د.عبدالعزيز الوحش

د.عبدالعزيز الوحش

الأحد, 17 حزيران/يونيو 2018 14:36

صكوك الوطنية والعمالة


كلما اشتدت الحرب اليمنية تتداعى لها أجهزة الاعلام لكل مكون بالاتهامات والاتهامات المضادة; ويوزع كل مكون صكوك الوطنية والعمالة على هذا المكون او ذاك فهذا عميل لقطر وتركيا; وذاك للإمارات والسعودية ; واخر  لإيران وروسيا وهكذا.

 وكأن الوطن يخص هذا المكون دون غيره ; بينما لا يشك احدا بانها بلا استثناء مكونات يمنيه خالصة تحت مسميات سياسيه أو اجتماعيه أو مذهبيه (سنيه - زيدية " شيعية") أو جغرافية وليس بينهم عضوا منتميا لجنسية اخرى.

 وما لا يجب نكرانه ان البعض منهم إن لم نقل معظمهم لهم علاقاتهم بالخارج ; لكن  هذا لا يلغي وطنيتهم ; ومع العلم أن ما يدفع هذا المكون او ذاك لارتباط بالخارج ; محاولة منه الاستقواء به لامتلاك القوة واقصاء المكونات الاخرى; هو في الاساس ذلك الصراع المستمر حول كيفية بناء الدولة, والمشاركة في ادارة السلطة, وتوزيع الثروة.

ولو تم حل هذه الاشكالية بين المكونات المذكورة في اطار العدالة في الحقوق والوجبات , والمواطنة المتساوية , والقوانين الصادرة وفقا لدستور اجماع وطني لا يعدل الا بإجماع وطني; لكفت تلك المكونات علاقاتها العلنية او المستترة بالاستقواء باي طريقه من الطرق بالخارج , وكرست جل اهتماماتها على التنافس في سبيل التنمية الوطنية واستدامتها والرقي بالمجتمع وازدهاره وتقدمه.

 ولذلك لا داعي أن يتهم اليوم كل مكون الاخر بالعمالة ونحن جميعا كأفراد كل منا ينضوي في اطار احد المكونات المذكورة سلفا بطريقة مباشرة او غير مباشرة ; وكل ما علينا كجماعات هو مراجعة حساباتنا ومواقفنا واستكشاف اخطائنا بما يجعلنا جميعا وبإرادة يمنية حرة الاستجابة بشجاعة لإيقاف الحرب الراهنة التي اوصلتنا الى فقدان الكثير يأتي في مقدمتها تدمير البناء النفسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والقيمي للفرد والمجتمع عوضا عن الخسائر البشرية والبنى التحتية وتكاد تعصف بالهوية الوطنية الجامعة.

 وعلى الذين يخشون الموافقة على ايقاف الحرب وفقا للمرجعيات التي تم اقرارها وطنيا واقليما ودوليا ان يغلبوا العقل ما دامت هذه المرجعيات تكفل مصالح الجميع دون اقصاء لأي مكون ; ونستغل بذلك مساندة ودعم المجتمع الاقليمي والدولي حتى نصل الى تسوية سياسية تعيدنا الى رشدنا وتحقق لنا السلام والتنمية المستدامة بما في ذلك اعادة الاعمار التدريجي بمعناه الواسع; فربما تكون الفرصة اليوم سانحة للتفاوض والحوار والوصول الى حلول تجنبا حروبا اكثر تمزيقا وتدميرا وتشرذما وتعيدنا دويلات متناحرة فيما بعد ولعل هناك من رسم لهذا المصير ان لم نقدم على خطوة جريئة ونقدم لبعضنا تنازلات قد تبدو مؤلمة على مستوى كل مكون لكنها بحسابات الوطن ستكون مفيدة. 

والله من وراء القصد.

 

متابعة لما سبق :

    لا شك أن البداية الصحيحة للتفاوض من أجل السلام[1]- كما ذكرنا في مقترحنا في الحلقة الثانيةالتي نشرت بتاريخ 15مايو 2018م - وما سنذكره اليوميجب أن تكون بوضع الهدف المسبب للحرب كموضوع أول للمفاوضات اليمنية القادمة التي يخطط لها "مارتن جريفيت" وسيقدمها لمجلس الامن خلال شهر يونيو القادم ، ولا ندري ما الذي يخطط له وما هي اولوياته ، لكني ذكرت في مقترحي "البند ثانيا الفقرة (أ) أن يبدأ التفاوض بإقرار العمل بمخرجات الحوار الوطني الشامل الذيتوافق عليها اليمنيين ، واستكمال ما تبقى ، وما كان مثار خلاف منها ، باعتبار أن مضامين تلك المخرجات هي اساس بناء دولة مدنية ديمقراطية اتحادية حديثة ، فبقدر ما كانت الحرب الراهنة هروبا من هذه المخرجات فإنها في الوقت ذاته تعبير عن جذر المشكلة المسببة للحروباليمنية المتمثلة بإشكالية بناء الدولة الضامنة ، فكل السلطات المتعاقبة عجزت عن بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية التي تكفل المشاركة السياسية الواسعة في السلطة لكافة فئات المجتمع وشرائحه ، وتوزيع الثروة حسب حاجات الناس وفقا لخطط التنمية المستدامة ...ورأينا أن حسم هذه القضية الجوهرية وقبول جميع الاطرافبها، سوف يسهل ما بعدها"[2] . وربما يرى غيري ومنهم "جريفيت"أن الخطوة الاولى يجب أن تبدأ بإيقاف العمليات القتالية حتى يتسنى للمفاوضين التوصل بهدوء الى اتفاقات مجدية غير أن ذلك كما اضن ليس سوى مضيعة للوقت ، فإذا لم تتوفر لدى الجميع قناعة كاملة للسير في الطريق الذي يضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة وضمان الحقوق والحريات والعدالة ، والمواطنة المتساوية ..الخ وفقا لما تضمنته مخرجات الحوار الوطني الشامل الذي دام قرابة عشرة اشهر وبإشراف المبعوث الأممي جمال بن عمر. فان الحرب سوف تستمر حتى لو تم الاتفاق على وقف العمليات القتالية وقد سبق لنا خبرة ذلك في زمن المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ الذي توصل مع جميع الاطراف الى وقف لإطلاق النار لمدة محددة ، ومع ذلك كانت هناك اختراقات واتهامات متبادلة وعادت الحرب أو لنقل استمرت ، كما أنه توصل في مفاوضات الكويت الى اتفاقات كان اطراف المفاوضات على وشك التوقيع عليها ثم تراجع الحوثيين(انصار الله) حسب أخر إفادة لولد الشيخ احمد لمجلس الامن ، وهو ما يمكن أن يحدث في أي عملية جديدة لوقف العمليات القتالية وربما يكون الجديد هذه المرة لدى "جريفيت"اقتراح مراقبين دوليين لمراقبة الطرف الذي قد يخترق وقف العمليات القتالية لكن النتيجة في نظري ليست سوى اطالة امد الحرب وإيجاد تسويات سياسية غير مرضية لليمنيين التواقين الى سلام دائم . ولا أخفيكم أن ما دفعني  لجعل إقرار العمل بهذه المخرجات منذ بداية جلسات التفاوض - طبعا بعد الاتفاق على تنفيذ ما جاء في المقترح البند "أولا" في الحلقة الثانية كبادرة اثبات حسن النوايا - هو أن تحالف الانقلاب والحرب ( الحوثي - صالح ) قد شاركوا في الحوار وهم يضمرون الانقلاب على نتائجه ما لم تنسجم مع اهوائهم ورغباتهم ، كما كان الحال - حسب ضني وبعض الضن اثم - لدى قوى اخرى شاركت في الحوار ووافقت على مخرجاته ، ولكن كانت قناعتها غير مكتملة ، وهذا ما كشفته مواقفهم من قضية شكل الدولة ، وعدد الاقاليم (وقد ذكرت في الحلقة السابقة أن ثلاثة اقاليم شمال - وسط - جنوب ستكون مقبولة لدى معظم اليمنيين) ، وموقفها من القضية الجنوبية ، واللجنة الوطنية ، والعدالة الانتقالية وغيرها . بالإضافة الى ذلك أن مخرجات الحوار الوطني هي احد المرجعيات[3] المهمة لأي حوار قادم حسب اجماع كافة القوى السياسية ، ومجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومجلس الامن ، كما أن الانقلابيين استخدموا مخرجات الحوار الوطني احد الذرائع للانقلاب على الحكومة الشرعية الى جانب زيادة اسعار المشتقات النفطية ، وعندما سيطروا على مفاصل مؤسسات الدولة تنكروا صراحة لمخرجات الحوار ، ورفعوا اسعار المشتقات النفطية كما تعرفون . لذا نقول اناقرار الجميع العمل بتلك المخرجات يجب أن تكون القضية هي القضية الجوهرية الاولى لأي تفاوض .

(ب):القضية الجوهرية الثانية للتفاوض أو الحوار التي يجب أن يتم الاتفاق عليها باعتبارها كانت قضية خلافية ، وكان هناك من يعمل على اعاقتها بينما كان الرئيس هادي يستحث اللجنة بخطى متسارعة لانجازها قبل وبعد إنتهاء مؤتمر الحوار الوطني واعني بها استكمال مسودة دستور الدولة الاتحادية ، وهي قضية يجب أن تحسم بعد الموافقة على العمل بمخرجات الحوار الوطني الشامل ، لأنها شرط اساس لتنظيم العلاقة بين سلطة الدولة بمؤسساتها الثلاث وبين المواطنين ، وعدم حسمها في ظل تأكل الدولة ومؤسساتها خلال فترة الحرب الراهنة ، وما نتج عنها من اختلال في بنية المجتمع الاجتماعية ، والثقافية ، والدينية ، والقيمية ، والاقتصادية ، والسياسية ، والأمنية ...الخ ، يعرض أي اتفاق أو تسوية سياسية مهما كانت أهميتها الى المجهول ، لذلك لابد من موافقة جميع الاطراف على اصدار الرئيس عبدربه منصور هادي قرار باستئناف اللجنة التي اعدت مسودة الدستور عملها أو تشكيل لجنة لاستكمال مسودة الدستور التي كانت على وشك الاستكمال ، وعرضها على كافه القوى السياسية التي شاركت في مؤتمر الحوار الوطني ، والقوى المشاركه في المفاوضات الجديدة لإبداء ملاحظاتها ولمرة واحدة خلال مدة زمنية محددة ، وإعادتها للجنة لأخذ الملاحظات المهمة التي تنسجم مع مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ، وصياغة الدستور صياغة نهائية ، وتسليمه للتوقيع عليه من كافة القوى المذكورة أنفا وبحضور مجلس التعاون والمبعوث الأممي كممثل عن الامم المتحدة ، مع تثبيت صلاحية العمل به فور التوقيع علية ، ومن ثم دعوة مجلس النواب الحالي لإقراره بصيغته المؤقتة ، ويصدر رئيس الجمهورية قرارا بسريان الدستور الجديد ، على ان يتم انزاله للاستفتاء الشعبي بعد فتره انتقاليه مزمنة . تكون فيها سلطة الدولة الاتحادية قد أثبتت سيطرتها على الارض  .

وقد يبدو مثل هذا الطرح أو العمل توفيقيا ومتعجلا أو غريبا الى حد ما ، لكنه من وجهة نظري عملا تأسيسيا مهما لمرحلة جديدة من مراحل تأسيس الدولة المدنية الاتحادية يقطع الطريق أما التشعيبات التي بدأت تظهر لتجزئة الوطن وربما تمس الهوية الوطنية اذا لم يتم ضبطها بهذا السياق الدستوري الشامل . 

(ج): الاتفاق على تشكل هيئة مستقلة للدفاع الوطني والأمنمن كوادر وطنية مستقلة ذات اجماع وطني مشهود لها بالنزاهة والاستقامة والولاء الوطني بإشراف أممي ، وعربي وفي المقدمة دول مجلس التعاون الخليجي خلال فترة زمنية انتقالية محددة ، تبدأ عملها وتتلقى توجيهاتها من القيادة الوطنية الشرعية بالتشاور مع الجهات المشرفة ، وتكون مهمتها الاتي :

1) الاعلان عن وقف العمليات القتالية في جميع الجبهات وفي عموم الجمهورية ، وتوقف الغارات الجوية ، وفتح المواني ، والمطارات . 

2) استلام كافة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من جميع الاطراف المسلحة وبشكل متزامن ، وفي مقدمتها الاسلحة الثقيلة والمتوسطة والبالستية التي بحوزة الحوثيين (انصارالله) ومن مختلف محافظات الجمهورية ، وتحدد مناطق التسليم والاستلام خلال فترة زمنية معلومة التاريخ ، على أن تكون مواقع تجميع تلك الاسلحة خارج المدن الرئيسة وبعيدة عن تواجد جميع اطراف الصراع .

3) اعلان كافة الاطراف بلا استثناء حل مليشايتها المسلحة وتسليم اسلحتها للهيئة الوطنية ، وضم اعضائها في اطار التشكيل الجديد الذي ستقرره الهيئة. 

4) القوات التابعة للتحالف ستكون جزءا من هذه العملية وتخضع لنفس الشروط والمعايير التي تحددها الهيئة الوطنية ولن تكون استثناء . 

4) تعمل اللجنة على اعادة هيكلة القوات المسلحة والآمن بطريقة حديثة ، مع ضمان مشاركه وتمثيل كافه المحافظات بمديرياتها ومراكزها وقراها ، وبحسب النسب السكانية , وبما يلبي بناء جيش ، وأمن وطني على اسس وطنيه جديدة بعيده عن اي اعتبارات سياسية أو قبلية أو مناطقية أو مذهبية أو سلالية أو اي اعتبارات اخرى ، وربطها باتفاقيات دفاع مشترك مع دول الجوار .

5) تشكيل قوات أمن وحماية داخلية لجميع المنشات والمؤسسات والمرافق الحكومية في جميع المحافظات ، وقوات حماية خاصة للشركات والمنشات النفطية ، والموانئ البحرية ، والمطارات ، وغيرها. 

د) يتزامن مع تشكيل هيئة الدفاع الوطني ما يلي :

1) اعلان الحوثيين (انصار الله) حل اللجان الثورية ، والمجلس السياسي ، وأي مليشيات اخرى (ينطبق عليها وعلى اللجان الثورية المسلحة البند(2) من الفقرة (ج) ، وانسحابهم من كافة المحافظات التي تم الاستيلاء عليها ، والاعتراف بشرعية عبدربه منصور هادي باعتبارها شرعية دستورية توافقية تم الاعتراف بها محليا وإقليميا ودوليا ، وفي المقابل يتم اعتراف الشرعية والقوى السياسية الاخرى بأن الحوثيين (انصار الله) مكونا سياسيا مدنيا مع ضمان مشاركتهم في العملية السياسية وفي مختلف مرافق ومؤسسات الدولة الجديدة .

3) يتم اعتراف الشرعية والقوى السياسية الاخرى بالمجلس الانتقالي الجنوبي كمكون سياسي مدني يعبر عن  القضية الجنوبية مع ضمان مشاركتهم في العملية السياسية وفي مختلف مرافق ومؤسسات الدولة الجديدة .

4) تشكيل مجلس رئاسة توافقي من خمسة أعضاء لفترة انتقالية يتم تحديد مدتها بفترة زمنية مناسبة لاستمال مهام محددة برأسة عبدربة منصور هادي ويتم اختيار نائبا له من بين الاربعة الاخرين .

5) يتم التوافق (مجلس الرأسه + القوى السياسية) على تشكيل حكومة وحدة وطنية من التكنوقراط ، بعيدا عن التقاسم المعهود ، ويراعى في الاختيار الكفاءة والاستقلالية والمهنية والنزاهة أي وفقا لمعايير وطنية يتم تحديدها .

(هـ)الاتفاقعلىتنحيالعديد من الشخصيات التي شملتها القرارات الأمميةأو تلك التي لم تشملها القرارات الدولية لكنها مثار جدل لدى الشارع اليمني ، وسببا في إثارة العنف على المستوى الوطني أو الاقليمي أو الدولي ، الى جانب الشخصيات التيكونت ممتلكاتها وثرواتها نتيجة قربها أو علاقتهامن النظام السابق وبالسلطات الفاسدة بطريقة مباشرة او غير مباشرة , وتلك التي تكونت لديها ممتلكات وثروات خلال فترة الحرب ، ولا زالت تلعب دورا سياسيا أو عسكريا في صف الشرعية أو الانقلابيين أو غيرهم ، ومثل هؤلاء لا يكفي تنحيهم عن مهامهم ، بل محاسبتهم وإعادة تلك الممتلكات والثروات للخزانة العامة باعتبارها ممتلكات الشعب ، بالإضافة الى الشخصيات التي لا تزال تحرض على استمرار العنف أي كانت صفتها وانتمائها ، مع ضمان إقامة كل منهمفي إي دولة من الدول حسب رغبته ما لم يكن مطلوبا للعدالة بموجب القانون ، وسيؤدي خروجهم من المشهد السياسيأو العسكري اي كان المنصب الذي يشغلهإلى تمهيد الطريق أمام ظهور قيادة تنفيذية أكثر فعالية في اليمن ، ويزيل الرؤؤس الراعية لبؤر الفساد المنتشرة في مختلف المؤسسات ، وقد كانذلك هدف رئيسي للعديد من المشاركين في ثورة ساحة التغيير عام 2011م[4].

 

 


[1]أود التنبيه الى أن ما نشر في الحلقة الثانية وفي هذه الحلقة عبارة عن مقترحات شخصية كخطة لمبادرة حل ارى أنه يمكن أن يسهم الى حد كبير – الى جانب افكار اخرى سوف انشرها لاحقا - الى الوصول سلام مستدام لو اردنا ، وأنا على وعي ان هذا المقترح الى جانب ما سوف انشره في حلقات قادمة يحتاج تنفيذه سنوات الى جانب الجهد والمال ، ولكن خطواته الاولى تحتاج الى ارادة يمنية جماعية ، كما ان فترته الزمنية للبناء هي افضل مما نقضيها في حلول سرعان ما تنهار لنعود للحرب من جديد ، كما ارى ان هذه المقترحات يمكن أن تجنبنا مقترحات خطة مفخخة مليئة بالألغام ربما يفرضها علينا الخارج كما يشاء .اتمنى من المهتمين وخصوصا قيادتنا في الحزب الاشتراكي اليمني قراءة المقترح وإثرائه وتعديله والإضافة الية والحذف أو على الاقل الاستفادة منه فربما يجدون فيه ما يسعى "مارتن جريفيت" الى تدوينه بخطته وأنا على يقين ان الكثير ينظر الى السلام من زاوية ايقاف الحرب ليس اكثر والتوصل الى تسوية سياسية بينما نحن نريد من مقترحنا الوصول الى الاتفاق على اسس بناء الدولة وإيقاف الحرب بشكل نهائي لاعودة فيها لأي حرب فيما بعد. هناك منا من يريد تسوية سياسية ليستريح قليلا وهناك من يريد تسوية توصلنا الى حالة من الاستقرار، لكن علينا جميعا كيمنيين لا كأفراد بل كشعب ان نتذكر اننا خسرنا كثيرا وعلينا ان نربح قليلا.     

[2]من المهم مراجعة الموضوع كاملا في الاشتراكي نت 15مايو 2018م.

[3]المبادرة الخليجية والياتها التنفيذية ، ومخرجات الحوار الوطني الشامل ، وقرارات  مجلس الامن وخاصة القرار 2216

3Anderson,et al ( 2017)  Rebuilding a Unified Yemen Emerging from the Rubble: Institute for the Study of Diplomacy Georgetown University May 2017,p6

 

 

2 - "مارتن جريفيت"وقضايا التفاوض من أجل السلام :

