فهمي محمد عبدالرحمن

فهمي محمد عبدالرحمن

الأربعاء, 06 أيلول/سبتمبر 2017 14:16

المؤتمر.. شعبية ينقصها الموقف

ما لذي يمكن أن نقرأه في الحشود الجماهرية التي حضرت ميدان السبعين في العاصمة صنعاء؟

بلا شك ان هذا الحضور الجماهيري الكبير يؤكد قطعاً ان المؤتمر الشعبي العام كحزب سياسي موجود لاسيما وإن الذين حضروا في هذا الحشد الجماهيري ليسوا جميع اعضاء المؤتمر الشعبي ، بل أن اغلب الاعضاء لم يحضروا ، فحزب المؤتمر مازال يمتلك قاعدة جماهيرية قوية، ولكن دعوة هذا الحزب وفي هذه الظروف للاحتشاد والتجمهر ليست سوى استنجاد من صالح لحزبه كورقة أخيرة يعول عليها جماهيرياً ، فالرجل لم يعد قوياً وصاحب القرار، كما أن حزبه لم يعد صاحب السلطة في العاصمة صنعاء.

فصالح أراد من تلك الحشود استرجاع قوته المفقودة والمختطفة من قبل شريكه في الانقلاب وليس التعبير عن قوته الموجودة، فلو كان صالح مازال قويا ومتحكماً كما كان، وحزبه مازال هو صاحب السلطة في صنعاء لما فكر في دعوة حزبه وحيدا للتجمهر وبالشكل الذي فجر أزمة كبيرة مع شريكه في الانقلاب هو في غنى عنها ، وعلى إفتراض أن صالح كسياسي من موقع القوة أراد استخدام ورقة الجماهير في مواجهة ما يسميه العدوان لكانت الدعوى موجهة لشركاء الانقلاب كما حدث في الماضي وما كان للحوثين أن يعترضوا ويصعدوا بهذا الشكل الذي وصل لحد الإهانة، فدعوة المؤتمريين للاحتشاد هي رسائل داخلية اكثر منها خارجية، وهي موجهة لشريكه في الانقلاب وليس لحكومة الشرعية، وشريكه في الانقلاب فهم ذلك وتصرف وصعد على أساس هذا الفهم لمحتوى رسالة صالح، لاسيما وانهم يعلمون حقيقة اختراقهم لقوته وتقليم اظافره وإقصاء حزبه من جهاز السلطة التي لديهم، فالحوثيون كانوا مكونا من مكونات الثورة ثم تحولوا إلى حلف لصالح في مشروعه الانقلابي على مخرجات الحوار، وذلك جعلهم يستفيدون كثيرا من اخطاء ثورة الشباب في التعامل مع نظام صالح.

فإذا كان اكبر اخطاء ثورة الشباب هو ان الفعل الثوري لم يحقق هدفه في اضعاف صالح ، فقد انتقلت الثورة الي الحوار قبل ان ينتج الفعل الثوري شروط التحول ، أي ان صالح مع هذا التحول ظل مسيطرا على الجيش والمال وحزبه مسيطر على السلطة ، ولهذا استطاع الانقلاب على الثورة وعلى الحوار في الوقت المناسب.

وعندما اراد استخدام الحوثيين قفازا في هذا الانقلاب وافق هؤلاء على ذلك ، ولكنهم لم يكونوا ساذجين كما أراد لهم صالح ، استغلوا تلك الانتصارات سياسيا لصالح حركتهم لكون صالح يدير ما يجري يومها من تحت الطاولة ، وبمجرد سقوط صنعاء سارعوا بالسيطرة على جهاز السلطة وعلى المال ، ومارسوا الرعب على موظفي السلطة المؤتمرين ، ثم اخترقوا الجيش والامن واقاموا سلطتهم في الواقع على حساب صالح وحزبه .

فالثقة بين الطرفين لم تكن قائمة من البداية ويستحيل قيامها في يوم ما والطرفان يدركان ذلك جيداً ، كما أن استخدام صالح الشطارة الزائدة والسماح للحركة بتصدر المشهد السياسي وتحديدا في بداية التدخل العسكري لعاصفة الحزم جعل " اللجنة الثورية" تسيطر على كل شيء في الواقع وعلى حساب قوة صالح وحزبه وبالشكل الذي جعل صالح يشعر بالاختناق يوميا وجعل حزبه خارج السلطة والقرار .

فالذي يقراء خطاب صالح والزوكا وابو  راس قبل المهرجان بثلاث ايام يدرك حجم معانات صالح وقيادات حزبه ، ولهذا فان دعوة صالح لحزب المؤتمر للاحتشاد الجماهيري تحمل ثلاث دلالات هامه

الاولى - تعبر عن عمق الخلاف بين شركاء الانقلاب وذلك مرجعه سيطرت الحوثيون على كل شيء وعلى مفاصل السلطة واقصائهم لصالح وحزبه ،

الثانية- محاولة توجيه رسالة من صالح للحوثين فحواها أني مازالت قوي وهذه جماهيري والحوثيون يعلمون ان الجماهير لم تعد فاعلة ومؤثره في معادلة الصراع في الوقت الحاضر ،

الثالثة-توجيه رسالة من صالح لدولة السعودية فحواها انه مستعد لفض التحالف مع الحوثين إذا ما تم الوقوف إلى جانبه ، وقد انتشرت اخبار ان صالح قبل المهرجان بعث رسائل سرية لسعودية بخصوص ذلك ولكنه لم يتلق حتى الآن الرد الايجابي ، فالثقة لم تعد مؤهلة لاتفاق جديد بين صالح والسعودية في الوقت الحاضر ولكن ذلك ليس مستحيلا في المستقبل ، والحوثيون يعلمون ذلك وهم مستعدون لمعركة مع صالح تطيح به ولذلك يتحدث عبدالملك الحوثي في خطابه عن التحركات التي تطعن من الظهر وعن تضحيات انصاره وجماعته وإستشهادهم منفردين في جبهات القتال .

على اعضاء حزب المؤتمر ان يدركوا ان ثورة الشباب اعطتهم نصف السلطة ، وفي الواقع كان حزبهم يمتلك كل مفاصل السلطة ، وكذلك نصف اعضاء مؤتمر الحوار الوطني ، ولكن حقد زعيمهم وسياستة الانتقامية من الثورة جعل حزبهم خارج السلطة التي اصبحت اليوم  بيد انصار الله كما يحلو لهم تسمية انفسهم بذلك .

بيت القصيد هنا على اعضاء حزب المؤتمر الشعبي العام وقياداته إتخاذ موقف تاريخي ، ليس بهدف استعادة سلطتهم المخطوفة بل من اجل استعادة الدولة ، وأول خطوه صحيحه في هذا الاتجاه تبدأ في إدانة الانقلاب الذي صنعهٌ زعيمهم الاحمق .

الموقف التاريخي يعني أن يكون حزب المؤتمر الشعبي العام اليوم في صف الشعب والوطن وليس في صف الصنم ، عليه أن يكون حزبا ذا مشروع وطني وليس مشروعا شخصيا.

احتفلنا بعيد ثورة 26 سبتمبر 1962م. وسوف نحتفل بعد خمسة  أشهر  وتحديداً في11  فبراير2017م  بمناسبة ثورية  أخرى صرخ فيها مئات الألاف من الشباب ملء  حناجرهم برحيل النظام الذي حكم شعب اليمن بعد ثورة سبتمبر لثلاثة  عقود عجاف وازداد عامين ,حيث كان سباقاً في الاحتفالات بتلك الثورة السبتمبرية التي يحتفل بها اليوم الشباب الذين خرجوا ثائرين عليه في11 فبراير2011م!!! فماذا يعني ذلك؟؟؟.

 في اليمن وفي ظل النظام المعرفي والفكري المقفل الذي يصنع وعي الجمهور ويهندس بحذق سذاجة وعي النخب المثقفة  احيانا، لا داعي للتعجب أو الإستغراب في طرح تلك الأسئلة المحيرة والمحرجة احياناً. 

شخصياً أعتقد  بل وأجزم أننا في المستقبل القريب سوف نحتفل في عدد من المناسبات  الثورية برحيل قوى هي اليوم تشاركنا احتفالاتنا في سبتمبر وفبراير واكتوبر, وبل وتتصدر اليوم مشاهدنا الثورية وتدعونا للاحتفال بمناسبتها وتتكلم نيابةً عنا!!! بلا شك ستتكرر الاحداث الثورية وسوف نستغرق جميع أيام  السنة  في الاحتفالات بتلك الاحداث وسيظل واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي دون تغيير يذكر!! وسيبقى الجهل والتخلف وقوى الماضي العصبوية بكل انساقها وانماطها تحكم واقعنا الاجتماعي بكل مظاهره وتتحكم في مستقبله ومخرجاته، ساخرةً من ثوراتنا ومشاركة  في  الوقت نفسه في إحتفالاتنا الثورية، والأنكأ من ذلك والأمر أن  تلك القوى العصبوية لن تكتفي بحكم واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي فحسب بل سوف تكسب أموالا طائلة  من اثمان دماء الشهداء  والآم الجرحى الذين سقطوا في تلك الاحداث الثورية  من أجل  تغيير الواقع الاجتماعي وتحريره من قبضة الماضي وقواه العصبوية!!

