مياه ملوثة في عبوات بلاستيكية تمّ جمعها من النفايات في صنعاء "تحقيق" مميز

  • الاشتراكي نت/ عبير محسن - هيثم الحصباني*

الأربعاء, 12 شباط/فبراير 2020 15:05
قيم الموضوع
(0 أصوات)

كنا خائفين من هذا المرض الذي لم يخلُ أيّ منزل منه في حيّنا، لكن الخوف بلغ ذروته حين أُصيب اثنان من إخوتي بالكوليرا. لم نستطع إنقاذهما. مروان ومحمد، كانا في عمر الشباب. لم نتوقع أن يُصاب أحدنا بهذا المرض المُنتشر في الحيّ، لحرصنا الكبير، واتخاذِنا إجراءات الوقاية والنظافة العاليّة، إلّا أنّ الماء كان سبب موت لا حياة، بالنسبة إلينا”. هكذا روى أحمد البيضاني مأساة حيّ سعوان الواقع ضمن مديريّة شعوب، والتي تعدّ من أكثر المناطق التي ينتشر فيها مرضا الكوليرا والملاريا، بحسب إحصاء جديد أجرته وزارة الصحة في مدينة صنعاء بالتعاون مع منظمة “اليونيسيف”. أخوا أحمد هما حالتان ضمن 654747 حالة مصابة بالكوليرا و872 حالة وفاة بسبب هذا المرض عام 2019.

وفق مسح ميداني أجريناه أثناء إعداد هذا التحقيق وجدنا نحو 200 محطة لمعالجة المياه جزئياً (كوثر)، وهو ما أكده لنا أحد موظفي مكتب الأشغال العامة والطرق في قسم الصحة البيئيّة في مديرية شعوب. لكن، ما يثير الاهتمام، هو وجود محطة واحدة فقط (محطة ينابيع الأسطورة) مسجّلة لدى وزارة الصناعة والتجارة ضمن كشوفات منشآت المياه المصرّح لها خلال سنوات 2012-2019.

ابتزاز وتسيب

يستطيع المرء بالملاحظة التثبت من افتقار معظم هذه المحطات لأبسط معايير النظافة، ناهيك بعدم التزامها المواصفات القياسيّة اليمنيّة الخاصة بالمياه المعالجة جزئياً.

يقول أحمد حسن صاحب إحدى هذه المحطات إنّ المراقبين الحكوميين يتحملون الجزء الأكبر من عدم التزام هذه المحطات معايير النظافة والمقاييس والمواصفات المطلوبة، فهم يتقاعسون عن أداء مهماتهم الرقابيّة لقاء مبالغ ماليّة بسيطة، متجاهلين بذلك تجاوزات قد تعرّض صحة المستهلكين للخطر.

يعاني مالكو محطات المياه في صنعاء من ابتزاز واضح من قبل هؤلاء المراقبين ويضطرون إلى دفع رشاوى ماليّة حتى لا يزجّوا في مشكلات مفتعلة لا نهاية لها. وهذا ما تعرّض له أحمد حسن، إذ وجد نفسه يسبح في سيل من المشكلات والتهم الباطلة بسبب رفضه دفع رشوة ماليّة ورغبته في تسيير أموره بشكل قانوني.

تحليل عينة مياه في مختبر

قام فريق التحقيق بفحص عينّة لإحدى محطات معالجة المياه جزئياً في منطقة شعوب، في اختبار بعيد من أعين الرقابة والموظفين الحكوميين. قمنا بالاختبار بشكل سرّي مدّعين أنّ نتائجه سوف تستخدم في بحث جامعي.

أكدت النتائج الميكروبيّة ظهور مستعمرات من البكتيريا القولونية(Total Coliform)، وهذا يعني ظهور أنواع من البكتيريا المعويّة. عادةً يجب أن تكون نتيجة الاختبار 0 وفي بعض الأحيان يسمح بوجود عدد 9 فقط من هذه البكتيريا. بينما ظهور بكتيرياFasal Coliform بهذه الكثرة، يعني أنّ الماء ملوّث وغير صالح للشرب على الإطلاق، فهي بكتيريا ضارّة وتنقل الأمراض مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك.

قابلنا الدكتور علي محسن وهو مُحاضر في كليّة الآفاق الطبيّة وعَمِل مع فريق الهيئة العامة للموارد والمياه لدراسات المنشآت الخدميّة والصحيّة والصناعيّة، فحدثنا عن تجربته في العمل الميداني مع هذه المحطات، وذكر أن بعض المحطات يستعمل أجهزة معالجة المياه ديكوراً للمكان، إذ إنّ هذه الأجهزة لا تُستعمل لأنّ الطاقة الاستيعابيّة لا تستطيع تشغيل نصف برميل بسبب الحاجة إلى مولدات كهربائيّة كبيرة، كما أنّ بعض هذه الأجهزة انتهى عمره وصلاحيته.

حقوق مُتجاهلة

في إحدى ليالي نيسان/ أبريل عام 2019، أثارت تحركات مريبة لشابين في حيّ سعوان انتباه أكرم العقبي. كان الشابان ينقلان أكياساً مُعبأة بعلب بلاستيكيّة إلى الدكان، وهو عبارة عن غرفة مستأجرة في البناء الذي يسكن فيه العقبي، ومن ثمّ يخرجانها في صناديق كرتونيّة ويحمّلانها في شاحنة صغيرة كانت تقف أمام الدكان. حاول العقبي مراقبة الشابين، ليكتشف في ما بعد أنّهما يقومان بتعبئة مياه ملوثة في عبوات تحمل شعار أحد المصانع المعتمدة في هذا المجال، “مصنع حدين للمياه المعدنيّة”.

قام العقبي بإبلاغ جهات مختصة بما رآه من دون أن يتفاعل مع بلاغه أحد، فلم يجد حلاً، بحسب قوله، سوى أن يأخذ الشابين بمساعدة أقربائه إلى أقرب مركز للشرطة وأبلغ مصنع حدين عن الحادثة، ليتولى المصنع بعد ذلك القضية ويرفع دعوى قضائية ضد الشابين.

حصل فريق التحقيق على نسخة من ملف القضيّة. اعترف المدعى عليهما، (ش.هـ) و(أ.م)، بتعبئة مياه ملّوثة في عبوات مستخدمة تابعة لمصنع مياه حدين، وبأنّهما يقومان بتجميع هذه العبوات من النفايات. ووفق محضر ضبط المخالفات الصحيّة المرفق في ملف القضيّة، تمّ ضبط عبوات ممتلئة بالبول وأخرى من مخلفات القوارير المستخدمة، وذكر محضر الحجز أنّ المكان يفتقر إلى جميع الشروط الصحيّة.

بعد التحقيق الذي أجرته نيابة الصناعة والتجارة، أمرت النيابة بمعاقبة المتهمين وفق نص المادة 312 ثالثاً، من قانون العقوبات النافذة رقم 12 لسنة 1994 والذي ينص على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة أو بالغرامة من غشّ أو شرع بأن يغُشّ شيئاً من غذاء الإنسان أو الحيوان أو العقاقير الطبيّة أو الحاصلات الزراعيّة أو المنتجات الطبيعيّة، مُعدّاً إياها للبيع أو طرح شيئاً من ذلك أو عرضه للبيع أو باعه مع علمه بغشّه أو فساده”.

أُحيلت القضيّة بعد ذلك إلى المحكمة وحكم القاضي فيها على المتهم (ش.هـ) بالحبس ستة أشهر مع وقف التنفيذ والتعهد بدفع غرامة ماليّة قدرها مليون ريال يمني (ما يعادل 1700 دولار أميركي) في حالة عاد إلى النشاط ذاته خلال فترة زمنيّة مدتها سنة من تاريخ صدور القرار، وحُكم على المتهم (أ.م) بالحبس ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.

تعاملت النيابة والمحكمة مع القضيّة على أنّها قضيّة تجاريّة بحتة، “غشّ”، متجاهلة الحقوق المدنيّة والصحيّة فيها، والمتمثلة في المياه الملوّثة التي بيعت للمستهلكين. فقد أقرّ المُتهمَين، بأنّهما أعدا هذه العبوات من أجل البيع خلال أسبوع، ولكنهما لم يقوما ببيع أيّ عبوة، فيما أكد لنا شاهد من سكان المنطقة أنّ المتهم (ش.ه) قام بتعبئة المياه الملوّثة لمدة لا تقل عن شهر ونصف الشهر، وباع خلال هذه الفترة كميّة لا يُستهان بها. يؤكد هذا الكلام صاحب أحد المحال التجاريّة في المنطقة التي تمّ ضبط المتهمَين فيها، مشيراً إلى أنّه اشترى منهما كميّة من المياه وباعها لمستهلكين، لجهله بتلوث هذه المياه.

تجاهل النيابة والمحكمة هذه الجوانب، لم يقتصر على هذه القضية فحسب، إذ وجدنا خلال بحثنا قضية أخرى تحمل الملابسات ذاتها، وتولّتها الجهات المختصة ذاتها، إذ اعترف المتهم (ع.أ) بتعبئة مياه ملوّثة في عبوات بلاستيكيّة تمّ جمعها من النفايات لمدة شهرين. باع ما يقارب 400 صندوق يحمل كلّ واحد 20 عبوة بحجم 750 مل، أي أن ما يقارب 8 آلاف عبوة بيعت في أماكن مختلفة من العاصمة اليمنيّة صنعاء. ومع ذلك تمّ التعامل مع القضيّة على أنّها غشّ تجاري “فقط”، وحكمت المحكمة على المتهم بالحبس ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.

نافذون ضالعون

انتشرت بشكل واسع مصانع ومعامل وشركات عدّة مجهولة الهويّة وغير مرخصة تقوم بتصنيع المياه وتعبئتها، من دون التزام المواصفات والمعايير. ومن ثمّ توزعها على الأسواق بأسعار منافسة ورخيصة لتجني أرباحاً على حساب سمعة المصانع المصرحة والرائدة. الكثير من مصانع المياه المرخّصة مثل حدين وشملان تضرر بشكل كبير جرّاء ظهور هذه المنتجات، إذ يصل عدد المنتجات في السوق إلى أكثر من 100 منتج. المرخص منها من قبل وزارة الصناعة والتجارة 20 مصنعاً فقط، وذلك بحسب كشوفات الوزارة، وفق رئيس نقابة مصانع المياه.

مصنع “شملان” للمياه المعدنيّة هو أحد المصانع التي تضررت بكثرة من هذه الظاهرة، فقد وضعت مراراً على صفحتها الرسميّة على “فيسبوك”، منشورات تفيد بوجود عبوات مياه مقلّدة في الأسواق تحمل الشكل والاسم التجاري العائدين للشركة، وأرفقت المنشورات بصور لمنتجات تحمل أسماء متقاربة بشكل يضلل المستهلكين عند الشراء. ووفق قانون العلامات التجاريّة والمؤشرات الجغرافيّة رقم 23 لسنة 2010، فإنّ ذلك يعد انتهاكاً لحقوق ملكيّة العلامة التجاريّة، إذ تنص المادة رقم 22/2 على أنّ حق استعمال العلامة المُسجلة حصريّ لصاحب العلامة، وله الحق الاستئثاري في منع الغير من الاستعمال التجاري لعلامات مطابقة أو مشابهة لسلع أو خدمات مطابقة أو مشابهة لتلك التي سُجلت بشأنها العلامة التجاريّة، حين يمكن أن ينتج عن ذلك الاستخدام احتمال حدوث لبس أو تضليل للجمهور.

على رغم كثرة المنتجات المقلّدة للعلامة التجاريّة لمياه شملان، إلّا أنّ أيّاً من هذه القضايا لم يصل إلى المحكمة التجارية. لكن، تبيّن لنا أثناء إعداد هذا التحقيق، وجود دعاوى عالقة في النيابة التجاريّة رفعها مصنع شملان ضد عدد من هؤلاء المقلّدين، مع وجود محاولات لحلّ القضيّة بطريقة وديّة بعيداً من القضاء. مُنعنا من الاطلاع على أيّ من هذه القضايا، وقال لنا أحد موظفي النيابة (نتحفظ على ذكر اسمه حفاظاً على سريته)، إنّ شخصيات نافذة من صعدة متورطة في القضيّة، لذلك هناك تعتيم كبير حولها. امتنع مصنع شملان للمياه المعدنيّة وممثلها القانوني من الإدلاء بأيّ تصريحات لنا، أو اطلاعنا على تفاصيل القضايا.

يؤكد أحد القضاة في المحكمة التجاريّة، امتنع عن ذكر اسمه لاعتبارات أمنيّة، أن أيّاً من هذه القضايا لا تصل إلى المحكمة، وما يصل عادة، يكون المتورطون فيه أشخاص بسطاء دفعتهم الحاجة والظروف الاقتصاديّة السيئة للقيام بهذه الأعمال، كما أنّ إنتاجهم لا يكون إلّا على نطاق بسيط جداً ومحدود، أما تلك القضايا الكبيرة التي قد يكون المتورطون فيها نافذين أو تجّار، فلا تصل إلى المحكمة.

غش المستهلك

قمنا بفحص عينة من أحد المنتجات المقلدة لعلامة مصنع شملان للمياه المعدنيّة التجاريّة. كُتب على غلاف العبوة التي تحمل اسم “غيلان”، “مياه معدنيّة في غاية النقاء”، وكانت نتائج الفحص مخالفة تماماً لكلّ المكونات المذكورة على غلاف المُنتج، وأثبتت الفحوص المخبريّة أنّ هذه المياه، وعلى رغم أنّها تقع ضمن الحدود المسموحة للاستهلاك، إلّا أنّها غير معالجة بصورة كليّة، بما يتنافى مع المعلومات الموجودة على الغلاف، ما يثبت أنّ منتجات “غيلان” مجهولة المصدر، غير خاضعة للرقابة وبالتالي فهي لا تلتزم المعايير والمواصفات الموضوعة من قبل الجهات المختصة.

استبيان عام

وفق استبيان أجريناه من أجل هذا التحقيق، تبيّن أنّ 29 في المئة من الأشخاص الذين استجابوا (استجاب 70 شخصاً لهذا الاستبيان) قالوا إنّهم لا يهتمون باختيار نوع المنتج عند شرائهم المياه. وعند سؤالهم عن نوع المياه المنتشر في الأسواق، قال 70 في المئة، إنّها مياه مجهولة المصدر.

معظم الذين استجابوا للاستبيان أكدوا أنّهم يشربون المياه المعالجة جزئياً “كوثر”، ولكنهم لا يعرفون مصدرها. وأكدت 50 في المئة من الإجابات أنّ المواطنين ليس لديهم وعي بمعايير جودة المياه.

72.9في المئة من المستجيبين للاستبيان أكدوا أنهم لا يعرفون إذا كانت محطات معالجة المياه تلتزم معايير النظافة المطلوبة أو إذا ما كانت خاضعة للرقابة. كثيرون يعرفون أنّ هذه المياه تساهم في نقل بعض الأوبئة والأمراض كالكوليرا، لكن وفق الإجابات السابقة، يتضح أنّ معظم المستجيبين للاستبيان، لا يتخذون التدابير الوقائيّة التي توجب عليهم التدقيق في جودة المياه التي يشربونها ومطابقتها المواصفات والمعايير المطلوبة.

*التحقيق من إعداد الأرشيف اليمني وينشر بالتزامن مع دارج

قراءة 395 مرات

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة