تامر الزكري

تامر الزكري

الخميس, 07 شباط/فبراير 2019 18:45

طفولة مغدورة

سماء قريتنا لاتزال موحشة كئيبة; أرضنا ثكلى..! الأرواح أيضًا  مطوقة بالألم..! منزوعة السكينة.. طفل في السابعة من عمره وجد مقتولا..! تماما وبعد خروجه في الصباح الباكر متوجها صوب مدرسته الريفية القريبة من منزله; كان يملؤه الفخر  بأنه قد كبر وصار يرتاد المدرسة، فهو كما في المدرسة يحكي للجميع وأينما حلّ -أنه صار يجيد كتابة الحروف والأرقام 'وأنه  تعدى العشرة  منها.. 'وأنه يحفظ سورة الحمد والمعوذات ..- وكثيرا ما كان يضيف لأخيه وبقية الأطفال من لم يلتحقوا بالمدرسة بعد" أيوه أنا قدنا بصف أول ونجحتوا مش مثلكم ) هكذا ببراءة تأسر  حتى مردة الجن ....

يذهب أحمد برفقة أبناء عمه خلود -محمد-ويعودون إلى منازلهم بعد ساعات تمتزج أحيانها المفعمة بالحماس بأحيانها المثقلة بالمشقة لتكوّن خليطاً  في أرواحهم التي تحركها أمنيات الحلم البريء. ..

لكنهم اليوم كانوا ينادون عليه -هيا سنتأخر -هيا-(احمد امك اشتضربك لو تأخرتا)-  فيصر على البقاء لكي يشبع جموح طفولته البريئة باليسير من اللعب كما يستمر بمحادثة أحد زملائه وبالإصرار بعيداً عنهم كانت البشاعة تصر على أن تنحت اسمها على صخور جبالنا كبهتان مفزع لا أنكر منه ولا أبشع ..!!!

  حتى الآن لم يصل أحمد إلى البيت; صوت يدوي في أعماق الأم :- أين تأخر ...?! لعله في بيت جده.. ?! ربما في أطراف المنزل ..!!  تأمر أخاه الصغير لينادي عليه :- "وليد ادعي لأخوك الغداء بيبرد".. ينادي (ااااحماااااااد ... وااااااااحمد.. نعم امي تقول لك روّح ).. يتضجر المسكين فيدخل المنزل مخاطبا أمه :- ابنك "مايجاوبش" أي لا يجيب..!! تلقي الأم باللائمة على شقيقته الكبيرة "جنات" ..! ثم تترك الطعام لتخرج باحثة عن طفلها بقلب - مذعور  -تتمتم ياربي لطفك "ابني مدري مو جرى له" تذرف الدموع تنادي جاراتها وتسأل من تجده في طريقها :-"شفتم لي  أحمد ..؟!والكل يجيبها بتعجب ربما ذهب هنا أو هناك  (خينه مع من راح ..."خينه عند... خينه... خينه..." تعددت "الخينات" بما توحي للام من أمل ولكن لا امل.

....

"والطفل في المغارة" لكنه دون امه ومقتولا.. هكذا وجدوه بعد بحث مضني مرميا به  أسفل (الحيد)المغارة.. يستغيث كل من  يصل.. يا الله يبدو أنه سقط من على الصخور. .يبدو يبدو...

حضر إلى المكان كل من كان قريبا يتحدث أحدهم: آثار دم في الأعلى حذاء الطفل حقيبته أيضا كيف يحدث هذا... ؟!! يتعرض الجمع لصدمة قاسية خفقان القلوب يزداد ضجيجه; الحزن يعتصر النفوس ; جده ; أباه ...!..الكل يهرعون إلى مكان الجريمة...

نقلت الجثة إلى مشفى الشيخ خليفة العام في التربة من قبل جد الطفل و بعض الأهالي ...    لفحص الجثة وللتيقن أكثر هكذا كحال كل المواطنين البسطاء  القاطنين في القرى.

 معمل البحث الجنائي وصل إلى المكان وبدأ دراسة المكان وقال بأن مؤشرات تدل على أن الجريمة كانت بفعل فاعل...

..هل حقا حصل هذا ..؟! أأزهقت أيضا روح الريف المسالم ؟؟ أم هو كابوس راودني عن طفل سلم عليّ عندما كنت في القرية آخر مرة .. فما زلت أتذكر قسمات وجهه البريئة وهو يعرفني بنفسه  أنا احمد ابن حامد "تعرفه".. ؟ نعم قدم أحمد نفسه إلي بهذه الطريقة بألفة  الريف ومحبته .. بألفة  الريف  التي لا تعرف الغرابة ... ؟ وهل حقا حصل  في قريتنا جريمة طالت البراءة  في ربيعها السابع..؟ أسئلة كثيرة تجثم على صدري أنا القريب البعيد.. من وكيف وأين ولماذا ومتى فالأمر ما يزال قيد التحقيق والفحص تتبعاً لخيوط هذه الفاجعة الكبرى.

كم من الارهاق يجتاح ساحتنا.. فكيف لهذه الجريمة ان تحدث هكذا.. وخلف كم الحيرة التي تعصف بالجميع يقف قاتل جبان انه لم يستهدف احمد بل الجميع.. فيجب ان لا تمر مرورا عابرا مالم فكل قطرة من دم طفلنا ستكون لعنة ووبال على الكل.. لن نقف  مكتوفي الأيدي   أمام أي غياب أوعرقلة أو مماطلة بشأن هذه القضية.

لم يكن لهذا ان يحدث لولا ما يجري في البلاد بشكل عام من صراع وصلت تداعياته الى مستويات خطرة ومن منا كان يتوقع ان تحدث مثل هذه البشاعات وهذا الاجرام في الارياف.. وان يصل الامر الى هذا الحد فإنه لنذير بالخطر ومؤشر على ما آلت اليه قيم الناس من انهيار وهو الامر الذي يجب التوقف عنده مليا.

الأحد, 10 حزيران/يونيو 2018 20:35

أنور الركن.. رحيل موجع


يا الله غرستْ الحرب أنيابها في هذا الجسد النحيل ومضغته جيداً بفكيها المصقولين..

 كلما حاولتُ أن أغمض عينيَّ استيقظت هذه الصورة فيني، صورة  الصحفي اليمني أنور الركن، هذه الصورة التي أمامكم ليست مومياء ولا هيكل تعليمي لمادة الأحياء إنها لإنسان في زمن الموت..

 بعد أن تمكن القتلة من أنور أعادوه إلى أهله ليلفظ أنفاسه الأخيرة بينهم ويغرقهم بالألم والحسرة..  

بعد سنة  كاملة عاد أنور ليقص علينا كل التفاصيل التي يتجرعها المختطفون في سجون المليشيا ، سنة كاملة وأنور يقاوم رماد الموت البطيء الذي فُرض عليه ، يقاوم ضجيج الطائرات التي تمر بشكل يومي على الموقع الذي سُجن فيه ، يقاوم الجوع والتعذيب ، وسط تجاهل مقيت ، وتخل من قبل جميع المنظمات التي تعمل في المجال الإنساني ،  استسلم أنور للموت لكن بعيداً عن أعين السجان اللعينة ،  فإن كان هذا المصير المأسوي مصيره ، فما هو مصير المختطفين منذ أكثر من ثلاثة أعوام !!

وما مصير الإنسان؟!

وجعي على هذه البلاد، ورحمة المولى تغشى أنور والموت والذل والعار للقتلة والمتآمرين والمتهاونين والمتعاونين!!