سوف يستمر هذا المسلسل الهزلي والتراجيدي طالما بقت  الاقفال الدجمائية التي رتقت عقولنا زمنا طويلا دون فتق أمام  حركة العقل المفكر والناقد.. في اعتقادي اننا اليوم لسنا بحاجة  للإحتفال بأعياد ثوراتنا بطريقة (ابو الطيب المتنبي) العاطفية في مدح سيف الدولة  بل علينا ان نغير ادواتنا في تلك الاحتفالات، بمعنى آخر بدلاً عن الإحتفالات الفارغة  التي تحركها العاطفة  في مدح الحدث الثوري شعراً ونثرا يتوجب علينا أن  نحتفل بحضرة  العقل المفكر والناقد للمسار الثوري والتجربة  الثورية  في اليمن تحت عنوان (أين الخلل)؟؟حتى لا تتكرر مآسي  الثورات في اليمن.

 كنت قد أنهيت مقالي  السابق بسؤال  يقول: ما الذي أعاق تحول الحدث الثوري في سبتمبر الى حدث تاريخي؟؟. في اعتقادي ان الإجابة  الجادة  على هذا السؤال لا تكمن اهميتها في معرفة حقيقة ما جرى من احداث الماضي التي عطلت مسار الفعل الثوري في تغيير واقع المجتمع في اليمن فحسب بل الأهم في تلك المعرفة  يكمن في حماية المستقبل من الفشل الناتج عن ملهاة الأحداث  المتشابهة  وتكرارها في حركة الزمن التي تعيق حركة التاريخ كصيرورة نحو التقدم. يقول أحد  الفلاسفة: "لكي تفكر سياسياً بشكل صحيح عليك ان تقرأ تاريخياً بشكل صحيح". يعني القراءة الناقدة. ويقول آخر "إن الأمة التي لا تقرأ تاريخها معرضة  لإعادة انتاجه مرة  أخرى  ولكن ليس لصالحها" يعني  تكرار الأحداث  المتشابهة.  ويقول ماركس: "إن التاريخ لا يعيد نفسه وإن فعل فإنه في الاولى مأساة  حقيقية  وفي الثانية  ملهاة مضحكة" يعني في الاولى مأساة  لأن  الإنسان  معذور فيها أما  في الثانية  ملهاة مضحكة  مهما كانت اضرارها. 

فالإنسان هنا غير معذور في حدوثها لإنه ساذج لم يستخدم عقله في تقييم الأحداث "لايلدغ المؤمن من جحر مرتين".

من هذه المعادلة  نكتب اليوم في أحداث  الثورة, ليس نبشا في جراحات الماضي المرة  بل من أجل  تحصين المستقبل من الفشل المتكرر وحماية أجياله من مخاطر السقوط في شباك الماضي ونعفيه من مشقة الترحال المرهقة  بين الاحداث الثورية  والتضحيات الجسام دون تحقيق المستقبل المشرق الذي طال انتظاره!!! ،نكتب اليوم لكي يكون ثمن دماء الشهداء وألآم الجرحى ثمنا عادلا  يليق بتضحياتهم.  والثمن  العادل هو أن تعيش أجيال ما بعد الثورة في ظل الحرية والكرامة  والحقوق المتساوية  لكل ما هو كائن في الوطن.

أن  تعيش في الواقع الملموس ما عاشه مفجر الثورة في الحلم، من أجل  ذلك نكتب اليوم عن الأسباب  الكبرى التي وضعت العصي في دولاب الزمن وأعاقت الفعل الثوري في سبتمبر عن الحركة  والتغيير وصنع التاريخ كصيرورة نحو تحقيق التقدم.  وهي تتلخص في مايلي:

 1- التغيير لا يأتي  إلا من متغيير.

قوى الثورة في سبتمبر جمعتها الرغبة  في التخلص من الإمام ولم يجمعها المشروع الثوري. هذا السبب مثل أول  مشكل أعاق حركة ثورة سبتمبر كمشروع ثوري يسعى لتغيير واقع المجتمع اليمني.

 يخبرنا التاريخ أن  الثورات لم تنتصر الا بنضال القوى الاجتماعية  المؤمنة  بالثورة كمشروع يسعى لتغيير الواقع وليس لتغيير الحاكم او النظام فقط. في ثورة 26 سبتمبر لم تكن كل القوى التي انخرطت  في معسكر الثورة تؤمن بالثورة كمشروع تغيير للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي الذي تمت عنونته في الأهداف  الستة  للثورة، فقط ما جمعها بالثورة هو ماضي الصراع مع النظام الامامي والخصومة  القائمة  مع بيت حميد الدين.

تحت هذا الدافع انضمت  قوى اجتماعية إلى معسكر الثورة وأهم هذه القوى قبائل حاشد وشيخها عبدالله بن حسين الأحمر  الذي كان الإمام  قد أعدم  عددا  من أفراد  أسرته  واعتقل آخرين  منهم الشيخ عبدالله الذي تم إيداعه  سجن حجة, هذه القوى القبلية وأشباهها التي لم تؤمن بمشروع الثورة يوما من الأيام رأت  في ثورة سبتمبر ليس فرصة  للإنتقام من الامام فحسب بل فرصة لوراثة السلطة انطلاقاً من المفهوم العصبي الراسخ في فكرها الذي يعني أحقية  القبيلة في حكم اليمن.

 من هذا الانضمام  الدخيل على مشروع الثورة بدأ تأطير جديد لأنساق وانماط المركز المقدس في الهضبة الذي تحول إلى  عقل جمعي يقاتل بشراسة  ويقتل كل فرصة سانحة للتغيير في واقع اليمن الإجتماعي. 

ومن هذا الانضمام  أيضاً بدأت الثورة  كمشروع تعاني وتترنح، وبدأ الثوار المؤمنون  بمشروع الثورة يجدون أنفسهم  ليس في صراع مع القوى الملكية  فقط بل في صراع أخطر من ذلك مع قوى داخل معسكر الثورة  تلتحف قميص الثورة  وتسعى جاهدةً إلى  تفريغ مشروع الثورة من الداخل وبدأت الثورة  كمشروع وتحت ضغط  هذا الصراع المزدوج تقدم التنازلات باسم  التجاوز. 

إن احتشاد تلك القوى العصبوية في معسكر ثورة سبتمبر والتي لا تؤمن بمشروع الثورة -كم نجدها اليوم في معسكر المقاومة  مع اختلاف مصدر العصبية- قد استفادت من الظروف الإقليمية  الممانعة  للتغيير وكذلك الظروف الداخلية  التي جعلتها تتصدر المشهد الثوري على حساب القوى المؤمنة  بمشروع الثورة  ومكنها من انهاء الصراع وحسم المعركة  داخل معسكر الثورة لصالحها في انقلاب 5 نوفمبر 1967م حين استولت على سلطة الثورة ومهدت الطريق إلى  عقد تسوية  سياسية  مع الماضي باسم  الثورة عام 1970 م.  وكان ثمن ذلك دفن بيت حميد الدين ومشروع ثورة سبتمبر في قبر واحد!!!.

هكذا انتهت مغامرة ثوار سبتمبر المؤمنين  بمشروع التغيير حين سمحوا لتلك القوى العصبوية أن  تحتشد في معسكرهم وتتصدر المشهد الثوري في غيابهم وتتكلم نيابةً عنهم وتقول رأيها  في الثوره!!.

المحاربون القداما في إنقلاب48 يغتالون المشروع الثوري في 26 سبتمبر 1962 م: إن الصراع الذي حدث مبكراً داخل معسكر ثورة 26 سبتمبر بين المحاربين القداما في إنقلاب 1948م. بزعامة محمد محمود الزبيري ومن دار في فلكهم والذين عرفوا بالجمهورين التقليديين من جهة  وبين الضباط الأحرار الذين فجروا الحدث الثوري في سبتمبر بزعامة علي عبدالمغني الذين عرفوا بالجمهوريين الرادكاليين من جهة  ثانية, هذا الصراع لم ينعكس سلبياً على وحدة الصف الجمهوري فحسب بل أصاب  المشروع الثوري في مقتل. وبغض النضر عن الأسباب  الكامنة  ورأى حقيقة الصراع والذي يمكن تلخيصها بعاملين إثنين: الاول عامل شخصي أو  ذاتي تمثل بغيرة المحاربين القداما من دور الضباط الصغار الذين فجروا الحدث الثوري في غيابهم واحتلوا صدارة المشهد الثوري بدلاً عنهم . والثاني فكري يتعلق بفلسفة المكونات الثورية  التي تنطلق منها تجاه تغيير واقع المجتمع اليمني حيث ينطلق التقليديون من فكرة الميثاق المقدس وينطلق الرادكاليون من فلسفتهم الحزبية  ومن الأهداف  الستة المزبورة في بيان الثورة المعلن في 27 سبتمبر.

وإذا كان الإختلاف في الرؤى داخل معسكر الثورة شيئ طبيعي ومقبول فإن الأخطر وغير المقبول في نظري يكمن في الأدوات التي تم توظيفها  في حسم الخلاف والتي بطبيعتها حولت  الخلاف إلى صراع واقتتال لم يقص الضباط الاحرار الذين فجروا الثورة من قيادة سلطة الجمهورية فحسب بل قتل المشروع الثوري وافرغ الثورة من محتواها لا سيما تلك الأدوات  التي استخدمها المحاربون القداما (كالزبيري وجماعته).

أعرف  ويعرف كثير غيري أن  الشهيد الملازم علي عبدالمغني وقبل أن  يجتمع ليلة السادس والعشرين من سبتمبر مع عبداللطيف ضيف الله وعبدالله جزيلان ويصدروا أمرهم  إلى  قوات الدروع وطلاب المعاهد والمدارس العسكرية وقوات فوج البدر بمحاصرة دار البشائر والاستيلاء على الاذاعة والتلفون والبرق قد قام بالتواصل مع مصر عبدالناصر عبر المناضل عبدالغني مطهر . وبموجب هذا التواصل تم ابلاغ ناصر شخصياً ان مجموعة من الضباط الصغار في اليمن تحضر لتفجير ثورة. وعلى إثر ذلك ألتزم  ناصر بتقديم الدعم المادي والعسكري في حالة قيام الثورة. وذلك ما حصل فعلاً.  فبمجرد قيام الثورة توجه عشرات الألاف من الجنود المصرين إلى  اليمن يقاتلون في صف القوى الجمهورية دفاعاً عن الثورة من السقوط أمام  جحافل القبائل الملكية المدعومة بالمال والسلاح والطيران السعودي والأردني وكذلك المقاتلين المرتزقة  الذين تم جلبهم من أوروبا  وإفريقا للقتال في اليمن. حيث كان يتم تسفيرهم عن طريق التنسيق بين اسرائيل وبريطانيا ويتم دعمهم بواسطة عملية( المنجو) التي  كان يقوم بها سلاح الجو الإسرائيلي.  ولولا وقوف  مصر وقواتها إلى  صف القوى الثورية لكان بمقدور القبائل الملكية تكرار مشهد 1948م وحسم الحرب لصالحها في الأسابيع  الأولى  من عمر الثورة. 

وإذا  كان الثوار  في سبتمبر قد وجدوا أنفسهم  أمام  مخاطر تلك القوى الداخلية  والخارجية  المتمالئة على إجهاض ثورتهم فإن السؤال المحير والذي يطرح نفسه بقوة : لماذا رفع بعض الثوار  (المحاربون القداما ) شعار الرحيل في وجه القوة  العسكرية الوحيدة الداعمة للثورة (القوات المصرية)؟؟ فهل امتلكت الثورة يومها في الداخل قوى ذاتية قادرة عن الدفاع عن الثورة كمشروع من خطر السقوط؟؟ أم  أن مطلب الرحيل الذي كان يوجه للقوات المصرية كان يقصد به رحيل مشروع الثورة والضباط المؤمنين بمشروع الثورة  وذلك على طريقة المثل القائل: أياك اعني واسمعي يا جارة. شخصياً أعتقد  صحة ذلك وما جرى في نوفمبر 1967م. واحداث 24/23/اغسطس 1978م خير دليل.

لم يكن الإعتراض على دور الجيش المصري في اليمن ناتجا عن بعض المخالفات التي صدرت منهم والتي لو تم مقارنتها بحجم التضحيات المقدمة كان بالإمكان تجاوزها والتفاهم حولها ولكن حقيقة الاعتراض كانت تعني عدم قبول المحاربين  القداما للمشروع الثوري السبتمبري المعلن يوم 27 سبتمبر تحت اسم (بيان تورة26سبتمبر) والذي تضمن إلى  جانب أهداف  الثورة الستة  إقامة التنظيم الشعبي القادر على تنفيذ البناء الثوري للجمهورية وترسيخ دعائم الدولة الجديدة بمساعدة الجهاز الثوري. واعطى اهتماما  خاصا لمسألة إعادة تنظيم الجيش على أسس حديثة من أجل الدفاع عن الثورة والحرية. وتضمن البيان فصلاً لمبدأ القومية العربية والحرص على تنفيذها في البلدان العربية على أسس الديمقراطية الشعبية.

هذا المشروع الثوري بأفكاره التقدمية الرادكالية ذو النكهة  اليسارية والمذاق القومي والذي حدده الملازم علي عبدالمغني ورفاقه   واعتمدوا في تنفيذه  على دعم القوة المصرية   بلا شك يتقاطع كثيراً مع المشروع الاصلاحي للمحاربين القداما ذوي  النكهة  التقليدية المحافظة والمذاق الإخواني الوارد في الميثاق المقدس هو الذي كان محل رفض المحاربين القداما. 

ومن هذا المنطلق الذي يعني اختلاف  الارضية المعرفية عند الطرفين نجد المحاربين القداما عبروا  عن رفضهم للضباط الصغار ولمشروعهم الثوري في سبتمبر تحت يافطة رفض القوة المصرية  التي كانت تمثل رافعتهم الوحيدة و التي في حال رحيلها تسهل ازاحتهم عن السلطة.

 في كتابه واسع الانتشار "ثورة الشعر" الصادر في بداية الثورة أكد  الزبيري قوله إنه "يجب أن لا يتدخل أي شخص في الشؤون الداخلية لليمن ويجب أن لا يقوم أياً كان بتفجير الثورة نيابة عن اليمنيين ". وقد رفع هذا الشعار من قبل المحاربين القداما واليمين الجمهوري كأساس لتوحيد كل الشخصيات المتنفذة في البلاد.

وفي الحقيقة كان هدفهم اختطاف السلطة من أيدي العناصر الراديكالية في قيادة الثورة والجمهورية المدعومة من قبل مصر.

وهو ما حدث في انقلاب نوفمبر ضد السلال واكتمل في أحداث  أغسطس  ضد عبدالرقيب عبدالوهاب ونائبه عبدالرقيب الحربي ورفاقهم من الحركيين والقومين وقوى اليسار بشكل عام والذين بفضل نضالهم انتصرت صنعاء  الجمهورية في معركة حصار السبعين يوما.

إن هذا الصراع الذي كان يفهم منه وقوف القوة المصرية إلى  جانب الضباط جعل الطرف الآخر  في الصراع يبحث عن قوة مضادة تنسجم مع مشروعه المحافظ والتي يسهل توظيفها  في الصراع. فكانت القبيلة حاضرة وجاهزة لهذا الدور ووفق حساباتها الخاصة.

 وبسبب ضغط المحاربين وتحت مبرر كسب القبائل إلى  صف الثورة تم تشكيل المجلس الأعلى للدفاع الوطني ودخل في هذا الجهاز 180 شيخاً أنيطت بهم مهمة الدفاع بواسطة الفرق القبلية المسلحة وحصل كل شيخ عضو في مجلس الدفاع على لقب وزير الدولة وعلى المخصص المالي لهذه الدرجة. وكذلك وتحت مبرر القيادة الجماعية ووحدة الصف الجمهوري تم إلغاء مجلس قيادة الثورة وإعلان مجلس الرئاسة الجهاز الأعلى لسلطة الدولة بموجب دستور 31 ابريل 1963م المؤقت. ولكون القرار السياسي مازال بيد الضباط الثوريين  كون رئيس مجلس الرئاسة(السلال)هو رئيس  للدولة وقائد عام للقوات المسلحة فإن المحاربين  وعبر مجلس الرئاسة عملوا على  اصدار مرسوم رئاسي في 26 ابريل 1963م قضى بتشكيل مجالس للمشايخ في كل قبيلة ودخل في مهام كل مجلس دراسة متطلبات القبيلة ونقل تلك المطالب الى مجلس مشايخ المحافظة والذي بدوره  سينقلها إلى  المجلس الأعلى لمشايخ القبائل والذي اعتبر ضمنياً موازياً لمجلس الرئاسة. ومنحت هذه المجالس القبلية الحق في تقدير وجباية الزكاة والحق في الفصل في المنازعات بين الافراد وبين القبائل نيابة عن الدولة ومنح كل شيخ في مجلس المحافظة 850 ريالاً شهرياً. وفي 28 ابريل وبمرسوم رئاسي تم تشكيل اللجنة المركزية لشؤون المشايخ من ستة عشرة شيخاً ((الغريب والمقرف في الامر اسم اللجنة المركزية للمشايخ!!)) ومنح مشايخ القبائل نصف مقاعد اللجان العاملة تحت إشراف  المجلس الرئاسي -لجنة الدفاع الوطني ،اللجنة العسكرية، لجنة الشؤون السياسية الخارجية ، لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية، لجنة شؤون القبائل ، لجنة التربية والتعليم ، لجنة العدل ولجنة الاوقاف.

 ومن هنا. وبفضل الزبيري وفريقه  من المحاربين القداما حصل مشايخ القبائل على إمكانية التأثير على اتخاذ القرارات في القضايا السياسية الداخلية والخارجية للبلاد. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تطور إلى  ما هو أخطر, حيث أقدم  الداعيان محمد محمود الزبيري وعبدالرحمن الارياني وتحت مبرر الدفاع عن السيادة لدعوة القبائل لعقد مؤتمر مشايخ القبائل.

وفي 11 اغسطس1963 م انعقد في صنعاء المؤتمر الاول بمشاركة 100شيخ تضمن جدول الأعمال  فيه نقطة واحدة فقط -الخلاف مع الحكومة-حيث أنتقد  المجتمعون قيادة الجمهورية بسبب منحها صلاحيات وحقوق واسعة للضباط المصريين الأمر الذي جعلهم ينتقصون من السيادة الوطنية للبلاد. حيث دعا بعض المتحدثين الى الجلاء الفوري للقوات المصرية من اليمن. وأوصى المؤتمر بعقد المؤتمر الثاني في عمران!! ((لماذا لم يدع الزبيري إلى  عقد مؤتمرات للقبائل في محافظة أخرى  في قبائل الزرانيق مثلاً؟؟؟)).

وفي 17 أغسطس 1963م بدأ التحضير لمؤتمر عمران لمشايخ القبائل وأقر المؤتمر توجيه  نداء إلى  مشايخ القبائل سواء الجمهوريين  أو  الملكيين وإلى رجال الدين للمشاركة في أعمال  المؤتمر (لاحظ من هم المدعوون للمؤتمر!!) حيث بدأ المؤتمر عقد أول  جلساته  في 1سبتمبر وشارك فيه  مشايخ جمهوريون وملكيون!! حيث اقترح المؤتمر إعادة تشكيل المجلس التنفيذي ومجلس الوزراء وتغيير المجلس الأعلى للمشايخ إلى مجلس استشاري وأكد  المؤتمر بشكل خاص على ضرورة قيام مجلس الشورى بمهام  وضع النهج السياسي للبلاد والرقابة الكاملة على أجهزة  ومؤسسات الدولة على أن  يشكل هذا المجلس من المجلس الأعلى للمشايخ ومن اللجنة المركزية المشكلة من قبل المؤتمر!!! وأخطر  ما في قرارات المؤتمر تشكيل جيش شعبي ووحدات  عسكرية قبلية قوامها 38 ألف  شخص تقوده  قيادة من مشايخ القبائل (القيادة الشعبية) وشكل المؤتمر لجنة عسكرية من تسعة مشايخ مسؤولين عن تنفيذ العمليات العسكرية في البلاد.

لقد كشفت مخرجات مؤتمر عمران النوايا الحقيقية للمحاربين القدامى ومفهومهم لشكل النظام الجمهوري وسعيهم إلى  تغيير الرئيس السلال وأنصاره  المعتمدين على دعم المصريين. وإذا  كانت هذه القرارات قد قوبلت بالرفض من قبل السلال وأنصاره  واعتبرتها القوات المصرية قرارات معادية لها إلا ان أعضاء المجلس الرئاسي والمجلس التنفيذي وبضغط من المحاربين أثناء  غياب السلال مرروا تلك القرارات وباشروا تطبيقها حيث  أصدرت  اللجنة العسكرية (مشايخ القبائل) المشكلة من قبل مؤتمر عمران بيان بدء  تشكيل وحدات الجيش الشعبي.  وبموجب هذا البيان توجه أعضاء  مجلس الرئاسة: محمد الزبير, عبدالسلام صبرة والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر إلى  القبائل لتشكيل أولى  فرق الجيش الوطني حسب مقاييس  الزبيري ومشروعه  الإصلاحي.  هذا الجيش القبلي العشائري المذهبي السلالي المناطقي الذي يقتل ابناء اليمن اليوم ويقتل كل ثورة تسعى إلى  تغيير ثوري للواقع الاجتماعي هو من اختراع الزبيري وأنصاره  من المحاربين القدامى. 

هكذا وبفعل الصراع تم نقل القبيلة على يد المحاربين القدامى من وظيفتها التاريخية في المجال الاجتماعي الذي ظل محتكراً بيدها لمدة قرون طويلة إلى  المجال السياسي  وأصبحت  بفضل هذا التحول في دورها بعد ثورة سبتمبر تمتلك القرار السياسي الذي يحدد مستقبل البلاد.

 ما عجزت عن فعله  القبيلة في حكم الإمام حققته  في عهد الثورة وبدعوة من المحاربين!!!.

خلاصة القول إنه  تحت مبرر السيادة من تدخل المصريين شكل الأباء المحاربون هذا الجيش القبلي المناطقي المذهبي وكانت حقيقة نواياهم اغتيال مشروع ثورة 26 سبتمبر وتصفية اي  مشروع ثوري بعد ذلك. وما ذهابهم خلسة إلى  مؤتمر حرض واتفاقهم مع القوى الملكية على مسمى الدولة الاسلامية إلا  دليل يمثل قطرة في بحر التآمر  على المشاريع الثورية.

واليوم تحت مبرر السيادة يقاتل المحاربون الابناء بهذا الجيش وفي حقيقة نواياهم اغتيال مشروع ثورة الشباب (مخرجات مؤتمر الحوار الوطني)   .فهل يعيد التاريخ نفسة!!! ولماذا؟؟ وإلى متى؟؟

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

إهداء إلى  الرفاق ناظم العقلاني وشفيع صبر في معتقلهم، وهم الذين تنقلوا بين الجبهات ليس بهدف نيل السلطة  او الثروة  بل من أجل  المشروع الثوري وهم اليوم يدفعون ثمن ايمانهم الصادق بمشروع الثورة.

 

ان  الحديث عن الحدث السياسي والحدث التاريخي هو حديث في حركة الإنسان ودوره وفي حالة الصراع بين مكونات المجتمع المختلفة ،وبغض النظر عن شكل الصراع والأدوات المستخدمة  في هذا الصراع (أدوات عنف او أدوات  سلمية) فإن ما يميز الحدث السياسي عن الحدث التاريخي ليس تلك الأدوات المستخدمة في صناعة الحدث بل الغاية  والهدف من الحدث المقترن دائماً في النجاح في تطبيق هذه الغاية أو الهدف على أرض الواقع.

اليمنيون  خلال60 سنة   شهدوا وصنعوا أحداثاً سياسية  كثيرة  تمثلت  مظاهرها على سبيل المثال في (إنقلابات سياسية، وتشكيل حكومات، وعقد اتفاقيات جبهوية وحزبية، وإجراء انتخابات..الخ) من الاحداث السياسية  التي لم تمس واقع المجتمع او تغير في قاع مكوناته وتوجهاته، ورغم حاجة المجتمع اليمني خلال تلك الفترة  الى حدث تاريخي يهز واقع المجتمع وبنيته التقليدية، الا أنهم  فشلوا في صناعة الحدث التاريخي باستثناء الحدث التاريخي الوحيد الذي صنعوه ونجحوا فيه المتمثل في ثورة14 أكتوبر  المجيدة .

الثورات على مستوى شعوب العالم يجب أن تصنف في خانة الاحداث التاريخية، على اعتبار  أن  تعريف الثورة (التغيير الجذري الشامل لواقع المجتمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً) ولكن في نظري هذا التعريف للثورة  في حد ذاته لا يمنح الثورة  صفة الحدث التاريخي بمجرد انطلاق الفعل الثوري مالم يستطع هذا الفعل الثوري تحقيق الفكرة  الثورية "المشروع الثوري" على صعيد الواقع المجتمعي..

واقع المجتمعات السلبية والتقليدية  المتخلفة  هو الذي يخلق الحالة  الثورية  وتعبر عنه بأسباب الثورة  التي تعني قابلية المجتمع وحاجته للثورة والفعل الثوري الذي يقوم به حزب او نخبة او جماعة ما هو إلا تلبية  لنداء تلك الحاجة  الاجتماعية، فالثورة  ليست فكرة  ترفيه والفعل الثوري ليس غاية  بذاته او بأشخاصه  بل هو وسيلة المجتمع في مرحلة زمنية  معينة، حين يقرر هذا المجتمع تغيير أوضاعه  السلبية أو حين يشعر المجتمع بانسداد أفقه  السياسي والاجتماعي والاقتصادي وأن استمرار العيش على ذلك النمط يقوده لمخاطر الانفجار والتشظي، لذا فالثورة اذا نظرنا إليها  بمنظار الحدث التاريخي يتوجب عليها أن لا تتوقف عند الخطوة  الأولى  المتمثلة  في تحقيق حالة الانقلاب الثوري وذلك في القضاء على الحاكم الفاسد أو إسقاط  سلطة الاستبداد بل عليها أن  تكمل المشوار في النجاح وتحقيق الفكرة الثورية أو  المشروع الثوري الذي يعمل على تغيير واقع المجتمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً نحو التقدم.. فالثورة سياسياً واجتماعياً لا تجد مبررها في أشخاص  العمل الثوري مهما كان دورهم وحجمهم داخل المجتمع وإنما  اشخاص العمل الثوري يجدون مبرر فعلهم الثوري في فكرة الثورة ومشروعها الثوري الذي يعبر عن حاجة  المجتمع.

بمعنى آخر  ان  الثورة  تكتسب قيمتها الاجتماعية  والسياسية  من واقع نجاحها في تغيير التوجه وليس بتغيير الوجوه، وتغيير التوجه يعني ان الفعل الثوري نجح في تحويل الفكرة  الثورية  "المشروع الثوري"  من صورة في الفكر المجرد الى حقيقة تحققت في تنظيم واقع الاجتماع والاقتصاد والسياسة، بهذا التغيير الثوري لواقع المجتمع نحو التقدم تتحول الثورة إلى حدث تاريخي يصنع التاريخ في حياة  الشعوب, أما حين تفشل الثورة  في تحقيق المشروع الثوري وإن نجحت في فعل الانقلاب الثوري على الحاكم أو اسقطت السلطة  المستبدة  فإن الثورة  تظل من قبيل الحدث السياسي أو الأزمة  السياسية،  ذلك لأن واقع المجتمع السلبي والتقليدي لم يتغير ولم تنجح الثورة  في خلق واقع جديد نحو التقدم، فالعمل الثوري هنا نجح في تغيير الوجوه وفشل في تغيير التوجه!

اليمنيون  صنعوا ثلاث ثورات في60 سنة  تقريباً: ثورة26 سبتمبر، وثورة14 اكتوبر، وثورة الشباب 11فبراير.

والسؤال المطروح هنا ما الذي جعلنا نصف ثورة 14أكتوبر  بالحدث التاريخي وننزع وصف الحدث التاريخي عن ثورة26سبتمر وثورة11فبراير؟

الحدث التاريخي وبغض النظر عن الوسائل المستخدمة  في  صناعته(سلمية  او عنيفة) هو الحدث الذي استطاع أن  ينقل المجتمع من قيم الماضي إلى  الحاضر المتجه نحو المستقبل. 

أي ان المجتمع بهذا الحدث يكون قد نجح في عملية تغيير هزت قاع المجتمع ومكوناته البنيوية  التقليدية، وبشكل يجعل المكونات الاجتماعية  تشعر وتعي أنها  فعلاً انتقلت من وضع اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي وإنساني  إلى  وضع آخر  نحو التقدم.

ان  عملية التغيير في الحدث التاريخي تقوم وبشكل واع على قاعدة  القطيعة  مع الماضي السلبي، بمعنى آخر  ان  الحاضر بقيمه قد غادر الماضي نحو المستقبل في عملية تغيير سافرت بالمجتمع من الماضي إلى  الحاضر ولم يسافر الماضي بالمجتمع الى الحاضر، فالحدث التاريخي هو الحدث الذي يمس قاع المجتمع وانماط الحياة على اختلاف اشكالها ليحقق باستمرار انماطا وقيماً اجتماعية  وسياسية  واقتصادية  وثقافية  جديدة  يشعر في ظلها الأفراد أن  حياتهم متغيرة  ومتجددة.

على سبيل المثال ما حدث في أوروبا  في القرن الثامن عشر من صراع بين سلطة أهل  الفكر"مثقفي الانوار" من جهة  وبين سلطة الكنيسة  والاستبداد من جهة  ثانية  هي ثورات "أحداث  تاريخية" صنعت  تاريخ اوروبا الحديث والمعاصر وخلقت واقع الحداثة  في اوروبا ليس حداثة واقع المجتمع المادي الذي يعني توفير الحاجات الإنسانية  ووسائل العيش والرفاهية  فحسب بل خلقت الانسان الحديث الذي لا يقبل العيش إلا  في ظل الحرية  والكرامة  والحقوق الإنسانية  التي لا يجوز الانتقاص منها أو  العبث بها، فواقع الانسان الاوروبي اليوم وانماط الحياة الاجتماعية  والقيم الثقافية والمجال السياسي المفتوح أمام  كل المكونات الاجتماعية غير المحتكر من قبل النظام السياسي وأدواته  السلطوية، والإنجازات التقنية والتكنولوجية  كلها تعبر عن انتقال حقيقي في حياة المجتمع من الماضي المتخلف إلى  حاضر متغير ناتج عن تغيير تناول قاع المجتمع وجذره العميق ،هذه الأحداث  التي تنجح في نقل المجتمع من واقع سلبي متخلف إلى  واقع ايجابي وحداثي يتجه نحو التقدم هي الأحداث  التي يجب ان توصف بالحدث التاريخي، لأنها تصنع التاريخ كصيرورة  يتجه نحو تحقيق المستقبل.

الثورات هي أدوات  تغيير  لواقع المجتمعات التقليدية، وهذا الوقع التقليدي والمتخلف هو الذي يبرر قيام الحالة  الثورية، فإذا نجحت الثورة في تغيير هذا الوقع فإنها  تمثل الحدث التاريخي وإذا  فشلت تظل من قبيل الحدث السياسي. لأن الفعل الثوري لم يمس قاع المجتمع ولم ينجح في إحداث تغيير في أنساق  التفاعل والعلاقات وأنماط  السلوك والنشاط الانساني.

واقع الانسان في اليمن قبل ثورة سبتمبر كان بحاجة  ماسة  الى تغيير وتنمية  سياسية  تترافق وتتماشى مع تنمية  اقتصادية  واجتماعية  وثقافية  تتجاوز الحالة السلبية  المتخلفة  والتقليدية  العصبوية (المذهبية  والقبلية) التي تكونت عبر قرون طويلة  من التخلف كان يعيش في ظل قيمها وانساقها هذا الانسان، والتي تفتقر بطبيعتها وبنيتها إلى  الحد الأدنى من انماط الحياة الكريمة ،،ومن هذا الواقع المتخلف استمدت الثورة  مشروعية فعلها الثوري الذي ترجم الى الاهداف الستة  لثورة 26 سبتمبر1962م.. والسؤال الجوهري الذي يلح علينا اليوم وبعد أكثر  من خمسين سنة  من اندلاعها ويضع هذه الثورة  على محك التحليل  النقدي والمعرفي "الإيبستمولوجي" بين الحدث السياسي والحدث التاريخي يعني هل نجحت الثورة  في تحقيق اهدافها الستة "المشروع الثوري"؟ أم أن  هذا الحدث اكتفى بإزاحة وإسقاط  اسرة  حميد الدين عن السلطة ؟ وهل حلت سلطة الثورة  محل سلطة  الإمامة  في حكم اليمن؟؟ وفي المجمل هل استطاع هذا الحدث الثوري أن  يغير قاع المجتمع ومكوناته التقليدية  والعصبوية الجامدة  على مستوى النسق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي والانساني، وبشكل يعني ان المجتمع برمته انتقل من واقع الماضي المتخلف الى الحاضر الحداثي؟؟

الحاضر الذي يعفي اجياله من مشقة القيام بتكرار الثورات ومخاطر الفعل الثوري الذي يقدم أرواح  الشباب قرابين بدون ثمن في مسلسل تكرار الاحداث الثورية  التي لا تنتهي والحالمة بتحقيق مشروع ثوري لم يتحقق رغم حجم التضحيات الكبيرة!!! بمنظار هذه الأسئلة  يجب ان نقرأ ثورة سبتمبر وغيرها من الثورات عبر تاريخ الإنسانية، وتقديم الإجابات الجادة  على تلك الأسئلة  يجب ان يقدمها العقل المفتوح وليس العواطف الجياشة  ويكتبها الضمير الانساني حين يتغلب على النزعات الإنتمائية والعصبوية داخل فكر الانسان، من هذا المنظار نقدم قراءتنا للاحداث الثورية  في اليمن، وتقديم هذه القراءة  ليس ترفا فكريا أو غاية  بذاته بل هو إنتاج  فكري وعقلي وقائي يقي المجتمع من توارث الاخطاء التي تقتل فرص التغيير في المجتمع اليمني عبر ثوراته المتعاقبة.

ثورة26 سبتمبر1962م.كان أمامها  تركة  كبيرة  وواقع اجتماعي يجب ان تتولى تغييره  وتحريره من قبضة الماضي الذي افرزه  النظام "الامامي والقبلي العصبوي" القائم على ثقافة الانا المطلق والذي لا يرى  نفسه وذاته إلا في ظل غياب الآخر  وتغييبه.. وتغير هذا الوقع لم يكن مستحيلا على قيادة الثورة  المؤمنة  بمشروع الثورة لو أن الثورة سارت  بمسارها الثوري نحو اهدافها التي صاغتها حاجة المجتمع اليمني وضرورة تغيير واقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والانساني والثقافي وعبرت  عنه بحالة  ثورية  تولى الشهيد علي عبدالمغني ورفاقه تنفيذ الفعل الثوري استجابة  لنداء تلك الحاجة ..

في ثورة سبتمبر لم يكن اسقاط نظام الإمامة  كنظام يعيق حركة وتطلعات المجتمع نحو المستقبل فحسب بل كان على هذه الثورة  بناء الواقع من حالة الصفر، الدولة  كان يجب ان تبنى من حالة الصفر، لاجهاز اداري موجود ولا نظام تعليمي حديث، ولا نظام قضائي قائم على تشريع وقانون، ولا جيش وطني يمثل ارادة المجتمع ويحمي الارض والشعب...الخ. فلماذا أخفقت  هذه الثورة في بناء ذلك؟ قد يقال ان ثورة سبتمبر حققت الكثير خصوصاً اذا نظرنا الى واقعنا بنظرة  سطحية  تقف عند المظاهر الخارجية  للمؤسسات القائمة من انتشار للمدارس والجامعات والمحاكم القضائية والمرافق الحكومية ومؤسسات الدولة  وشق الطرق والتطور في البناء وتحسين بعض الظروف المعيشية لبعض شرائح المجتمع...الخ، ولكن اذا نظر هذا القائل بنظرة  عقلية  تتجاوز سطح الواقع وتغوص في أعماقه سوف يكتشف ان الواقع لم يتغير بما يجب ان تكون عليه حياة الانسان في هذا العصر وأن  (عطار الثورة عجز عن إصلاح  ما أفسده  الاستبداد في اليمن).

صحيح تحققت بعض الاشياء وبغض النظر عن مصدر التغيير سواء أكان بفضل الثورة  ام بفضل تطور حركة  العصر الذي يفرض بعض التطورات في حياة  الشعوب التي لا يستطيع أعظم  الحكام استبداداً ان يقف في وجهها!!،ألم  يفرض على الإمام  فتح بعض المدارس والمستشفيات وإرسال  بعثات دراسية  للخارج وفتح كليات عسكرية (تدريب طيران)؟؟

ان مقارنة واقع المجتمع بعد الثورة وواقع المجتمع قبل الثورة على اطلاقه خطأ كبير يصب في مصلحة الحاكم لأن  حركة التاريخ التي تصنعها شعوب العالم الأخرى  تصدر بعض مخرجاتها الى شعوب العالم فلايستطيع الحاكم رفضها كون العالم اصبح قرية  واحدة ولكن الحاكم المستبد الذي تصنعه احداث الثورة  بطريقة الحسابات الخاطئة  يستطيع ان يفرغها من محتواها ويحولها إلى  ديكور يزين بها نظام حكمه تخفي تجاعيد وجهه القبيح،يخدمه في ذلك واقع المجتمع المتخلف الذي فشل الفعل الثوري في تغيير جذره العميق..

إن المقارنة  الحقيقية  يجب ان تكون بين مشروع الثورة وبين واقع المجتمع في ظل حكم سلطة الثورة، بمعنى آخر  بين ما تحقق من مشروع الثورة وما لم يتحقق، بهذه المقارنة  المعقولة  نستطيع تقييم مسار الفعل الثوري دون التقليل من شأنه،

بمعنى آخر  ثورة 26/سبتمبر/1962/م انطلقت بهدف تحقيق ستة  أهداف. خمسة  منها متعلق بواقع المجتمع اليمني والسادس يتعلق بعلاقة اليمن بالمجتمع الدولي والمنظمات الدولية ،ففي ما يتعلق  بواقع المجتمع اليمني لم يتحقق إلا  هدف واحد يتعلق بتحقيق الوحدة  اليمنية  وقد تحول مفهوم الوحدة  بعد ذلك  إلى  مفهوم الضم والإلحاق.اما بقية الاهداف فلم يتحقق منها شيئ.  فلا نظام جمهوري عادل تحقق ولا جيش وطني تم بناؤه ولاتم رفع مستوى الشعب اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً ولانظام ديمقراطي او تعاوني تحق.  

من هذا المنطلق الواقعي العقلي وليس العاطفي نحكم على ثورة سبتمبر بأنها  حدث سياسي وليس حدثا تاريخيا، ووصف الثورة بالحدث السياسي لايعني الانتقاص من قيمته أو  من أهميته  بل يعني أنه  يتوجب علينا ان نفرق بين الحدث السياسي الذي لا يؤدي  إلى  تغيير في قاع المجتمع ومكوناته النبوية  ولا يؤدي  إلى  تغيير في أنساق  العلاقات وأنماط  الحياة على اختلافها وبشكل يؤدي  باستمرار لتحقيق انماط وقيم اجتماعية  وسياسية  واقتصادية  وثقافية  يشعر الموطن في ظلها أن  حياته متغيرة  ومتجددة وبين الحدث التاريخي الذي ينجح في ذلك ويعفي أجيال  الثورة من التفكير في القيام بثورات أخرى  لأنه  تناول قاع المجتمع في عملية تغيير جذرية .

اعتقد انني لم اختلف مع كثير من القراء ان الواقع الاجتماعي بكل مظاهره يحتاج بعد ثورة سبتمبر لألف ثورة.  وما محاولة الرئيس الرمز الشهيد ابراهيم الحمدي بثورته التصحيحية  التي تم التآمر  عليها  إلا  تعبير عن تلك الحاجة  الاجتماعية  للتغيير والتي عجزت ثورة سبتمبر عن تغييره ، وبعدها ثورة الشباب!!!

والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم أمام  القراءة  العقلية  وليس العاطفية: لماذا تتكرر الاحداث الثورية  في اليمن وتبقى الحاجة  الاجتماعية  للفعل الثوري مستمرة  دون إشباع ؟؟

اعتقد انني أجبت  عن السوال السابق الذي يتعلق بحقيقة وصف ثورة سبتمبر بالحدث السياسي وليس التاريخي ولكن يظل السؤال  المهم يقول : ماهي الأسباب  التي أعاقت تحول الحدث الثوري في سبتمبر الى حدث تاريخي؟؟

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

السبت, 14 أيار 2016 08:08

هموم مثقف

(رساله عاجله إلى الفرقاء اليمنيون في دولة الكويت الشقيقة)

اهداء إلى الإنسان الذي تجمعت في ذهنه عصارة الفكر فكان القلم الذي يكتب في فكرنا بحبر الفكر معاني الحرية إنه الرفيق والمفكر التنويري قادري احمد حيدر،

""انتصاراكم لليمن يتطلب حضوركم بعقولكم وليس بدمائكم"

ان الانسان مخلوق مميز عن سائر المخلوقات بم انعم الله علية من ملكة العقل والتفكير بل ان الإنسان هو المكلف باستخدام العقل والتفكير دون غيره، لذلك فالعقل عند الفيلسوف الفرنسي(لاند)مؤيد نظرية الثنائية في العقل ينقسم عنده إلى قسمين، الأول عقل فاعل وهو الملكة العقلية التي تميز الإنسان عن الحيوان، اي العملية الذهنية الذي يقوم بها الإنسان عند التفكير في شيء ما والثاني العقل السائد وهو عبارة عن منظومة القيم والمعارف والأفكار المكتسبة عبر السنين والتي ترسخت في وعي الإنسان وفكره وهي تمثل ادوات الإنتاج المعرفي للإنسان وهذا الثاني يأخذ طابع العموم لان تلك الأفكار بعد أن تستقر في الفرد الذي يعيش بين مجموعة من الناس تتحول عن طريق التبادل الى ثقافة في اللاشعور للجماعة (فالثقافة ذلك الباقي بعد نسيان كل شيء)وحينها تتحول الثقافة إلى نظاماً معرفي للمجتمع او الجهاز الذي يولد المفاهيم التي تحدد سلوك الجماعة، وهذا العقل بهذا المفهوم هوا الذي يميز مجموعة من الناس او شعب من الشعوب عن اخرى.

ولهاذا عندما نقرأ عن الفكر الأوروبي او العربي او الإسلامي فإن ذلك يعني العقل السائد في تلك الشعوب، وفيه يكمن سر تقدم شعب وتخلف أخر وتفسير السر هنا يعني أنه متى كانت قيم العقلانية والحداثة والتسامح هي التي شكلت نظامه المعرفي فإن الشعوب سوف تنتصر على مخاطرها، والعكس من ذلك متى كانت قيم التعصب والدجماء بكل معانيها هي التي شكلت نظامه المعرفي فإن الشعوب حتماً ستهزم أمام مخاطرها، بمعنى ان الشعوب عندما تتحرك نحو المستقبل وتصنع مشروعها الحضاري والحداثي الذي يرسم ويحول جغرافيتها الى وطن آمن يتسع ويحتضن الجميع رغم اختلافاتهم فأنها لم تفعل ذلك من فراغ بل يتم ذلك بحضرة العقل الجمعي وقيمه العقلانية.

اما عندما تتوقف عن الحركة وتعجز عن إنتاج مشروعها الحضاري والحداثي وتفشل في تحويل جغرافيتها إلى وطن للجميع فإنها بلا شك تجعل الجميع في قتال ضد الوطن ويكون ذلك في غيبة العقل وهذه الغيبة لا تعني ان الشعب يعيش في فراغ تام من العقل بل يعني انه مصاب في ذهنه بالدجماء (الجمود الفكري) والحديث هنا عن العقل بمفهوم انتصار قيم العقلانية او عن انتصار الدجماء بمفهوم الجمود الفكري الذي يصيب الشعوب يكتسب في نظري أهميه بالغه من حيث نتائج كلاً منهما فحين ينتصر العقل تنتزع  الشعوب حريتها وبها تتخلص من العنف وتتجاوز خطر الإقتتال وعلى العكس من ذلك حين ينتصر الجمود الفكري يولد في الشعوب ثقافة الإستبداد التي تصنع الحروب والإقتتال، ولنا في تجارب التاريخ العبر، اليونانيون كانوا اول شعب دشن قصة الإنسان مع العقل على إثر الحروب الأهلية التي حدثت بين الفقراء والملاك في القرن السادس قبل الميلاد ومن نتائج هذه الحرب الكارثية استيقظ العقل اليوناني من سباته وحضرت قيم العقلانية فيه، تجلا ذلك في الأفكار الإصلاحية للحكماء السبعة التي تبلورت في قانون (أتيكا) الذي تناول اصلاحات سياسيه واجتماعيه واقتصاديه غيرت بوصلة السير في اليونان نحو المستقبل وانقذت شعب اليونان من الجمود الفكري الذي كان سبباً في تلك الحرب.

وبذلك يسجل التاريخ ان حضور قيم العقل وانتصارها على الجمود الفكري. من أفكار الحكماء السبعة أسست اول حضارة بشريه عقلانية وعلميه اعطت الحرية للإنسان اليوناني في أثينا وفي ظل هذه الحرية، بحث الانسان  وجادل وسئل عن كل شيء دون رقيب، عن الانسان والطبيعة وعن الله(المطلق)وتخلق من تلكم الثلاثية بأدوات العقل معجزة الانسان اليوناني (الفلسفة والمنطق) ام العلوم، ولتلكم الاسباب فكر اليونانيون قبل الميلاد بقرون بدولة مدنية (دستور، وديمقراطية وقانون) بل وازدهرت حياة الانسان اليوناني في كل المجالات في الطب والفلسفة والفن والمسرح والفلك والهندسة والرياضيات والعمارة  ووضعت أسس العلم الحديث، نعم حدث كل ذلك في شعب قبل الميلاد بسته قرون ولكنه حدث حين انتصر العقل على الجمود، وبسبب عوامل عديده ليس هنا مجال ذكرها انهار كل ذلك في لمح البصر حين أنهزم العقل وانتصر الجمود.

الاوروبيون بعد جمود عصر الظلام والحروب التي طحنت ارواح الملايين تحت مسميات عديده حدثت كلها في غيبة العقل حينها انتصر الجمود الفكري وغزا كل مظاهر الحياة في اوروبا ولكن حين حضرت قيم العقلانية في افكار سبينوزا وجان لوك وفلتير في شعاره الشهير(اسحقوا العار) وفي افكار جان جاك رسو وديكارت وغيرهم وتبلورت جميعها في النظام العلماني الذي مثلا انتصاراً للعقل على الدجماء (الجمود الفكري) وانقذا اوروبا من دوامة العنف حينها منحت شعوب اوروبا الحرية التي ترجمت معانيها وادواتها في الديمقراطية اللبرالية الحديثة، وبهذا الحضور والانتصار العقلاني انتجوا الأوروبيون معجزتهم في العلم والتقنية.

العربي عموماً واليمني خصوصاً مازالوا يعيشون زمن هزائم العقل وانتصار الدجماء وهو الزمن الذي بداء بهزيمة مشروع غيلان الدمشقي العقلاني امام دجماء الخليفة هشام بن عبدالملك وتكررت النماذج وصولاً للحالة اليمنية حين سحق المشروع العقلاني للمطرفية على يد الإمام عبدالله بن حمزه وبنفس الخط يواصل الجمود الفكري انتصاراته حين يسقط فرص بناء الدولة المدنية الحديثة في اليمن، وما يجري من حروب اهليه في الوطن العربي عموماً واليمن خصوصاً  ما هو الا تعبيراً صادقاً عن هزيمة العقل وغيابه وانتصار الدجماء في ذهن هذه الشعوب وهذا الجمود الفكري هو الذي يجعل من العربي في القرن الواحد والعشرون عاجز عن استيعاب ما فكر به اليوناني قبل الميلاد!!

في اعتقادي ان اليمنيين الموجودين على مائدة الحوار في الكويت بعد سنه من الحرب عليهم أن يحضروا بعقولهم متحررين من الجمود الفكري حتى لا يبحثوا عن تسويات ومشروعات وانتصارات وهميه من داخل هذه الحرب القذرة او من نتائجها، بل عليهم ان يستفيدوا من دروس التاريخ وسننه واحكامه وبذلك يكون واجبهم أن يجيبوا عن الأسئلة الجوهرية والجذرية في المشكلة اليمنية وهي كثيرة اهمها كيف نهزم الجمود الفكري فينا وننتزع الحرية ونبني وطن لنا جميعاً نظامه المعرفي يقوم على ثقافة الاحتكام إلى عد الرؤوس بدلاً من قطعها (الديمقراطية).

- (الدجماء عجزت عبر التاريخ عن تحويل جغرافية اليمن إلى وطن للمنتصر او المهزوم، (ولكنه العقل قادر)

يخبرنا التاريخ آن الشعب اليمني غالباً ما انحدر نحو الكارثة ووقع في المحظور حين فجروا أولي الآمر فيه بدجمائهم الحروب الأهلية فتقاتلوا كثيراً وسقوا جغرافية اليمن بدمهم المسفوح اكثر مما زرعوا فيها النبات الطيب، وكل تلك الحروب كانت في غيبة العقل وآخذت مظاهر متعددة قبليه ومذهبيه وايدلوجية واصولية وكلها في نظري يكمن سببها الحقيقي في جذرها العميق في المجتمع القائم على ثقافة الدجماء الفكرية والعصبوية المطلقة التي لا تقبل العيش إلا مع آنائها المطلق المدعي دوماً امتلاك الحقيقة، ولكن هذه الحروب عبر التاريخ عجزت عن تحويل الجغرافية اليمنية إلى وطن آمن للجميع بل وحتى لتلك القيم العصبوية الجامدة التي ارهقها الترحال في مسيرة الحروب باحثتاً عن قدسية ذاتها، وفي المجمل كل تلك الحروب الأهلية في اليمن كانت ومازالت لا تخلو من آمرين اثنين إما منتصراً ومهزوم حين تستنفذ القوه عند احد الأطراف آو تتوقف الحرب في منتصف الطريق حين يدرك الطرفان أنه مازال في جعبه الاخر مزيداً من القوه وإن الاستمرار في الحرب يعني هلاك الطرفين معاً.

ها كذا تنتهي الحروب الاهلية في تاريخ اليمن بل عبر تاريخ البشرية مع الفارق في السؤال الجوهري في نظري والذي تعد الإجابة عليه حاله صحيه وإيجابيه في التجربة التاريخية للشعوب التي نجحت في صناعة مشروعها الحضاري والمستقبلي، وحالة مرضيه وسلبية في التجربة التاريخية والمعاصرة للشعب اليمني. والسؤال هنا ماهي القيم التي تحضر في ذهن القوى السياسية والاجتماعية المتقاتلة والتي سلم لها زمام قيادة المجتمع وصياغة مشروعه المستقبلي بعد إيقاف الحرب؟ هل هيا قيم العقل والتسامح آم قيم التعصب والجمود الفكري؟

في الحالة اليمنية كما أشرت سابقاً أننا نعيش في زمن انهزام العقل وانتصار الدجماء سوءاً آلت هذه الحرب الى منتصراً او مهزوم أو توقفت في منتصف الطريق فآن قيم الدجماء تظل هيا الحاضرة دوماً في ذهننا حضوراً صانعاً للمشروع المستقبلي المفخخ على الدوام والقابل للانفجار بضغطة زر ولو عن طريق الخطاء او بقرار طائش يعتمد على سو الحساب كما حدث ويجري الآن، وكما هو معروف لمن قراء تاريخ اليمن بعقل نقدي معرفي أن المنتصر في الحرب الأهلية في اليمن كان حاضراً بدجمائه الفج وغائباً في عقله حين عبر عن ذلك برغبته الجامحة في حكم الشعب بقوة الحديد والنار بل والعمل الدؤوب على حيازة القوة والمال بهدف إقصاء الأخر وشطبه من المعادلة السياسية والاجتماعية، المهم ان يضل حاكماً ولو على مجتمع أصبح في حقيقة الأمر ممزقاً ومتناحراً ومفرغاً من كل محتواه بالمعنى المنصرف لمفهوم المجتمع.

فالأفراد لم يطلق عليهم مجتمع او شعب إلا بعد تطور تاريخي في حياة الفرد تجلت في حاجته للأمن والاستقرار وإشباع حاجته الاجتماعية والاقتصادية وهي الحاجات التي اصبح تحقيقها مستحيلاً في ظل حركة الفرد المنعزلة ولهذا تحركوا الأفراد باعتبارهم أعضاء في مجموعه تحركهم تلك الحاجات الاجتماعية والاقتصادية المتفاعلة والمتقابلة وبها تحولوا الى مجتمع او شعب محتاجون الي جهاز سياسي او سلطه سياسيه وظيفتها تنظيم هذا العلاقة الاجتماعية والاقتصادية ورعيتها والحفاظ على تجانسها وذلك بصياغة مشروع يقوم على هويتها الجامعة وليس لجهاز او سلطه استبداديه تحكم بقوة السلاح والنار، وهذه المعادلة لم تفهمها القوى العصبوية الدجمائيه المنتصرة في الحروب الأهلية في اليمن عبر التاريخ ولذلك كتبنا تاريخنا بالسيف نيابة عن القلم وبالدم عوضا عن الحبر، وسبب ذلك آن مفهوم الشعب او المجتمع في نضر هذه القوى الدجمائيه المنتصرة لا يتعدى حدود فكرها وقيمها الدجمائيه المطلقة ولهذا فأن هذه القوى حين تنتصر وتحكم لا ترى بعين العقل النتائج والآثار الكارثية التي دمرت المجتمع ومزقت نسيجه الاجتماعي بل تغلق عينيها وتفتح فمها للحديث والتغني عن انتصارات وهميه في حروب لا ينتصر فيها احد ويهزم فيها وطن، وهذا ما نشاهده ونقرئه في مسلسل تاريخنا التراجيدي ان المنتصر لا يسعى لمعالجة أسباب هذه الحروب ونتائجها الكارثية بل يكرس هذه الأسباب في مشروعه المستقبلي الذي به يحكم المجتمع والشعب وكائن لسان حاله يقول (داويها بالتي كانت هي الداء).

هو بذلك ونتيجة غبائه وجموده الفكري يؤسس لدورات عنف وحروب قادمة لا تنتهي ولا يمكن تفاديها بل لا تمكنه معها من الاستمتاع بنصره طويلاً لأنه بذلك يكون قد شرعن وسن قانون يجوز للأخر المهزوم تحت مبرر الدفاع عن وجوده وقيمه أن يسعى جاهده للبحث عن القوة وامتلاكها لأنه بها وحدها يستطيع أن يعبر عن وجوده في الوقت المناسب ويعيد الاعتبار لكرامته المسلوبة بل ويصل بها إلى السلطة، وترتب على هذا القانون ان "الحاكم المنتصر في عموم التاريخ في اليمن لا يحكم من اجل ان يبني مشروعاً حضارياً جامعاً يحتضن جميع مكونات الشعب بل يحكم من اجل ان يعبر عن فائض القوه لديه حتى يقبله المجتمع والشعب بكل علاته"

ولكنه ينسى ان فائض القوه حين تكون تعبيراً عن الدجماء وليس العقل وتستخدم في غير محلها تصبح هيا السبب الاول والجوهري في هزيمة هذه القوى الحاكمة في المستقبل.

كما انه (في الحالة اليمنية أثبتت التجارب أن توقف الحروب وحالة الصراع في منتصف الطريق تكون النتائج كارثيه اكثر من ذي قبل ويكون الخاسر الاكبر فيها الشعب وقواه المدنية).

كنت قد تحدثت سابقاً عن التجربة التاريخية اليمنية في حالة انتهاء الحرب بمنتصر ومهزوم وكيف تسير الآمور بعد ذلك في حالة حضور الدجماء وغياب العقل واستدللت ببعض الاحداث التاريخية التي شكلت حالة التراجيديا المأساوية في تاريخنا الحديث والمعاصر.

وهنا سأتحدث عن النموذج الثاني حين تتوقف الحروب او حالة الصراع في منتصف الطريق وهذه الحالة ليست حاله ذهنيه بل حاله واقعيه تعبر عن بقاء مزيداً من عناصر القوه في جعبة اطراف الصراع وبشكل يعني أن الاستمرار في الحرب والصراع يؤدي الى نتائج كارثيه تقضي على الكل.

والذي يعنيني هنا وأنا اكتب هذه الرسالة للفرقاء المتحاورون في دولة الكويت ليس توصيف هذه الحالة الواقعية والموضوعية ونتائجها الكارثية التي نحن اليوم نعانيها ونشاهدها في كل مظاهر حياتنا اليومية وهي غنيه عن الشرح والحديث فيها.

بل ما يعنيني هنا جوهر رسالتي وهو الحديث عن قدرة اطراف هذا الصراع والحرب وهم على مائدة الحوار على تحويل جغرافية هذا الصراع والحرب إلى وطن، خصوصاً حين تعجز هذه الحروب ونتائجها الكارثية على استحضار العقل وقيمه العقلانية في فكرهم وضمائرهم وهم يرسمون مشروع المستقبل.

فالحديث عن الحرب ونتائجها الكارثية يعني الحديث في حاله واقعيه موضوعيه شكلتها بكل معنى الكلمة حالة التراجيديا المأساوية في تاريخنا على الإطلاق، بمعنى انها قد وقعت وليس بمقدورنا تغيير حقيقة وجودها وشطبها من ذاكرة تاريخنا، أما الحديث عن ما يجب ان يكون بعد هذه الحرب ونتائجها الكارثية فهي حاله ذهنيه نحن اليوم بحاجه ماسه للحديث والكتابة فيها بعقل نقدي واعي، مفتوح وليس مغلق، والحديث عن حضور العقل وغيابه تكمن قيمته في هذه الحالة الذهنية لآنها الآن وحدها التي سوف يبنى عليها الحالة الواقعية والموضوعية للمستقبل.

يعني ببساطه أن الحالة الواقعية تقول ان الحرب ونتائجها المأساوية قد حدثت وهي ملموسه ومادية، أما تفكير المجتمع واطراف الصراع والحرب في هذه اللحظة التاريخية فهي الحالة الذهنية والتي تطرح السؤال، ماذا يجب ان يكون ؟ ونجاعة الإجابة على هذا السؤال تتحدد بمعادلة حضور العقل وغيابه.

في اليمن تخبرنا التجارب أننا في حالة الحرب وما بعدها نعيش في حياة تشبه حياة الفتية في كهفهم ((اهل الكهف)) في غيبة العقل مع الفارق الكبير بيننا وبينهم فآهل الكهف في غيبة العقل بنومهم الطويل كانت حياتهم داخل الكهف كلها عباده آما اليمنيون بغيبة العقل اصبحت حياتهم كلها فجور وفساد، وإذا اردنا الحديث في صلب الموضوع وبدقه فإن اطراف الحوار في اليمن لم يذهبوا يوماً الى مائدة الحوار بحضور العقل وادواته وقيمه في فكرهم وضمائرهم، حتى الحروب بنتائجها الكارثية عجزت عن هزم هذا الجمود واستحضار قيم العقل فيهم حتى يستطيعوا ان يبحثوا بتجرد عن جذر المشكلة واسبابها الحقيقية في الأعماق، في عمق المجتمع ومكوناته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفي ثقافته وقيمه السلبية وفي نظامه المعرفي والسياسي وفي خصوصياته الثقافية وحتى الجغرافية وذلك بهدف كشف الغطاء عن هذه الجراثيم والعوامل السلبية وإزالة الحضور التاريخي بكل قيمه السلبية على حد وصف المفكر الكبير قادري احمد حيدر والعمل على إزالتها وخلق مجتمع نابذ للعنف طارداً لثقافة الاقتتال.

من هنا فقط تبدا نقطة السير في طريق النجاح المؤدية لبناء المشروع الحضاري والحداثي المفعم بقيم الحرية والقادر على تحويل جغرافية اليمن إلى وطن، بل على العكس من ذلك تماماً يذهبوا بجمودهم الفكري والعصبوي وبغرائز الانتقام ورغبة الثائر الثاملة عقولهم على الدوام، وحتى في حالة الاتفاق والخروج بمشروع ان صحت هذه التسميه فان ذلك قطعاً لا يعني مشروع المستقبل بل مشروع تكتيكي وقتي يسكت افواه البنادق لبعض الوقت ويمنح أطراف الصراع وقتاً هم بأمس الحاجه إليه، استراحة محارب يتم فيها التقاط بعض الأنفاس الضرورية ثم تسعى هذه الاطراف للبحث وكسب مزيداً من عناصر القوه وبناء بعض التحالفات استعدادا للحرب القادمة، وهي قادمه بلا شك وبنظر هذه الأطراف يجب ان تنتهي هذه المرة بمنتصر ومهزوم لآن العيش في نظرها خصوصاً بالمفهوم السياسي لا يقبل القسمة على اثنين، فالحرب السابقة ونتائجها الكارثية لا تخلق صحوه في ضمير وفكر هذه القوى الدجمائيه بل تعد ببساطه وبدم بارد خارطة تستفيد منها النوايا القذرة في فكر هذه القوى المتحاورة استعداد للحرب القادمة.

وتفسير ذلك ان هذه الاطراف بفكرها الدجمائي والعصبوي والتي مازالت متسلحة ببعض عناصر القوه لا تطرح على طاولة الحوار قضايا الاوطان والشعوب واوجاع المجتمع على غرار ما يجب ان يكون في حضرة العقل لان ذلك لا يهمها، بل كل ما يجري هوى إعادة توزيع وتقاسم مراكز القوى بطرق وأشكال مختلفة بين ذات تلك الاطراف المتقاتلة، بمعنى اخر ان كل ما يجري هوى إحداث تسويات سياسيه تعمل على اعادة انتاج مراكز القوى الفاسدة بأثواب جديده وتكون النتيجة ترحيل المشكلة واسبابها الحقيقية للمستقبل بل والمستقبل القريب، وهنا تكمن المفارقة الغريبة اذا ما قورنا بالأخرين فالشعوب تتحاور بعد الاقتتال لكي تصنع المستقبل القابل للعيش المشترك والآمن للجميع، واليمنيون اذا امكن يلتقون بعد الحروب ويتحاورون لكي يصنعوا المستقبل المفخخ والقابل للانفجار، ها كذا تتكون حلقات التراجيدية المأساوية في تاريخنا وتجاربنا التاريخية، نتقاتل في حروب اهليه تنتهي بمنتصر ومهزوم او تتوقف الحرب في منتصف الطريق نلتقي للحوار بعد انتهاء هذه الحرب او قد لا نلتقي عند انتهاء بعضها! ولكننا في كل الاحوال نتحرك ونصنع اسباب الحرب القادمة!!

فكل الطرق تؤدي إلى روما ولكنها في التراجيدية اليمنية ليست روما المدينة الايطالية الجميلة والقابلة للعيش فيها ولكنها هنا ساحة الحروب وجغرافية الاقتتال،

فهل يستطيعوا اليوم الأخوة المتحاورون في دولة الكويت الشقيقة وبشرط حضور العقل فيهم ان يحولوا ساحة الحروب وجغرافية الاقتتال في أرض اليمن إلى وطن؟؟.

لمتابعة قناة الاشتراكي نت على التليجرام

اشترك بالضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet