أربعون عاما على رحيل عبد السلام الدميني واخويه (4)

الثلاثاء, 22 أيلول/سبتمبر 2020 17:40 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

وهي نتاج تجربة اجتماعية ماضية وخلاصة عرفية لمجتمع القبائل والبداوة لآلاف السنين، ولهذا ترجع إليها المجتمعات القبلية خارج نطاق ذو غيلان كلما تعقدت المشكلات سواءً في حاشد أو بكيل أو خولان بن عامر أو مذحج وغيرها في ظل استمرار غياب الدولة بقوانينها الوضعية والحديثة حين تسود دولة النظام والقانون والمواطنة وتصبح حاضنة لجميع شرائح المجتمع بجميع فئاته وطبقاته على مختلف مستوياتهم الثقافية، وهذه القواعد (قواعد السبعين) ليس من السهل على جميع الناس فهم  مصطلحاتها ولغتها.. ومفرداتها تحتاج إلى متخصصين أكفاء في علم العرف القبلي مثلما هو حال المحامين في القوانين الوضعية، ولهذا يوجد ما يسمون بالحكام والمراغات الخاصة بالمنهى وهذا يقابل في القوانين الوضعية الحديثة بتدرجاتها من المحكمة الابتدائية الى الاستئناف الى المحكمة العليا على مستوى كل قبيلة او مجموعة قبائل... فمثلاً ذو غيلان (ذو محمد وذو حسين) عندهم مراغة (حكام) وعلى مستوى قبائل دهم (ذو غيلان والعمالسة وآل سالم وآل عمار وبني نوف وهمدان الجوف وآل سليمان والمرازيق والمهاشمة لديهم مراغة (حكام). ثم على مستوى بكيل والتي تجمع بالإضافة إلى دهم قبائل أرحب ونهم وسفيان وعيال سريح وجبل عيال يزيد و مرهبة وكذلك خولان الطيال والأخيرة الخلاف حول نهاية نسبها قائم.. فهناك من يصنفها من بكيل ومن يصنفها أنها قائمة بذاتها وتنتهى عند كهلان بن سباء وهناك تصنيف أنها حميرية.. وهذه بكيل لها مراغة (حكام) ومعروف أن القوانين الوضعية والتشريعات الحديثة هي امتداد طبيعي ومتطور عبر العصور للعرف القبلي والعادات والتقاليد الاجتماعية التي تتطور مع تطور الإنتاج والاقتصاد عموماً والمتغيرات الثقافية مع الاختلاف من مجتمع إلى آخر، وقد لعبت الأديان السماوية والأرضية دوراً كبيراً في منظومة هذا التطور القانوني والتنظيمي.. وأود الإشارة أن وثيقة قواعد السبعين قد كتب عنها وحلالها الأخ العزيز الدكتور فضل أبو غانم في رسالة لنيل الماجستير أو الدكتوراه (وهذا الكتاب موجود فى المكتبات) وهي المحاولة الأولى، وبحكم أنه من أرحب فهو قريب أكثر من غيره لاستيعاب وإدراك الوثيقة شكلاً ومضموناً إلى حد كبير، والمؤسف أنه لا يوجد اهتمام من الباحثين حتى اليوم الا النزر القليل.

وعلق الدكتور عبدالسلام على هذه الحصيلة بأنها وجبة دسمة تصلح لإعداد كتاب عنها (قواعد السبعين) وقد أخذ وعد من الشيخ صالح هندي دغسان على توفير وثيقة (قواعد السبعين)، وفي اليوم الثاني أخذنا محمد الشيبة رحلة عبر قبيلة سحار ومدينة صعدة وزيارة جامع الهادي وقلعة صعده ثم توجهنا عبر مديرية مجز إلى بني جماعة مديرية باقم التي لها أطول حدود مع منطقة عسير حتى وصلنا إلى الحدود السعودية منطقة علب عبر طريق إسفلتي واسع، على غير العادة انشأته السعودية وفي طريق العودة أوصلوني إلى سفيان عند الشيخ أحمد قايد بن حيدر وخاصة عند ولده الرفيق حيدر الذي كان طالباً في الكلية العسكرية في عدن وهو من أفضل الشباب فهماً ونضجاً واستيعاباً للعمل التنظيمي والحزبي وهو بدوره نقلني إلى برط وهو اخ فيصل بن حيدر(محافظ المحويت اليوم).

 وواصل محمد الشيبة رحلته مع الدكتور حتى أرحب وبدون معرفة أحد أو إشاعة خبر هذا التحرك نهائياً حتى نعود لمثله مرة أخرى بأمان دون شوشرة، لقد كان عبدالسلام الدميني في غاية السعادة من عادة الزواج في الجوف الذي لا يكلف الزوج شيء عدا الثوب الطويل وقبول العروسة أو الفتاة به زوجاً وشريك حياة بعد التعارف وجهاً لوجه بين الفتاة والشاب الزوج يتم بالتعارف وموافقة الطرفين وبدون تكاليف، والعروسة تحمل معها حاجتها ومشاركتها الاقتصادية حتى تتكافأ العلاقات الزوجية وتسود المساواة والندية.

قواعد السبعين وهي تحتاج إلى قاموس لغوي وقدرتها على حل جميع المنازعات المدنية والحربية والشخصية والحدود والملكية يعني دستور بلغة العصر صيغ قبل 300 سنة، حول هذين الموضوعين قال عبدالسلام لقد أعديت جدولا لمسودة كتابين، وقد ترجيته أن يكتب أكثر من صورة وألا يتحرك وهذا الكنز الثمين معه إلا بعد أن يترك صور له من باب الاحتياط من الضياع، وقد وعد أنه سيكتب أكثر من نسخة ويضعها في أماكن مضمونة.

هذا عن الزواج وترتيباته في الجوف، أما بقية المحافظات المجاورة والمناطق المحاذية سواءً محافظة صعدة أو محافظة صنعاء بما فيها أرحب وكذا مناطق عمران وفي تلك الأيام كانت تكاليف الزواج من مهر وكسوة وذهب وشرط وتكاليف تفوق التقديرات مبالغة في التكلفة الإجمالية إلى درجة امتناع العديد من الشباب من الإقدام على مغامرة الزواج المكلف والمنهك.

اتصل بي عبدالسلام وأنا في الجوف (برط) أن عدن يطلبون وصولنا أنا وهو لحاجتهم إلينا لفترة زمنية محدودة، طلبت من عبدالسلام أن يسافر كل منا لحاله وبطريقته، فبالنسبة لي المسألة الأمنية مهمة في غاية الحساسية والأهمية، أنا لا أصافط ولا أتهاون أو أحرج أبداً مع عدم جعلها قيداً محيراً أو مانعاً على تحركاتي الضرورية، و عبدالسلام قد استوعب مني هذا الموقف الجاد والحاسم حين قلت له الجوانب الأمنية من اختصاصي وأنت لك السياسة والاقتصاد والإعلام وجميع القضايا الأخرى ونحن نتبعك وعليك أن تتبعني بالأمور الأمنية المتعلقة ببقائنا على قيد الحياة.

وصل عبدالسلام عدن قبلي لأنه يستقل الطائرة من العبر، أما أنا فقد نقلني إلى دمت (المنطقة الوسطى) أحد أصحابنا أهل برط المقيم في دمت بمعية قائد المنطقة العميد عبدالله بن ناجي دارس، وهناك التقيت أحد الرفاق في سوق ذمت أخذني إلى الرفيق أحمد مسعد الحقب وكان معه الرفيق ناجي محسن الحلقبي.. وكلاهما أعضاء لجنة مركزية علموا بوجهتي المستعجلة، فتحركوا معي بسيارة المناضل الكبير ناجي الحلقبي الذي أراد أن أبقى في دمت أعالج لهم بعض المشكلات مع القيادة (عبدالله دارس) بحكم العلاقة الأسرية والقبلية بيني وبين دارس وطلب مني أن أعود معه من عدن.

وصلنا عدن والتقينا في اللجنة المركزية، قال لنا صالح مصلح سكرتير الدائرة السياسية والعلاقات الخارجية، إذهبوا إلى مكتب جار الله وهناك حددوا يوم غداً لقاء من أجل دراسة المهمة الموكولة إلينا وهي الذهاب إلى دمت للحوار مع عبدالله بن ناجي دارس الذي يعتبر ممثلاً شخصياً للرئيس علي عبدالله صالح وقائدا عسكريا للمنطقة الوسطى كلها والمنطقة الشرقية عموما.. وكان عدد الحضور من قيادة الحزب والجبهة الوطنية كبير، كان فيهم رئيس الجبهة الوطنية الديمقراطية يحيى الشامي وعبدالواحد المرادي وحسين الهمزة وأحمد علي السلامي ومحمد صالح الحدي وناجي محسن الحلقبي وعلي عباد الحصيني من قادة الحزب، وكان المتحدث الرئيسي هو عبدالواحد المرادي الذي أعطاه الكلمة قبل غيره رئيس الاجتماع جار الله عمر باعتبار المرادي المسؤول المباشر عن الجبهة الوطنية في الشمال، وبعد أن استعرض الأوضاع في جميع مناطق الجبهة المحاذية لأراضي الجنوب لم ينس التطرق لوضع المناضلين أعضاء الجبهة والحزب الاشتراكي في الداخل مثل ريمة وعتمة والعدين وشرعب وغيرها، أما المناطق القبلية وخاصة الجوف وصنعاء وصعدة وحجة وغيرها فهذه من اختصاص الواصلين منها د.عبدالسلام الدميني ويحيى منصور أبو اصبع،

والحقيقة اقولها شهادة للتاريخ بان عبدالواحد غالب الزعيترى العريقى (المرادى) قد قام بمسؤولياته في تلك الظروف الصعبة بكفاءة واقتدار ومثابرة ومتابعة قل نضيرها وقد عايشته ونزلت في بيته المتواضع جدا والذى بدون اثاث في التواهى وكان لا ينام واشهد انه كان يتناول الفطور وهو مستقيم يتابع ويجيب على رسائل المناطق.

الحقيقة انه كان غوبه من الحركة لا يكل ولا يمل وهذا رغم خلافاتي معه في بعض القضايا الا ان الخط السياسي والنظام الداخلي للحزب يجمعنا كما انه من الناحية الشخصية من افضل الاصدقاء.

طالب جارالله أن أتحدث فرفضت وقلت سيتحدث د.عبدالسلام الدميني بإسمي وباسمه فنحن شيء واحد بل هو أقدر مني بما لا يقاس، فشكرني عبده السلام  وتحدث وفي الأخير قال للحضور لماذا دعوتمونا، فشرح جار الله حيثيات الطلب ولخصه كما يلي:

تعيين عبدالله دارس قائداً عاماً للمناطق الشرقية التي لها حدود مع الجنوب. وعبدالله دارس وأصحابه من ذو محمد وهم كما تعلمون جمهوريون دافعوا عن الثورة في كل مكان وقدموا عشرات الشهداء، كما أن ذو محمد قاتلت جنباً إلى جنب مع الصاعقة والمضلات والمدفعية والمشاة في حصار السبعين على صنعاء إلى درجة أن محمد مهيوب الوحش كان يأخذ منهم مجموعة إلى جانب من معه في الصاعقة والمضلات اثناء عملياته الهجومية في صد هجمات الملكيين بقيادة قاسم منصر واخطر هذه الهجمات التي قادها الوحش وبمشاركة من المقاتلين من ذو محمد  في الهجوم على جبل الطويل واسترداد قمته التي كان يهاجم منها مطار الرحبة الدولي.

لهذا نحن نتعامل معهم كقوى وطنية وجمهورية والكثير منهم في الجبهة الوطنية أو في الحزب الاشتراكي ومن أبنائهم العشرات يقاتلون اليوم ويتدربون في جنوب لبنان مع الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ضد القوات الإسرائيلية، وهناك العشرات منهم في الكليات العسكرية في عدن، وأعلن جار الله ووجه الحديث إلينا قولوا لعبدالله دارس كل مناطق الجبهة تحت تصرفك أنت وذو محمد وبدون تحفظ، وبدون قوات السلطة المرفوضين من المواطنين لأفعالهم الشنيعة في النهب والقتل والتخريب، توكلنا إلى المنطقة الوسطى واستضافونا في مريس عند الشيخ علي ناجي جعوال من قيادة الجبهة الوطنية والذي مثل حاضنة دافئة لكل المشردين من الحرب ثم انتقلنا إلى دمت ومعنا ناجي محسن الحلقبي وعلي عباد الحصيني ومحمد صالح الحدي والتقينا الشيخ عبدالله دارس الذي عاتبني أنني مريت من دمت إلى عدن دون المرور عليه للسلام والاطمئنان، ظلت الحوارات مع عبدالله دارس قرابة أسبوع دشن خلالها العبور إلى منطقة مريس(قعطبة) التي ما كانت السلطة تحلم بالوصول إليها وتحرك أصحابه في كل مناطق دمت وقعطبة وجبن الواقعة تحت سيطرة المقاومة التابعة للجبهة الوطنية الديمقراطية وكان هذا يعتبر أكبر إنجاز لعبدالله دارس الذي لا شك عزز مكانته ونفوذه في أوساط السلطة الحاكمة في صنعاء وخاصة لدى علي عبدالله صالح وقد التزم دارس بعدم دخول قوات عسكرية إلى مناطق الجبهة ما عدى القوات التابعة لدارس من أبناء برط وكذا قوات الأمن وموظفي الدولة في جميع المرافق والمكاتب المدنية وصارت الجبهة الوطنية على بوابة مدينة الرضمة التي تتواجد على أطرافها الغربية معسكر الجبهة الإسلامية في كحلان خبان بقيادة عبدالرحمن العماد وكذلك سيطرة الجبهة الوطنية عبر وادي بنا إلى مدينة النادرة ومدينة السدة وما بعد ذلك مع قوات النظام وكتائب الجبهة الإسلامية التي انتشرت بسرعة مذهلة وبإمكانات مالية وعسكرية هائلة على عكس أفراد وقادة الجبهة الوطنية الذي يعانون الفاقة والحرمان مع أسرهم وأطفالهم، وجرى مناقشة طائفة واسعة من القضايا المثارة من الطرفين منها قضية المعتقلين والأسرى وإطلاق النار من مواقع السلطة المحاذية وتسرب جماعات مسلحة بأسماء وملابس مموهة والسلطة بالمقابل تطرح مثل هذه القضايا وضرورة توقف الجبهة عن التوسع ووقف الحملات الإعلامية، إلا أن النقطة الجوهرية هي اعادة فتح حوار واسع وشامل على المستوى الوطني في صنعاء بين الجبهة الوطنية والنظام الحاكم، ولا شك أن عبدالله دارس قد شعر بالارتياح من تحركه في جميع الاتجاهات وبوصوله إلى مريس دون معوقات ولقي الترحيب والاحترام من خلال الاستقبالات الحاشدة عند زيارته لهذه المناطق ولا سيما في مريس وقد ظل هناك...

....... يتبع

قراءة 9504 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة