الشيباني: ما تعطل في اليمن هو السياسة والحل لا يأتي إلا من باب السياسة وبأدواتها مميز

  • الاشتراكي نت / الموقع بوست

الأحد, 21 نيسان/أبريل 2019 15:00
قيم الموضوع
(0 أصوات)


أكد السياسي والكاتب اليمني الشاعر محمد عبدالوهاب الشيباني أن ما تعطَّل في اليمن هو السياسة ذاتها، لهذا صارت الحرب عنوانا مؤلماً لهذا العطب، والحل عبر التاريخ لا يأتي إلا من باب السياسة وبأدواتها.

وأوضح في حوار مع "الموقع بوست" انه حتى يتقاتل الخصوم يتوجب عليهم أولا إعطاب دواليب السياسة، وإن أرادوا التسويات لجأوا إلى السياسة، التي هي في الأصل عملية تراكم  للتسويات الكابحة للعنف والفوضى، مؤكدا ان تعطيل السياسة وإعطاب دواليبها يعني إفساح الطريق لجماعات العنف للتقاتلولأن الأحزاب لا تمتلك أذرع ميليشاوية مسلحة فقد صارت تلقائيا خارج حسابات رعاة الحرب ومفاعيلها.

وتحدث خلال اللقاء عن أبعاد الصراع في اليمنبعد أربع سنوات من الحرب، وسلوك التحالف في إدارة المعركة وعلاقته بالحكومة الشرعية، وسيناريو تفتيت الجغرافيا كحصص على القوى المخرطة في الحرب، وثورة فبراير التي اسماها بالثورة المغدورة، وتأثير الحرب على المشهد الثقافي ودور المثقف في هذه اللحظة المصيرية وغيرها من المواضيع.

وفيما يلي نص اللقاء:

* في ظل تعطل الدبلوماسية وبروز مرحلة الصراع المسلح، ما مستقبل السياسة في اليمن، وبأي شكل قد يأتي الحل للمعضلة اليمنية؟

** الدبلوماسية واحدة من أدوات السياسة وخياراتها المتنوعة، وان كانت أكثرها نعومة وقبولا في الاستخدام لتفكيك ما تصلب من قضايا التنازع.

 ما تعطَّل في اليمن هو السياسة ذاتها، لهذا صارت الحرب عنوانا مؤلماً لهذا العطب، والحل عبر التاريخ لا يأتي إلا من باب السياسة وبأدواتها، إذا ما صعُب على أحد اطراف التقاتل من حسم حربه مع الطرف الاخر. باختصار حتى يتقاتل الخصوم يتوجب عليهم أولا إعطاب دواليب السياسة، وإن أرادوا التسويات لجأوا إلى السياسة، التي هي في الأصل عملية تراكم  للتسويات الكابحة للعنف والفوضى.

* كيف تنظر لواقع الأحزاب السياسية المدنية في ظل بروز الجماعات الأيديولوجية؟ وما مستقبل هذه الأحزاب؟ ولماذا طغت الإيديولوجيا في اليمن على المسار المدني؟

** كما أسلفت؛ تعطيل السياسة وإعطاب دواليبها يعني إفساح الطريق لجماعات العنف للتقاتل، ولأن الأحزاب المدنية كما تسميها لا تمتلك أذرع ميليشاوية مسلحة فقد صارت تلقائيا خارج حسابات رعاة الحرب ومفاعيلها، وهذا الحال ينطبق على حزب كبير وعريق مثل الاشتراكي و التنظيم الناصري وحزب البعث وبقية الأحزاب الصغيرة  التي بعثرتها سنوات الحرب.

منذ سنوات الوحدة الأولى عمل نظام صالح على إضعاف الحياة السياسية بإضعاف الاحزاب،  والإضعاف تم بتدمير حواملها المدنية التي تتقوى بالعملية السياسية وتراكماتها، وتالياً بتحويل قاداتها ورموزها إلى مُستنفعين وموالين، من جهة ثانية عمل ذات النظام على تعزيز دور المؤتمر الشعبي وحليفه التاريخي  حزب الاصلاح  في الحياة السياسية بعد حرب صيف 94 . تقوى هذان الحزبان واستقويا على الجميع، لكنهما حينما غرقا في الفساد والترهل حتى الأذنين سهُل على قوى خارجة من بنيتهما القبلية والدينية أن تزيحهما، وتشعل هذه الحرب الكارثية التي تدار على جميع اليمنيين.

الآن بعد أربعة أعوام حرب ما الذي تبقي في الساحة؟! بالتأكيد الذي تبقى هي القوى الأيديولوجيا العقائدية بمشغلاتها الدينية لا السياسية، التي هي في الأصل قادرة على استنبات أذرعها الميليشاوية العسكرية لإدارة حرب عبثية لا يكتوي بها غير الإنسان المقهور في هذه البلاد.

* كيف يمكن أن نفهم خذلان التحالف العربي للانتفاضات المحلية، كما حدث في حجور؟

** للتحالف أجندته الخاصة في البلاد، وإن شعاره الداعم للشرعية يجب إعادة قراءته وفحصه بعناية. اتضح أن التحالف يعمل على إنتاج توازن الضعف في البلاد؛ يُضعف الشرعية وحليفها الأكبر "حزب الاصلاح"، اذا إحس أن الحراك والحوثيين أكثر وهناً، والعكس أيضًا؛ يخطِّم الحراك والحوثيين إذا تجاوزوا الخطوط الحمراء، حتى لا تنتكس الشرعية وحليفها الاكبر.

يخضع التحالف بعمله هذا بالضرورة لمشيئة اللاعبين الدوليين، الذين يعيدون ترسيم الجغرافيا بدم الضحايا التي تنمو وتكبر فوقها مصالحهم. جماعات الحرب  في الداخل أدوات بيد القوى الإقليمية  "إيران والسعودية والامارات"، والتي بدورها أدوات لرعاة دوليين، يُعيدون ترتيب مصالحهم وعلاقاتهم باقتسام النفوذ في خريطة العالم، التي فيها اليمن نقطة صغيرة جدًا.

* لماذا يعمد التحالف إلى خلق تكتلات وقوى وظيفية خارج منظومة الشرعية، كالنُخب، والحزام، وقوات طارق صالح؟ وإلى أي حد قد يؤثر هذا التعدد القُطبي للقوى على فُرص الحل المُمكنة مستقبلاً؟

** كما ذكرت في مكان ما من هذا الحوار أن توازن الضعف الذي يعيد إنتاجه التحالف واللاعبون الرئيسون لا يستقيم الا بتوزيع هذه القوى على الجغرافيا. وفي موضوع أخير عنوانه (هكذا تتوزع حصص المتحاربين على الأرض) قلت: (أنه بعد سنوات أربع من الحرب بدأت تتعين على الأرض حصص القوى الرئيسة المنخرطة فيها وتموضعاتها. ففي الوقت الذي صار الحوثيون، بعد تصفية صالح وتفكيك منظومته، القوة العسكرية الوحيدة  الأكثر استحكاما  في الشمال "الجغرامذهبي" وأطرافه القريبة التي كانت تتمدد بها مملكة الإمام، ويستميتون حتى اللحظة للإبقاء على الحديدة شريانهم الاقتصادي في الماء، للحيلولة دون تسليمها لبقايا حليف الامس، غدا التوطين الجغرافي البديل لحزب الاصلاح وحلفائه القبليين والعسكريين في  محافظتي مأرب والجوف القبليتين بالإضافة إلى تعز هو الحالة الأكثر سطوعا، وجاء بعد أن انحسر حضوره في الشمال وفي الجنوب بسبب هشاشة حواضنه المذهبية في الأولى و تآكل شعبيته في الثانية. لهذا لن يفرط  بمأرب، باعتبارها العاصمة البديلة والتي صار يمارس بها سلطاته الفعلية الاقتصادية والعسكرية،  وفي ذات الوقت لن يترك تعز برموزها وثقلها السكاني، وتماسها المباشر بالجنوب وبساحل التهريب وبابه، حيث يمكنه منها إدارة صراعاته التكتيكية والاستراتيجية، أو استخدامها كورق للتسويات في مواضع أخرى.

المجلس الانتقالي المستولد إمارتيا في الجنوب، وبعد أن بات قوة بأذرع أمنية وعسكرية وإعلامية، صار يقدم نفسه كوريث لكل قوى الحراك السلمي مجتمعة، ويستخدم  كل الاساليب لتعزيز نفوذه على الأرض، وفي مقدمها خطاب "الكراهية القروي" ضد كل ما هو غير جنوبي، لاستقطاب مناصريه الباحثين عن حلم استعادة الدولة، التي يؤمنون بأن الشمال قام بتجريفها.

أما محاولة ضخ الحياة في تكتل موالي على عبدالله صالح العسكري والسياسي، وقيام راعي الحرب الثاني "الامارات" أيضا بفرضه كقوى على الأرض، وتمكينه من الشريط الساحلي الغربي ـ شريط التهريب التاريخي المؤسس لنظام صالح ـ  بدأت أشبه بعملية "تعمية" أخرى  لإيهام الرغبويين أن التكتل قد صار رقمًا في معادلة التقاسم، حتى وإن بدا الطرف الأ ضعف في أضلاع المربع، وإن سُلِّمت له الحديدة وموانيها.

والأكثر ضعفًا من بقايا مؤتمر صالح ومواليه، هي الأحزاب والقوى السياسية المدنية، التي لا تملك أذرع عسكرية، وشتتتها الحرب الطويلة على متارس المتقاتلين، ويستنفع قادتها من فتات الموائد، تاركة لمتحزبيها ومناصريها الهوان والحسرة.

* معلوم أن المشروع الإمامي قد استولد نفسه من جديد، فيما باتت الحكومة الشرعية تتفكك وتنهار مع تقادم الحرب التي تقودها ممالك تنبذ النظام الجمهوري، في ضوء هذه المعطيات كيف تقرأ مستقبل مشروع الجمهورية في اليمن؟

** توهمنا كثيرًا أن "الحوثية" ليست أكثر من عبور طارئ في وقتنا، ومن السهل التخلص منها وإعادتها إلى الكهوف، بعد أن يُستوفي شرط حضورها، ومن يستخدمها كأداة لتصفية خصومه بأقل الخسائر.

 لكننا اكتشفنا وبظرف خمسة أشهر، أنها استطاعت الإمساك بكل مفاصل السلطة والدولة ومقدراتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية بقبضة حديدية، وأن "الشاصات" المأتين التي قدمت من صعدة، لم تكن سوى الواجهة لدولة عميقة، موجودة في مفاصل الحياة العامة، لم تستكن منذ خمسة عقود. تنتظر مثل هذه اللحظة، وتعمل بصمت و"تقية" في إطار النظام الجمهوري، الذي اكتشفنا أنه في الأصل مطب هوائي من الوهم، اُستخدم، بعد إفراغه من جوهره "الثوري الانساني"، كيافطة للقوى الاستبدادية (من عسكر ومشائخ وساسة دينين) للمتاجرة بأحلام الجميع، لإعادة تدوير السلطة ومقدراتها في إطار بُنية الحكم التاريخية في الشمال.

* يمضي الصراع في اليمن دون ملامح أو أفق للنهاية، ما هي أسوأ السيناريوهات التي قد يؤول إليها هذا الصراع؟

** ليس أسوأ من سيناريو تفتيت الجغرافيا كحصص على القوى المخرطة في الحرب، وان بوادر ترسيم الجغرافيا الملتهبة على أساس مذهبي ومناطقي وجهوي بات واضحاً للعيان ويمضي بمباركة من المتحاربين أنفسهم ورعاتهم.

* ما هي الفرصة الممكنة التي أضاعتها ثورة فبراير، والتي من خلالها كان يمكن أن يتحقق خلاص اليمنيين، بدولة مدنية ديمقراطية؟

** دائما ما أُسمي ثورة فبراير النبيلة فيما أكتب وأقول بـ "الثورة المغدورة"، غدر بها انتهازيي السياسة والعسكر والدين. وحولها المتساقطون من نظام صالح إلى وسيلة للتسوية واقتسام مغانم الخراب بعد 2011. أن ينقسم النظام رأسيا فيجد الطرف المنقسم نفسه صوتا للثورة التي انفجرت أصلا بوجههِ ووجه فساده؛ فهذه المعضلة التي بددت وتاليًا جرفت ثورة فبراير السلمية إلى مُربع التسوية لإفراغها من مضمونها الثوري والانساني. صوت الثورة هذا  وجد من يسنده من سياسيين انتهازيين ورجال دين تكفيريين لا يومنون بدولة مدنية ديمقراطية، تقوم على مبدأ المواطنة وحماية الدين من مستغليه.

نعم نحن بحاجة لنقاشات جادة ورصينة لدولة مدنية ديمقراطية يستطيع فيها العقل المجتمعي تحرير الدين ممن يستغله لأغراض سياسية وانتفاعية، لأن الخوض في مقاربات الدعوات العلمانية الذي يرده المُتكلسون دائمًا إلى استحالة المقارنة بين وضعية رجال الدين في الاسلام ونظرائهم المسيحيين، الذين أرادوا أن يكونوا الواسطة بين الله و البشر، فأمره محسوم جدلاً هنا، والخوض فيه تكرار ممل وفارغ.

اليوم صار الدين (الاسلام) مُحتكر من قبل الجماعات الظلامية في الطرفين (السني والشيعي)، وتستعمله كوسيلة لتحقيق مشروعها الذي تتوسل فيه السلطة، حتى غدا عند الأخر، غير المسلم، هو نفسه دين الإرهاب الذي يأمر بالقتل والاعتداء والانتحار باسم الجهاد، ولهذا صار لزامًا تحريره من فساد هؤلاء ودمويتهم، فالعلمانية هنا تصير دعوة واضحة لفصل الدين عن الحركات الظلامية، وهي في الأصل عملية لمنع تسييس الدين وتديين السياسة كما يذهب بودهان.

* كيف وجّهت الحرب بوصلة الفن في اليمن، الفن بكافة أنواعه. وما هو الدور الذي يقع على الفنانين في هذه المرحلة؟

** حين تعلو أصوات المدافع ينطفئ صوت الفن، فأصوات المدافع  حين تتعالى إنما لتؤذن بالموت، وأحد تجليات الموت هو انطفاء الفن. المتحاربون حوّلوا الفن إلى حالة استقطابية بوسائلهم الخاصة، اذ صار الفن وبعض منتجيه جزء من اللوثة العامة وعاضدين في متارس التقاتل.

قد تقول لي ماذا عن الفن المقاوم؟! سأقول أن بضاعة الشعارات سوقها رائج، وما يُسوَّق بوظيفة الفن ليس سوى أحد مفاعيل خطاب الحرب. الحرب صارت وظيفة تتكسب منها طبقة عابرة للحساسية المناطقية والمذهبية والجهوية، وضمن بضاعتها تقدم الهُراء بوصفه فناً، فقط لأنه يستخدم أدواته، ويعمل على تجميل وظائفها.

أما الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الفنانون هو الدور النابذ للحرب، لأنها كما أسلفت صارت بعد الأربعة اعوام وظيفة تتكسب منها الطبقة الفاسدة في مِتراسيّ التقاتل.

* ما تقييمك للمشهد الثقافي في زمن الحرب، وكيف أثر انهيار الدولة على حراك الثقافة، وما أثر الحرب على الواقع الشخصي للمثقف، وكيف يمكنه القيام بدوره في نشر الوعي، مع ضآلة المساحة المُتاحة له للفاعلية والتعبير؟

** في الحالة التي تعيشها اليمن، من احتراب وفوضى، تبرز الكثير من الأسئلة التي تحاول الاقتراب من دور المثقف في هذه اللحظة المصيرية ـ أين يقف؟ وهل يُعاني من أزمة تعوقه عن أداء دوره المُفترض في مثل هذه الظروف؟ و لماذا يتخندق مُعظم المُثقفين داخل مواقف الأحزاب والمكونات التي ينتمون إليها؟ وهل يمتلك المُثقف القدرة على مواجهة الضغوط السياسية؟ و ما الدور المأمول من المثقف القيام به حيال القضية الوطنية التي تشغل بال اليمنيين؟ وما الدور المفترض أن تقوم به المؤسسات الثقافية (الرسمية والخاصة) في الظرف الراهن؟ وغيرها من الأسئلة، التي تُحاول  بقلق مقاربة الحالة (المُلتبسة) التي يعيشها المثقف، أو تُفرض عليه، في مجتمع بدأ بالتهتُك جراء هذا التدمير الأخرق، دون أن يستطيع فعل (الثقافة) وحوامله وأدواته، و(تبشيراته) تشكيل مصد، وكابح لجنون المُتحاربين !!

وما أظنه كخطوة أولى، في محاولة للخوض في  مثل هذه  المفردات، هو البحث عن الجذر، الذي نمت عليه شجرة الكارثة، ولا يزال يمدها بأسباب القوة والحياة.

 الشجرة التي تستطيل وتكبر على حساب سكينة الناس ومعيشهم وأمنهم، والتي تُطعِم البلاد يومياً ثمرها المُر، وتوقد بما تيبس من أعوادها، هذا الفصل الأهوج من الجحيم.

فعملية التخريب المُمٙنهج، التي مارستها القوى التقليدية المُحافظة المستبدة، المُمسكة بمفاصل السلطة (القوة والثروة) للبنى الحيوية في المجتمع (التعليم والثقافة)، قاد خلال سنوات قليلة إلى إحداث خلل بُنيوي قاتل داخل مشروع التحديث الهش، الذي بشرت به تحولات عقد ستينيات القرن الماضي في اليمن، شمالا وجنوباً (ثورتي سبتمبر وأكتوبر).

فهذه القوى، كانت تعرف أن مُعادل موتها، يكمُن في نهوض التعليم والثقافة الحرة المنتمية لروح العصر ومبذولاته، لهذا عمدت إلى تخريب حواضن التعليم والثقافة ومستوعباتهما المُغايرة بدءا بمناهج التعليم  وصولاً إلى المؤسسات الثقافية، المُعول عليها النهوض بالدور الفاعل للتنوير، بواسطة المثقفين أنفسهم، بتوفير الحماية لهم (العيش الكريم والحرية).

دُمِر التعليم ودُمِرت الثقافة، بتحويل حواضنها وروافدها إلى هيئات إدارة وتدجين وتوظيف. والمُتابع للشأن العام سيرى كيف أنه خلال أربعة عقود، شهدت البلاد  تحلل كامل لحوامل العصرنة (في التعليم والثقافة)، لتتعزز بدلا عنها قيم الخطاب التقليدي المحافظ (القبلي/الديني)، الذي بذل كل شيء من أجل شد المجتمع الى الماضي، حيث يستطيع أن يحيا ويتسلط.

غاب المشروع الثقافي العصري والتنويري في المجتمع، وإن ظهرت هنا وهناك محاولات فردية (لشعراء وكتاب  ومفكرين)، لملء هذا الفراغ، لكنها لم تستطع، بسبب تهميشها المتواصل، أن تُشكل فعلاً مقاومًا ومؤثراً للمد الأصولي، الذي بدأ التعبير عن نفسه، سياسيًا وطائفياً، وبقوة في الفضاء العام للمجتمع.

الاستقطابات القاتلة في أزمات البلاد المتعاقبة، امتدت لشريحة المثقفين، الذين بدأوا بالتحوصل داخل هوياتهم الأضيق (السياسية والمناطقية والطائفية)، حين لم يجدوا مؤسسات الثقافة، التي ينتمون إليها، قادرة على حمايتهم، والتعبير عن استقلاليتهم، وقبل هذا إذابة أحاسيسهم بالتمايز داخلها، فصاروا مع الوقت عنوانًا لانقسام المجتمع، عوضًا عن وحدته وتماسكه. بل وصاروا عنونا لمتاريس المُتحاربين في كل الجبهات، لأنهم ببساطة لم يستطيعوا تشكيل صوت نابذ للحرب ومُجرِّمًا لها، بسبب الضغوط الشديدة عليهم، وبسبب هشاشة تكويناتهم الفكرية، التي من المفترض أن تكون عابرة للجغرافيا والطائفة والعائلة.

تدمير الثقافة بالإفساد، وتفريغها من مضامين الحداثة والحرية، أفضى إلى إفساد لدورة الحياة في المجتمع، بما فيها الحياة السياسية، ونُخٙبها (أحزابًا وافرادًا)، التي سرعت، بفعل فسادها، في تعاظم هذا الانقسام المُميت في المجتمع، والذي لا يمكن أن نتجاوز تشظياته، إلا بنبذ الحرب وتجريمها، بذات الكيفية النابذة للاستبداد والقهر، من خلال اصطفاف قوي في إطار مشروع وطني يُعبر عن تعدد المجتمع، وحق الجميع في التعبير عن ذواتهم وحاجاتهم، بوصفهم مواطنين أولاً، وأفرادًا تقوم علاقتهم بالدولة بالمباشرة، تمامًا كعلاقتهم بالدين دون وصايا من السلطة القاهرة للجماعة والطائفة والحزب والمنطقة

بالتأكيد ستتراجع الاستقطابات وستنتهي الحرب بكل اكلافها المُرّة، ولو بعد وقت، وسيعرف الجميع وعلى رأسهم (أهل الثقافة)، مكامن الخلل وجوهره، ولن يكون أمامهم سوى التعاطي معه وبمسئولية. وسيكتشفون أن قوى الحرب (التي يصطفون معها الان) هي على طول الخط، ضد إراداتهم ككائنات سلام ومحبة، مهما رفعت من شعارات المظلومية والوطنية.

المثقف المختلف النابذ للاستبداد والحرب، وحده القادر على تعريٙة التسلط وأدوات قهره، فهو بصوته وصدقه أكثر إيلاما لمشروع الإظلام، الذي يُكرس الآن، فلا يجد المُستبد من وسيلة، بعد استنفاد كل طرق الترويض المستحيل، سوى إسكاته بالعنف والايذاء، كما حدث لعشرات المثقفين والكُتاب الصحافيين الذين تعرضوا ولم يزالوا لكل أنواع التنكيل والقهر.

* ما مستقبل الجيل الحالي من الشباب، الذي يعاصر أسوأ مرحلة في تاريخ الصراع اليمني الحديث؟

** تجاوزا سأقول أن الحسنة الوحيدة للحرب هي إسقاطها للكثير من المفاهيم، وتعريتها لطبقة الحكم الفاسدة التي استخدمت، في خمسة عقود، الشعارات الوطنية والدينية لتأبيد حكمها، وهي بذلك تفتح أُفقًا جديدًا أمام الجيل الشاب لإنتاج أسئلته الخاصة والمُغايرة وعلى رأسها السؤال الوجودي من نحن وماذا نريد؟، ولماذا قادنا هؤلاء المغامرون إلى لحظة الدمار والخرافة؟!

إذا خرجت هذه البلاد من دوامة الحرب، في المدى المنظور، فلن يكون تعافيها الحقيقي إلا بأيدي شبابها، الذين شهدوا زيف الإسلام السياسي بمكونيه السني والشيعي، وزيف مشْيٙخ الجمهورية وعائلة الحكم، وشهدوا شيخوخة الأحزاب ومتحفية خطابها وقادتها، وشهدوا أيضا المٙنزع العُنصري للمشاريع التجزئية. أما إذا أعادت مكونات الحرب اقتسام البلاد كما يُخطط له سنبقى رهائن الضغائن والدم لعقود. 

هذا الجيل سيخرج من فوائض الحرب بنارها ودمها أكثر توقًا للسلام، لهذا سيعمل تجار الحروب بكل خبراتهم لجعل شباب البلاد شمالاً وجنوبًا وقودًا مستديمة لها.

قراءة 489 مرات

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة