د. عمر عبد العزيز

د. عمر عبد العزيز

الثلاثاء, 11 تموز/يوليو 2017 16:09

من صنع الانفصال في اليمن؟

في السنوات الأخيرة للتواجد البريطاني في عدن، نشأ تصادم طبيعي بين مشروعين بارزين وثالث قيد التبلور. المشروعان البارزان هما اتحاد الجنوب العربي الذي سرعان ما تخلَّت عنه بريطانيا دون مسوغات يمكن تبريرها سياسياً، والثاني تمثّل في فكرة إخضاع عدن المدينة لقوانين الكومنولث البريطاني المقرونة بالمواطنة العابرة للأعراق والقوميات والأديان. ولقد خبا ذلك المشروع، لأن الذاكرة الجمعية في عدن كانت عروبية الهوى والهوية، بل إن البيوتات العدنية القادمة من مناشئ هندية وصومالية كانت أكثر استعراباً ودفاعاً عن عروبة عدن والجنوب بكامله.

يومئذ تصدّت الرموز الثقافية والسياسية والفنية في عدن لتلك الدعوات. نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر عبد الله عبد الرزاق باذيب ومحمد فاضل فارع ومحمد مرشد ناجي ولطفي جعفر أمان ومحمد سعيد جرادة وحامد جامع وسعيد عولقي.

الرفض الضمني لمشروع عدن للعدنيين أومأ إلى مزاج عروبي يشمل اليمن وعموم الساحة العربية، وقد انعكس هذا المزاج في تسميات الجبهة القومية وجبهة التحرير، حيث اقترنتا باسم جنوب اليمن حيناً واليمن الجنوبي حيناً آخر، لكن الجبهة القومية سرعان ما حسمت هذا الجدل بتسمية الجمهورية الوليدة باسم (جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية)، وبعد سنوات محدودة تغيرت التسمية إلى (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، وهذه التسمية الأخيرة كانت تعكس خياراً سياسياً، يعتبر اليمن الديمقراطية الشعبية النموذج الذي سيشمل عموم اليمن بشماله وجنوبه، وقد ترجمت الجبهة القومية هذا الخيار النموذج من خلال خطوتين مهمتين: تمثلت الأولى في الانتقال إلى (التنظيم السياسي الموحد، الجبهة القومية) والذي شمل فصائل العمل الوطني في عموم الجنوب، كتوطئة للانتقالة الحاسمة صوب (الحزب الاشتراكي اليمني) الممتد في عموم الساحة اليمنية جنوباً وشمالاً، وكانت تلك الخطوات الثابتة الواثقة يتم التعبير عنها بفكرة (وحدة أداة الثورة اليمنية)، ما يعني التمسك بالتغيير، واستهداف نموذج الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، وخاصة بعد إجهاض مشروع الشهيد إبراهيم الحمدي.

رفع الحزب الاشتراكي اليمني شعار (لنناضل من أجل الدفاع عن الثورة اليمنية، وتنفيذ الخطة الخمسية، وتحقيق الوحدة اليمنية).

ذلك الشعار وتلك الروح قضى عليها نظام علي عبدالله صالح الذي اعتبر "الوحدة المقدسة" في عقول الناس وأفئدتهم مجرد فرصة سانحة للانتقام من الحزب الاشتراكي، وتعميم المفاسد في جمهورية ما بعد مايو لعام ١٩٩٠.

يُحاجج البعض بالقول إن حركة الأحرار التي لجأـت إلى عدن أيام الإمامة المتوكلية لبيت حميد الدين كانت غير وحدوية، وحجتهم في ذلك أن الحركة لم تضع الوحدة اليمنية كهدف نهائي لكفاحها ضد الإمامة، مُتناسين أن برنامج الحركة كان برنامجاً إصلاحياً دستورياً، وكان خيارها بعيداً عن التغيير بالقوة، وكانت أولويتها صنعاء باعتبار أن عدن ستنال استقلالها قريباً، وبعدها سيكون لكل حادث حديث، كما يقال.

كانت حرب ١٩٩٤ ترجماناً واقعياً لمشروع الضم والإلحاق، واعتداءً صارخاً على خيارات اليمانيين وتوقهم لمجتمع جديد يخلو من الظلم والتفرقة والأوهام، ولقد أفلح صانعو المتاهة في إخراج اليمن عن مساره الطبيعي، فيما أفلحوا في استنفار الجنوبيين وإقناعهم بفداحة ما آلت إليه أحوالهم، لمجرد أنهم كانوا عشاقاً للوحدة.. يرنون ليمن كبير يتأسَّى بالنظام والقانون الذي ساد جنوب الوطن على عهد التشطير.

هذه الأحلام حوّلها نظام صالح إلى كابوس يتمدد بقوة دفع أخطبوط الخراب والمفاسد العابر لكل القيم، وهكذا وجد الجنوبيون أنفسهم خارج أعمالهم.. تآكلت مدخراتهم، وتمدد الفقر والإملاق في أوساطهم، وأصبح تدوير الحياة الطبيعية في أجندتهم اليومية استحالة دونها الإنفجار.

كامل السيناريوهات الميدانية التي تلت حرب ١٩٩٤ خرجت من تضاعيف ذلك الهجوم الظلامي على الوطن والوحدة أثناء تلك الحرب، وكان انفجار الربيع اليماني لعام٢٠١١ لحظة الذروة في المقدمات التي نشأت في مدن الجنوب مع الحراكيين الرافضين لوحدة مايو واستتباعاتها الباهظة على الأرض، وما جرى بعد ذلك من تسوية ملغومة، كشف تماماً تركيبة وطبيعة النظام الأوليغاركي الأبوي الذي أوصل البلاد والعباد للحرب الطاحنة.

اليمانيون بحاجة إلى نظرة مستقبلية تتجاوز المنطق الإرادوي المقرون بالاستيهامات والوجدانيات المخاتلة، ومن حقهم البحث عن مخرج للأزمة المستحكمة الماثلة، ومعرفة إن الرفض المبطن للصيغة الاتحادية من قبل بعض الأطراف هو الدرب السالك للانفصال الذي سيشمل الجنوب والشمال معاً.

الذين صنعوا ويصنعون الانفصال هم الذين انقلبوا على مثابة الوحدة، وكانوا أقصر قامة منها، ومن غرائب الدهر أن هؤلاء هم أكثر من يلهجون بالوحدة ويتحدثون عن قدسيتها، وكأن الوحدة كائن تجريدي ملائكي لا علاقة له بالبشر وأحوالهم.

• نقلاً عن جريدة الخليج الإماراتية الصادرة هذا اليوم الموافق 11 يوليو 2017.

قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet

الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2014 21:53

القاصرات في اليمن ومقاصد الشريعة

 

بمناسبة شهر رمضان المبارك، وعطفاً على بعض التوظيفات غير السويَّة لمعاني الشهر الفضيل، أستعيد هنا ظاهرة بائسة تمت الشرْعَنة لها في اليمن، وتتعلق بقانون الأحوال الشخصية المعمول به حتى الآن، وكيف أن هذا القانون سيئ الصيت تم تمريره في البرلمان اليمني، تحت بند صلاحيات رئيس الدولة في تمرير القوانين، خلال شهر رمضان، حيث يكون البرلمان في إجازة تقليدية سنوية، تتم في رمضان بالذات. وقبل الولوج إلى البُعد الإجرائي في التشريع الماثل، لا بأس من تناول ظاهرة زواج القاصرات في اليمن، ذي الصلة المباشرة بهذا القانون، لأن أحكام القيمة السلبية المقرونة بزواج القاصرات، محكومة من حيث الأساس بسلسلة من المقدمات، تشير إلى معنى التجاوز الضمني لمقاصد الشريعة وأهدافها النبيلة، في سياق إجراء مثل هذا النمط من الزواج.

فقد انتشرت ظاهرة تزويج القاصرات في المناطق الريفية باليمن، وكانت محكومة بمقدمات سلبية مثل الفقر المقرون بالجهل، والمعزز بسياجات من الأمِّية، وانعدام المعرفة، وانتشار الأعراف السلبية، التي لعبت دوراً كبيراً في عقد صفقات مثل هذه الزيجات، بل إن بعض السماسرة المحليين كانوا وما زالوا يلعبون دوراً في تسهيل عقد هذه الزيجات، من خلال إقناع أولياء الأمور وتليين مواقف الفتيات القاصرات اللائي كن يرفضن أحياناً الاستجابة الطوعية لمثل هذا النمط من الإقحام المبكر لبنت قاصر، في حياة زوجية لا قبل لها بها.

التراتبية الاجتماعية الطبقية أفرزت تغوُّلاً اجتماعياً لدى قلة قليلة من الذين يتمسكون بها، لأنها تسمح لهم بمثل هذه التجاوزات القيمية المعنوية والأخلاقية، حتى إن بعض المُسنين من الكهول لا يرعوون في الزواج من فتيات في سن حفيداتهم، ويبرر بعض العوام من الجهلة هذا السلوك بوصفه وسيلة لتجديد خلايا الكهول!

وهو أمر يتنافى تماماً مع العلم، ويكشف عن أنانية متهورة، ناهيك عن المنطلق الكريه، الذي يحول القاصر المجني عليها إلى مجرد وسيلة لتجديد خلايا الكهل المندثر، كما يزعم بعض الجهلة، وكذلك انتشار الفقر المقرون بالرثاثة، يجعل بعض أولياء الأمور، مُستجيبين رغماً عنهم لما يكرهونه، بل إن بعض الفتيات يرون في استجابتهن لزواج غير متكافئ وسيلة لانتشال الأهل من الفقر المدقع، وبالتالي يسري في عقولهن شكل من أشكال البراغماتية النفعية الشعبوية، لكنها سرعان ما تنهار بمجرد ظفر الوحش بالفريسة المسكينة.

كما أن النظام الأبوي البطريركي في بيئة الجهل والفقر، يجعل الأب سيد الكلمة، وصاحب الرأي القاطع المانع، الذي يتجاوز سنن التشريع في استشارة ابنته قبل تسليمها لزواج غير متكافئ. وقد لاحظ بعض المتابعين لهذه الظاهرة أن بعض الفتيات يهربن من بيوتهن لمجرد معرفة ما يتم التخطيط له من زواج، في مقابل تبرؤ الأهل منهن، واعتبارهن في عداد الموتى، وهنَّ ما زلن على قيد الحياة، وفي بعض الحالات يكون هذا الهروب مقروناً بزيجة اختيارية غير مُعلنة، تتم وقائعها الشرعية في إحدى المحافظات البعيدة عن موقع سكنى الفتاة، كما أن بعض الهاربات يقعن فريسة الحاجة ليتم تسويقهن في سوق البغاء العابرة للمحافظات، بعد تغيير أسمائهن.

انتشار التعليم ووسائل الإعلام العصرية، وخاصة الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت التي تقدم في اليمن بدائل متنوعة، أصبح لها دور كبير في التغيير الاجتماعي لدى الفتيات اللائي كُنَّ يقبعن في المنازل المغلقة، وحقول العمل الرعوي والزراعي القاسي في الأرياف، فيما تبلورت بيئة تفاعل افتراضي تُناجز الماضي ونواميسه القاسية.

تلك المقدمات تؤشر إلى المعنى السلبي لزواج القاصرات، وكيف أن هذا الموضوع فتح معركة فكرية حقيقية في البرلمان اليمني، حتى إن البرلمان لم يتمكن من تمرير قانون تجريم وتحريم زواج القاصرات حتى الآن، ومن المدهش أن بعض البرلمانيين المحسوبين على تيارات الإسلام السياسي يرفضون بثبات تمرير هذا القانون، ويتخندقون في مربع الرفض العدمي لمشروع القانون الجديد، رغم كل الأضرار النفسية والمعنوية والاجتماعية الناجمة عن زواج طفلة صغيرة من رجل بالغ راشد، بل من كهل تجاوز الستين من عمره، وربما بلغ السبعين أو الثمانين.

جذر المشكلة القانونية القائمة في اليمن، بدأ مع ذلك التمرير المريب لقانون الأحوال الشخصية، الذي تمَّ تسطيره بعد الوحدة اليمنية بسنوات، وكانت مناسبة التمرير المريب شهر رمضان المبارك، حيث يتم فيه تعليق جلسات البرلمان اليمني، ويكون رئيس الدولة مخولاً بإصدار تشريعات محددة تتجاوز صلاحيات البرلمان! في تلك المناسبة، وبالترافق مع اللعبة السياسية التكتيكية بين فرقاء الحزبية القاصرة، تمَّ تمرير قانون الأحوال الشخصية سيئ الصيت، وقد اطلعت شخصياً على ذلك القانون، الذي تمَّت كتابته بلغة أصولية جامدة، وبقدر واضح من الانزياح الميكانيكي نحو ثقافة الماضي البعيد، ودونما أدنى مراعاة لمستجدات الحياة الاجتماعية، وبتجاوز إجرائي لكامل المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق المرأة والطفل، التي وقعت عليها اليمن.

هكذا تبدو الصورة اليوم، ومن دون معالجة المشكلة القانونية، من حيث الأساس، ستظل هذه الظاهرة غير الإنسانية سائدة في جُل المناطق الريفية اليمنية. ومقطع القول، إن مناسبة التمرير المريب لقانون الأحوال الشخصية، التي تمت في شهر رمضان المبارك قبل سنين طويلة، تقتضي اليوم تعديلاً يسمح لرئيس الدولة باستخدام صلاحيته في تعديل القانون السابق، وإصدار قانون جديد للأحوال الشخصية، يتمثل جوهر الشريعة الإسلامية ومقاصدها النبيلة، وذلك حفاظاً على التوازن الاجتماعي، واتساقاً مع المواثيق والمعاهدات الدولية، التي التزم بها اليمن.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.