معن دماج: ظروف الحرب جعلت الاوضاع الاجتماعية والمعيشية أكثر صعوبة "دراسة" مميز

  • الاشتراكي نت / خاص

الخميس, 16 شباط/فبراير 2017 16:29
قيم الموضوع
(12 أصوات)

اكد الدكتور معن دماج بقسم الفلسفة جامعة صنعاء  ان ظروف الحرب التي تشهدها اليمن منذ ما يقرب العامين وبعد خمس سنوات من انطلاق الثورة الشعبية في فبراير 2011م قد جعلت الاوضاع الاجتماعية والمعيشية أكثر صعوبة بكثير، فبالإضافة الى سقوط عشرات الالاف من القتلى والجرحى واضطرار ما يقرب من ثلاثة مليون مواطن مغادرة منازلهم في مناطق القتال، والى انهيار وتدمير البنية التحتية التي كانت ضعيفة حتى قبل الحرب.

وقال في دراسة ضمن كتاب بعنوان: الفجوات الاجتماعية والفوارق الطبقية في المنطقة العربية. صادر عن منتدى البدائل العربي للدراسات 2016:نشأ مع الحرب وبسببها اقتصاد حرب تلعب فيه مافيات السوق السوداء وزعماء الحرب والمليشيات المسلحة الدور الرئيسي، وبينما تجمع هذه العصابات الثروات الخيالية نتيجة الاتجار بالنفط والمواد الضرورية في السوق السوداء – يذهب جزء من عائدات هذه السوق بالتأكيد لتمويل حرب المليشيات التي تديره- أصبح أغلب المواطنين والسكان يعيشون تحت خط الفقر وعلى وشك المجاعة،

واضاف: واذا كانت الحرب هي اخر وسائل الطبقة المسيطرة للإبقاء على هيمنتها على البلاد ومقدراتها الاقتصادية، فأن نتائج هذه الحرب بالذات سترسم ولعقود طويلة قادمة لا شكل النظام السياسي للبلاد بل وطبيعة سياساته الاقتصادية والاجتماعية.

وتطرقت الدراسة الى الفروق الاجتماعية والطبقية في اليمن على عدة مستويات تعكس الطابع الانقسامي للبلد مثل الفروقات بين الريف والحضر، والقضية الجنوبية، وتأثير التعديلات الهيكلية وبرامج الاصلاح الاقتصادي على زيادة الفروقات الاجتماعية والطبقية، وغيرها من المواضيع.

نص الدراسة

الفروقات الطبقية والاجتماعية في اليمن

أول ما يتبادر للذهن عند الحديث عن الفروقات الطبقية والاجتماعية في اليمن هو جدوى الحديث حول الفروقات الطبقية والاجتماعية في بلد يكاد الاجماع ينعقد فيه حول هيمنة التكوينات التقليدية وغلبة أشكال الوعي قبل الوطني وبروز الانتماءات قبل الوطنية، جهوية، قبيلة و طائفية، خصوصا مع تحول الثورة الشعبية التي تفجرت في فبراير 2011 الى حرب (أهلية) تداخلت معها وفيها حرب إقليميه مع أخذ التدخل السعودي شكلا حربيا عبر التحالف العشري العربي، وزيادة ظهور مشكلة الهوية في الصراع والحرب لجهة القضية الجنوبية والمطالبين بالانفصال وفك الارتباط، أو لجهة بروز الطابع الجهوي والقبلي والطائفي لتحالف صالح الحوثي .

غير أننا اذا استثنينا هذا التحليل سوف نبقى في حالة عماء عن الاسباب الحقيقة والعميقة التي كانت وراء انفجار الثورة الشعبية في 2011م والتي تجد جذورها في الحالة اليمنية سابقة بكثير على مثيلاتها من الثورات العربية، ونستطيع أن نجد مؤشراتها مع تأزم الدولة اليمنية وسقوط شرعيتها والتي تجلت أساسا في حرب صعدة منذ العام 2004م وظهور ما يعرف بالحراك الجنوبي منذ العام 2007م،واذا كانت حروب صعدة بين نظام علي عبدالله صالح وحلفائه القبليين والإسلاميين من جهة وبين الحركة الحوثية – التي عرفت حينها بالشباب المؤمن ثم المكبرين وصولا للتسمية الاخيرة انصار الله – من جهة ثانية، تعبيرا عن فشل ثورة سبتمبر 62 في بناء الدولة الوطنية، فقد كان الحراك الجنوبي تعبيرا عن فشل وحدة 22 مايو 1990م التي تحولت الى حرب في عام 1994م انتهت بسيطرة قوات علي صالح وحلفائه على الجنوب .

مسألة اخرى تتعلق بدور الحرب التي تشهدها اليمن منذ عامين تقريبا وبعد ثلاث سنوات من اندلاع الثورة وتأثيرها الحاد على البلاد، فالحرب وما رافقها من أشكال الحصار  تكاد تحطم اقتصاد اليمن بشكل شبه كلي، أضافة الى انها شكلت اقتصاد حرب تشكل فيه السوق السوداء والاقتصادي الموازي القسم المهيمن عليه منتجا لطبقة جديدة من قادة المليشيات وعصابات التهريب، واذا ما علمنا ان الحرب ترافقت مع التوقف التام عن تصدير النفط والغاز في اقتصاد ريعي يشكل فيه قطاع المحروقات النصيب الاكبر، وتشكل عائدات تصديره أكثر من 70% من الميزانية الحكومية، نستطيع ان نكون تصور وفكرة عن الحالة التي وصل اليها اقتصاد البلاد والاحوال الاجتماعية للمواطنين الذي بات أغلبهم يعيش على شفى المجاعة كما تذهب تقارير المنظمات الدولية،فطبقا لتقرير المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- ربيع 2016[1]التابع للبنك الدولي، أصيب النسيج الاقتصادي والاجتماعي في البلاد بالشلل بعد عام من الصراع. فقد انكمش الاقتصاد انكماشا حادا. وتشير التقارير الرسمية إلى انكماش إجمالي الناتج المحلي في عام 2015 بنسبة 28 في المائة تقريبا، وأدى الصراع المتصاعد منذ مارس/آذار 2015م إلى تعطُّل الأنشطة الاقتصادية وتدمير البنية التحتية على نطاق واسع. ومنذ الربع الثاني من عام 2015م، توقفت صادرات النفط والغاز. كما انكمشت الواردات، باستثناء المنتجات الغذائية ومنتجات الطاقة الحيوية، وبلغ معدل التضخم السنوي حوالي 30 في المائة عام 2015م ويُتوقع زيادته بصورة أكبر مع استمرار ضعف أداء المالية العامة.لقد باتت البلد على شفى مجاعة حقيقية، إذ أعلن برنامج الأغذية التابع للأمم المتحدة، أن نحو نصف الشعب اليمني يعاني من الجوع، مشيراً إلى أنه سيزيد المعونات الغذائية لهذا البلد الفقير، وأشار البرنامج إلى أن أكثر من عشرة ملايين من سكان اليمن، البالغ عددهم نحو 25 مليونا، يعانون إما من نقص شديد في الأمن الغذائي، أو أنهم يقتربون من الاحتياج إلى تلك المساعدات.

والحقيقة أننا عند الحديث عن البنية الاجتماعية والفروقات الطبقية والاقتصادية في هذا البلد الذي توحد العام 1990م نكاد نتحدث في بعض المستويات عن بنيتين على الاقل حتى بداية تسعينات القرن الماضي، اذ ان الوحدة كانت قد قامت بين شطرين يكادا يكونا على طرفي نقيض من حيث الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وان كان يجمع بينهما الفقر والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، فبينما كان اقتصاد الشمال يعتمد السوق الحرة ويحظى  برعاية ودعم المملكة السعودية وبلدان الخليج كما يعتمد على تحويلات المغتربين، كان النظام في الجنوب نظام تخطيط مركزي وكانت الملكية العامة للدولة تشمل كل قطاعات الانتاج وكما كانت المشغل الرئيسي للسكان، ولعل احد الاسباب المسكوت عنها لما عرف بالقضية الجنوبية تعود الى تصفية القطاع العام في الجنوب بعد حرب 94 مما عمق من البطالة والفقر والتهميش حتى وصلت نسبة البطالة بين الشباب في عدن الى اكثر من خمسين بالمائة قبيل الحراك الثوري الاخير.

  اليمن التي طبقت سياسية التعديل الهيكلي منذ منتصف التسعينات وقامت بتعويم العملة في نفس الوقت مع ازدياد اعتمادها على الريع الناتج من البترول ومؤخرا الغاز – قبل ان يتوقف تصدريهما بفعل الحرب – كانت قد شهدت رسوخ هيمنة برجوازية تجارية مرتبطة برأس السلطة ، حيث تركزت كل المشاريع في أيدي أسر تجارية محدودة جميعها مرتبطة بهذا القدر او ذاك بالنظام – أشارت لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة الى ان ثروة صالح تبلغ ستين مليار دولار تديرها خمس اسر تجارية يمنية !!– ولعل احد المسائل التي تفسر حجم الانشقاق الذي اصاب الطبقة الحاكمة في اليمن تعود الى زيادة الصراع على المشاريع العمومية والريع في بلد فقير لا يبدو انه قادر على تلبية حاجات الاطراف المختلفة لهذه الطبقة.

 ويمكن دراسة الفروق الاجتماعية والطبقية في اليمن على عدة مستويات تعكس الطابع الانقسامي للبلد

- الفروقات بين الريف والحضر: في بلد لا يزال ثلاثة اربع سكانه يعيشون في الريف الذي تكاد تنعدم فيه الخدمات الاساسية

- القضية الجنوبية: حيث تتسم الحالة الاقتصادية والاجتماعية في الجنوب بوضعية خاصة تعود الى طبيعة الاقتصاد الاشتراكي الذي كان سائدا هناك قبل الوحدة

- تأثير التعديلات الهيكلية وبرامج الاصلاح الاقتصادي على زيادة الفروقات الاجتماعية والطبقية

الريف، الحضر والقبيلة

لا يزال الاغلبية العظمى من السكان في الجمهورية اليمنية يعيشون في الريف، ورغم  التحولات الهامة في نسبة سكان المناطق الحضرية مقارنة بسكان المناطق الريفية، بين تعداد السكان الذي تم اجراءه في العام 1994م والتعداد العام للسكان والمساكن الاخير والذي تم اجراءه في العام 2004م، وتمثل هذا التحول في نمو سكان الحضر، حيث تشير نتائج تعداد1994م أن نسبة سكان الحضر كانت (23,5%) بينما ارتفعت هذه النسبة لتصل عام2004م إلى حوالي (28,64%)[2]، ومع الاخذ في الاعتبار الزيادة المحققة في سكان المدن منذ هذا الاحصاء، يظل سكان المدن هم الاقل وبما لا يزيد عن ثلث السكان، واذا كان الدارج اعطاء اهمية كبيرة لتحليل واقع الانتشار القبلي في اليمن، في الوقت الذي لا يزيد أنتشار القبائل عن 20% في المائة من السكان، ولا يوجد من يمكن عدهم ضمن البدو الرحل إلا بنسبة تصل الى 3% بالمائة، ان الأهمية الكبيرة التي تأخذها القلبية في اليمن لا تعود الى حجم القبيلة وانتشارها السكاني بقدر ما تعود الى طبيعة النظام السياسي الذي تشكل في اليمن الشمالي منذ ثورة 26 سبتمبر العام 1962م واليمن بشكل عام منذ قيام دولة الوحدة في مايو العام 1990م وخصوصا منذ انتصار علي عبدالله صالح وحلفائه القبليين والعسكريين في حرب صيف العام 1994م.

وعلى عكس الانطباعات السائدة فأن الطابع الغالب على المناطق القبلية هو الطابع الفلاحي حيث يعمل أغلب السكان القبليين في الزراعة أضافة الى اشتغال نسبة  معتبرة منهم في قطاعات الدولة خصوصا العسكرية والامنية –وهذا يفسر جانبا من قدرة تحالف نظام علي عبدالله صالح والحركة الحوثية في تعبئة قطاعات من الأوساط القبلية في المناطق الشمالية والتي كانت قد انخرطت بنسبة كبيرة في ثورة فبراير 2011م، فالاقتراحات الرئيسية التي خرج بها مؤتمر الحوار الوطني أضافة الى تركيزها على مشكلة الجنوب واتجاهها الى اقرار الفيدرالية وتأمين نصف الوظائف الرئيسية للجنوبيين اللذين يشكلون 20% من السكان واقرار اصلاح الجيش وجهاز الأمن، تلك الاقتراحات والإصلاحات قدمها نظام علي عبدالله صالح والحركة الحوثية باعتبارها استهداف لمصدر الدخل الرئيسي للمنطقة القبلية التي يعمل أبنائها في قطاعات الجيش والامن لضعف التعليم وأسباب تاريخية مختلفة، ولقد ساعد وجود توجهات مناطقية وشعارات جهوية وطائفية في بعض القطاعات المحسوبة على ثورة فبراير في تنفير سكان المنطقة القبلية الشمالية وتسهيل مهمة صالح والحوثي في الحشد والتعبئة على أساس جهوي وقبلي وطائفي– لقد كان النظام السياسي الذي تشكل منذ الثورة اليمنية في الستينيات وخصوصا منذ انقلاب حركة 5 نوفمبر 1967م نظاما قائما على ثلاثة أضلاع هي القبيلة والجيش والرئاسة فيما لعب الاسلاميون خصوصا الاخوان المسلمون دور الجهاز الايديولوجي للنظام – لم يظهر التباين بينهم وبين الاسلام السياسي الزيدي والذي تعتبر الحركة الحوثية اليوم أحد تعبيراته إلا بعد الثورة الاسلامية في ايران العام 1979 وخصوصا منذ العام 1986م والذي شهد اول محاولاته لتنظيم العلاقة مع الجمهورية الاسلامية والتمايز عن بقية الحركة الاسلامية التي كانت حتى ذلك الوقت ترى في نظام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب والحزب الاشتراكي اليمني وتكوينات اليسار المختلفة في الشمال خصوصا الجبهة الوطنية الديمقراطية العدو الرئيسي -.

يتركز الاستثمار وتتركز التنمية حتى بمستوياتها الضعيفة في خمس مدن كبرى وخصوصا العاصمة صنعاء، وفيها تتركز أغلب الخدمات بما فيها الخدمات الصحية والتعليمية ، بل وحتى أغلب الصناعات التحويلية الناشئة وأغلب الصناعات غير البترولية رغم بعدها عن السواحل وارتفاعها في جبال الهضبة الوسطى وندرة الموارد المائية فيها، ولقد أثار استغراب اكثر من خبير دولي وعربي وعن حق استدبار التنمية للبحار وتولية وجهها الجبال !!، يعكس ذلك الطابع المركزي للتنمية ونشوء طبقة برجوازية تتكون أساسا من كبار موظفي الدولة عسكريين ومدنيين ومشايخ القبائل الذين اصبحوا من سكان المدن خصوصا العاصمة واللذين منذ الثمانينات تحولوا الى تجار ومتمولين ومستثمرين أضافة الى طبقة البرجوازية التجارية التي تعززت مكانتها من خلال اقامة علاقة عضوية بالسلطة ورأسها علي عبدالله صالح وعائلته، فبالإضافة الى أشكال الشراكة المختلفة التي كونتها مع رجال السلطة والنظام والعسكر ومشايخ القبائل، كانت السنوات الاخيرة قد شهدت عديد الزيجات المختلطة بين البرجوازية التجارية وبين طبقة السلطة خصوصا عائلة الرئيس علي عبدالله صالح وعائلة الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر رئيس البرلمان ورئيس حزب التجمع اليمني للإصلاح – تجمع للإخوان المسلمون ومشايخ القبائل والتجار – واذا كان ذلك يعكس طبيعة الثقافة الاجتماعية السائدة والتي تميل لتعزيز علاقات المصلحة وحمايتها بعلاقات النسب والمصاهرة والدم، فأنها ايضا تعكس المستوى المتقدم الذي بلغته طبيعة زواج المصلحة بين الطبقة السياسية وبين الطبقة التجارية، ولعل هذا يفسر جانبا من أسباب انحياز طبقة البرجوازية التجارية شبه المطلق لنظام علي عبدالله صالح والحركة الحوثية في الصراع الذي تشهده اليمن حاليا، أضافة طبعا الى أنها ترى في جزء من المعسكر الاخر وخصوصا الجنرال علي محسن الاحمر نائب الرئيس اليمني وأولاد الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر ومجموعة تجار تجمع الإصلاح منافسين أكيدين وفي انتصارهم قضاء على كل فرصها في ظل نظام اقتصادي مافيوزي تحدد فيه مكانة كل عائلة تجارية أساسا بمدى قربها ووثاقة صلتها برئيس النظام وبالنظام بشكل عام.

تتركز الخدمات والوظائف في خمس مدن (صنعاء، عدن، تعز، الحديدة والمكلا ) وحتى مع ضعف الخدمات والبنية التحتية، لا يمكن مقارنتها بالأرياف حيث يعيش الأغلبية الساحقة من المواطنين اليمنيين وحيث تكاد تنعدم الخدمات الطبية، وتنخفض مستويات الخدمات التعليمية فرغم توسع المدارس وانتشارها فأنها تعاني من ضعف الامكانيات ونقص الكادر التعليمي، ولعل طبيعة التشتت السكاني الذي تعاني منه اليمن، فاليمنيين يتوزعون على اكثر من مائة وثلاثون الف تجمع سكاني يجعل امكانية تقديم هذه الخدمات أكثر صعوبة، والى ذلك فأن خدمات الكهرباء العمومية و توصيلات المياه الصحية ضعيفة جدا في الارياف وتكاد كثير من المناطق تعتمد على مشاريع أهلية في ظل غياب الخدمات العامة – شهدت الخدمات العامة خصوصا الكهرباء انهيار شبه كامل في ظل وبسبب الحرب التي تفجرت في البلاد منذ مارس العام الماضي وكانت قد شهدت تدهورا منذ انطلاق احداث الثورة في 11 نوفمبر العام 2011م -.

وعلى الرغم من ان النظام السياسي الذي تشكل منذ 5 فبراير 1967م والذي يعد بمعنى ما استمرارا لنظام الإمامة الذي قامت عليه ثورة 26 سبتمبر 1962م، لجهة تركز السلطة في نفس المنطقة الجغرافية – المنطقة الشمالية القبلية – والذي بدى وكأنه نظام الإمامة نفسه لكن من دون إمام، مع استبدال الزعامة الروحية التي كانت محصورة في بضع أسر هاشمية تداولت على السلطة لفترات مختلفة ومتقطعة بالسلطة الاجتماعية للمشايخ، ورغم انتماء أغلب رجال السلطة والجيش والمشايخ الى هذه المنطقة بالذات، ظلت المنطقة الشمالية القبلية هي الأفقر في الجمهورية اليمنية، حيث البطالة والتهميش والفقر، وحتى بالنسبة لأولئك الذين وظفوا في الأجهزة العسكرية والأمنية وأجهزة الدولة، ويمكن اعتبار ابناء هذه المناطق أضافة الى سكان تهامة هم الافقر والاكثر تهميشا حتى على مستوى الأرياف اليمنية.

وطبعا من الممكن تسجيل ملاحظات عن الفوارق الاجتماعية التي يعرفها الريف اليمني أن لجهة الطبيعة المناخية وطبيعة المنتجات الزراعية فوضع المناطق التي تزرع القات عموما افضل على الرغم من استهلاكه الجائر للماء فالقات سلعة نقدية ويمكن اعتبار زراعته وحارسته وتسويقه المشغل الاول للسكان في البلد  ويساهم في اعادة توزيع الدخل داخل البلد واعادة ضخها في الارياف، او لجهة وضع المرأة، فالريف الذي يتميز بظاهرة وجود نسبة مرتفعة من الهجرة الداخلية والخارجية والتي هي بطبيعتها ذات طبيعة ذكورية، فإلى كون النساء يشكلن مع الاطفال العدد الاكبر من سكان المناطق الريفية، فأن اغلب الاعمال المنزلية والزراعية والمهام العائلية تقع على عاتقهن وفي غالب الاحيان يتم ذلك في غياب الرجل والذي يكون اما مهاجر في السعودية والخليج مثل مئات الالاف من اليمنيين او مهاجر في احدى المدن عاملا او موظفا صغيرا او جنديا في الجيش يزور عائلته على فترات متباعدة.    

شمال، جنوب: القضية الجنوبية

كان واضحا من البداية أنّ الثورة في اليمن وإن كانت تتقاسم نفس المهام مع باقي الثورات العربية والتي انطلقت من تونس لإسقاط الانظمة الاستبدادية وخيارتها الاقتصادية الاجتماعية وتأسيس نظام جديد قائم على المواطنة والحرية وببرنامج اقتصادي واجتماعي يعبر عن مصالح الفئات الشعبية الغارقة في الفقر والبطالة والتهميش، فإنّها بالإضافةالى ذلك كان عليها حل مسألة الهوية الوطنية والتي كانت حروب صعدة منذ 2004م وخصوصا الحراك الجنوبي منذ 2007م تعبيرها  الأبرز، والتي كانت تُبرز أساسا فشل الدولة في تحقيق الاندماج الوطني وصعود الهويّات قبل الوطنية، وكانت المشكلة الجنوبية هي الأكثر عمقا نتيجة وحدة حديثة أقيمت على عجل وارتجال وسوء تخطيط وتنفيذ، ولم يمر عليها سوى25 عاما، والدولة الحديثة التي نشأت بين نظامين مختلفين عام 90 من القرن الماضي سرعان ما دخلت في أزمة عميقة تدهورت إلى حرب شاملة بعد أقل من أربع سنوات على قيامها، انتهت بانتصار نظام علي صالح المتحدّر من الشمال والإسلاميين وقوى تقليدية تمثل المشايخ وقبائل مختلفة، في بلد لا تشكل الوحدة فيه سوى استثناء، فالدولة بحدود عام 90 لم تتحقق منذ 270 سنة تقريبا.

ولعل من ابرز الاسباب التي يجري إغفال الحديث عنها عند السعي لفهم القضية الجنوبية هي الاسباب المتعلقة بالاقتصاد والسياسات الاقتصادية، فعلى الرغم من تشابه وتقارب المستوى الاقتصادي لكل من الجمهورية العربية اليمنية (الشمال) وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الجنوب)،فأنهما يكادا يكونا نظامين مختلفين تماما على المستوى الاقتصادي، فبينما كان الشمال حتى لو توفر على قطاع عام كبير وكانت الدولة – حتى في سياق التنافس مع نظام الجنوب الاشتراكي الذي دخلت معه في صراع من اول ايام نشؤه – توفر الخدمات التعليمية والصحية بمستوى معين بشكل مجاني، كان الشمال قد أعتمد نظام السوق وكانت خيارته الاجتماعية والاقتصادية تتم في وفق هذا الخيار اولا واخيرا، وشهدت البلاد بروز طبقة تجارية قوية حتى وان كانت متداخلة مع الدولة وحتى لو بقت في موقع التابع للقوى القبلية والعسكرية، وكان بعضا من هذه البرجوازية التجارية يتحدر من العائلات التجارية التي هربت او اضطرت لمغادرة مدينة عدن في الجنوب مع بروز السياسات الاشتراكية وموجات التأميم المتلاحقة ما يفسر بمستوى معين طبيعتها المحافظة والمعادية لنظام الحزب في عدن، واذا كان النظام الاقتصادي في الشمال قد حافظ على الكثير من سمات نظام الإمامة الاقتصادي خصوصا لسيادة طابع اقطاعي في تملك الاراضي فلم تعرف اليمن الشمالية أي شكل من اشكال الاصلاح الزراعي إلا انه سمح بتوسع القطاعات التجارية، لقد أتسم اقتصاد الشمال بالارتباط  بالشركات الاحتكارية وبالاقتصاد السعودي ما كان يسميه محمد عبدالسلام بالتبعية المزدوجة[3]، وكان لدخول اليمن الشمالي عصر النفط – الاكتشاف عام 1984م والتصدير العام 1986م وفي فترة متقاربة مع اكتشاف وتصدير النفط في الجنوب - وان كمنتج صغير مناسبة لزيادة رسوخ الطابع الريعي للدولة التي كانت حتى عام 1990م عام تحقيق الوحدة تعتمد بشكل كبير على المساعدات الخليجية.  

بينما كان النظام الذي تشكل في جنوب اليمن – جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية التي تحولت الى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية– منذ الاستقلال عن الاستعمار البريطاني في ال 30 من نوفمبر 1967م قد أخذ بنظام التخطيط الاقتصادي، وداخل الصراعات المختلفة بين التيارات المتعددة للجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل  التي قادت الاستقلال ومن ثما اسست دولة الاستقلال الى وريثها وامتدادها الحزب الاشتراكي اليمني، أخذ الطابع (الاشتراكي) واليساري للنظام يزداد رسوخا وتحولت علاقته بالكتلة الشرقية و الدول الاشتراكية الى علاقة استراتيجية في كل المستويات السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية.

صحيح ان نظام الجبهة القومية كان قد ورث عن المستعمر البريطاني نظاما أدريا افضل مما كان متوفرا في الشمال، وصحيح ان عدن كانت تعد اذا قورنت ببقية مدن الجزيرة العربية في ذلك الوقت، مدينة عصرية، تحولت عدن في الاربعينيات والخمسينيات الى ميناء تجاري مهم وواحد من انشط الموانئ على مستوى العالم، لكن الحال بقى خارج مدينة عدن فيما عرف بالمحميات الشرقية والمحميات الغربية لاحقا، والتي شكلت ما عرف حينها بالجنوب العربي على حاله ولم يكن يختلف كثيرا عن الوضع في اليمن الشمالي، والاسوأ ان نظام الجبهة القومية استلم الحكم من المستعمر البريطاني على اثر هزيمة 5 حزيران 1967م والتي كانت من ضمن نتائجها اقفال قناة السويس، ما اصاب اقتصاد المستعمرة حينها عدن بضربة قاصمة فالاقتصاد كله تقريبا كان يدور حول الميناء، واغلاق قناة السويس يلغي كل ميزة للميناء الذي كانت تمر به السفن من اسيا الى اوروبا والعكس مرورا بقناة السويس.

تأسس النظام الجديد أذن بشعارات وبرامج اشتراكية لحزب هو في الاساس وريث لحركة تحرر وطني لا نقابات عمالية وفي بلد فقير يغلب عليه الانتاج الزراعي ولا تشكل فيه الطبقة العمالية سوى جزء صغير من العاملين وقوة العمل، وفي بلد يعاني من شمول الفقر والتهميش وانعدام البنية التحتية اذا استثنينا مدينة عدن، وبدأ النظام الجديد بتأميم القطاعات الرئيسة وتوسع في برنامج التأميم الذي شمل كافة القطاعات، وتمكن النظام الثوري حينها من دمج 25 سلطنة ومشيخة في دولة مركزية واحدة عاصمتها عدن، وعلى عكس النظام الذي تكون في الشمال سعى نظام عدن الى ازالة كل أشكال الانتماءات والحدود القبلية في الجنوب حتى أنه استبدل اسماء المحافظات ووضع بدلها ارقاما وقام بإلغاء الالقاب وحذفها من الوثائق الشخصية، واستبعد الزعامات القبلية تماما وكان زعماء المشيخات والسلطنات وكذا زعماء جبهة التحرير اللذين خسروا الحرب الأهلية قد غادروا الجنوب الى الجمهورية العربية اليمنية وأغلبهم توجه الى المملكة العربية السعودية وبقية أمارات الخليج.

لقد سعى نظام دولة الاستقلال في الجنوب الى اقامة نظام اقتصادي وطني مركزي يعتمد على التخطيط والملكية العامة عبر قطاع الدولة والقطاع العام، وباتت الدولة هي المشغل الرئيسي للسكان، شملت التأميمات كل القطاعات الصناعية والخدمية كما تم المضي في برنامج اصلاح زراعي متشدد وباتت الكثير من الاراضي الزراعية مملوكة للدولة تديرها اما عبر جمعيات زراعية للفلاحين او مزارع حكومية، وشملت التأميمات في احيان كثيرة حتى محلات البيع الصغيرة وقوارب الصيد وانشئت للصيادين جمعيات للصيد البحري وتعاونيات ولعل قطاع الصيد البحري كان من انجح القطاعات الحكومية اذا كان واحد من اكبر مصادر العملة الصعبة واكبر قطاع في الصادرات قبل ظهور النفط، أممت الدولة كل شيء تقريبا و اعتمدت الى حد كبير على مساعدات الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، خصوصا مع الحرب الاقتصادية التي حاولت من خلالها السعودية ودول الخليج والشمال محاصرة النظام الجديد والتي كان على رأسها محاولة استقطاب الخريجين من اليمن الجنوبي وتقديم الاغراءات المتعلقة بالشغل وسهولة الحصول على الاقامة والجنسية، وهو الامر الطبيعي فقد كان النظام في الجنوب متورطا بدعم كل حركات التحرر والمعارضة الناشئة وقتها في كل الجزيرة العربية، وفي نفس الوقت كانت قد جعلت كل الخدمات الاساسية مجانية ومتاحة لجميع المواطنين وعلى رأسها التعليم والصحة، كما ضمنت الدولة الوظيفة لجميع الموطنين بلا استثناء وكان جميع الخريجين يحصلون على وظائفهم بعد انتظار لوقت محدود وبسيط، وبالمقابل كان النظام يضع عقبات وتعقيدات في سفر المواطنين للخارج وهو البلد المحدود ديمغرافيا وفي محاولة للتصدي لإغراءات البلدان الخليجية الساعية لإفراغ البلد من كفاءاته المحدودة.

ورغم كل الصعوبات الذي عاني منها الاقتصاد في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وحتى بعد احداث 13 يناير 1986م الدموية والتي رغم خلفياتها السياسية اخذت بعد الاصطفاف الجهوي والقبلي الذي حاول النظام تجاوزه، ورغم تراجع الدعم من الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الاشتراكية قبل سقوط المعسكر الاشتراكي بقت الدولة في الجنوب محافظة على طبيعة الاقتصاد وبقت ملتزمة بكافة الخدمات الاجتماعية، وحتى مشروع برنامج الإصلاح الشامل الذي اقره الحزب بعد احداث 13 يناير 1986م لم يغير من طبيعة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وطبعا ساهمت احداث 13 يناير بتوجيه ضربة كبيرة لمشروع الحزب الاشتراكي اليمني وشرعيته في الجنوب، رغم عدم وجود معارضة جدية للنظام وعدم تمتع معارضيه بأي  حيثية شعبية اذا استثنيا قسم الحزب المهزوم في الاحداث والذي فر كوادره والالاف من عناصره مع رئيس الدولة وامين عام الحزب علي ناصر محمد الى الشمال.

تلك كانت الظروف التي دخل فيها الشطر الجنوبي من اليمن الى دولة الوحدة في 22 مايو 1990م، في وحدة تم التخطيط والاعداد له بشكل سيء، وتم اختزال المرحلة الانتقالية، والقول بأن كلا النظامين كان يهرب الى الامام بالدخول في مشروع الوحدة لا ينقصه الوجاهة ابدا، ونظرا لطبيعة النظام السائد في الجنوب والذي كانت فيه الدولة هي المشغل الرئيسي للسكان فلقد كان عدد الموظفين اللذين يتشكل منهم جهاز الخدمة المدنية في جمهورية اليمن الديمقراطية يساوي ضعف عدد الموظفين في الشمال، رغم ان عدد سكان الجنوب كان يقل قليلا عن 20% من سكان الجمهورية اليمنية التي ستتشكل من اندماج الدولتين الشطريتين السابقتين، واضافة الى ذلك كان النظام في الجنوب قد قام بتأميم كل وسائل الانتاج وحولها الى ملكية عامة وفي المقابل كانت الدولة مسؤولة عن الرعاية الاجتماعية لعموم الموطنين و توفير فرص الشغل.

وبعد شهر عسل قصير تدهورت الامور بين شركاء الدولة الجديدة، وبدأت سلسلة من الاغتيالات واعمال العنف الموجهة نحو قيادات الحزب خصوصا الوسطى في المناطق الشمالية وأدت الى تصفية 156 قياديا حزبيا، وعشرات المحاولات الفاشلة التي استهدف بعضها كبار مسؤولي الحزب من أمثال د. ياسين سعيد نعمان رئيس مجلس النواب والذي قصفت غرفة نومة بصاروخ، وحيدر العطاس رئيس الوزراء غير انهما نجا من تلك المحاولات، ورغم فوز الحزب الاشتراكي اليمني بالأغلبية الساحقة من دوائر الانتخابات في الجنوب اذا فاز ب54 دائرة انتخابية من اصل عدد الدوائر ال56 في اول انتخابات اجريت بعد الوحدة في ابريل 1993م الا انه حل بالمركز الثالث على المستوى الوطني العام رغم الاصوات الكثيرة التي تحصل عليها في الشمال بسبب تشتتها في الدوائر الكثيرة، تاركا المكان الثاني للحزب الاسلامي التجمع اليمني للإصلاح حليف الرئيس علي عبدالله صالح وحزبه المؤتمر الشعبي العام، الوضع الجديد وتحول الحزب الاشتراكي الى الشريك الصغير في التحالف الحاكم الذي اصبح ثلاثيا بعد دخول التجمع اليمني للإصلاح واستمرار عمليات الاغتيال لقيادته وكوادره، سرع بالتدهور الشامل نحو الحرب التي اندلعت بعد عام من الانتخابات بعد ازمة سياسية طويلة ابتدأت باعتكاف نائب الرئيس وامين عام الحزب الاشتراكي اليمني علي سالم البيض الذي حمل الرئيس علي عبدالله صالح وحزبه واجهزته والتجمع اليمني للإصلاح مسؤولية الاغتيالات وبدأ بالمطالبة بضمانات دستورية وقانونية تؤمن للجنوب وضع الشريك الكامل في دولة الوحدة، الازمة التي نتج عنها حوارا ووثيقة للحل عرفت بوثيقة العهد والاتفاق وقع عليها في العاصمة الاردنية عمان وكانت تتضمن مستوى معين من الفيدرالية الادارية والسياسية وصلاحيات اكثر لمنصب نائب الرئيس، وما لبثت الحرب ان اندلعت اياما قلائل بعد توقيع الوثيقة، وكان من الواضح الاستعداد الطويل للحرب من جانب علي عبدالله صالح وحلفائه الاسلاميين والقبائل، بينما كان الحزب الاشتراكي والجنوب ابعد ما يكون عن الجهازية للحرب خصوصا ان اثار حرب احداث 13 يناير 1986م التي انقسم فيها الجيش والحزب كانت لاتزال مؤثرة اذا استخدم علي عبدالله صالح جناح علي ناصر محمد لتسهيل اجتياح الجنوب الذي تم خلال شهرين وانتهى بسقوط مدينة عدن ومغادرة علي  سالم البيض الى سلطنة عمان.

وكما ذكرنا ان الحزب الاشتراكي اليمني كان قد قام بتأميم كل أدوات الانتاج في الجنوب لمصلحة قطاع عام وملكية عامة، وخلال ثلاثة اعوام وانتهاء الحرب بهزيمة الحزب ومغادرته للسلطة وجد ملايين الناس الذين كانوا تقريبا يفتقدون للملكية الخاصة ويعتمدون في حياتهم بدرجة كبيرة على الدولة وعلى القطاع العام أنفسهم امام وضع جديد عليهم، واضافة الى غياب من يمثلهم سياسيا سيباشر النظام الجديد سلسلة من التسريحات العامة لعشرات الالاف من الجنود والضابط المحسوبين على جيش اليمن الديمقراطية سابقا، وكذا احالة عشرات الالاف من موظفي جهاز الخدمة المدنية اما للتقاعد المبكر او لما سمي بالفائض، كما واصل برنامج خصخصة المؤسسات العامة والمصانع والشركات ومزارع الدولة، واذا كانت الكثير من المباني العامة والاراضي الزراعية قد وجدت طريقها لتصبح ضمن ملكيات رجال نظام علي عبدالله صالح وحلفائه الاسلاميين في التجمع اليمني للإصلاح بمبالغ رمزية او حتى بدون مقابل، واذا كان المنتفعين من خصخصة المؤسسات والمصانع والشركات العامة من البرجوازية التجارية او رجال السلطة والجيش ومشايخ القبائل ينتمون في الواقع للشمال والجنوب، فأنهم في اعين مجتمع كامل رأى ملكيته العامة الذي بنائها في عشرات السنين تصبح في ملكية افراد وعائلات معدودة، كانوا ينتمون لعلي عبدالله صالح والشمال في نفس الوقت.

لم يكن غريبا اذن ان تكون اول الخطوات التي ستنتج ما سيعرف لاحقا بالحراك الجنوبي والذي بدأ بمطالب حقوقية وانتهت اغلب اطرافه بالمطالبة بفك الارتباط والانفصال واستعادة الدولة – مرة تحت اسم الجنوب العربي او تحت اسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية – في ما عرف باسم جمعيات العسكريين المتقاعدين قسريا والذين نفذوا عديد الاحتجاجات والاعتصامات في عدن والضالع، فلقد كانوا من اكثر الشرائح تضررا من اجراءات نظام علي صالح وشركائه.

 تأثير التعديلات الهيكلية وبرامج الاصلاح الاقتصادي على زيادة الفروقات الاجتماعية والطبقية

كان الاقتصاد اليمني قد تلقى الصدمة الاولى في عام تحقيق الوحدة 1990م بسبب قيام حرب الخليج الثانية أثر اجتياح القوات العراقية للكويت في 3 اغسطس 1990م بعد اقل من ثلاثة اشهر من اعلان قيام الوحدة في 22 مايو من نفس العام، كان نظام الجمهورية العربية اليمنية يعتمد على مساعدات بلدان الخليج خصوصا السعودية والتي تلقت بشيء من عدم الارتياح خبر اعلان الوحدة مع الجنوب ونظامه الذي كان على رأس قائمة اعدائها لثلاثين سنة خلت، كما كان دعم المعسكر الاشتراكي لنظام الجنوب بصدد التلاشي وكانت بلدان المعسكر الشرقي قد بدأت في التساقط فعلا في ذلك الوقت، ومثلما كان من المنتظر ان تتقلص المساعدات الخليجية اثر قيام الوحدة كان من المنتظر ايضا ان يؤدي دمج أمكانيات الدولتين الشطريتين  السابقتين و الزيادة في أنتاج النفط الذي بدأ انتاجه في كلا الشطرين في الفترة السابقة على قيام الوحدة، كان من المنتظر ان يؤدي ذلك زيادة قدرة الحكومة الجديدة -والتي تقاسماها النظامين السابقين بالتساوي- على التعامل مع أزمة الاقتصاد في البلد الفقير بطابع اقتصاده الريعي والمعتمد على المساعدات، لكن موقف اليمن الذي ظهر داعما للنظام العراقي في غزو الكويت خصوصا مع رفض اليمن في جامعة الدول العربية وخصوصا في مجلس الامن الحرب على العراق، أدى الى شبه قطيعة بين الحكومة اليمنية الجديدة في الدولة الناشئة وبين حكومات بلدان الخليج، ولم يتوقف الامر عند ايقاف المساعدات والقروض بشكل كامل، فالضرر الأكبر تمثل في طرد المملكة السعودية بشكل خاص لمئات الالاف من العمال والمغتربين كانت تحويلاتهم تشكل المصدر الاول للعملة الصعبة في البلاد وكانوا يعيلون مئات الالاف من الاسر.

وبعد أزمة سياسية طويلة شهدت البلاد خلالها أول موجة احتجاج شعبيي ضد الفساد وغلاء المعيشي وتدهور الحياة المعيشة في التاسع والعاشر من ديسمبر 1992م وعلى أثر رفع الحكومة للدعم عن المشتقات النفطية، وكانت أشد تلك الاحتجاجات قد شهدتها الى جانب العاصمة صنعاء مدينة تعز التي سقط فيها العشرات من القتلى والجراحي، وتميز قمع السلطات لتلك الاحتجاجات بالعنف الشديد وتم انزال الجيش اضافة الى قوات شبه عسكرية –الأمن المركزي-  يديرها شقيق الرئيس اليمني محمد عبدالله صالح، اعتبرت السلطات ان الحزب الاشتراكي اليمني مسؤولا عن تلك الاحداث، والارجح ان قيادات وسطى في الحزب خصوصا في تعز والحديدة كانت مساهمة فعلا في تنظيم تلك الاحتجاجات.

كلفت حرب صيف 1994م الاقتصاد اليمني خسائر تجاوزت الاحدى عشر  مليار دولار، وتدهور الاقتصاد اليمني والمالية العامة للدولة حتى وصل عجز الموازنة العامة إلى مستويات قياسية (16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي) مع تزايد معدلات التضخم لتصل إلى 70 في المائة، وفي تلك الظروف بالذات بدأت الحكومة-التي أصبحت ثنائية ومكونة من حزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح بعد اخراج الشريك الجنوبي الحزب الاشتراكي اليمني بالحرب- بتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وخلال وقت قصير كانت الحكومة قد قامت بالتحرير الكلي للعملة الوطنية الريال بحيث اصبح خاضعا لآليات السوق في تحديد قيمته، فاصبح الدولار الامريكي الواحد يساوي مائة ريال يمني بعد ان كان يساوي خمسين ريال تقريبا، رفعت الحكومة الدعم بشكل كلي عن الارز والحليب والسكر، وزادت أسعار المشتقات النفطية بنسب تتراوح بين 60% للغاز و100% للبنزين في المرحلة الاولى العام 1996م[4]، والحقت ذلك بزيادة أخرى في اسعار المشتقات النفطة بلغت 200% العام 1998م، ولقد شهدت البلاد على اثر تلك الزيادات احتجاجات شعبية واسعة خصوصا في العاصمة وتميزت بمشاركة واسعة في المناطق القبلية الزراعية بسبب الزيادة الكبيرة في اسعار الكيروسين الذي يستخدمه المزارعون في استخراج المياه – خفضت الحكومة الزيادة السعرية بنسبة 50% بالنسبة للكيروسين اثر قطع القبائل للعديد من الطرقات الرئيسية وبالمقابل استعملت عنف شديد للسيطرة على الاحتجاجات في العاصمة والمدن الاخرى ما نتج عنه عشرات القتلى والجرحى- .

واستمرت كل الحكومات المتتالية في تطبيق نفس السياسات –برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري- بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، لتشهد اليمن وعلى أثر جرعة سعرية –كما جرت العادة في اليمن في تسمية زيادة الأسعار- رفعت بموجبها أسعار المشتقات النفطية بنسب وصلت حتى 120%، لتشهد اليمن انتفاضة شعبية واسعة شملت اغلب ارجاء البلاد وتركزت خصوصا في العاصمة صنعاء يومي 20 و 21 يوليو 2005م، اضطر معها النظام لانزال الجيش واستخدم حتى الدروع والدبابات وطائرات الهليكوبتر لاستعادة السيطرة على وسط العاصمة التي أحتلتها الجماهير الغاضبة.

وكانت الحكومة قد باشرت بزيادات مختلفة في اسعار السلع الضرورية والمشتقات النفطية وبنسب اقل خلال كل تلك المراحل، ولطالما شهدت البلاد تحركات احتجاجية بأحجام مختلفة على تلك الزيادات السعرية وعلى تدهور المعيشة والغلاء والبطالة والتهميش ، ولعل من سخريات القدر ان الزيادات الكبيرة في اسعار مشتقات البترول والتي قامت بها حكومة باسندوة والتي تشكلت بموجب المبادرة الخليجية اثر قيام الثورة الشعبية في 11 فبراير 2011م بالمناصفة بين نظام علي عبدالله صالح وبين المعارضة الممثلة في اللقاء المشترك، والتي بلغت الزيادات بموجب قرارتها حوالي 80% من اسعار المشتقات النفطية في ال 30 من يوليو 2014م، أقول من سخريات القدر ان هذه الزيادات في الاسعار التي لم ترافقها أي احتجاجات شعبية كبيرة –باستثناء مظاهرات للحوثيين وانصار صالح- كانت هي الحجة التي على أساسها قام الحوثيون وأنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح بالتجمع وحصار العاصمة صنعاء منذ أغسطس وحتى أسقاطها عسكريا بعد مقاومة محدودة- لانحياز قوات الجيش التي بقت تحت سيطرة علي عبدالله صالح للحوثيين- في ال 21 من سبتمبر 2014م.

كان التبرير الحكومي المعتاد لتلك السياسات الاقتصادية والسير في برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين، هو زيادة معدلات النمو والتخفيض من مستويات الدين العام وتقليص نسبة العجز في الموازنة العامة، وجرد حساب لنتائج تلك السياسات يدل بواضح على حجم الاخفاق التي وصلت اليه، ومدى الضرر الفادح الذي لحق بالأحوال المعيشية لغالبية الموطنين، ونقص نسب النمو وتدهور المالية العامة للدولة من خلال زيادة الدين العام وزيادة نسبة عجز الموازنة العامة، وزيادة الفقر و البطالة والتهميش، فإذا نظرنا مثلا إلى نسبة من هم تحت خط الفقر إلى إجمالي السكان، ففي حين بلغت في 2012 بعد الثورة وفقاً لصندوق النقد العربي 38%، فقد كانت وفقاً للمصدر ذاته 34.8% في عام 2005/2006 قبل الثورة بأعوام، مع ملاحظة أن تلك النسبة كانت 19.1% فقط في عام 1992م أي قبل الشروع في تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والاداري، ووصلت في عام 1998م إلى 40.1%. وبالإضافة لذلك فقد شهد اليمن تدهوراً في توزيع الدخل في العقد الأخير قبل الثورة، حيث ارتفعت قيمة معامل جيني من 33.4% في عام 1998، إلى 37.7% في عام 2005/2006 (صندوق النقد العربي)؛ وفي العام 2005، كان نصيب الـ 10% الأكثر ثراءً في اليمن 30% من إجمالي الدخل في البلاد، بينما كان نصيب الـ 10% الأكثر فقراً 3.3% فقط من إجمالي الدخل، وذلك وفقاً لبيانات البنك الدولي، وهو ما يعني المزيد من التشوهات وعدم المساواة في توزيع الدخل ما بين مواطني البلد، وعندما اندلعت الثورة في فبراير 2011م، كانت البطالة قد بلغت في العام نفسه 18%، ونسبة الأمية 34.7% (صندوق النقد العربي)، في حين كان متوسط نسبتها في الشرق الأوسط 20% في عام 2010.[5]

لا شك ان ظروف الحرب التي تشهدها اليمن منذ ما يقرب العامين وبعد خمس سنوات من انطلاق الثورة الشعبية في فبراير 2011م قد جعلت الاوضاع الاجتماعية والمعيشية أكثر صعوبة بكثير، فبالإضافة الى سقوط عشرات الالاف من القتلى والجرحى واضطرار ما يقرب من ثلاثة مليون مواطن مغادرة منازلهم في مناطق القتال، والى انهيار وتدمير البنية التحتية التي كانت ضعيفة حتى قبل الحرب، نشأ مع الحرب وبسببها اقتصاد حرب تلعب فيه مافيات السوق السوداء وزعماء الحرب والمليشيات المسلحة الدور الرئيسي، وبينما تجمع هذه العصابات الثروات الخيالية نتيجة الاتجار بالنفط والمواد الضرورية في السوق السوداء – يذهب جزء من عائدات هذه السوق بالتأكيد لتمويل حرب المليشيات التي تديره- أصبح أغلب المواطنين والسكان يعيشون تحت خط الفقر وعلى وشك المجاعة، واذا كانت الحرب هي اخر وسائل الطبقة المسيطرة للإبقاء على هيمنتها على البلاد ومقدراتها الاقتصادية، فأن نتائج هذه الحرب بالذات سترسم ولعقود طويلة قادمة لا شكل النظام السياسي للبلاد بل وطبيعة سياساته الاقتصادية والاجتماعية.

...............

دراسة ضمن كتاب بعنوان: الفجوات الاجتماعية والفوارق الطبقية في المنطقة العربية. صادر عن منتدى البدائل العربي للدراسات 2016

 

قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet

 


[2]- الجهاز المركزي للإحصاء، كتاب الاحصاء السنوي للعام 2004م ، قسم السكان ، http://www.cso-yemen.org/content.php?lng=arabic&id=286

[3]- الجمهورية بين السلطنة والقبيلة في اليمن الشمالي، شركة الامل، القاهرة، ص 149.

[4]- محمد علي المقبلي، سياسات برامج الإصلاحات الاقتصادية و آثارها على القطاع الزراعي في الدول النامية، جامعة الجزائر، ط1، 2012م، ص 240 وما بعدها

[5]- حسن سليمان، اقتصاد اليمن ..واقع مأزوم وأفق سياسي http://araa.sa/index.php?view=article&id=3408:2015-06-30-09-57-55&Itemid=534&option=com_content

قراءة 1306 مرات

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة