بموكب شعبي ورسمي مهيب.. العراقيون يودعون شاعرهم الكبير الأيقونة الثورية مظفر النواب مميز

  • الاشتراكي نت/ متابعات

السبت, 21 أيار 2022 19:55
قيم الموضوع
(0 أصوات)
جانب من التشييع في بغداد جانب من التشييع في بغداد

ودّع العراقيون، اليوم السبت، في بغداد الشاعر العربي والعراقي الكبير والأيقونة الثورية، مظفّر النواب، بتشييع رسمي وشعبي مهيب.

وعكس التشييع، التاريخ الثوري والنضالي للشاعر الذي عُرف بمناهضته للأنظمة العربية وانتقاداته اللاذعة، فيما ندّد مشيعون بمشاركة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. وفق ماذكرته مصادر إعلامية محلية ودولية.

وكان قد نُقل جثمان الشاعر الذي فارق الحياة عن 88 عاماً في الإمارات، بالطائرة الرئاسية إلى مطار بغداد الدولي في وقت سابق.

هناك أقيمت له مراسيم رسمية بحضور رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. وحمل حرس الشرف نعش النواب الذي كُلّل بالورود، بينما رفع أحدهم صورة له بالأبيض والأسود.وفق فرانس برس.

ثم نُقل بموكب رسمي إلى مقر اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، حيث تجمّع المئات من الأشخاص من أجيال مختلفة، من نساء ورجال للمشاركة في الوداع الأخير للنواب.

على أطراف الطريق المؤدي إلى الاتحاد، تجمّع المئات ممن توشحوا بالعلم العراقي، تعبيراً عن حزنهم لفقدان هذا الرمز العراقي. وحمل النعش ستّة من أفراد حرس الشرف عند إدخاله إلى باحة الاتحاد حيث قوبل بالهتافات وبترداد أبيات من قصائده وبزغاريد النساء.

مع ذلك، بالكاد كان لدى الأسرة الوقت للتجمع حول النعش في الباحة، فيما تمكن رئيس الوزراء المحاط بحراسه الشخصيين، من الاقتراب منه سريعا قبل المغادرة.

واختُصرت المراسم بعدما بدأ بعض الشباب بترديد شعارات ضدّ الكاظمي وضدّ السلطة مثل "كلكم حرامية" و"كلا كلا للعملاء" و"برا برا"، و"مظفر للشعب مو للحرامية"، في أجواء ذكّرت بالاحتجاجات المناهضة للسلطة قبل عامين.

ورفع بعض المشاركين الأعلام العراقية، وآخرون صوراً للنواب، فيما حمل مناصرون للحزب الشيوعي الذي انتمى له النواب، راية حمراء كبيرة.

وعقب تشييعه في بغداد، نقل جثمان النواب إلى النجف، تمهيداً لمواراته الثرى، تكريماً لوصيته بدفنه قرب والدته.

وقال الناطق باسم اتحاد الأدباء عمر السراي قبل وصول النعش إلى المقرّ إن هذا "الاستقبال الكبير لا يعني الأدباء فقط بل يعني المواطنين، فهو شاعر شعبي وليس شاعر نخبة".

وأضاف من مقر الاتحاد "هو يمثل موقفاً لدى المتظاهرين والثوريين لدى جميع محبي الوطن الحقيقيين، يمثل موقف عدم الاصطفاف مع السلطة لمقارعة الطغيان والديكتاتورية".

وبرر العديد من المثقفين العراقيين، الأحداث التي لازمت لحظة التشييع، في أنها حدثت في ظل الغليان الشعبي ضد السلطة وأحزابها.

ومن اتحاد الأدباء، قال المصوّر محمد هشام البالغ 27 عاماً، المشارك في التشييع "مظفر وضع لنا مسار ورؤية لجيلي والأجيال التي سوف تليني... مظفر النواب جزء من الأشياء التي ساهمت بإيقاظ وعينا السياسي والاجتماعي ووعينا بحقنا".

وبعد التشييع، ردد متظاهرون في الشوارع المجاورة هتافات منددة ورشقوا الحجارة على سيارات مسؤولين.

وتعليقاً على ما حدث خلال التشييع، يرى الشاعر والكاتب حميد قاسم أنه كان "بمثابة تنفيس عن غضب مكبوت، خاصة مع حضور رئيس الوزراء وبعض الشخصيات المهنية غير المرغوب بها". وفق ما نقلته عنه "الشرق الأوسط".

وقال: "لا أعرف سبب إصرار الحكومة على حضور التشييع، كان عليهم أن ينسحبوا ويتركوا ذلك إلى الناس".

وكتبت الكاتبة العراقية المقيمة في لندن فاطمة المحسن عبر فيسبوك، أن "جنازة مظفر النواب في بغداد بدت أقرب إلى مظاهرة سياسية، فالناس تهتف وتلوح بأيديها وهذا ما جعل الطقس يبدو فوضوياً".

كما تصدر وسم #مظفر_النواب، ما تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي في معظم البلدان العربية، حيث عبر المغردون، من مختلف البلدان، عن حزنهم لفقدان الشاعر.

وتناقل آخرون مقولة للشاعر عبد الله الثابت تقول: "إذا ماتَ شاعرٌ، انطفأت نجمة، وتخاصمَ حبيبان، وضاعَ خاتم، وأصبحت الدنيا أقلّ".في حين تغنى العديد، بمقطتفات من أشعار النواب ونشروها على حساباتهم في مواقع التواصل.

 

وللحديث النقدي عن رحيل النواب وما تركه من إرث أدبي وفني، وعن مجمل تجربته الشعرية، يقول عارف الساعدي، الشاعر والناقد ومدير عام دائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية: "يمثل رحيل النواب محطة لاستذكار شخصية وقامة كبيرة ليست فقط شعرية وأدبية، إنما هي قامة وطنية سياسية واجتماعية عالية بنيت وصقلت مواقفها الفكرية والسياسية بناء على أفكاره وانتماءاته التقدمية والتنويرية التي تبلورت في مراحل شبابه الأولى، فالشاعر عاش في وجدان القراء والناس لأنه تبنى قضاياهم وهمومهم، وهو ما تسبب في عيشه في العديد من المنافي خارج بلاده".

ويضيف الساعدي، وفقا لما نقله موقع "سكاي نيوز عربية"، أن "مظفر النواب يتناوبه ويتجاذبه شاعران، الأول هو الشاعر الشعبي العظيم والمهم الذي مثل مرحلة حداثية في انتقال الشعر الشعبي لمصاف الشعر الوجداني الكبير، الذي عشش في قلوب الناس، وخصوصا بعد أن غنيت معظم قصائده في نهاية الستينات وبداية السبعينات، مع ازدهار الحياة المدنية والثقافية العراقية آنذاك، قبل البدء بعسكرة المجتمع العراقي، حيث انتقل على إثر ذلك للمنفى معارضا صلبا، ولا زالت أغنيات قصائده تلك تردد في معظم البيوت العراقية لحد اليوم".

كما يوضح الساعدي، متابعا: "والشاعر الثاني هو مظفر النواب السياسي، الذي نجده في قصائده وأشعاره الفصيحة بلغة الضاد، والذي كتب الشعر الهجائي في نقد المواقف السياسية العربية ودافع فيها عن القدس وفلسطين، وقصائده في هذا الإطار ترسخت في وجدان وذاكرة معظم الشعوب العربية وليس الشعب العراقي فقط، ولهذا نرى حجم الصدمة في الشارع العربي عامة من غياب هذا الشاعر الكبير".

وحول شهرة النواب الواسعة بقول الساعدي: "تجربة النواب غنية ومتعددة ولا يمكن حصرها في قالب واحد، حيث لديه قصائد شعرية كتبت من أجل الشعر، وخاصة الشعبية منها لكن شهرته الواسعة تحققت بفعل مواقفه وأشعاره السياسية الهجائية. حيث الجميع يحفظون شتائمه في إحدى أشهر قصائده الهجائية والتي لم تكن في واقعها شعرية، بل عبارة عن هجاء وذم سياسي بسيط لكنه تعبير عن موقف سياسي طبعا. لهذا حظي عبر التزامه السياسي هذا بحب الكثيرين وتقديرهم، رغم أن هذا الالتزام لا يعني أن قصائده بالفصحى كانت عالية الجودة فنيا في مجال الشعر الفصيح، لكن في مجال شعره الشعبي لديه ولا شك الكثير من القصائد العالية السوية الفنية، وحتى لديه مثلها في أشعاره الفصحى.

"إيقاظ وعينا"

واشتُهر النوّاب الذي ولد في بغداد في الأول من كانون الثاني/يناير عام 1934، وتخرّج من كليّة الآداب في جامعتها، بقصائده الثورية بعد سنوات في السجن والغربة أمضاها صاحب قصيدتي "القدس عروس عروبتكم" و"قمم" اللاذعتين. أمّا أوّل قصيدة أبرزته في عالم الشعر فهي "قراءة في دفتر المطر" في عام 1969.

أول طبعة كاملة باللغة العربية لأعماله صدرت في العام 1996 عن دار قنبر في لندن. وأبرز دواوينه في الشعر الشعبي "الريل وحمد"، في حين كان آخر بيت شعري له على فراش المرض "متعبُ مني ولا أقوى على حملي".

وأمضى النواب سنوات عمره بغالبيتها خارج بغداد، لكنه بقي حاضراً في وجدان العراقيين الذين ودّعوه بتداول صوره وقصائده على مواقع التواصل الاجتماعي منذ إعلان خبر وفاته.

في العام 1963، اضطر الشاعر الذي كان شيوعياً، إلى مغادرة العراق، بسبب الظروف السياسية والصراع بين الشيوعيين والقوميين. هرب إلى إيران عن طريق البصرة، قبل أن تسلّمه السلطات الإيرانية إلى الأمن السياسي العراقي حينها، وفق نبذة عنه نشرها موقع "أدب" المختصّ بالشعر العربي.

حُكم على النوّاب حينها بالإعدام، لكن خُفف حكمه إلى السجن مدى الحياة، وانتهى به المطاف بسجن في الحلة في وسط العراق. وقد فرّ حينها من السجن، لكنه اعتُقل ثانية بعد سنوات.

بعد الإفراج عنه، غادر بغداد الى بيروت ثمّ دمشق، وتنقّل بين العواصم العربية والأوروبية، قبل أن يُصاب بالمرض ويفارق الحياة في الإمارات حيث كان يتلقى العلاج. لم يتزوّج قط وليس له أولاد.

العودة الأولى للشاعر الذي كان منفياً في ظلّ نظام صدام حسين، إلى العراق كانت في العام 2011، تزامناً مع الانسحاب الأميركي إثر الغزو في العام 2003، فهو كان يرفض العودة إلى بلده في ظلّ "الاحتلال".

وفي حين برز كشاعر، كان النواب أيضاً فناناً تشكيلياً، و"واحداً من أجمل الأصوات العراقية" الغنائية، وفق تعبير الشاعر والكاتب عبد الحسين الهنداوي، مضيفاً أنه "كان أساساً شاعراً غنائياً ... أعطى اللغة العامية العراقية بعداً جمالياً إضافياً".

وعلى الرغم من أنّه من جيل سابق، لكن قصائده انتشرت على نحو كبير خلال الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة التي هزّت العراق في تشرين الأول/أكتوبر 2019، وتناقلها الشباب تعبيراً عن رفضهم للواقع السياسي وأملهم في التغيير.

 

قراءة 158 مرات

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة