تصدم البشر وتزرع الرهبة في نفوسهم ، بما تخلفه من أمراض وأوبئة ومجاعات  ، كما تفعل الحرب بالضبط .

وربما وطأة الحروب أشد وأنكأ..

تستخدم الحروب كخيار أخير  بعد نفاذ كافة المحاولات لإثناء الشعوب للتطلع لتحقيق حياة إنسانية حرة وكريمة .

 كما تستخدم لتخفيض سقف الطموحات والمطالب وكبح جماح التغيير والتحكم في مساراته ، بحيث يغدو تغييراً مسيطراً عليه.

وهذه هي وظيفة الحروب في عصرنا الراهن على الأقل.

فهل حققت الحروب المستعرة والفوضى ، سواء في اليمن أو ليبيا ، أو سوريا أو العراق أو لبنان غاياتها واهدافها  وحان الوقت لانهائها؟؟؟

أُهينت الشعوب . نعم .

أُفقرت الشعوب .. نعم

قتل وعذب أبناؤها .. نعم

 أذلت .. نعم

ومع ذلك تبقى للشعوب أحلامها وتطلعاتها

 وإن خٓفٓتٓ صوتها ،وانخفض سقف مطالبها ..

ويبقى للتاريخ كلمته أيضاً ..

والحرب سجال .

أخيراً :

الكتاب جدير بالقراءة لفهم آليات وميكانيزمات  نظام عالمي ظالم وقاسٍ ، يسحق البشر ويدمرهم دون رحمة ، ودون أن يرف له جفن ...

 

أولا :

 التحالفات شأن تقرره قيادات الحزب..  والنظام الداخلي للحزب يمنحها هذا الحق وفق معطيات وتدابير تراها الهيئات القيادية  ويتم تقييم التحالفات في المؤتمر العام للحزب..  ومؤتمرات منظمات الحزب في المحافظات..

ومن حق اعضاء الحزب ابداء آرائهم بتحالفات الحزب وتقييمها من خلال الكتابات والاجتماعات وايصال وجهة نظرهم الى قيادة الحزب..  اما التلويح بالاعتصامات والاحتجاجات عمل لا يخدم الحزب ويسبب ارباكا لقيادة الحزب وتشكيكاً بعدم حرص قيادات الحزب وتخويناً لها.

هذا بالنسبة لموضوع التحالفات بشكل عام.

 ثانياً:

 اما مايتعلق بتحالف الحزب الاشتراكي مع تجمع الاصلاح, ذاك تحالف كان له صيغة ما كان يسمى باللقاء المشترك الذي كان قائما  على برنامج ونظام او لائحة تحدد القضايا المتحالف حولها وانجازها وفق برنامج زمني كان آخره  التحضير لمؤتمر الحوار الوطني والذي كانت خطوات الاعداد له تجري على قدم وساق .. حتى جاءت ثورة الحادي عشر من فبراير 2011 م . وما تلاها من احداث ومبادرة خليجية افضت الى مؤتمر الحوار الوطني الشامل..  ومن يومها تغيرت وتبدلت التحالفات حتى وصلت الى أنْ تحالف الاصلاح مع المؤتمر الشعبي العام ضداً على رؤية الحزب الاشتراكي  فيما يتعلق ببناء الدولة ..  وبذلك يكون الاصلاح قد  أعلن عن فض شراكته وتحالفه مع الحزب الاشتراكي تجلى ذلك بالخطاب الاعلامي للاصلاح الذي كان يشنه ضد الحزب متهما اياه بالوقوف مع الحوثيين ودعمه لهم في اقتحام عمران وصنعاء.

 اذاً فتحالف الحزب مع تجمع الاصلاح لم يعد له وجود .. كما ان المشترك لم يعد له وجود وما هو حاصل اليوم ما هو الا تحالفا لعدد من الاحزاب لدعم الشرعية من ضمنها الاصلاح والاشتراكي لأهداف أخرى اقتضته الظروف الجديدة التي فرضها الانقلاب الحوثي وما تلاه من حرب لا زالت رحاها تدور حتى اليوم. وطبيعة هذا التحالف  لهدف وحيد هو استعادة الشرعية  والدولة .. وقد جرت في النهر مياه كثيرة  وأصبح الاصلاح يعمل وفقاً لأجندة اقليمية هي من تتحكم بموقفه وهي من تحدد خط سيره

فلم يعد الاصلاح سوى قطعة من قطع الشطرنج وبيدق يحركه الممول الاقليمي  ومؤخراً المحور التركي القطري ..

 فالحديث عن تحالف الحزب الاشتراكي مع تجمع الاصلاح لم يعد له وجود وصار شيئاً من الماضي .. والحديث عن فض الشراكة معه لم يعد لها معنى..

وما يمارسه الاصلاح اليوم  خير دليل.

ممارساته تؤكد أنْ لاتحالفات ولا شراكات تلجم جماحه,  وتقف امام طموحاته  وهوسه في السيطرة والاستحواذ  بكافة الوسائل اللامشروعة  واللا أخلاقية..

الثلاثاء, 30 تموز/يوليو 2019 20:04

للتٲمل والتفكر

 

 

بعد تصريحات المستشار الٳماراتي, بات واضحاً ان سياسة دول الخليج العربي - الغنية بالنفط - تمثل تهديداً وجودياً لليمن واليمنيين.

وبات واضحاً ان الحرب في اليمن تمت هندستها والتخطيط لها ٲممياً وبرعاية خليجية الغرض منها:

- اعادة اليمنيين الى اوضاع ماقبل ثورتي سبتمبر 62م وٲكتوبر 63م.

- القضاء على الشرعية التوافقية والتخلص منها تدريجياً خلال سنوات الحرب حتى اضمحلالها وتلاشيها  . وواضح جلياً انها تتآكل يوماً عن يوم.

- تمكين الحوثيين وتٲهيلهم لحكم اليمن الشمالي خلال سنوات الحرب, واضهارهم كقوة لها صفة الندية والجدارة تمهيداً للتعامل معهم كسلطة قائمة على الٲرض وكٲمر واقع تبدو وكٲن الحرب فرضتها ,وافرزتها النتائج  المترتبة على اطالة امد هذه الحرب , وجعلهم - ٲي الحوثيين - يبدون قدرة وصموداً في وجه عدوان التحالف الخليجي.

- جعل الجنوب ساحة غير مستقرة, وغارقاً في الفوضى من خلال دعم الميليشيات المختلفة المتناحرة والمتنافرة  والتي تتحرك اطرافها تبعاً لما يمليه عليهم الممولين الخليجيين: السعودية - الامارات - قطر, وهذه الدول معروفة بوظائفها منذ تٲسيسها ونشٲتها كوكيلات واذرع للمركز الرٲسمالي العالمي الاستعماري.

- التعويل على ان استمرار الفوضى في الجنوب قد تفضي الى قابلية شعبية للقبول بالمشاريع الاستعمارية لما قبل قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية, وتمرير صيغة اتحاد الجنوب العربي برعاية اممية واشراف خليجي.

- اما تعز وما تتعرض له من عقاب مفرط  من خلال ما يجري فيها من فوضى مدروسة , واقتتال دامٍ , وحصار يخنقها ويُحكم قبضته عليها, لا يخفى على اي مراقب الى اين تتجه بوصلتها .. الحرب , والفوضى , والحصار , ثلاثي يهدف الى اعادة صياغة مزاج عام فيها ذي قابلية لٲي تسوية تتخلى فيها تعز عن الكثير مما كانت ترفعه من شعارات ومطالب.. هذا ما يسعى هذا الثالوث الى تحقيقه في تعز…  فهل ينجح؟ ربما…  و ربما لا…..  وربما مؤقتاً..

وكل ما حدث ويحدث في اليمن شماله وجنوبه.. يحدث بٳشراف وتمويل خليجي .. وبرغبة اممية (جريفيثية)  لم يعد ذلك خافياً..

وبذلك فٳن دول الخليج العربي  تمثل تهديداً وجودياً لليمن واليمنيين…  هل ٲخطٲت؟؟ .. هل ٲصبت؟؟

  لا ٲدري....

ركضنا الى الميلاد قرناً وليلةً             ولدنا فكان المهد قبراً تفتَّحا

ومتنا كما يبدو رجعنا ٲجنةً                 لنختارَ ميلاداً أشقّ وٲنجحا

هكذا ختم (البردوني) ٳحدى قصائده

 

 (الــحـَـقـِـبْ)  قرية بحجم اليمن..

يكفي ٲنها حملت ولازالت تحمل ٲحلام اليمنيين..

ويكفي ٲنها ٲتسعت ولازالت تتسع لقيم المستقبل

 ويكفي ٲنها رفعت راية التقدم  منذ البواكير الٲولــى للثورة اليمنية

(الــحــقــب)  قلعة من قلاع الحرية  وحصن اليسار الــمــنــيــع ورايته ورابيته..

(الــحــقــب)  قلب اليسار النابض وقبلته..

(الــحــقــب) كبيرة بانحياز  ٲبناءها للمشروع الوطني الجامع، وتمثلهم لقيم الحرية والعدالة والمساواة..

(الــحـقــب) كبيرة بتضحيات ٲبناءها في المراحل المختلفة لمسيرة الثورة اليمنية، جيلاً بعد جيل وحتى الٲمس القريب..

(الــحــقــب) مصنع الرجال الشجعان ومنجم المناضلين الٲحرار الذي لا ينضب

(الــحــقــب)  ستضل دوماً وٲبداً الصرخة المدوية في وجه الظلم والاستبداد

 تحية من الٲعماق  لكل ٲبناء الــحــقــب الٲحرار

 ولكل ذرة تراب وحبة رمل في قرية (الــحــقــب)..

ٲحبكم رفــاقــي في قرية الــحــقــب

ٲحبكم شــمــعــات تــضــيء

وزهــرٌ  يــزيــن وجــه المحافل ..

بكم نــنــتــشــي

 وبكم يــزهــر حــقــل الــيــســار سـَـنابــلْ……

 

اربعون عاما تفصلنا منذ الاعلان عن تٲسيس الحزب الاشتراكي اليمني , وقبل ذلك سنوات مضت استكملت فيها فصائل الحركة الوطنية اليمنية انجاز بناء الدولة

الوطنية الديمقراطية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية منذ الاستقلال الناجز ودحر الاستعمار البريطاني في العام 1967م , بعد كفاح مسلح استمر اربع سنوات اثر ثورة شعبية اندلعت في الرابع عشر من اكتوبر 1963م .

وفي خضم انهماك الحركة الوطنية في بناء الدولة الفتية وتحقيقها للكثير من المنجزات والمكاسب الوطنية لٲوسع فئات وطبقات الشعب المحرومة , كانت تستشعر الحاجة الى وجود الاداة السياسية الثورية التي من شٲنها ان تحافظ على تلك المنجزات والمكتسبات ولتكون صمام الامان  لتمضي بالشعب لتحقيق واستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية وتحقيق الوحدة اليمنية . وبالتوازي مع بناء الدولة  انخرطت فصائل الحركة الوطنية برعاية ودعم من الجبهة القومية - التي كانت حينها التنظيم السياسي القائد للدولة - في حوار طويل بين فصائلها المختلفة في الجنوب والشمال , اثمرت تلك الحوارات وتكللت بٳعلان ميلاد الحزب الاشتراكي اليمني في 13 اكتوبر 1978م .

 وكان ميلاد الحزب الاشتراكي  يمثل بحق اداة للثورة اليمنية وصمام امانها حتى تحقيق وحدة الشعب اليمني في 22 مايو 1990م الحلم الذي ناضلت وضحت لاجله  اجيال تلو اجيال لكي يصبح حقيقة ماثلة على الارض.

وتٲتي الذكرى الاربعون لميلاد الحزب الاشتراكي  في ظل ظروف مٲساوية شديدة التعقيد , حيث الحرب تدور رحاها منذ اربع سنوات على كامل جغرافية الوطن , وحيث تحاول قوي الظلام والرجعية ٲن تطل برٲسها من بين ركامها وغبار نيرانها وشظاياها لتفرض مشاريع التمزيق والتفتيت والتفكيك في محاولات للعودة الي الوراء , الى عهود التخلف والاستبداد . كما تٲتي الذكرى في ظل ظروف يعاني فيها الشعب اليمني من ويلات ونتاجات هذه الحرب بما تخلفه من قتل واعمال عنف ودمار ومآسي ومعاناة اجتماعية واقتصادية ونفسية جمة , وبما تسببه من مخاطر مباشرة وغير مباشرة تنجم عنها تهتك وتمزق للنسيج الاجتماعي.

وبالرغم من كل هذا الخراب وهذا الدمار , واستحكام المٲساة, استقبلت منظمات الحزب وجماهيره وانصاره في عموم محافظات الجمهورية شمالا وجنوبا الذكرى الاربعون لميلاد الحزب الاشتراكي اليمني  بتنظيم وٳقامة الفعاليات والمهرجانات الجماهيرية , احتفاءا بهذا الميلاد مؤكدة علي خيارات الحزب ورؤاه المستقبلية  في الوحدة والديمقراطية وبناء الدولة الوطنية الظامنة , معبرة بذلك عن نبذها للحرب  ورفضا لها,  ومذكرة بالتاريخ الناصع للحزب ومشروعه الوطني ..

وبدورها كان احتفاء قيادة الحزب بهذه الذكرى بٳصدار كتاب بعنوان " اربعون عاما على تٲسيس الحزب الاشتراكي اليمني " يحوي بين دفتيه بعض الكتابات التي كتبت بهذه المناسبة لعدد من الكتاب وكذلك احتوى على المحطات المختلفة التي مر بها الحزب خلال مسيرته النضالية والكفاحية من خلال وثائق مؤتمراته وبياناته آثرت قيادة الحزب نشرها واتاحة الاطلاع عليها للاجيال القادمة وللمناضلين في مختلف المراحل والمنعطفات التاريخية لتمثل ذاكرة حية لتاريخ حافل بالعطاء , ومسيرة مشرفة لحزب عريق مكافح انحاز لقضايا الوطن وشعبه العريق..

ان احتفالنا اليوم بمرور اربعين عاما على تٲسيس الحزب الاشتراكي اليمني  , هذا الحزب ذو الطابع المدني الديمقراطي ,  القادم كدحا ونضالا ,  نهجا واشتغالا , فكرا وممارسة , من البواعث والمسيرات الاولى لميلاد العمل الوطني من اجل بناء حياة يمنية جديدة يتخطى بموجبها جميع ابناء اليمن ٲمراض الماضى ومعوقات التخلف , فيما نحى الحزب من تجربته العملية ولا يزال وسيظل ينحو في رؤاه وبرامجه وانشطته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتجسدة من الحياة   وفي الواقع ومع الناس ومن اجلهم , وبتدفق معين احلامهم وتطلعاتهم وٲشواقهم النبيلة الي بناء وٳرساء دعائم وعتبات دولة الرعاية والحقوق الاجتماعية بمعانيها وتشريعاتها وقوانينها وانظمتها وابنيتها وتجسيداتها الدستورية الحية الضافية قولا وفعلا موضوعيا نابضا بالحياة , تليق بآمال وتطلعات الشعب في نيل الحق والعدل والحرية والكرامة والامن والاستقرار والتنمية المفتوحة علي فضاء وخيارات السير باتجاه التقدم والحداثة والابداع والمساهمة بانتاج مفاعيل الحضارة الانسانية المعاصرة..

السبت, 19 تشرين2/نوفمبر 2016 19:39

الى روح الشهيد محمد العكادي

حين تنشب الحرب فان من يتواجهون فيها اناس لا يعرفون بعضهم بعضا وهم من يقومون بقتل بعضهم بعضا , لصالح قلة قليلة يعرفون بعضهم جيدا لكنهم لا يقتلون بعضهم بعضا .

وهكذا استشهد صهري العزيز / محمد العكادي في جبهة الوازعية. قتله واحدٌ ممن لا يعرفهم ومن قتله ايضاً لا يعرف من هو محمد العكادي, لا يعرف سوى انه هدفاً من الاهداف التي يتوجب ان يصوب بندقيته اليه ليرديه قتيلاً, لا هدف للقاتل غير زيادة عدد القتلى والجرحى وحسب.

لم يكن القاتل سوى آلة وأداة للقتل تتحرك وفقاً لمشيئة غيره من تجار الحروب الذين يدفعون بغيرهم من فقراء هذا الشعب ومعدميه ليصبحوا أدوات طيعة للقتل والدما, كما ليصبحوا ضحايا ووقوداً لحروب لا هدف لها غير ان يتربع الطغاة على كراسي الحكم والنفوذ والاستئثار بالجاه والسلطة والثروة.

محمد العكادي لم يكن ليقاتل لأجل طاغية او طالب حكم وسلطة, وهكذا هم المقاتلون في صفوف المقاومة الذين يحركهم دافع وحيد متمثل بصد عدوانٍ غاشم, ودفاعاً عن كرامة توشك ان تكون مهدرة كلياً.

لم يكن من دافع لديه غير ايقاف هذه الجائحة التي ابتلينا بها كوباء انتشر كالطاعون وكالنار في الهشيم, والتي حوَّلت سكان اكثر المناطق المسالمين الى نازحين ومشردين في الفيافي والقفار يتهددهم الجوع والبرد وعرضة للامراض.

هؤلاء الذين لم يستعدوا يوماً لحرب, ولم يُعدوا العدة لغزو, ولم تكن في حسبانهم او في جدول اعمالهم أي حربٍ في أي يوم, فهم ليسوا مُتاخمين لحدود دولةٍ اخرى ولا لقبائل غُزاةٍ طامعين تعودوا غزوهم بين فترة وأخرى, ولم يكونوا ليتوقعوا ان عدواناً سيطال مناطقهم ذات يوم ليحولهم الى نازحين يبحثون عن المأوى وما يسدُّ الرمق, أو ما يلتحفونه ليقوا اجسادهم لسعة البرد القارصة.

كان محمد العكادي يسمع اخباراً كهذه تأتيه من مناطق أخرى عديدة أصبح اهاليها في العراء بعد ان اضطرتهم الحرب الى ترك منازلهم ومواشيهم وأراضيهم, بعد ان حولهم العدوان على مناطقهم الى مشردين يستجدون الاعانات ويناشدون منظمات الاغاثة.

كان محمد العكادي يتوقع مصيراً مشابها كهذا لأبناء منطقته فالحرب مستعرة على تخومها في جبهة الوازعية, وهذا القلق هو ما اقنعه اخيراً للالتحاق بالجبهة, جبهة الوازعية .

كان التحاقه الى صفوف المقاومة لِصَد عدوان غاشم واتقاء لخطر محدق داهم , ومنعاً من ان تتحول منطقته الى أرضٍ مستباحة, وأهلها الى نازحين يَضطرون الى مغادرتها بحثاً عن الامان والنجاة من الموت الجماعي.

ذهب محمد العكادي للالتحاق بالمقاومة دفاعاً عن منطقته وكرامة ابنائها رافضاً للخضوع والعبودية والتجبر والاستكبار.

لقد عاش حراً كريماً عزيزاً يرفض الظلم والضيم, ومات شهيداً واقفاً شامخاً كالشجر.

وكغيره من المقاتلين في صفوف المقاومة الشعبية , لم يكن محمد العكادي معوزاً او محتاجاً ليكون ذلك دافعه للذهاب للحرب بحثاً عن مالٍ او غنيمة, بل ذهب تحركه قضية عادلة تستحق ان يسقط شهيداً لأجلها هي قضية الحياة والانتصار للحق ضد الباطل والبغي.

ذهب دفاعاً عن حق اليمنيين في حياة كريمة. دفاعاً عن ارادتهم وتطلعاتهم الى عدالة غائبة, ومواطنة منتقصة, ومساواة طال انتظارها, وتغييراً جذرياً كان الشعب اليمني ينشده ويترقبه ويتوق اليه وكان على مرمى حجرٍ منه.

ذهب محمد العكادي الى جبهة القتال تاركاً طاحوناً ووكالة لبيع وتوزيع الغاز في (سوق السبت ) – ببني شيبة الشرق .

ترك كل شيء وذهب ملبياً لنداء الواجب ليسقط شهيداً في ساحة الشرف والكرامة مخلفاً أُماً وزوجة وسبعة ابناء صغار. رحل عن الدنيا بعد ان كان يملؤها حضوراً وترك من بعده: اهله وأصدقاءه ومحبيه يبكونه ويذرفون دموعاً غزيرة حزناً عليه وفرحاً باستشهاده. ( لقد فاز بها ورب الكعبة ) فهنيئاً له هذه الشهادة.

وفي هذا المقام لا يسعنا الا ان نتذكر جميع من سبقوه ممن سقطوا من ابناء بني شيبة الشرق في جميع جبهات المقاومة على درب الحرية ورووا بدمائهم الزكية الطاهرة شجرتها الوارفة. ووضعوا بأجسادهم مداميك الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية - رحمة الله تغشاهم جميعاً واسكنهم فسيح جناته – آمين –

اليهم جميعاً والى كافة شهداء المقاومة في جميع انحاء اليمن اقول لهم :

ناموا قريري العيون

دماؤكم الطاهرة لن تذهب هَدَرْ

ودماء الذين مشوا في الطريق الصعب

حتماً ستنضج في الحقل الثمر

صنعتم المجد وصرتم نجوماً

أزهى وأسطع من ضوء القمر

ناموا واهنئوا

تعز اليوم تنتصر

بتضحياتكم سيتكلل النصر

وسيعم أرجاء اليمن

انَّ دماكم لن تذهب هدر

لن تذهب هَدَرْ...

 

قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet

وفي خضم تلك الحملة الاعلامية  ضد الحزب في اثناء حرب عمران قرأنا في عدد الثوري الصادر في 3/7/2014م عنواناً عريضاً يقول: [ الحزب الاشتراكي اليمني يُجَدد مقترحه بأهمية أن يدعو الرئيس القوى السياسية إلى لقاءات مكاشفة ]  بشأن الحرب في عمران، وهو ما استعرضناه فيما تقدم في الحلقة السابقة.

ونقرأ في العدد الذي يليه من صحيفة الثوري عنواناً عريضاً آخر ايضاً يقول: [  الاشتراكي يستغرب عدم الاستجابة لدعواته المتكررة لوضع خارطة طريق لحل النزاع في عمران] وهذا ما سنستعرضه في هذه الحلقة.

نعم لقد عبر الحزب الاشتراكي هذه المرة بعد ان قوبلت دعواته المتكررة، بعدم الاستجابة، نجده يعبر عن استغرابه من عدم الاستجابة ، وفعلا كان ذلك مستغربا حقاً، وتحت هذا العنوان العريض، تأتي التفاصيل التي تحل وجه الغرابة، وتحيلها وضوحا ناصعا لتلجم الشائعات، والتضليل الاعلامي المنفلت، والذي فقد اتزانه تماماً ، واليكم تفاصيل الخبر تحت هذا العنوان  الذي ذكرنا، تقول التفاصيل: [ وكان الحزب قد اقترح أكثر من مرة أهمية وضع خارطة طريق شاملة لحل النزاع في هذه المنطقة من البلاد، تتضمن العوامل المركبة، الثقافية، والسياسية، والمذهبية والثأرية التي وضفت في عملية الشحن الواسعة التي أسفرت عن هذه المواجهات الدموية، وعرضها على القوى السياسية في اجتماعات تضع الجميع أمام مسؤولياتهم تجاه هذه الاوضاع.]. ويتضمن الخبر ان مصدر رفيع في الامانة العامة للحزب [عبر عن اسفه وخيبة امله من عدم الاستجابة ] .

وقال المصدر : [ وجرى تفضيل اللقاءات الثنائية بين الاطراف المتنازعة في لقاءات مغلقة، أُهملت فيها القوى السياسية، الامر الذي أوصل الاوضاع الى ما وصلت اليه ] .

واعتبر المصدر: [ اهمال شركاء الحياة السياسية عملا غير مفهوم، وأمرا يتعارض جملة وتفصيلا مع اتفاق المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية، ومضمون العملية السياسية ] .

كان هذا ما ورد من المصدر رفيع المستوى في الامانة العامة، وكان من الصعب أن يُقرأ، كما يجب حينها، نتيجة الضجيج الإعلامي والحملة الشعواء، التي استهدفت تشويه مواقف الحزب الاشتراكي، ومارست تضليلا واسع النطاق استطاعت إبهات مواقف الحزب الواضحة، فكان من الصعب على الرأي العام التقاطها، فقد كان الرأي العام قد انقسم , وتم استقطابه ما بين مؤيد ومتعاطف مع هذا الطرف أو ذاك، ولقد انسحب هذا الانقسام، ليس فقط بين فئات المجتمع المختلفة بل وصل هذا الانقسام الى صفوف الاحزاب الوطنية، التي لا ناقة لها ولا جمل من تلك الحرب، ومنها الحزب الاشتراكي اليمني.

لقد احدثت الحملات الاعلامية المضللة لطرفي الحرب تشويشا بالغا أثـَّــر بما مارسه من تضليل على قواعد هذه الاحزاب، وكذا منظمات المجتمع المدني، وهذا ما هدفت اليه الحملة الاعلامية  وما ههدفت اليه الحرب عموماً.

لعلنا اليوم نستطيع إجلاء الصورة بعد ان توضَّحت اموراً كثيرة، ونحن هنا في تناولاتنا هذه لا نفعل غير أن نُذكِّر - تذكيراً ليس إلا - بمواقف الحزب، فربما اصبح مناسبا القيام بذلك لعلنا نستطيع أن نُكَوِّن فهماً لما حدث بالأمس , ولما آلت اليه الامور اليوم من نتائج مأساوية.

لقد اوضح التصريح الاخير للمصدر في الامانة العامة حقيقة ما كان يدور، وما كان يجري، بعد ان قوبلت دعوات الحزب المتكررة بعدم الاكتراث ولم تلق أي استجابة. وكانت الحقائق التي تضمنها واوضحها التصريح , كانت كالتالي :

اولا : ان هناك اقتراحات تقدم بها الحزب اكثر من مرة  اكدت على اهمية وضع خارطة طريق شاملة لحل النزاع في عمران، وان هذا النزاع ناجم بالذات عن عوامل كثيرة وله جذوره وأسبابه , ظل النظام السابق يغذيها ويراكمها طيلة فترة حكمه، ليتسنى له إستثمارها وتوظيفها حين تأتي الحاجة اليها : عوامل ثقافية وسياسية، ومذهبية، وثأرية، وظفت في عملية الشحن الواسعة، واستخدمت لتسعير الحرب في هذه المنطقة.

 ثانياً: كان الحزب يسعى لوضع حلول جذرية شاملة تأخذ بعين الاعتبار العوامل التي دائما ما أدت وتؤدي الى النزاعات والخصومات، وعادة ما كانت تستثمر وتوظف في إشعال حرائق الحروب القبلية، من وقت لآخر، وها هي اليوم توظف وتستثمر سياسيا لاشعال حرب شاملة، لن تتوقف في عمران بل سيحترق بها ويكتوي بنارها الوطن بأكمله، وستلتهم حرائقها، وثيقة مخرجات الحوار الوطني، والتي سطرت في طيات صفحاتها الناصعة احلام وآمال اليمنيين وتطلعاتهم وتوقهم الى الاستقرار والأمن في بناء دولة النظام والقانون والعدل والمساواة.

ثالثاً: لقد عبر التصريح عن اسف الحزب الاشتراكي، وعن خيبة أمله من عدم الاستجابة لدعواته ومبادراته، وكَشَفَ انه كانت تجري لقاءات ثنائية بين الاطراف المتنازعة، في لقاءات مغلقة، وهذا يفسر عدم استجابة الاطراف المتحاربة لدعوات الاشتراكي، وهذا معناه أن النية كانت معقودة لديهما في إستبعاد، واهمال القوى السياسية.  ان عدم الاستجابة، يفسر أن الاطراف المتحاربة كلاهما لا يريدان إشراك القوى السياسية الأخرى، لأن ذلك معناه،  أن يزعجوهما، بالحديث عن مخرجات الحوار الوطني، وجعله سقفاً  ومرجعية لأي إتفاق. وهذا معناه بان يذكروهما بالمبادرة الخليجية، واليتها التنفيذية، وهذا ما لا يريدان سماعه،  ومصداقاً على قولنا هذا اننا نسمع هذه الايام، من احد الاطراف، يعلن صراحة وفي اكثر من مناسبة أن المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار تم دفنهما (الرئيس اسابق ). كما سمعنا ، ان اجتماعاً للعلماء عقد في السعودية،  حضره رئيس حزب الاصلاح ( محمد اليدومي ) وامينه العام ( عبدالوهاب الآنسي ) وتم في هذا الاجتماع التوقيع  على وثيقة تتجاوز مخرجات الحوار الوطني وتستبعدها تماماً .

أي ان كلا الطرفين  يهيلا التراب على مخرجات الحوار الوطني، وهذا مبتغاهما من الحرب التي أشعلوها.  أشعلوها لتحرق مخرجات الحوار الوطني، وتقضي على ثورة التغيير ومطالبها.

كان الحزب مدركاً من وقت مبكر أن الاطراف المتحاربة تسعى، في خضم الحرب في عمران، الى عقد لقاءات ثنائية، ليتم تسوية الخلاف فيما بينهما، أو التوصل الى صيغة ما , تُسَوَّى بموجبها خلافاتهما ، وتضمن مصالحهما المشتركة، أو لعلهما، يتوصلان إلى تفاهمات من أي نوع تلبي رغباتهما، ويقتسما بموجبها السلطة، على أي شكل من الأشكال , ويفرضان ذلك كأمر واقع.

وفي الحقيقة أن سعيهما ذاك او رغبتهما تلك ، كانت قد اصبحت مستحيلة، ويتعذَّر تحققها، فقد وصلت الامور الى الدرجة التي لم يعودا معها قادرين على السيطرة على ما كان قد طرأ في الواقع من متغيرات  وما قد رتبته الحرب من نتائج على الأرض , وما ادت اليه من خسائر وسفك للدماء، وما نجمت عنه من ضحايا في الأرواح وما خلفته من ثارات بين القبائل والمصطفة والمتواجهة بين طرفي الحرب،.

لقد كانت الأمور على أرض الواقع وفي ساحات المعارك يتعذر معها التوصل الى أي اتفاقات، وكافية لافشال أي لقاءات من أي نوع .

لم تكن اللقاءات، بين طرفي النزاع، سوى مناورات لكليهما , يحاول كل طرف كسب نقاط قوة، تمكنه من استئناف ضرباته وشن هجومه على الطرف الآخر، واستغلال أي خطأ ما صادر عنه وتوظيفه في الحرب .لقد كان كل منهم متربصاً بالآخر, يتحين الفرص للاجهاز عليه.

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

لم تلق دعوة الحزب الاشتراكي التي وجهها الى رئيس الجمهورية في بيانه الصادر عن اللقاء المشترك للأمانة العامة والمكتب السياسي أي استجابة سواء من قبل رئيس الجمهورية أو اي من الاطراف المتحاربة، تلك الدعوة التي طالب فيها بان يدعو رئيس الجمهورية جميع القوى السياسية الى لقاء لمناقشة تداعيات الحرب في عمران، ووضع معالجات لها، وسبق وان قمنا باستعراضها في الحلقة السابقة. 

وكان الحزب الاشتراكي يدرك ويتفهم، عدم استجابة رئيس الجمهورية لدعوته، فإن عدم استجابة رئيس الجمهورية معناه ان طرفا الحرب كليهما يرفضان هذه الدعوة، وكلاهما يرفضان لقاء القوى السياسية لمناقشة التداعيات.

 ولا شك أن رئيس الجمهورية قد عرض دعوة الحزب عليهما.  اذاً ما فائدة أن يستجيب رئيس الجمهورية، ويدعو الى لقاءٍ كهذا، وطرفا الحرب يرفضان هذا اللقاء، كان على ما يبدو أن طرفا الحرب كل منهما يعتبر أن لقاءً كهذا ربما يفسد ما قد خطط، وسعى له، كل منهما، وبشكل منفرد طبعاً، (لا يفهم من حديثنا أنهما كانا متفقين فيما بينهما) ولا نحسب أن تلك الحرب كانت تمثيلية، لقد كانت حرباً حقيقية، وكانت تحركاتهما أثناء الحوار، توحي وكأن كل طرف كان يستدرج الآخر لهذه الحرب، وكان كل منهما يُعد العُدة لهذه الحرب ويستعد لها. لم تكن عدم الاستجابة لدعوة الحزب الاشتراكي مبرراً له , ليلوذ بالصمت، ويقف متفرجاً إزاء ما يحدث، فببساطة لم تكن دعوته تلك من باب اسقاط الواجب وإخلاء للمسؤولية، ولم يعتبرها كافية، بل نجده يعيد الكَرَّة , ويجدد دعوته مرة أخرى، ويُضَمنَها مقترحاته بعد أسبوع تقريباً من دعوته الاولى ويبعثها الى رئيس الجمهورية حيث يدعوه ويؤكد له أهمية أن يدعو [ القوى السياسية كلها، او على الأقل المتحاورة منها إلى لقاءات مُكاشفة، وبحث طبيعة وحقيقة المشهد السياسي، وليستمع الجميع الى بعضهم البعض بمسؤولية، ولوضع معالجات كاملة بما في ذلك وعلى نحو اساسي، وقف المواجهات العسكرية، وتحميل الطرف الذي يرفض المسؤولية ].

ووصف الحزب الاشتراكي في دعوته الثانية هذه  بأن الامر [ يبدو معقدا، ولكن لا طريق آخر غير أن يتحمل الجميع المسؤولية إزاء هذه الاوضاع ] أو كما وصفها بأنها [ تنذر بشرٍ مستطير]

هكذا كان الحزب يستشعر خطورة تداعيات الحرب في عمران، لكن لم تستجب مؤسسة الرئاسة لهذه الدعوات التي كان يطلقها الحزب الاشتراكي، ولم يباركها أي من الاطراف المتحاربة، ولم يلتفتا حتى مجرد التفاتة اليها.

وكان الحزب على الاقل يأمل من قيادة التجمع اليمني للإصلاح او أي من قياداته، مباركة الدعوة، والترحيب بها، حتى ولو من باب درء شبهة المشاركة في الحرب، وانه ليس أحد أطرافها , لكنه لم يفعل.

ولقد مثل بهذا واثبت ، وقوفه كطرف في هذه الحرب, وكان ـ على ما يبدوـ  يؤمل في حسمها والانتصار فيها عسكريا، وكان يدفع فيها دفعا مؤسسة الجيش لخوضها، والمشاركة فيها بكل ثقلها، وكان يراهن على ذلك، برغم ان رئيس الدولة كان يحاول عدم ان يكون الجيش طرفا فيها، وفشلت محاولاته بنقل قائد اللواء (310) وتعيين آخر بدلا عنه، لكي لا يتيح فرصة للطرف الآخر، لمواصلة الحرب، بذرائع بقاء، قائد اللواء/ القشيبي والذي كان الحوثيون يطالبون بعزله.

لقد رفض القشيبي وبشدة قرار نقله، ورفض تسليم قيادة اللواء، وأصرَّ على البقاء، ضارباً بقرارات الرئاسة عرض الحائط، ما جعل الرئاسة تضطر للتخلي عنه، وتتركه لمواجهة  مصيره، لوحده، دون دعم أو مدد، فكان الامر يبدو واضحاً، اللواء (310) وقائده يخوضون حرباً كجماعة مسلحة، ضد جماعة أخرى، وليس كجيش يتبع وزارة الدفاع، وخاضع لقرارات رئيس الدولة، والقائد الاعلى للقوات المسلحة، وهذا ما رجّح كفة الجماعة المسلحة الاخرى , جماعة الحوثي ومن خلفها قوات الرئيس السابق، علي عبدالله صالح.

انهزم اللواء (310)، واستشهد قائده العميد/ حمود القشيبي، ولا يسعنا الا ان نَعُده شهيداً. لقد قتل كبطل، من أجل ما آمن به، وما قد إستقرت عليه قناعته التي ترسخت وتعمقت خلال ما سبق من مراحل ماضية , وما قد شكلته الايديولوجيا وعمقته في عقيدته العسكرية، واخلاصا منه لقائده (علي محسن الاحمر) الذي يعتبره قائدا اعلى له، لا يأتمر الا بأمره ولا ينفذ قراراً إلا إذا كان صادراً عنه.

ونحترم تماماً أنصاره ومحبيه ونقر لهم أن يعدوه شهيدا.. بطلا، سقط من أجل مبادئ آمن بها، أي كانت تلك المبادئ، التي نختلف حولها.

ليست المشكلة في القشيبي، لكنها كامنه في طبيعة تركيبة الجيش اليمني وعقيدته القتالية، وطريقة بنائه على أسس غير وطنية، خاضعة للولاءات الشخصية ولمراكز القوى التقليدية، وعلى تلك الاسس كانت قوات الحرس الجمهوري تحارب هي الاخرى وتخوض معركتها متسترة بواجهة الحوثيين "انصار الله" ومتدثرة بشعاراتهم، وهاتفه بزواملهم، تأتمر لمن تكن له بالولاء، وتخلص له، وتتلقى توجيهاتها منه،وعلى ذلك تربت , وعلى تلك الصورة نشأت,  إنه قائدها، الرئيس السابق علي عبدالله صالح، الذي لم يعد له أي شرعية قانونية، او دستورية، لإصدار الاوامر العسكرية، وادارة الحرب، الا ان الامور، كانت تمضي على ذلك النحو.

وهكذا وفي الوقت الذي تشتد الحملة الاعلامية الموجهة ضد الحزب الاشتراكي اليمني، والمنطلقة من المطابخ الاعلامية لكلا طرفي الحرب في عمران، وكان أشدها تصعيدا مطابخ الاعلام الاصلاحية، التي كانت توجه نشاطها على مختلف الوسائل الاعلامية، صحافة ورقية، ومواقع الكترونية، وصفحات فسبوكية، وتطلق لهم العنان، في توجيه التهم للحزب، بانحيازه الى جانب انصار الله ووقوفه، ومساندته لهم، بل ذهب بالبعض الشطط حــدَّاً أبعد من ذلك، باتهام الحزب بمشاركته الى جانبهم وتقديم السلاح لهم . لم نسمع حينها من يقول او يشير ويوجه الاتهام إلى الحرس الجمهوري الذي يقف بعدته وعتاده العسكري الى جانب انصار الله، وهكذا تحول الحزب الاشتراكي الى مخزن للسلاح، يمدّ ويمون الحوثيين به.

  يتبع.

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

 

اوردنا في الحلقة السابقة عدداً من مواقف قيادات الحزب  تجاه الحرب في عمران والتي عبروا فيها عن قلقهم مما آلت  اليه الاحداث  من تطورات تنذر بعواقب وخيمة تهدد العملية السياسية بنسفها , ودعوا الاطراف المتحاربة بالتوقف عن استخدام السلاح والكف عن ممارسة العنف , وفي هذه الحلقة سنواصل التذكير بمواقف أخرى للحزب , وكيف تعاطى مع ما يجري في عمران .

لم يكتف الحزب بما كان قد اعلنه عدد من قياداته من مواقف تجاه الحرب الدائرة في عمران برغم انه كان قد اعلن موقفه منها فور اندلاعها  ــ وسبق وان ذكرناه في حلقة سابقة ــ ولم يعتبر ذلك كافياً , ليقف بعدها متفرجاً , ففي 19/ 6/2016م عقدت أعلى هيئاته القيادية وهما الأمانة العامة , والمكتب السياسي , اجتماعا مشتركاً لهما , وكانت حينها قد دخلت المواجهات المسلحة مرحلة خطرة , وصدر عن هذا الاجتماع المشترك بيان وجهت فيه قيادة الحزب الدعوة مجدداً الى ضرورة وقف هذه المواجهات فوراً وطالبت رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي ان [يدعو القوى السياسية المختلفة الى لقاء فوري لمناقشة التداعيات  في عمران واتخاذ قرارات حاسمة بشأنها تكون ملزمة للجميع , وليتحمل الجميع مسؤوليته إزاء هذه المخاطر المحدقة باليمن والعمل على تجاوز هذه التداعيات الناشئة بالأساس عن خلل جوهري اصاب العملية السياسية ولابد من تجاوزه ] كما دعا البيان الى [ ضرورة ايجاد حل حاسم في نطاق مخرجات الحوار الوطني الذي يجب ان تلتزم به كل الاطراف ] .

كانت هذه دعوة الحزب الذي وجهها وأطلقها في بيانه الصادر عن الاجتماع المشترك  اوردناها بنصها , وتكمن اهمية هذه الدعوة في امرين هامين ـ من وجهة نظرنا ـ   تضمنتهما هذه الدعوة ولهما مغازي عدة :

-           الامر الاول : دعوة القوى السياسية المختلفة لمناقشة التداعيات , وإيجاد حل حاسم في نطاق مخرجات الحوار الوطني تلتزم به كل الاطراف.

 وأهمية هذا الامر هو ان الحروب عادة ما تهدف الى اقصاء الاطراف المعنية , وجزء واسع من فئات المجتمع والتي هي معنية بالمشاركة في مناقشة المشكلات ووضع الحلول لها , فيتم اقصائها  لينحصر بحث القضايا الوطنية على الاطراف المتحاربة المتمثلة بقوى النفوذ السلطوية التي تخوض صراعاً من الاستيلاء على السلطة والانفراد بها , والاستحواذ عليها لصالح المنتصر فيها , او على اقل تقدير وفي أسوأ الاحوال التوصل فيما بين القوى المتحاربة الى تسوية يقتسما بموجبها السلطة , عبر التفاوض فيما بينها في لقاءات ثنائية مغلقة . وهذا ما كان يخشى منه  الحزب الاشتراكي ,فسارع بدعوته الى رئيس الجمهورية تلك مطالبا اياه بان يقوم بدعوة كافة القوى السياسية الى اجتماع , وإشراكها في مناقشة التداعيات واتخاذ قرارات حاسمة بشأنها ولكي يتحمل الجميع المسؤولية .

فما معنى  ان تلجأ اطرفاً بعينها الى السلاح في تقرير مصير البلاد ؟؟

معنى هذا انها تنقلب على الاجماع الوطني , وترفض نتائج ما توصل اليه مؤتمر الحوار الوطني فأي لقاءات ثنائية فيما بينها وأى اتفاقيات ستتمخض عنه مفاوضاتهما بالتأكيد ستكون غير ما تم   التوافق عليه بالإجماع وبالتأكيد سيكون تجاوزا لوثيقة مخرجات الحوار وخروجاً عنها . لذلك كانت دعوة الحزب تؤكد الى جانب مشاركة كافة القوى السياسية  ضرورة ان تكون الحلول في نطاق مخرجات الحوار الوطني .

بالطبع فانه في الوقت الذي كانت الدعوة موجهة الى رئيس الجمهورية هي بذات الوقت موجهة لكافة ابناء وفئات المجتمع وقواه السياسية التي انخرطت وشاركت في مؤتمر الحوار لتتخذ الحيطة والحذر وتتحلى باليقظة   . فقد كانت الدعوة معلنة عبر بيان الى الراى العام ينبهه لما يحاك ويدبر في الغرف المغلقة ولما يجري في الخفاء وما يخطط له  بهدف تصفية المطالب الشعبية والالتفاف عليها ومصادرة ارادتها ولِما يتم تفصيله من مقاسات لحدود مطالب ثورة التغيير , وجعل التغيير في سقف محدد لا يتجاوز ولا يمس المصالح الغير المشروعة لقوى النفوذ والهيمنة , والتي تكونت خلال عقود مضت وجعل  التغييرلا يتجاوز هذا السقف.

وهذا برأينا ما هدفت اليه حملة التشويه الاعلامية وما جعلت اطرافها يتخذون من الحزب هدفا لها وكيل التهم الجاهزة له , وتصنيفه تارة مع هذا الطرف او ذاك . هكذا رافقت الحرب  الدائرة في عمران , حربا اعلامية ابتزازية ضد الحزب , الغرض منها  استقطابه مع بقية القوى السياسية المتمسكة بمخرجات الحوار ودفعه دفعا للاصطفاف الى صف احد الاطراف المتحاربة او على الاقل تصويره وإظهاره لدى الرأي العام منحازا لأحد الاطراف وبالتالي يسهل التشويش على مواقف الحزب فتصل الى الرأي العام على غير حقيقتها وخصوصا جماهير الحزب وأعضاءه وبالتالي تودي الى انقسام قاعدته الجماهيرية وأنصاره و كذلك أعضاءه , وتوزعهم الى طرفي القوى المتحاربة   . كانت الحملات الاعلامية تمارس تضليلا للرأي العام وقلباً للحقائق وبشكل فج . ليسهل بذلك إحداث الانقسام في المجتمع   , قسم منه يتم استقطابه الى هذا الطرف وقسم الى الطرف الآخر فتضيع الحقيقة جراء ذلك وتصبح مخرجات الحوار في خبر كان, والويل لمن يطالب بتنفيذ وثيقة الاجماع الوطني بعد ذلك .

اما الامر الثاني في الدعوة ويشكل براينا اهمية وله مغزى ايضاً هو حين اشارت الدعوة الى ان التداعيات [ تداعيات الحرب في عمران] والتي اوضح البيان ان منشأها في الاساس ناجم عن[خلل جوهري اصاب العملية السياسية ولابد من معالجته] 

كانت هذه الاشارة المقتضبة لها دلالاتها العميقة وفي غاية الاهمية , فالحرب الدائرة في عمران , وما سوف ترتبه من نتائج ومخاطر محدقة باليمن , هي نتيجة لتراكم عدد من الاخطاء التي تُعمِد ارتكابها سواء في فترات سابقة تعود في في بعضها الى ما قبل الحوار وفي اثناء التحضير له في اللجنة الفنية  او ارتكبت اثناء مسيرة الحوار وفي نهايته تحديداً , وأسفرت هذه الاخطاء او جزء منها وأدت الى هذه التداعيات التي دعا الحزب الى العمل على تجاوزها. مؤكداً انه لن يتم تجاوزها او ايقافها لمجرد الرغبة في ذلك , بل بالبحث عن اسبابها والتفتيش عن جذورها , والحزب الاشتراكي يدرك جيداً منشأ هذه التداعيات , وقد سبق وان حذر منها في مناسبات ومحطات كثيرة .

 إن ما ألمح اليه الحزب في بيانه وبإشارة مقتضبة وسريعة من ان هذه التداعيات ناشئة في الاساس  عن خلل جوهري اصاب العملية السياسية سبق ان نبه الحزب من خطورة اقترافه , وحين تم اقترافه ظل يطالب مراراً بإصلاح هذا الخلل الذي سيكون من نتائجه الاطاحة بالعملية السياسية او تعريضها لعدد من المخاطر على اقل تقدير. كان هذا الخلل متمثلاً وبالتحديد بالتدخل في مسار الحوار والذي مرَّر بأدوات سلطوية ــ  في مخالفة صريحة للوائح المنظمة للحوارــ  قضايا ذات اهمية لصالح بعض الاطراف السياسية ومن هذه القضايا : القضية الجنوبية وشكل بناء الدولة . وهذا ما وقف الحزب ضده حينها , وما خاض معركة بشأنه , لكنه للأسف خاضها وحيداً بعد ان تخلت جميع الاطراف والقوى السياسية وتركته يخوضها منفردا , وفي ظل تخلي جميع القوى السياسية عن مسئوليتها في الدفاع عن النظام الاساسي لمؤتمر الحوار الوطني والقواعد التي تنظم عمله , وقد تم حسم تلك القضايا بتسوية طبخت وتمت خارج الاجماع ودون مشاركة اعضاء مؤتمر الحوار , ما مثل خللاً اعترى مسار الحوار , ومع ذلك ظل الحزب يؤمل بتجاوز ذلك ويدعو الى رفد العملية السياسية بعوامل تدعم نجاحها وتهيئ الشروط لتصحيح هذا الخلل . وطالب بضرورة فتح الباب امام العوامل الايجابية الداعمة لنجاح العملية السياسية وحذر من ان تجاهل ذلك سيؤديالى [ان الذي سيملأ مساحة  الفعل هي العوامل السلبية التي تتربص بالعملية السياسية من كل جانب ] كان ذلك ما اوضحه الدكتور ياسين في كتابه (عبور المضيق).. وفعلاً فان ما ملا مساحة الفعل هي العوامل السلبية التي لطالما ظلت متربصة بالعملية السياسية والتي وظفتها القوى الرافضة لنتائج الحوار ونَـفَـذت من خلالها وذهبت الى الحرب بدلا من ذهابها الى تنفيذ وثيقة الحوار  .

وفي الحقيقة كانت قد ارتكبت اخطاء كثيرة في مسيرة الحوار كما اشرنا , كان اكثرها متعمداً , ومدروسا , تعود في بعض منها الى ما قبل الحوار وأثناء التحضير له , سنحاول تناولها في وقتٍ لاحق لعل الصورة تكتمل عن ما كانت تخطط  وتسير وفقاً له الثورة المضادة حتى نالت مبتغاها.

وقبل ان نختم حلقتنا هذه نود ان نؤكد ان الاخطاء التي رافقت مسيرة الحوار الوطني كانت بمثابة الالغام التي اراد البعض زرعها في طريق الحوار وكانت تهدد بنسفه كلياً في أي لحظة وفي أي وقت , ولقد اسهم الحزب الاشتراكي اليمني إسهاماً كبيرا في تجنب السير في طريق تلك الالغام , وكان يمضي بالحوار الى غاياته  وبعيداً عما يمكن ان يؤدي الى تفجيره , ولقد نجح في ذلك ايما نجاح . وهذا ما سيسجله التاريخ له ولو بعد حين .

                       وللحديث بقية تابعونا

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

 

استكمالا لما كنا قد بدأنا عرضه في الحلقة السابقة لأحد مواقف  الحزب الاشتراكي من الحرب في عمران , نواصل في هذه الحلقة عرض ومناقشة مواقف أخرى للحزب سواء لمواقف بعض من قياداته أو بعضاً من مواقف لهيئاته القيادية ــ ولم نورد في الحلقة السابقة سوى موقفاً واحداً للحزب فقط  جاء عبر تصريح لمصدر مسئول رفيع المستوى في الحزب.

في الحقيقة لقد حضيت المواجهات العسكرية بين طرفا الحرب في عمران , اهتماماً كبيراً  في الحزب وخصوصاً لدى القيادات العليا فيه , كما أثارت لديهم في الوقت نفسه قلقاً كبيراً, استشعاراً منهم لخطورة ما آلت إليه الاحداث من تفاقم ينذر بمخاطر يهدد بانزلاق البلد الى حرب  شاملة , فيما لو تم الحسم العسكري لأحد طرفيها وفي ما لو تمت السيطرة لأحدهما على محافظة عمران  بالحرب .

كان الحزب يدرك تماماً ان طرفا الحرب يسعى كل منهما للسيطرة عسكرياً على محافظة عمران , فالسيطرة على عمران يعني تمكن الطرف المسيطر من تحسين شروطه التفاوضية من ناحية , ومن ناحية تعزيز مواقعه العسكرية ومن ثم احكام قبضته ومعها يكون قادراً على املاء شروطه , وتهديد العاصمة صنعاء بإسقاطها في أي وقت في حالة عدم تنفيذ شروطه, ومن ثم تكون الخطوة التالية اسقاط شرعية (هادي) , لقد كان واضحا ان كلاهما قد ضاق ذرعاً بسلطة (هادي)  فكانت تمثل لكليهما ـ على ما يبدوـ هدفاً نهائياً لحربهما وكان الحزب مدركاً تماماً لذلك , مدركا لخطورة استمرار الحرب في عمران وتداعياتها ,ولهذا فقد استشعرت قيادات الحزب خطورة الموقف, سنلاحظ ذلك من خلال المواقف المعلنة من بعض قياداته .فهذا محمد غالب احمد رئيس دائرة العلاقات الخارجية في الحزب وعضو الامانة العامة يوجه صراحة ويدعو الاطراف المتحاربة التي تحمل السلاح بالتوقف عن استخدامه  , داعياً أنصار الله قائلا :[على انصار الله الذين وقع عليهم الظلم بان لا يظلموا , وان يتوجهوا للعمل السياسي كحزب , وان يلتزموا بالعمل السلمي وعدم استخدام القوة ]

كما دعا الطرف الاخر المحسوبين على حزب الاصلاح داعيا اياهم  [ ان يحترموا التزاماتهم في مؤتمر الحوار الذي تم الاتفاق فيه على عدم استخدام السلاح, وان السلاح يجب ان يكون بيد الدولة وحدها ]

نلاحظ ان دعوة الاستاذ/ محمد غالب احمد واضحة وتسمي صراحة الطرفين المتحاربين وتدعوهما وباسميهما ودون مواربة الى التوقف عن استخدام السلاح لحسم الخلاف فيما بينهما , وفي حقيقة الامر كان انصار الله  وحزب الاصلاح باعتقادي ما هما إلا واجهتين لقوى ومراكز نفوذ تقليدية وصل التناقض فيما بينهما الى اعلى درجاته وغدا كل طرف يمضي الى حسم الصراع عسكريا وكان كل منهما يسعى الى ازاحة الاخر من طريقه والاستيلاء على السلطة منفردا والإطاحة بالشرعية ونتائج الحوار الوطني وفرض مشروعه بالقوة وكان لكل منهما اجندته وخطابه التبريري الجاهز والمعد .

كان انصار الله واجهة النظام السابق لعلي عبدالله صالح ,وكان الاصلاح واجهة لعلي محسن وآل الاحمر. وليس من خيار امام القوى السياسية الاخرى غير الاختيار بين هاتين القوتين والتحاقها بأحد طرفيها  والاصطفاف ال احدهما في حربه ضد الاخر.هذا ما كان يريده الطرفين.

وهذا موقف آخر لأحد ابرز قيادات الحزب التاريخية  الاستاذ انيس حسن يحيى حيث يقدم قراءة للمشهد السياسي والاجتماعي الراهن اثناء حرب عمران نشر في صحيفة الثوري حينها , يصف المشهد بأنه شديد القتامة ويورد اسبابا لتلك القتامة متمثلة كما ورد في قراءته كما يلي:

1-         غياب الدولة شبه الكامل

2-         معاندة النظام السابق ورموزه

3-         الدور التآمري المبطن الذي يلعبه بعض العسكريين الذين يدعون زوراً انضمامهم الى صفوف الثورة ,  وأنهم لا يقلون شراسة عن رموز النظام السابق في خصومتهم للمجتمع ككل وفي عرقلة الجهود للخروج بالوطن من مأزقه الراهن.

4-         حرب عمران العبثية

فعن هذه الحرب التي وصفها بالعبثية وهو ما يهمنا في تناولتنا هذه فلا بأس من ايراد مقتطفات مما جاء في قراءة الأستاذ / انيس حسن يحيى حيث يقول عن الحرب في عمران انها : [حرب مدمرة بكل المقاييس ... وتشكل اكبر خطر  يهدد امن واستقرار الوطن , كما تشكل تهديداً صارخا للمجتمع ككل ]  ويضيف : [ان هذه الحرب العبثية من قبل المليشيات المسلحة لطرفي الصراع قد بلغت في استخفافها بالمجتمع درجة قصوى لا مثيل لها .... وكل الاطراف المشاركة فيها تتحمل وزرها بالكامل ... ان هذه الاطراف تسهم في تكريس الانفلات الامني وفي تكريس غياب الدولة , كما تسهم في  تحويل حياة الناس الى جحيم قاتل.]

كان ما اوردناه اعلاه موقفا واضحا لأحد قيادات الحزب المجربة , الذي يعلم تماماً ماذا تعني الحرب عموماً, وماذا تعني حرب عمران بالذات ؟

لقد بدأت الحرب في عام 94 من عمران وكان قد سبقتها توقيع كافة الاطراف السياسية وثيقة اجماع وطني تمثلت في وثيقة العهد والاتفاق.  وهاهي الحرب في عمران في العام 2014 تندلع بعد الاجماع الوطني والتوقيع على وثيقة الحوار الوطني . يجب ان نتذكر ذلك جيدا فما اشبه الليلة بالبارحة.

وهذا قيادي آخر يصف  ما يجري على الساحة , ففي مقابلة له اجراها الرفيق / سام ابو اصبع نشرتها صحيفة الثوري  وفي اثناء حرب عمران يصف الأستاذ / علي الصراري عضو المكتب السياسي عضو الامانة العامة للحزب ما يجري قائلاً : [ ان حَمَلة السلاح لم يتخلوا عن منطقهم المعروف , ولا عن ادواتهم , وما زالوا يراهنون على ادوات القوة بدلا عن الحوار ]  , ويضيف : [ لا بد الان من ان تتداعى القوى السياسية لوضع حد لهذا التدهور العسكري والأمني ووضع حد لهذه المواجهات .... فان محاولة وضع البلد امام مأزق جديد وفرض خيارات الحرب عليها بدلا من خيارات السلام والتوافق ... فهذا امر يعيدنا الى نقطة الصفر ويشي بإمكانية افشال العملية السياسية ....]

ولقد صدقت نبوءة الصراري وعدنا الى نقطة الصفر بعد ان ادت الحرب والتي لازلنا نعيش فصولها حتى اليوم الى افشال العملية السياسية  . هذه الحرب التي يتحمل وزر اشعالها الطرفين المعروفين ـ كما قال الاستاذ انيس حسن يحيى فيما تقدم.

وبالرغم من هذه المواقف الواضحة لهيئات وقيادات الحزب الاشتراكي يأتي من يتقول على الحزب ويحاول ان يضعه في هذا المربع او ذاك , ويضعه مع هذا الطرف او ذاك الطرف.

ففي الوقت الذي كانت تدور فيها رحى المعارك الحربية الطاحنة , تشن اطراف الحرب وترافق حربهم حربا اعلامية شعوا ضد الحزب . مواجهات عسكرية تستهدف الوطن , وحرب اعلامية تستهدف الحزب الاشتراكي اليمني , و في آن واحد. وكم كان محقاً الامين العام للحزب الاشتراكي الدكتور / عبد الرحمن السقاف حين قال في آخر مقابلة له مع موقع (ابابيل) نهاية شهر يونية 2016م : [ ان التجربة التاريخية للحزب تخبرنا دائماً , بأنه عندما يستهدف الوطن يترافق ذلك مع استهداف الحزب الاشتراكي اليمني] .

ولا زال للحديث بقية .. تابعونا في الحلقة القادمة.

 

لمتابعة قناة الاشتراكي نت على التليجرام

اشترك بالضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

 

 

 

سنواصل في هذه الحلقة تتبع مواقف الحزب الاشتراكي من مختلف القضايا في المراحل المختلفة, ويبدو أن الوقت قد اصبح مناسباً بعض الشيء, والأجواء مواتية في هذه الايام لتوضيح مواقف الحزب والتذكير بها  خصوصاً وقد وصلت الامور الى ما وصلت اليه وبدأت كثير من خيوط اللعبة تتكشف شيئاً فشيئاً للرأي العام.

ان الاهمية في توضيح مواقف الحزب, ربما تقود الى توضيح الاهداف من وراء الحملات الاعلامية التي كان الحزب يتعرض لها  خلال مراحل الحوار المختلفة وما بعد الحوار , وحين بدأت الاطراف المسلحة تقرع طبول الحرب , مفصحة عن ضيقها وتبرمها من نتائج الحوار , ولِمَا تم التوصل اليه من اجماع  وطني تَمَثـَّـل في مخرجاته  الذي تضمنته وثيقة مخرجات الحوار الوطني التي وضعت اليمنيين  على مرمى حجر من تحقيق أحلامهم في بناء الدولة المدنية الحديثة التي كانت القاسم المشترك لمختلف الفئات الاجتماعية  والفعاليات السياسية والقوى المدنية, هذه الاحلام وتلك الطموحات التي طوحت بها الحرب التي بدأت فصولها في صعدة, وصولاً الى عمران فصنعاء منطلقة بعد ذلك الى اعلان الحرب الشاملة على الجنوب وتعز. من هي هذه القوى التي لم يكن يروقها مخرجات الحوار الوطني ؟ انها القوى التي قال عنها   الدكتور ياسين بأنها " تنام على ترسانة من السلاح " والتي وصفاها بأنها " نفس القوى التي ظلت تثير الحروب العبثية على نطاق واسع وتورط الدولة فيها " كما اشرنا الى ذلك من قبل.

          لن نلتزم في تناولاتنا تسلسلاً محدداً للأحداث لتوضيح مواقف الحزب منها لكننا  بالتأكيد سنختار بداية ننطلق منها ــ نرى انها مناسبة ــ ولتكن احداث الحرب في عمران. فحين وصلت المواجهات الى عمران رافقتها اشتداد الحملات الاعلامية المسعورة ضد الحزب الاشتراكي ,متهمة اياه ــ تارة ــ بتواطئه مع الحوثيين, وأخرى بانحيازه الى صفوفهم , بل ذهب البعض منهم الى اتهام الحزب بمشاركته الى جانبهم.. وفي الطرف المقابل كانت المطابخ الاعلامية تتهم الحزب بتخاذله ووقوفه الى جانب من كانت تطلق عليهم (التكفيريين) و(الدواعش) مذكرةً الحزب انهم من شنوا عليه الحرب في 94 في محاولة لدفعه للتعاطف مع الحوثيين او على الاقل لمحاولة التأثير على اعضائه ومناصريه لينحازوا الى صفهم وليبرروا عدالة ومشروعية حربهم ضد حزب الاصلاح. كانت الحملات الاعلامية تنطلق من الجانبين سواءً بسواء.

وبالرغم من المواقف الواضحة للحزب والمعلنة صراحة  في منابره الاعلامية المختلفة سواء عبر بياناته ام على لسان قياداته والتي في مجملها عـبَّرت عن موقف الحزب الواضح سواء من الحرب الدائرة في عمران ام من الحرب عموما, حتى قبل ان تندلع وحتى في الوقت التي كانت بوادرها تلوح في الافق وما ستمثله من خطورة والتي سبق للحزب ان حذر منها ومن تبعاتها مراراً عـبْـر دعواته المتكررة وبشكل مبكر جداً منذ ان بدأت الاغتيالات السياسية التي طالت اعضاء في مؤتمر الحوار وكذا الاغتيالات التي ذهب ضحيتها عدد من القيادات الامنية والعسكرية . كان الحزب يدرك جيداً ان اعمال العنف هذه كانت مؤشر على أن اطرافاً تتهيأ للاحتراب وتتوجس خيفة من نتائج مخرجات الحوار الوطني, فلم تكن من طريق امامها سوى الذهاب للحرب للتنصل من التزاماتها ومما ستوافق وستوقع عليه من نتائج  , فالحرب هي وسيلتها لفرض خياراتها بالقوة وبالانقلاب على العملية السياسية برمتها , ومدخلاً لتغييب الارادة الشعبية التي ظلت حاضرة منذ 11 فبراير 2011 ومتيقظة حتى وصول المواجهات العسكرية الى مشارف مدينة عمران .. وحين وصول المواجهات الى مشارف عمران بدا واضحاً ان الاطراف المسلحة المتنازعة قد حسمت امرها ووصلت الى قناعة تامة بحسم الصراع عسكرياً, وبدا واضحاً حينها ان البلاد تنزلق أكثر وأكثر الى الحرب الاهلية فيما بين قوى النفوذ, ولم تكن فترة الحوار الوطني بالنسبة لها وانخراطها فيه سوى كسبها مزيداً من الوقت لتهيئة وتحضير نفسها واستكمال استعدادها وإنضاج تحالفاتها لخوض الحرب. وهذا ما يفسر تصاعد الحملات الاعلامية بشدة ضد الحزب في هذه المرحلة كون الحزب ظل يلعب دوراً كبيراً في العمل للحيلولة دون الانزلاق الى العنف والمواجهات المسلحة, وظل يراهن على الحل السياسي للمشكلات القائمة , ويحث الاطراف جميعها على التمسك بما تم التوصل اليه من حلول , والشروع في تنفيذ مخرجات الحوار .

ولان قوى النفوذ المتنازعة على السلطة قد اختارت طريق الحرب بديلاً عن مخرجات الحوار كانت حملات التشويه ضد الحزب الاشتراكي الصادرة من المطابخ الاعلامية للأطراف المتحاربة الغرض منها دفع الحزب دفعاً باتجاه الاصطفاف الى أي منها او تصويره على انه منحاز الى احد طرفيها, هذا من ناحية, ومن ناحية اخرى الحيلولة دون تأثير خطابه الذي يفضح الاطراف المسلحة بمسلكها الحقيقي الرافض لنتائج الحوار على الرأي العام الذي كان قد انقسم بفعل حِدَّة الاستقطاب جراء لجوء الاطراف المتحاربة الى التعبئة والتحريض التي رافقت العمليات العسكرية عن طريق الشحن الطائفي وإذكاء الـنعرات المناطقية وإشعال نار الفتنة الدينية والمذهبية.

وبالرغم من حملات التشويه الاعلامية الموجهة الى الحزب ظل موقفه ثابتاً وعلى مسافة واحدة من كلا الطرفيين المتحاربين واتسم خطابه بالهدوء وروح المسؤولية ,فلم ينجر الى ردود فعل متسرعة, ولم يقع في شرك الاستفزازات, وتعامل مع ما كان يوجه اليه من تهم وتخوين بان يعلن وبهدوء عن مواقفه المبدئية وفقاً لنهجه السياسي كحزب مدني ينبذ الحروب ويرفض اللجوء الى العنف واستخدام السلاح لحسم الصراعات السياسية.

وعليه فان موقف الحزب من الحرب في عمران كان متسقاً مع نهجه وخطه السياسي سيتضح ذلك من خلال ما اعلنه عبر المصدر المسئول  في الحزب ـ حينها ـ نجد انه من الاهمية ان نورد بعضاً من نصوصه للتذكير , وللتذكير فقط . حيث يبدأ تصريح المصدر المسئول بالقول  [ ان موقف الحزب من الحروب بما في ذلك حيازة السلاح من قبل الاطراف التي تفيدت الدولة في حروبها السابقة معروف للجميع, وان هذه الحروب وإقحام الدولة فيها هو مواصلة لإضعافها وتفيدها في نهاية المطاف ].

سنتوقف هنا قليلا وبعدها نستكمل بقية التصريح..

ان التصريح واضح وصريح وينم عن ادراك من قبل الحزب الاشتراكي وعن دراية قائمة عن تجربة وخبرة بهذه الاطراف المتحاربة, من حيث انها اطرافاً تفيدت الدولة في حروبها السابقة , وكانت الحروب وسيلتها لتخزين السلاح وتكديسه ـ هذا ما جرى في حرب 94 , وفي حروب صعدة الستة وغيرها من الحروب .

و التصريح يحذر من ان الحروب ومنها حرب عمران وإقحام الدولة  فيها ما هي إلا لإضعاف الدولة ومن ثم  تفيدها في نهاية المطاف. وهذا ما حصل فعلاً, فانه وبالنتيجة قد ادت الحرب وإقحام الدولة الى كسر هيبة الدولة وإلحاق الهزيمة بالجيش والاستيلاء  على سلاحه وعتاده وفي النهاية تم تفيد الدولة وابتلاعها, وهذا ما تتحقق بالفعل لاحقاً.. لكن الآلة الاعلامية الحربية للمتحاربين تشوه موقف الحزب, فهذا الطرف يتهمه بالاصطفاف الى جانب الحوثيين, وذلك الطرف يتهمه بالوقوف الى جانب حزب الاصلاح , حليفه في اللقاء المشترك , وموقف الحزب واضح عبَّر عنه كما تقدم في اقل من ثلاثة اسطر.

ولنستكمل بعض من فقرات التصريح ــ ولو اثقلنا على القارئ ــ فالحزب قد تعرض لسيل من الاكاذيب والأباطيل وتعرضت جماهيره وأعضاءه لشتى انواع التضليل والتشكيك الى الحد الذي زُعـزِعَـت ثـقتها بالحزب, وهذا بالأساس ما كانت تهدف اليه الحملة الاعلامية الموجهة ضد الحزب.

يواصل المصدر تصريحه بالقول : [ لقد نادى الاشتراكي مراراً لضرورة أن تضع الدولة استراتيجية واضحة تجاه هذه النزاعات تنطلق في الاساس من مخرجات الحوار الوطني, كما دعا الى ضرورة إصدار قانون ينظم حيازة السلاح وحمل السلاح, وإدانة حملات التعبئة والتحريض التي تجري تحت عناوين الفتنة الدينية والطائفية  التي تمارسها اطراف الصراع .]

ويختتم المصدر تصريحه حيث لا يترك أي مجال لأي لبس, او أي مساحة لأي تأويل للقول, وبحيث لا يعطي او يترك تفسيراً آخر لمعاني الكلمات غير معانيها الحقيقية.

وهذا هو ختام التصريح : [ ان الاصرار على بقاء المشهد على هذا النحو الذي تعطلت فيه الحياة السياسية انما يعيد الى الاذهان رغبة الاطراف المسلحة في فرض خياراتها بالقوة وهو ما يرفضه الحزب الاشتراكي جُملةً وتفصيلاً ]

بهذه العبارات المقتضبة اختتم المصدر تصريحه.

لنعيد قراءة خاتمة التصريح , فلا يجوز ولا يجب ان تكون القراءة سريعة وعابرة.. ونحن لا نعيد ايراد نصوص هذا التصريح عبثاً. فلنتأمل النص الاخير جيداً. ماذا نستنتج وماذا نستخلص ؟؟

أولا : يبين نص الختام  السابق ان هناك جهة ما ـ او جهات لا فرق ـ  تتعمد بقاء المشهد على ما هو عليه, أي بقاء المشهد في حالة حرب وفي حالة من تعطل الحياة السياسية وتوقفها. فالحرب واستمرارها كفيلة بتصفية مطالب ثورة التغيير والتي كانت قد عُكِسَت في مخرجات الحوار الوطني , ومخرجات الحوار الوطني كانت نتاج عملية سياسية في ظل حياة سياسية ـ وان كانت محفوفة بكثير من المخاطرـ وفي ظل تعطيل هذه الحياة السياسية سيتعذر بل ويستحيل تحويل مخرجات الحوار الوطني الى واقع ملموس, ووظيفة الحروب هي ان تجهز على كل شيء  وتطيح بكل شيء وتقضي على كل ما تراكم , وتعيد المجتمعات الى الوراء مسافات ومسافات وحتى الى نقطة الصفر.. بل والى الحالة البدائية / الهمجية الى مجتمعات اللادولة حيث تغيب السياسة وتحضر بديلاً عنها الفوضى.. والفوضى فقط. فالفوضى مدخل ملائم للإجهاز  على أي عملية تغيير وتتيح للأطراف المتحاربة البحث في ظلها عن أي تسوية اخرى تتيح لهما تقاسم السلطة بأي صيغة تتحقق فيها مصالحهما.

فهذه الاطراف ــ او لنقل قوى النفوذ والهيمنة من الطرفين ــ  لم يستطع أي منها ,امام ضغط وحضور الارادة الشعبية ومطالب الجماهير الواسعة والمتراصة صفوفها , ــ والتي كانت اعداد غفيرة منها لازالت تفترش الساحات العامة ــ  ولم تتجاسر على رفض الحوار من بدايته , لكنها كانت تعول على إفشاله أثناء انعقاده وتتحين الفرص لذلك ــ وهذا ما كان يحدث من وقت لآخر اثناء الحوار, فمن التعطيل في مرات عديدة لإعماله, الى اللجوء الى الانسحابات المتكررة ــ او الاطاحة بنتائجه فيما لو لم تنجح في افشاله.. لم تستطع افشال الحوار اذاً.. فأشعلت الحرب وأطاحت بمخرجاته ..

ثانياً : يبين  ختام التصريح : ان من يتعمدون بقاء المشهد على ما هو عليه, مصرون على بقاءه على ما هو عليه. اى ان هناك اصرار .

ثالثاً : هذا الاصرار. بماذا يشي, انه يعيد الى الاذهان  ــ لاحظوا ــ يعيد الى الاذهان رغبة الاطراف المسلحة في فرض خياراتها ــ أي بقوة السلاح. وعلى القارئ ان يشحذ الذاكرة قليلاً ويتذكر كم من المرات لجأت فيها هذه الاطراف من قوى النفوذ والهيمنة الى فرض خياراتها بقوة السلاح. جرى ذلك في مراحل وأحداث سابقة  ليس من الصعب تذكرها. كان آخرها المواجهات المسلحة التي دارت في الحصبة فيما بين قوات علي صالح وآل الاحمر ومن خلفهم قوات علي محسن الاحمر, ومحاولات هذا الاخير بالزج بمجاميع مسلحة من الفرقة الاولى مدرع في صفوف المتظاهرين بحجة حمايتهم. وكذلك المواجهات المسلحة في محافظة الجوف بين الحوثيين والإصلاح في العام 2011م .

ذلك كان موقفاً واحداً للحزب الاشتراكي يحاول فيه فضح هذه القوى وينبه الى ما ترمي اليه وما تسعى له بالرغم من اشتداد حملات التشويه والضخ الاعلامي المضلل للحقائق. هل توقف الحزب عند ذلك. ان للقصة بقية حول الحرب في عمران وموقف الحزب الاشتراكي منها نستكملها في الحلقة القادمة...

لمتابعة قناة الاشتراكي نت على التليجرام

اشترك بالضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

 

 

 

تعرض الحزب الاشتراكي اليمني لحملات تشويه واسعة في المراحل المختلفة منذ بدء الحوار الوطني الشامل وحتى انفجار المواجهات العسكرية وإعلان الحرب الشاملة والانقلاب على الاجماع الوطني, والاستيلاء على الدولة وتعطيلها ,ولا زال حتى هذه الايام يتعرض لهذه الحملات من التشويه . هذه الحملات تناوبت على شنها عدداً من القوى السياسية , سواء ممن تقف على الضد أو النقيض من رؤى ومشاريع الحزب وتناصبه العداء بشكل سافر ـ النظام السابق تحديداً ـ ام من قوى سياسية هي في حكم القوى الحليفة للحزب وتحديداً من تيارات وأجنحة داخلها ـ اذا شئنا الدقة ـ  وهذه التيارات عادة ما تطل من حين لآخر تتحين الفرص لتذكر ولتؤكد استمرار خصومتها , ورفضها لمشاريع الحزب القاضية بوضع حلولاً جذرية للمشكلات الكبرى التي تقف عائقاً أمام اليمنيين في بناء دولتهم الوطنية القائمة على أسس من الشراكة على نهج ديمقراطي , وتداول سلمي للسلطة , وتوزيع عادل للثروة , وتمثيل متساوٍ في السلطة , عبر الحوار وعلى قاعدة التوافق .

         وقد اتخذت هذه الحملات أشكالاً عدة , وتنوعت بحسب طبيعة الموقف الذي يتخذه الحزب , وطبيعة القضايا المطروحة على طاولة البحث . كما كانت هذه الحملات من التشويه تشتد وتزداد سعاراً حين مناقشة القضايا الاكثر إشكالية والأكثر تعقيداً وإثارة للجدل في مؤتمر الحوار , وحين يكون الاقتراب من وضع الحلول لها والتوصل الى اتفاق وتوافق بشأنها موشكاً على النهاية .

         تعرض الحزب لهذه الحملات حين تقدم برؤيته لشكل الدولة وحين عرض تشخيصه للقضية الجنوبية من كافة جوانبها واقتراحه للحلول الجذرية لها , وحين تقدم بمشروعه  للعدالة الانتقالية ودفاعه عنه, وكذا حين تقدم بمشروع قانون استرداد الاموال المنهوبة , وحين مطالباته المتكررة باستكمال نقل السلطة .

         يعلم الجميع دون شك  ان الحزب انخرط في أعمال مؤتمر الحوار بكل طاقته , وتقدم برؤاه حول مختلف القضايا المطروحة في جدول اعمال الحوار , وخاض حواراً جاداً ومسؤولاً حولها , ولعب دوراً بارزاً في انضاج الافكار , كما بذل جهوداً مضنية لتقريب وجهات النظر بين فرقاء الحياة السياسية بهدف الوصول الى توافقات لحلول تعكس طموحات مختلف فئات الشعب وقواه الاجتماعية وتحقق رغبات ومطالب ثورة التغيير وقد نجح في ذلك الى حدٍ كبير.

         وبالرغم مما تعرض له الحوار في نهايته  من اساليب ملتوية وما ارتكب من مخالفات للوائحه التنظيمية هدفت الى تمرير وحسم عدد من قضايا الحوار الهامة وخصوصاً ما تعلق بشكل بناء الدولة , والقضية الجنوبية بسحبهما من الحوار وحسمهما بطرق ادارية سلطوية , إلا ان الحزب ــ وبرغم معارضته الشديدة لذلك ورفضه لتلك المخالفات منفرداً و خذلانه من كافة القوى والمكونات السياسية تقريباً ــ تجاوز تلك المخالفات  فلم ينسحب من الحوار او يلجأ الى تعليق مشاركته فيه , واكتفى بتسجيل اعتراضه وإعلان تحفظه وتمسكه بصوابية موقفه دون ان يقف عائقاً أمام ان يمضي مؤتمر الحوار حتى نهايته . وفي سياق نقده الاولي لتجربة الحوار عبر عن ذلك الدكتور / ياسين سعيد نعمان في  كتابه عبور المضيق قائلاً : " وحتى بعد أن تكبد الحوار خسارة معنوية في مجمل مساراته الناجحة , وذلك بالتدخل الذي مرر بأدوات سلطوية  لصالح بعض الاطراف السياسية في أهم حلقة من حلقاته والخاصة بالقضية الجنوبية وشكل الدولة , فانه لازال هناك عنصر موضوعي أفرزته هذه التغيرات , سيرفد العملية ( يقصد العملية السياسية التي انتهت بوثيقة مخرجات الحوار ) بقدر من الثبات عندما يتعلق الامر بتوظيف العوامل الايجابية الداعمة لنجاحها , وسيهيئ في نهاية المطاف الشروط لتصحيح الخلل , ما لم فإن الذي سيملأ مساحة الفعل  هي العوامل السلبية والتي تتربص بها ــ أي بالعملية السياسية ــ من كل جانب " .

 ولأنه لم يتم توظيف العوامل الايجابية لأجل لنجاح العملية السياسية , بل ترك الباب مفتوحاً للعوامل السلبية لتملأ مساحة الفعل , لهذا وصلنا الى ما وصلنا اليه من خراب وهذا ما حذر منه الحزب الاشتراكي بوضوح تام. كان كلما أبدى الحزب تمسكاً بموقفه حول القضايا الاكثر أهمية , وكان كلما ابدى اصراراً في مطالبته لحماية مخرجات الحوار , ووضع ضمانات ملزمة لتنفيذها , تزداد سعير الحملات الاعلامية الموجهة ضد الحزب من مختلف المطابخ بألوانها المختلفة , هادفة الى إثناءه وحمله على الرضوخ والتسليم.

        وفي حقيقة الامر فان القوى التي تناوبت على شن حملات التشويه بأطرافها المختلفة , كانت تضمر شراً بمخرجات الحوار الوطني , وكانت تتربص وتتحين الفرص للانقلاب عليه وحسم الصراع على السلطة فيما بينها بأدوات أخرى غير أدوات الحوار , متمترسة خلف ترسانة من السلاح كدسته خلال الفترات السابقة , وهذا ما اتضح لاحقاً وما جرَّ اليه البلاد الى كارثة الحرب الاهلية التي نعيش فصولها حتى اليوم.

          لقد اوضح الدكتور/ ياسين عن ذلك  في كتابه المذكور مشيراً الى ان " تكديس السلاح على مدى عقود من الزمن بيد هذه القوى يثير أكثر من سؤال حول قبولها بمعادلة توافقية لبناء دولة مدنية " , موضحاً  في الوقت نفسه إن " القوى التي تنام على ترسانة هذا السلاح هي نفس القوى التي ظلت تثير الحروب العبثية على نطاق واسع وتورط الدولة فيها بهدف إضعافها وتفيد سلاحها في نهاية المطاف ليتحول الى مصدر قوة لها ".

         امام هذه الحملات الاعلامية التي هدفت الى تشويه مواقف الحزب والتشكيك بها ,وأدت الى إحداث بلبلة وتشويش في صفوفه وبين جماهيره الواسعة , نجد أنه من الاهمية توضيح مواقف الحزب الاشتراكي من مختلف القضايا سواء التي كانت موضوعاً للحوار منذ ان بدأت اعمال الحوار الوطني ـــ والذي جاء استجابة لأهداف ومطالب ثورة التغيير في 11فبراير 2011 وترجمة واقعية للمبادرة الخليجية وقرارات مجلس الامن ـــ  أو مواقف الحزب منذ ان بدأت الحرب تقرع طبولها. سنحاول تناول ذلك تباعا ما أمكن.

لمتابعة قناة الاشتراكي نت على التليجرام

اشترك بالضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

 

كثيرة هي الأسئلة التي تجول فـي أذهان الكثيرين من مختلف الفئات الاجتماعية، سواء أكانت نخباً مثقفة أو على مستوى معين من الثقافة والوعي، أو من الطيبين الحالمين بدولة النظام والقانون، أو ممن كانوا يؤملون بواقع مختلف، تتحسن فيه على الأقل شروط الحد الأدنى للحياة والعيش الكريم، فإذا بهم يفاجؤون وبشكل لم يتوقعونه ولم يكونوا يتصورنه للحظة أن تنقلب الأمور وينقلب الواقع ويعود بنا القهقرى إلى الوراء سنوات وسنوات. ربما إلى النقطة التي بدأ اليمنيون يتطلعون إلى التحرر من واقع الإمامة المرير الذي حبس اليمنيين وأحكم عزلتهم عن العالم من حولهم، فـي حياة رتيبة ومملة وراكدة، وحرمهم من اللحاق بركب العالم والحياة في ظل الحضارة الإنسانية العصرية الجديدة، ومن الاستفادة من منجزاتها فـي شتى مجالات الحياة.

لا شك أن المجتمع بمختلف مكوناته وقواه الاجتماعية يعيش في حالة صدمة كبيرة جراء ما آلت إليه الأحداث وما وصل إليه واقع الحال. حالة من النكوص، والتراجع، وبشكل غير مسبوق، وغير متوقع. لقد كان المجتمع في حالة من الاسترخاء والركون، وواقعاً تحت تأثير ثقافة الحتمية التاريخية التي تقول وتفسر إن التاريخ يسير بخط مستقيم، وإن التطور والتقدم، آت لا محالة، وأن القديم ذاهب إلى زوال. والجديد سيحل محله إن آجلاً أو عاجلاً. وبحسب هذه النظرية – حتمية التاريخ – والتي في بعض من جوانبها وفرضياتها العلمية هي لا شك صحيحة، لكنها تصح وفقاً لفاعلية الإنسان في الواقع ومع حركة التاريخ في الزمن. فلن ينتصر الجديد وتتوطد أركانه إلا عبر حركة التاريخ وبأناس يتمثلون هذا الجديد معبرين عنه وينظمونه بقوى اجتماعية تكون نقيضة لقوى الماضي، الكابحة لحركة التاريخ والمعيقة لتطور المجتمع، وعبر الصراع المحتدم وبآليات وأدوات كل منهما، تظفر إحداهما بالنصر، فإن انتصرت القوى الجديدة، فذلك انتصار طبيعي وفقاً لحركة التاريخ ومساره الطبيعي ناجم عن جهد مبذول داخل حركة التاريخ، وان انتصر القديم، عُد ذلك نكوصاً ناجماً عن قلة خبرة وسوء تقدير وقصر نظر، وحالة النكوص هذه هي في كل الأحوال ليست نهاية المطاف، ولا تعبر عن الهزيمة الساحقة والماحقة لقوى الجديد، ولا تعد الانتصار النهائي لقوى القديم، إنما هي جولة من جولات الصراع ومعركة من معارك كثيرة في الحرب وان «تخسر في معركة لا يعني أنك قد خسرت الحرب».

حقاً وكما قيل: «إن العالم القديم لا يموت بهدوء».

لقد آلت الأحداث إلى ما آلت إليه، بانزلاق اليمن إلى الحرب الأهلية الداخلية والتدخل الخارجي بالتحالف العربي الذي تقوده السعودية، وإعلان الحرب وإشعال فتيلها من قبل الحوثيين وحليفهم علي عبدالله صالح، الرئيس السابق، وبعد ان استكملوا حلقات مخططهم بالانقلاب على الإجماع الوطني، المتمثل بمخرجات الحوار، وشرعية الرئيس التوافقي عبدربه منصور هادي، الذي وجد نفسه تحت الإقامة الجبرية، وتمكن من الإفلات من قبضتهم نازحاً إلى عدن، وهذا على ما يبدو ما خططوا له بإحكام حتى تكتمل الأسباب والمبررات، وتضاف هذه الذريعة إلى جانب غيرها من الذرائع الأخرى والتي تذرع الحوثيون بها الواحدة تلو الأخرى وهم ينفذون السيناريو الذي رسموه وخططوا له مع عدو الأمس حليفهم اليوم.

وما إعلان التعبئة العامة ودق طبول الحرب وإعلان الجهاد والاتجاه جنوباً صوب عدن وتعز لإخضاعهما، ما هو إلا الحلقة الأخيرة للسيطرة على الحكم واستعادة السلطة بالقوة ومصادرة الإرادة الشعبية.

وحين تصاب المجتمعات بحالة من النكوص والارتداد فإنه من الأهمية العودة إلى تاريخها القريب والبعيد، وتفتش في ماضيها عن مسارات الأحداث وطبيعة الصراعات فيه علها تجد تفسيرات لما تتعرض له في حاضرها، فقد يكون الماضي ما يزال يلقي بأثقاله عليه، من أجل الوصول إلى استنتاجات واستخلاصات تلهمها لصياغة رؤيتها للمستقبل وهناك الكثير من المراجع التاريخية، والكتب الصادرة في فترات ومراحل مختلفة تناولت بالدراسة والتحليل مسيرة كفاح الشعب اليمني في مراحله وعهوده المختلفة، وفي محاولاته المستمرة والدؤوبة للتحرر من عهود الاستبداد والظلم والتخلف.

ويعد كتاب «الجمهورية بين السلطنة والقبيلة» من الكتب الهامة التي تناولت حقبة هامة من تاريخ الشعب اليمني منذ إمامة الإمام يحيى وحتى جمهورية سبتمبر، والكتاب صدر في نهاية العام 88م من القرن الماضي للدكتور أبوبكر السقاف، وقد صدر حينها باسم مستعار باسم الدكتور محمد عبدالسلام لظروف تلك الفترة المتسمة بمصادرة الحريات والقيود المفروضة على حرية الرأي. وتأتي أهمية قراءة الكتاب اليوم من حيث أنه يجيب عن تساؤلات وتفسيرات عن ما هو غامض أو ما يبدو أنه يستعصي على الفهم، لمسارات الأحداث الراهنة، وإلى ما آلت إليه الأمور اليوم.

والكتاب وكما جاء في مقدمته «محاولة لتحليل مؤثرات التطور ومؤشراته وعوامله الفاعلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في اليمن الشمالي منذ سبتمبر 1962».

كما يجيب الكتاب عن «أسئلة محورية عديدة ظلت منذ أمد دون معالجة، من بينها سؤال: لماذا لم يستقر مفهوم المواطنة بدلاً عن مفهوم الانتماء القبلي على الرغم من سقوط الإمامة وإعلان الجمهورية منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً؟.» وهي الفترة منذ قيام ثورة سبتمبر إلى العام الذي صدر فيه الكتاب.

وكان يأمل مؤلف الكتاب وكما أشار في مقدمته (أن يسهم كتابه هذا في «تبديد الكثير من الأساطير والأوهام والمفاهيم المغلوطة عن اليمن ومسار تطوره، فضلاً عن تعرية واقع قوى مذهبية وطائفية وقبلية حاولت وما تزال تسخير الدولة الحديثة نسبياً لاستمرار القديم في شكل سلطنة جديدة»).

وفي حقيقة الأمر فإنه ومنذ ذلك التاريخ -تاريخ تأليف الكتاب- والذي استعرض في فصوله الأربعة بالتحليل العلمي المنهجي الرصين واقع جمهورية سبتمبر وما انتهت وصارت إليه من سيطرة القوى الطائفية القبلية التي تربعت على مقاليد الحكم واستمرت في تسخير الدولة وحرصت كل الحرص على استمرار القديم بشتى الطرق والوسائل التي توافرت لديها، حتى بعد قيام دولة الوحدة في العام 90م والتي قوضتها وهدمت أركانها بحرب 94م وأقصت الجنوب وعطلت شراكته في دولة الوحدة وحالت دون تأثير تجربته الفتية في بناء الدولة الوطنية الحديثة بمضامينها المدنية التي كانت قد أرست دعائمها في دولة الجنوب. واستمرت في إنتاج القديم وجعلت من الماضي بكل أثقاله جاثماً ومهيمناً على الحاضر، حتى اندلاع الحركة الاحتجاجية الشعبية في العام 2011 الحادي عشر من فبراير. والتي هدفت بشكل رئيس إلى إسقاط نظام أعاق بناء الدولة اليمنية المدنية الحديثة.

وعلى الرغم من أن الكتاب -كما أشرنا سابقاً- يحلل العوامل الفاعلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، في اليمن الشمالي فإن أهميته تكمن من حيث ان القوى التقليدية ذاتها وبتحالفاتها في اليمن الشمالي هي من آلت إليها مقاليد الحكم والهيمنة بالقوة والغلبة على مستوى اليمن ككل بعد حرب 94م وظلت تنتج عوامل استمرار وجودها من خلال إحكام قبضتها على أهم مفاصل السلطة، وهيمنتها الكاملة على الدولة، منتهجة سياسات اقتصادية واجتماعية وظفتها لأجل تأبيد سيطرتها وضمان بقائها في الحكم.

وما أحداث اليوم، والخراب والفوضى التي تعم كل أرجاء اليمن ما هو إلا التعبير الصارخ والفاضح عن أزمة هذه (السلطنة) التي حلت بديلاً عن الجمهورية منذ العام 1962 وحتى الحادي عشر من فبراير 2011. وما النتائج التي نراها ماثلة أمام أعيينا اليوم، ليست سوى نتائجها التي ترتبت عن سياساتها التي اتبعتها خلال سنوات حكمها الماضي. إنها مخرجات حكمها التي وظفتها لهدم بنيان الدولة اليمنية وإشاعة الفوضى، وتدشين الحرب الأهلية بعد انقلابها على الشرعية، وبعد ان شعرت ان الارض تمور وتتزلزل من تحت أقدامها، وان نهايتها باتت وشيكة لا محالة، وان عهداً جديداً وقوى جديدة ستحل بديلاً عنها، فما كان منها إلا أن أعادت ترتيب أوراقها وإعادة رسم خارطة تحالفاتها، فوظفت كل عوامل البيئة الجغرافية وقوة حضور الجماعة الحوثية الصاعدة كقوى مذهبية تتخذ من المذهب الزيدي ايديولوجيا لها لحشد أتباعها وتعبئتهم بشعارات جهادية لترسلهم إلى مناطق اليمن كافة لإسقاطها وإخضاعها في حروب شبيهة بحروب الإمام يحيى التي أطلق عليها حين ذاك - بحروب التوحيد.

إن ما يحدث اليوم له جذوره في التاريخ، منذ إمامة يحيى وحتى التاريخ الذي بدأ نسج أحداثه مع بداية ثورة سبتمبر 1962 وحتى العام 2011.

وبالعودة إلى كتاب الدكتور السقاف وفي ضوء ما يشهده المجتمع من انقسامات حادة إثر صعود الحركة الحوثية للسلطة، وما قامت به من إجراءات وما نجم عنها من تداعيات جراء الطريقة التي أدارت بها شؤون الدولة التي أفضت إلى الغياب الكلي لمظاهر الدولة، وتفاقم الأزمات، واختفاء الخدمات واشتداد معاناة المواطنين، هذه الممارسات لا تصدر إلا من ذهنية غارقة في الماضي لا تشبه سوى ذهنية الإمام يحيى ذاته.

إن «العقلية التي اتسمت بها تصورات الإمام يحيى للتاريخ والحكم دخل المذهب الزيدي كان لها أبلغ الأثر في تقسيم المجتمع في اليمن الشمالي».

وكما هو جهاد الحوثيين اليوم فإنه يشبه الطريقة ذاتها لجهاد الإمام يحيى.

«فكان الجهاد باسم الشريعة أبعد ما يكون عن فكرة الوطني والوطنية الحديثة، وكانت دعوة الجهاد موجهة إلى أتباعه من الزيود تحديدا»(ص10).

«فقد رافق بسط نفوذه على المناطق الزيدية والشافعية شعارات مختلفة، ففي المناطق الزيدية نادى بسقوط الطاغوت لإسقاط حكم العرف القبلي وفرض الشريعة. فأخمد أكثر من تمرد في بكيل وحاشد وتخلص من حلفاء الأمس ليوطد سلطته. أما في المناطق الشافعية فكان جنوده مجاهدين في سبيل الله، فمناطق تعز والبيضاء يسكنها كفار تأويل، كما كان يوحي بذلك إلى الأتباع والجنود»(ص11).

وما أشبه الليلة بالبارحة، فمن كفار التأويل، إلى الدواعش. إنها الشعارات ذاتها، وان اختلفت الصياغة اللغوية التي تقتضيها لغة اليوم، فالشعار يحقق الهدف ذاته وهو إخضاع هذه المناطق لحكم المذهب.

وباستيلاء الحوثيين ومن خلفهم علي صالح – على السلطة وبالقوة، وتقويض بنيان الدولة وهدم أركانها بانقلابهم على الشرعية التوافقية وفرض سيطرتهم وهيمنتهم وإصرارهم على حكم اليمنيين بالإكراه وما ترتب على ذلك من مخاطر يهدد الوجود الاجتماعي لليمنيين، ويضع حياتهم ومستقبلهم في مواجهة المجهول.

وحين يصل المجتمع إلى هذه الدرجة من السوء، لا يكون أمامه من خيار غير ابتداع أشكال من المقاومة من منطلق غريزة حب البقاء، ومقاومة الفناء.

قد تتخذ المقاومة شكلاً من أشكال المقاومة المسلحة، لدرء الخطر الداهم وإيقاف جائحة جماعة معتدية مستعلية، بهدف وضع حد لما قد تلحقه من دمار للمجتمع، وإعادتها إلى جادة الصواب، وتحكيم العقل.

ويترافق إلى جانب المقاومة المسلحة، أشكال أخرى ليست أقل قيمة وفائدة، هي المقاومة المعرفية والثقافية والعلمية. بالعودة إلى قراءة التاريخ والاستفادة من دروسه وعبره. وقد تكون العودة للتاريخ ما يساعد على معرفة ما يحدث اليوم وامتلاك القدرة على تفسيره وتوصيفه، ومن ثم تقدير حجم خطره وآثاره والعوامل والأسباب التي أدت إليه ومن ثم سبل عملية في مقاومته، وتجاوز الآثار التي أحدثه.

«إن التاريخ ما يحتاج الناس إلى تذكره من أحداث الماضي، فإنه يصح بدلالة الاتصال والانفصال في حركته، فكل واقع ينطوي على نقاط مساره نجدها حاضرة في كيانه، ومن هذا المنطلق لا تكون الصلة بالماضي عدمية فيتعذر فهم بعض ملامح الحاضر وتعقيداته البنائية.

كما انها لا تكون تماثلاً واستمراراً جوهرياً له في الزمان، فيستحيل فهم الجديد الذي تراكم وتبلور عبر الزمن.

وكلما قلت ديناميكية مجتمع ما، كان نصيب الماضي ورواسبه فيه قوياً»(ص5).

بهذه العبارة يبدأ الدكتور أبوبكر السقاف أول فصول الكتاب.. وبها يحدد طبيعة منهجه العلمي الذي سيقرأ به الأحداث، وسيحلل وفقاً له مساراته منذ العام 1962 في اليمن الشمالي الذي تربعت على رأسه السلطنة الجديدة وورثت تقاليد الإمامة وواقعها، وظلت تحافظ على القديم وتعيد إنتاج الماضي حتى اليوم.

الخميس, 18 حزيران/يونيو 2015 22:27

إصدار المجلة الفكرية ضرورة ملحة

شهد الواقع الحزبي على صعيده الداخلي، الكثير من الاختلالات التنظيمية والثقافية والإعلامية، وغيرها، أثرت على أدائه ونشاطه بين الجماهير وخفوت إيصال صوته ومواقفه ورؤاه السياسية حول مختلف القضايا التي تهتم بالشأن العام. ما أدى إلى انحسار تأثيره في الأوساط الشعبية وقاعدة الحزب الجماهيرية، على الرغم من احتلال الحزب للتقدير العالي وحيازته للمكانة الرفيعة لدى فئات اجتماعية كثيرة جراء الأدوار الوطنية التي لعبها في الماضي ويلعبها في الحاضر، وكنتيجة لمواقفه ومبادئه الراسخة المنحازة للمصالح الوطنية العليا وكونه الحزب الذي تعده المعبر عن أحلامها وأشواقها. كما وأنه يمثل لها أملاً تتوخى منه العبور بها صوب المستقبل، وهذه حقيقة يلمسها ويحسها أعضاء الحزب.

 وبالمقابل فإن الكثيرين يعتبون باستمرار من بطء وتثاقل الحزب وتلكؤه في تفعيل أنشطته المختلفة، وعلى وجه الخصوص أنشطته الثقافية والفكرية، والتي دائماً ما يفصح الكثيرون ويعبرون عن أسفهم لغيابها، ويأمل الكثيرون في أن يلعب الحزب دوراً ثقافياً وفكرياً وأن يقوم بتحريك راهن الواقع الثقافي والفكري الذي يشهر نضوباً وفقراً حاداً فيه.

إن الغالبية من أعضاء الحزب يتوقون اليوم إلى أن يظهر الحزب بما يليق به وبمستوى تاريخه وتجربته الكفاحية والنضالية في مختلف مراحلها ومنعطفاتها التاريخية, وبحسب حجمه ووزنه كمكون أصيل، وكخلاصة لتجربة الحركة الوطنية منذ تشكل بداياتها الأولى في منتصف القرن العشرين.

لقد أصبح من الأهمية أن يظهر الحزب بثوب جديد يعكس توجهاته الجديدة التي عبر عنها في مجلسه الحزبي المنعقد في ديسمبر 2014. ليؤكد صدق توجهه وقدرته على قيادة الجماهير الشعبية، بجعل آمالها وطموحاتها وأشواقها فاعلاً في الحياة السياسية, وصانعاً لها، وتأكيداً على أنه ما زال حزباً زاخراً بالقدرات والإمكانات والعطاء. وإنه لكذلك لو تضافرت الجور وامتلك شجاعة اتخاذ القرار، وبادر في الإقدام والشروع في تنفيذ برنامجه الفكري والثقافي والذي يعد جزءاً من التزاماته وتطبيقاً لبرنامجه السياسي ونظامه الداخلي.

إن ظهور الحزب بثوبه الجديد لن يأتي إلا من خلال معالجة الاختلالات القائمة، ووضع الحلول الناجحة لها, والبدء بتفعيل دوائره المختلفة كافة، أو بعض منها على الأقل.

ولتكن البداية بتفعيل وتنشيط الجانب الفكري والثقافي، فربما بتفعيله وتنشيطه يكون مدخلاً ومفتاحاً لمعالجة الاختلالات الأخرى ومهيئاً لوضع الحلول للمشكلات التي أدت إليها، وبذلك قد يسهم بتحريك الجمود الفكري والثقافي وتحريك مياهه الراكدة وقد ساعد في تنشيط وتفعيل دوائر الحزب المختلفة الأخرى.

إن الحزب ومنذ ما بعد حرب 94 الظالمة يعيش انقطاعاً إلى حد كبير مع الثقافة والفكر أثر على أداء اعضائه وكوادره الحزبية، كما أثر على نوعية الاستقطاب إلى صفوفه، وحرم الأعضاء الجُدد الذين ينخرطون في صفوف الحزب سنوياً وخلال تلك الفترة وحتى انعقاد المجلس الحزبي، من أي اهتمام أو رعاية، في تنمية قدراتهم الفكرية والثقافية ولم يتم تزويدهم بالمعارف اللازمة, وإعدادهم للانتقال من الانتماء العاطفي للحزب، إلى الانتماء والعضوية الواعية المستندة والقائمة على أسس فكرية وثقافية، وعلى أساس من الوعي والمعرفة بتجذر وفقاً لها، وتترسخ القناعات بمبادئ الحزب وخطه السياسي، وتمثل أهدافه، عن إيمان واعٍ بصوابية توجهات الحزب ينعكس في نشاط دؤوب بين الجماهير يتمكن عضو الحزب ويكون قادراً على التعبير عن الخطاب السياسي للحزب بمفردات وجمل بسيطة وذات دلالات تعكس واقع الحياة ولحظاتها الراهنة، وقضايا العصر، ومشكلاته والتحديات الماثلة والتي ينبغي مواجهاتها والتصدي لها.

وهذا لن يأتي إلا من خلال مشروع فكري وثقافي يتبناه ويطلقه الحزب ويتعهده بالرعاية والاهتمام، ولتكن البداية في إصدار مجلة فكرية – ثقافية، تسهم في إعادة البناء الفكري والثقافي، والروحي لأعضاء الحزب, واستعادة الروح الكفاحية لمناضليه، وإنارة الطريق لشبيبته الواعدة واستنهاض قدراتهم الكامنة والاستفادة من حماسهم وتوقد روحهم وحشد طاقاتهم، وتوجيهها لما يفيد قضايا وطنهم وشعبهم ويخدم تطوره ويسهم في بنائه وتعزيز دوره ومكانته بين الأمم.

إن انحياز الأنشطة الفكرية والثقافية وغياب الإصدارات منها قد أثر إلى حد كبير على وحدة الحزب التنظيمية من جهة، وأسهم في تشوش وضبابية الرؤية لدى كثير من أعضاء الحزب وأنصاره، وأدى إلى التباينات الحادة في مواقف أعضائه، وخلق حالة من اللا انسجام وعدم التناغم فيما بين قيادة الحزب وما تتخذه من مواقف ورؤى سياسية تجاه القضايا الوطنية وبين أعضاء الحزب في مستوياتهم وأطرهم التنظيمية المختلفة وكذا بين قاعدة الحزب الجماهيرية ومحبيه.

أدى ذلك، وولد الانقسامات والاختلافات فيما بين الأعضاء كما أدى إلى الاستجابات لحالة الاستقطابات الراهنة التي يتسم بها الوضع السياسي الراهن، بسبب ما آلت إليه نتائج الأحداث منذ ثورة 11 فبراير 2011، وما رافقها من نكسات وانكسارات، وما ترتب ونجم عنها جملة من الإحباطات لدى أوساط المجتمع.

إن هذه الاستجابات لحالة الاستقطاب الحادة لدى أعضاء الحزب ناجمة وبشكل رئيس عن عدم وضوح في الرؤية الفكرية، والافتقار للأدوات المعرفية، وغياب التأهيل العلمي والمعرفي لكثير من القضايا الفكرية والإشكاليات الطافية على السطح، وعدم المقدرة على فهم المشكلات, وتعقيدات المرحلة الراهنة التي يمر بها الوطن.

فبذلك تكثر الأسئلة، والاستفسارات التي لا تجد الإجابات الشافية عنها.

إن تعقيدات الوضع الراهن، ووصوله إلى أوج أزمته، والتحديات الماثلة والناجمة عنه، وفي ظل غياب الرؤية الفكرية والنظرية التي تستند على أسس من التفكير العلمي يجعل من الصعوبة بمكان فهم ما يجري، وفقدان القدرة على مواجهة تحديات الحاضر، وبالتالي وبالنتيجة، فقدان السيطرة على المستقبل وصعوبة التحكم في توجيهه والسير به إلى غاياته المرجوة.

وبذلك أصبح بالضرورة، أن يكون للحزب في الوقت الراهن مجلة فكرية – ثقافية، فصلية أو دورية أو كل شهرين، تعنى بالمواضيع ذات الصلة بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تهدف إلى رفع مستوى الوعي السياسي والثقافي، وتسهم في البناء الفكري لأعضاء الحزب، وتطوير قدراتهم المعرفية والثقافية من ناحية، ومن ناحية تسهم في رفع مستوى الوعي في المجتمع بشكل عام. فبذلك يترسخ حضور الحزب وتزداد مكانته وتتجذر بين الجماهير، وتتوطد علاقته بهم. فيصبح الحزب كائناً حياً وفاعلاً نشطاً, يتجدد باستمرار.

الثلاثاء, 06 كانون2/يناير 2015 17:01

جار الله.. رجل الحوار والتسامح السياسي*

 

ظلت لفظة التسامح تبدو كمفردة غريبة في اللغة السياسية وفي الفكر السياسي اليمني ولفترة طويله، وهي وان ظهرت في الادبيات السياسية لبعض التيارات انما كانت تظهر كمصطلح لفظي ليس الا، لكنها لم تتجسد كسلوك وممارسة الا عند القلة القليلة من السياسيين.

لقد كانت العلاقات القائمة فيما بين التيارات والتوجهات السياسية منذ نشأتها الاولى منتصف القرن الماضي علاقات تسودها الريبة والشك في ظل أجواء من عدم الثقة، ومن عدم الطمأنينة، وعدم القبول بالآخر، علاقات قائمة على الخصومة. والخصومة هي ما كانت سائدة، بل وعلى أساس الخصومة والعداء للآخر المختلف، يتحدد درجة ولاء الاعضاء المنتميين لهذا التيار أو ذاك. بل ويتقرر استقطاب العضو الى هذا الفصيل على درجة ما يكنّه من عداء للفصيل الآخر،هكذا كانت العلاقات السائدة فيما بين القوى والتيارات السياسية.

وكانت الحياة السياسية بحاجة الى من ينتقل بها الى آفاق أخرى والى مرحلة جديدة مختلفة مفعمة بالأمل، والتفاؤل، مرحلة تسود فيها علاقات جديدة بين فرقاء السياسة تقوم على قاعدة او قواعد جديدة مغايرة ومختلفة عن ما هي عليه، علاقات تسودها الثقة والقبول بالآخر، قائمة على التعايش، تصغي للآخر وتتفهمه، علاقات يسودها التسامح ونبذ ثقافة الكراهية والضغينة، وممارسة الانتقام ضد الخصوم السياسيين. كانت الحياة السياسية بحاجة الى من يمتلك الشجاعة الكافية ليلج بها الى فضاءات جديدة، أوسع وأكثر رحابة...

وكان جار الله عمر المبادر والمعبر عن هذا التوجه الجديد وعن هذه القناعات التي بدأت تشكل لدى طيف واسع من رفاقه، معبرة عن تيار بدأت ملامحه تتضح ليعكس نضجاً في تجربة العمل السياسي، ومنعطفاً هاماً في المسيرة الكفاحية راكمتها سنوات النضال المريرة المعجونة بالألآم والمعاناة لتتمخض عن ولادة رؤية جديدة ونهج سياسي جديد عنوانه التسامح والقبول بالآخر...

فكانت الورقة النقدية التي صاغها القائد السياسي جار الله عمر –ما بعد احداث 13يناير 1986م- والتي طالب فيها بإجراء اصلاحات سياسية تبدأ من استبدال نظام الحزب الواحد الى النظام الديمقراطي القائم على التعددية السياسية والحزبية وكان ذلك على مستوى الشطر الجنوبي من الوطن حينها -ما قبل 22 مايو 1990م- .

وقد كانت تلك الورقة النقدية المقدمة الى قيادة الحزب حينها اول من وضعت مفردات ومصطلحات جديدة، كالتعددية الحزبية والسياسية، والقبول بالآخر، واحترام الرأي الآخر، وحرية التعبير، وغيرها من المصطلحات قيد التداول في المجال العام السياسي في اليمن شمالاً وجنوباً، وكان الجوهر في الامر في تلك الورقة أن نهجاً جديداً في السياسة والفكر السياسي اليمني بدأ يلوح في الأفق، قائما في أساسه على مبدأ التسامح السياسي، ونبذ الكراهية والعنف، والاعتراف بوجود الآخر، وانتهاج العمل السياسي بأدوات سلمية وتداول السلطة سلمياً عن طريق الانتخابات الديمقراطية الحرة والمباشرة.

كانت تلك المفردات والمصطلحات السياسية الجديدة فيما بعد هي الأسس التي قامت عليها اتفاقيات دولة الوحدة ومثلت أهم الشروط لقيامها، وكذلك الضمانات الرئيسية لإستمراريتها، وبزمن قياسي صارت تلك المفردات تشكل الوعي السياسي والثقافة السياسية لدى قطاع واسع من ابناء الشعب اليمني، من مختلف تياراته وتوجهاته وايديولوجياته المختلف، أكانت يسارية ام يمينية، تلك المفردات والمصطلحات السياسية سرعان ما تلقفها المثقفين والكتاب والادباء لتصير عناوين لمواضيعهم السياسية والفكرية على صدر الصحف، ومواضيع للنقاش والجدل في المجالس والمنتديات الفكرية والسياسية كما صارت جزءا من اهتمامات الدارسين والمهتمين والشأن العام.

وفترة وجيزة تشكل رأي عام في اوساط المجتمع بمختلف مستوياته، تشكل ما يشبه الاجماع حول صوابيه هذا التوجه وهذا النهج الجديد وهذه الثقافة السياسية الجديدة كمؤشر على أن الواقع السياسي والثقافي في اليمن كان قد وصل الى درجة من الخمول والترهل، متعطشاً بانتظار الجديد.

لقد وصل الحال درجة من الجمود كبركة ساكنة، آسنة، كانت بحاجة الى من يلقي فيها حجراً ليحرك مياهها الراكدة، لم يكتف جار الله بإلقاء الحجر لكنه فتح مصبات المياه لتنهمر عليها من كل اتجاه.

ان السياسة مرتبطة ارتباط وثيق بعامل الزمن فحين يأتي الفعل السياسي ليكون تعبيرا عن الخطة الراهنة وعن حاجتها فأن قوة تأثير هذا الفعل في الواقع الراهن وقدرته على احداث التغيير تكون بمستويات عالية تتحقق فيها قفزات كبيرة سواء المستوى الثقافي او المعرفي او على مستوى المجتمع بشكل عام.

ان معرفة الراهن -والآن- وتحديد ماذا نريد في اللحظة الراهنة يعتمد الى حد كبير على أي نوع من الفعل السياسي يتفق وحاجة هذه اللحظة الراهنة، وكان الشهيد جار الله عمر –وهو السياسي والمثقف الحامل لمشروعه السياسي- يتحين تلك اللحظة لا ينتظرها حتى تأتي، بل يمهد لها ايضاً بسلسلة من الافعال السياسية التي تساعد وتسرّع من مجيئها.

واننا نستطيع تخيل ما كان يفعله جار الله، وما يقوم به من أنشطة سياسية وحوارات فكرية نستطيع من خلال ما عرف عن الشهيد من ديناميكية وحركة نشطه، وما تميز به من ذكاء ودهاء سياسي ومن سعة اطلاع واحاطة بالاحداث ان على مستوى الساحة اليمنية، ام على مستوى الساحة الدولية، او الى ما افضت اليه صراع القطبية والى اين وصلت اليه الحرب الباردة وتأثيراتها على مجمل الخارطة السياسية الدولية والاقليمية وتأثيراتها على المستوى المحلي الداخلي.

فكان ان أطلق مبادرته في الوقت المناسب، في اللحظة المناسبة فجاءت رؤيته ملبية لحاجة اللحظة الراهنة، وجاءت في زمنها السياسي، وعبرت عن تلك الحاجة الموضوعية، وكانت بمثابة الاجابة عن السؤال الذي كان الواقع السياسي يبحث عن اجابات له..

اقصد فيما أشرت اليه سابقا الى الوثيقة التي تقدم بها الى قيادة الحزب والدولة في الشطر الجنوبي من الوطن والتي أطلق عبرها مشروعه السياسي لمستقبل اليمن والمعبر عن قناعات صف واسع داخل الحزب حينها.

هذا المشروع الذي قام وتأسس على قاعدة من نهج التسامح السياسي والمتمثل بـ:

-          القبول بالآخر أي كان هذا الآخر، واياً كانت درجة الاختلاف معه.

-          التعددية السياسية والحزبية

-          طي مرحلة نظام الحزب الواحد.

-          انتهاج العمل السياسي بأدوات سلمية.

-          تداول السلطة سلمياً وبأدوات ديمقراطية.

-          احترام الرأي والرأي الآخر وحرية التعبير.

لم تكن تلك المفردات والمصطلحات مجرد الفاضاً وصياغات لغوية فائقة البلاغة بل كانت كلمات تعبر عن الحاجة الموضوعية تعبيرا عن حاجة تلك اللحظة حينها، وكانت صادرة عن شخصية سياسية عركتها الحياة وصاغتها الاحداث الجسام، وكانت مصدرها الشخصية الوطنية التي عادة ما تترك انطباعا لدى الآخرين بصدق نواياها وتوجهها ومدى اخلاصها للقضية التي تحملها وتناضل لأجلها، والقدرة على تمثلها كسلوك واداء يومي.

ان نهج التسامح التي تضمنته ورقة الشهيد جار الله عمر، كانت ايذاناً بميلاد مشروع سياسي جديد جاد وحقيقي.. فالمسافة بين الكلمة والفعل لدى الشهيد جار الله عمر وما بين القول والعمل مسافة ضيقة جداً وتكاد المسافة تتلاشى فيتطابق القول بالعمل والكلمة بالفعل..

وكما أشرنا فيما تقدم تحولت تلك الافكار والرؤى وذلك المشروع القائم على مبدأ التسامح السياسي عناوين للمرحلة الجديدة. تحركت المياه ونفخت الروح ودبت الحياة والحيوية في المجال السياسي ووجدت مكونات العمل السياسي والنقابي ومنظمات المجتمع المدني نفسها في فضاء واسع بروح جديدة مفعمة بالامل، وأمكن للحلم ان يمضي صوب المستقبل الى افاق رحبه، ووجد اليمنيون انفسهم بمختلف توجهاتهم ومشاربهم الفكرية والسياسية على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها القبول بالآخر، واحترام الرأي  وحرية التفكير والتعبير واستعادت الصحافة شبابها، وأمكن لمكونات المجتمع أن تشكل قوة دفع لإدارة عجلة التغيير للامام ولتشكل عامل ضغط بإتجاه تحقيق حلم اليمنيين بتحقيق الوحدة اليمنية وعلى أسس من القيم النبيلة، وفي صدارتها قيمة التسامح السياسي والمشروع الذي أطلقه جار الله عمر في وثيقته النقدية –التاريخية- وأكتسبت مكونات المجتمع اليمني شمالاً وجنوباً، أحزاباً ونقابات، ومنظمات جماهيرية، وصحافة، وفي فترة وجيزة وعيا سياسياً ومثلت لديها قيم الحرية، والمواطنة المتساوية، والقبول بالآخر ونظام الحكم القائم على أساس من الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية قواسم مشتركة –حظيت بالاجماع- وتحولت الى شروطاً ومبادئ أساسية لقيام دولة الوحدة، فدولة الوحدة لا تعني شيئاً دون أن تتلازم مع الديمقراطية وبدون أن تكون التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة نهجا لنظام دولة الوحدة، وبتلك الشروط أعلن عن قيام دولة الوحدة "الجمهورية اليمنية" .

ان دولة الوحدة وفي الاصل قامت على أساس من التسامح السياسي بكل عناصره ومكوناته. وقد كان لجار الله عمر وحزبه "الحزب الاشتراكي اليمني" الدور الابرز في أن يصبح الحلم حقيقة، وتتحول المصطلحات من مجرد الفاظ الى واقع يتحرك على الارض.

وفي الفترة الانتقالية لعب الشهيد جار الله عمر دوراً محورياً كبيراً ولافتاً في التأصيل الفكري والنظري لثقافة التسامح السياسي، وكان دائماً يشدد ويؤكد ويعيد ويكرر في أهمية مغادرة الماضي والتخلص من أثقاله التي تشدنا الى الخلف، والنظر صوب المستقبل ومواجهة تحديات الحاضر والتصدي لأزمات العصر الذي نعيشه.

لقد بذل جار الله عمر جهودا من أجل اعادة الاعتبار للسياسة كبديل للحروب والعنف كما وقف في مواجهة الارهاب والاستبداد مشيرا بخيارات العمل السياسي بأدواته السلمية القائمة على المعرفة والعلم وامتلاك الحجة من مواجهة الخصوم بدلا عن السلاح وانتهاج القوة واحترام الرأي والاعتراف والقبول بالاخر المختلف وتقديرة والاحتفاء به، واعتباره شريكا وجزءا اصيلا في العملية السياسية.

لقد كان للشهيد دوراً كبيراً في التأصيل الفكري والنظري للمفردات السياسية الجديدة سواء من خلال كتاباته أو مقابلاته الصحفية والتلفزيونية او من خلال حواراته مع الاطراف السياسية الاخرى، وقبل هذا وذاك جسد تلك القيم سلوكا يومياً والشاهد على ذلك انه في زمن قصير أقام شبكة واسعة من العلاقات الطيبة والحميمة مع مختلف الوان الطيف السياسي كما كون شبكة واسعة من الصداقات الشخصية، من كتاب ومثقفين وصحفيين ومشائخ وتجار وطلاب وأظهر مقدرته وصبراً واستيعاباً وتفهماً في كافة علاقاته الشخصية والاجتماعية والسياسية.

ما بعد الحرب

كان للحرب الظالمة صيف 1994م أثرها البالغ على الحياة السياسية اليمنية أصابت المشروع الوطني في مقتل واعادت البلاد عقودا الى الوراء وأعيد رسم الخارطة السياسية بميزان قوى مختل حيث تم إخراج الجنوب من المعادلة السياسية كشريك أساسي في الدولة وإقصاء الحزب الاشتراكي اليمني كشريك في تحقيق الوحدة اليمنية، ومن حينها تعرض الجنوب لشتى أنواع الانتهاكات فقد دمرت بنيته التحتية، وقطاعاته الاقتصادية وابعد الألاف عن وظائفهم في السلكين المدني والعسكري، تم تسريحهم، ومورس على الجنوب وأبناؤه سياسياً الاقصاء، والتهميش، والاستبعاد، واتخذت بحقه سلسلة من الاجراءات العقابية والانتقامية.

وكان ما قد تراكم من ثقافة سياسية، تُعلي من شأن قيم التسامح والحرية والمساواة خلال الفترة منذ قبل اعلان الوحدة، وفترتها الانتقالية القصيرة قد تبددت وذهبت ادراج الرياح، وحل محلها ثقافة الكراهية، وعدم القبول بالآخر، وازدراءه، وتمجيد القوة، والهيمنة والغطرسة، واعيدت الحياة السياسية قتامته، وحلق شبح الاحباط والقنوط من جديد وأقبح مما كان عليه أثناء التشطير.

وفي واقع كهذا كان لا بد من إعادة تضميد الجروح، ولملمة الشتات، ولمّ شمل القوى السياسية، وإعادة الروح الى جسد الوطن المنهك واستعادة الثقة الى روح المجتمع المتعب، والمثقل بالخيبات وضياع الفرص التي أهدرتها حرب 1994م، والتي كانت بلا معنى أو هدف، سوى المصالح الضيّقة، وتغليبها على المصلحة الوطنية العليا.

وفي هذه المرحلة يخوض الشهيد جار الله عمر معتركاً جديداً، ويبدأ رحلة جديدة في طريق غير معبدّه، مليئة بالاشواك، وأجواء مسمومة ملبّدَه، ورياح غير مؤاتيه، عاد الى ارض الوطن ليواصل ما كان قد بدأ فيه المناضل الجسور الصلب المقتدر علي صالح عباد (مقبل) الذي كان قد قطع شوطاً في لملمة القوى والاحزاب السياسية فيما سُمي بمجلس التنسيق، لانقاذ ما يمكن انقاذه ومحاولة ايجاد ميزان قوة جديد على الارض، وايجاد بصيص من الامل، وخلق روحاً جديدة لإستعادة عافية العمل والفعل السياسي، لمواجهة تغوّل الاستبداد، الذي يتغذى على الفساد، وينتهج سياسة الافساد، والتدجين، وشراء الذمم، وزرع الفتن فيما بين مكونات المجتمع.

وفي أجواء وظروف كهذه جاء الشهيد جار الله عمر لا زاد له غير حبه للوطن وايمانه العميق، والمتأصل بالحرية، والعدالة، والمواطنة المتساوية، وحاجة اليمن واليمنيين الى دولة يسودها العدل والمساواة، والمدنية والحداثة، متسلحاً بثقافة التسامح، التي تشرّبَها عبر رحلة كفاحه السياسي، فصارت سلوكاً ملازماً له وجزءاً متأصلاً من شخصيته، وخاض معتركاً يومياً، محاوراً، ومشاركاً في المنتديات والمجالس، مساهماً في الفعل الثقافي والعمل الاجتماعي والسياسي، فمن منتدى سياسي، الى حضور مناسبة اجتماعية، الى مشارك في ندوة ثقافية، الى فعالية احتفالية جماهيرية، الى مشارك في مسيرة جماهيرية، او وقفة احتجاجية، كان ذلك برنامجه اليومي.

ومن خلال انخراطه في معترك الفعل الجماهيري والسياسي شبه اليومي، الى جانب رعايته اليومية لمنتداه الفكري والسياسي، في منزله، الذي أصبح مزاراً، ووجهاً آخر لليمن، لا يأتي زائر لليمن الا ويمر عبره.

وهكذا وبفعل حركته ونشاطه الدؤوب، بدأ العمل السياسي يستعيد عافيته، ودوره ومكانته وصولاً الى تأسيس اللقاء المشترك.

وما كان اللقاء المشترك ليصبح واقعاً وحقيقة على الارض لولا العمل الدؤوب المتحلي بالصبر والحكمة، وبإسهام آخرين من قادة أحزاب المعارضة الأخرى -الذين لا يجب ان نبخسهم حقهم- لكن كان للشهيد جار الله عمر الدور المحوري، وكان القاسم المشترك فيما بين مختلف الفرقاء السياسيين.

وكان لصفة التسامح السياسي، الذي اتسمت به شخصية الشهيد جار الله عمر، وجسّدَه سلوكاً في تعامله مع مختلف الوان الطيف السياسي، الى جانب خبرته السياسية، وموسوعيته المعرفية واستيعابه لمجمل الاحداث والمتغيرات العالمية، ومتابعته المستمرة لما يستجد وما يدور على مستوى الساحة الدولية والاقليمية، كان لها الدور الذي ساعد وأسهم في الوصول الى صيغة اللقاء المشترك، ويطول الحديث عن دور الشهيد في تأسيسه، إلى ان اصبح أحد الحقائق السياسية كمعارضة للنظام السياسي القائم، لعب دوراً هاما في احداث تحولات هامة على مستوى الساحة اليمنية، وصنفت كإحدى التجارب الناجحة والفّذه للعمل السياسي ولتجربة التحالفات السياسية المعبرة والمستجيبة لحاجات المجتمع.

نكتفي بقراءة آخر مقطع من كلمته أمام مندوبي التجمع اليمني للاصلاح في مؤتمرهم الذي استشهد فيه، فقط للتذكير كيف كان جار الله عمر يصيغ جملته السياسية ويذهب بها الى حيث ينبغي أن تكون، هذه الكلمات المعبرة عن احتفاءه بالآخر، وتقديره وإعتباره شريكاً وجزءاً اصيلاً في الحياة السياسية.

إننا حين نحتفي بالشهيد جار الله عمر كرائد للنضال السلمي والتسامح السياسي، ونتذكر مآثره انما نؤكد رفضنا القاطع لكل أشكال العنف والاعمال الانتقامية ضد الخصوم السياسيين، فما عشناه واليوم ومنذ سبتمبر الماضي مليء بمشاهد العنف والقتل والدمار، وتصفية الحسابات ضد الخصوم السياسيين.

اننا نشهد انواعاً واشكالاً من الانتقام.

-          مداهمة مقرات

-          تفجير مقرات.

-          تفجير منازل الخصوم او الاستيلاء عليها.

-          ترويع الامنين.

-          اقتحام، اسر، سطو، مصادرة املاك تتم خارج القانون.

لترتفع اصواتنا عالياً لرفض هذه الممارسات. ولنعلي من قيم التسامح والتعايش والقبول بالآخر، ولنعلي من قيمة الحوار، ونبذ العنف والكراهية واستخدام السلاح وترويع الآمنين.

ان اغتيال جار الله عمر كان اغتيالا لمشروع سياسي كان يتحرك على الارض وكان يؤتي ثماره، تحالفات واصطفافات وطنية، مشروعا سياسيا لبناء اليمن قائماً على الشراكة بين مختلف القوى السياسية عنوانه الحوار والقبول بالآخر.

ان اغتيال جار الله عمر اغتيالا للقيمة الانسانية المتمثلة بقيمة التسامح السياسي اغتيالا لتراكم التجربة والخبرة، اغتيالا للحكمة.

 

*ورقة القيت في الندوة الفكرية التي نظمها القطاع الطلابي للحزب الاشتراكي اليمني جامعة صنعاء في الذكرى الـ12 لاغتيال جار الله عمرتحت عنوان الديمقراطية والتسامح في فكر جار الله عمر.

 

 

الجمعة, 27 حزيران/يونيو 2014 18:01

في مفهوم المبادرات

 

تأتي المبادرات حين يستشعر عدد من الأفراد ممن ينتمون كأعضاء إلى حزب سياسي أو غيره من مكونات

المجتمع أن حزبهم أو مكونهم لم يعد يعمل بالشكل المطلوب. ولم يعد يقوم بالدور المرجو منه. أي أن جمودا قد أصاب هيئاته فأصبحت مشلولة، أو أن ما تقدمه لم يعد يلبي أو يشبع رغبات المنتمين إليه، وربما وصل هذا الشعور إلى أن حزبهم مهدد في وجوده اذا ما استمر هذا الجمود وهذا العجز، وبالتالي يبادرون إلى عمل شيء لانقاذ ما يمكن إنقاذه، فأول شيء يقومون به هو الوقوف أمام ما يجري. ويتداعون فيما بينهم لأجل ذلك، فيتدارسون وضع ما وصل إليه حزبهم والحالة التي أل إليها، والأسباب التي أدت إلى ذلك. ويخلصون إلى جملة من مقترحات الحلول، والمعالجات، والأنشطة والفعاليات التي يستطيعون القيام بها إسهاما منهم في تحريك الركود وكسر حالة الجحود الراهنة، وتهيئة الأجواء المناسبة. وتوفير البيئة الملائمة.

ومن هنا تكون المبادرة تلبية لحاجات موضوعية وضرورات ماسة، يطلقها من استشعروا درجات الخطر، وتفهموا طبيعة المشكلة.

فالمبادرة تعني فيما تعنيه: المبادأة والمسارعة، أي الاسراع للبدء في عمل شيء ما، والمبادرة في اللغة من بادر يبادر، وهو الشخص الذي بدر عنه شيء ما أو بدرت عنه فكرة، فسارع لتنفيذها وفقا للهدف الذي ارتسم داخل وفي إطار الفكرة التي حددتها وبالتالي حددت الخطوات الجلية لتحقيق ذلك الهدف. فالمبادرة حالة ايجابية، وفعل مرحب ومرغوب فيه، إذا ما انطلقت لأجل إصلاح وضع معطوب ومعالجة اختلالات، وكسر جمود هيئات.

وتنجح المبادرات عندما تتوفر شروط وعوامل نجاحها. ومن عوامل وشروط النجاح. أن يكون لدى المبادرين الاستعداد التام لتنفيذ مبادرتهم، وتفسيرها، وشرحها وتقبل الأراء والملاحظات حولها .

ومن شروط المبادرات أن تكون واضحة ومفهومة، ومحددة لأهدافها وخطواتها العملية. وقادرة على اجتذاب المؤيدين لها، وأن تحدث التفافا واسعا من حولها .

والأهم من ذلك أن لا تكون المبادرات متعالية على ما هو قائم، إنما تتوخى النهوض به، والاسهام على الانتقال به إلى وضع وأداء أفضل، وعلى أسس من التعاون والتكافل.

ومن طبيعة المبادرات، أن لا تكون صدامية وأن لا تحدث شقاقا أو فرقة.

إن الحال الذي وصل إليه مجتمعنا، من الضعف والوهن بحيث يتطلب بذل المزيد من الجهود في سبيل الانتقال إلى وضع أفضل، وكما هو حال المجتمع الذي أضعفته نخبه، وأوصلته إلى ما وصل إليه.

كذلك هو حال الأحزاب السياسية في بلادنا فهي من الضعف بحيث أصبحت غير قادرة على الاضطلاع بالدور المطلوب والمأمول، ولم تعد تلبي حاجات ورغبات أعضائها ناهيك عن تلبية أمال جماهيرها العريضة التي أضحت يائسة ومحبطة، وفاقدة للثقة في قدرتها على إحداث التغيير الذي تتطلع إليه.

فنحن أحوج ما نكون إلى المزيد من المبادرات داخل الأحزاب وخارجها. وفي مختلف المجالات والأنشطة. كم نحن بحاجة إلى المبادرات الثقافية، والمعرفية والفكرية، والتنظيمية، والسياسية، مبادرات تجمع الشتات. وتحشد الطاقات.