      بعد تقديم إحاطته الأولى التي قدمنا قراءة لها في الحلقة السابقة استأنف "مارتن جريفت" جولته الثانية للتشاور مع جميع الاطراف المحليين والإقليميين بهدف استكشاف وجهات نظرهم في عناصر العملية التفاوضية كما قال ، حتى يتمكن من ترتيب خطة عمل تتدرج من القضايا التي يمكن أن تكون اقرب الى الاتفاق اثناء عملية التفاوض ليصل الى القضايا الأكثر تعقيدا خصوصا فيما يتعلق بتفاصيل بناء السلام ، وهي ايضا فرصة مناسبة تمكنه من معرفة التغيرات الطارئة على نفسية القادة الفاعلين في عملية الصراع ، ومدى قابليتهم للتقارب في التوصل الى حلول تزيح عن اليمنيين مأساة الحرب التي اصبح معظم ضحاياها من المدنيين ، بالإضافة الى معرفه أعمق لمدى قابلية القوى الاقليمية الفاعلة في الشأن اليمني على انهاء الحرب خصوصا مع التطورات الاخيرة التي برزت بين الشرعية وبعض دول التحالف الداعمة للشرعية كامتداد لخلافات سابقة لم يتم الاتفاق حولها منذ وقت مبكر ، وبدت هذه المرة اكثر استفزازا لليمنيين ، وهي ايضا فرصة مناسبة لاستكشاف مدى رغبة الحوثيين (انصارالله) في تقديم تنازلات اثناء التفاوض بعد قرار الرئيس الامريكي في انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الايراني وفرض اقسى العقوبات الاقتصادية على إيران بسبب سياستها في المنطقة ، وبالأخص استمرارها في التدخل بالشأن اليمني ودعم الحوثيين (انصارالله) بالأسلحة الباليستية الذي اعتبرها "ترامب" احد الاسباب المعلنة لانسحابه من الاتفاق ، رغم علمنا أن قرارات القادة عادة ما تكون دوافعها الحقيقية غير معلنة وإن كانت الاسباب المعلنة وجيهة.      

    ما من شك أن مساعي السلام تبدأ أولا بإيقاف العمليات القتالية بين جميع أطراف الصراع ، والحالة اليمنية ليست استثناء ، وهو ما يأمل أن يصل اليه "جريفيت" عندما يلتقي بجميع الأطراف على طاولة المفاوضات ، لكن كل تجارب الحروب سواء تلك التي تنتهي بالاتفاق أو التي تنتهي بانتصار عسكري تشير الى أن إيقاف أي حرب لا يعني تحقيق السلام . لأن استمرارية العقلية الحربية التي كانت قبل الحرب لدى الجميع أو على الاقل لدى البعض تظل تعمل على تهديد احتمالات السلام والمصالحة التي يمكن أن تتم بعد الحرب[1] ما لم يتم اعطاء المزيد من الاهتمام في المفاوضات للأسباب الجذرية التي أدت الى نشوبها ، وما لم يتم ايضا وضع اﺳﺘﺮاﺗﻴﺠﻴﺎت تنفيذية تتصدي لعدم عودتها ، وهذا يعني أن قائمة متطلبات السلام المستدام ستكون طويلة وفيها الكثير من العناوين البارزة التي تتطلب خطط اجرائية تشتمل على التفاصيل الدقيقة ، وفي الحالة اليمنية فان قائمة خطط متطلبات السلام المستدام يجب أن تعمل على تغيير العقليات والمواقف والسلوكيات لدى القيادات والجماعات والأفراد في اطار عملية شاملة للسلام المستدام ، وإعادة الاعمار وربطها بالتنمية المستدامة ، وهذه الخطط من الضروري أن يتم تنفيذها على مستوى المجتمع ككل (الفرد ، الأسرة ، المجتمع بمختلف مؤسساته الاقتصادية ، والتعليمية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والحوكمة ،....الخ ) بحيث يكون هناك تدخلات متعددة القطاعات ، والوسائط ، والمستويات ، مع التركيز على الشمولية ، والمساءلة ، والاستدامة حتى يتم ضمان قيام كافة المؤسسات والعمليات الاجرائية الجديدة بتعزيز رابطة السلام الدائم[2].

    لكن ربما يكون من المفيد أن تتصدر قائمة أولويات المفاوضات المقبلة انجاز العديد من القضايا الملحة والعاجلة التي لا تقبل التأخير بعضها يتطلب الحسم قبل الاتفاق على انهاء الحرب ، وبعضها الاخر تتعلق بإنهاء الحرب ، ثم هناك متطلبات السلام المستدام ، وهو ما سوف نتناوله فيما يلي : 

أولا : متطلبات عاجلة قبل الاتفاق على انهاء الحرب :

    اعتقد من الضروري قبل أن تضع الحرب أوزارها كبادرة حسن نية من سلطات الانقلابيين أو السلطة الشرعية والتحالف ينبغي أن يركز"جريفيت"اهتمامه على الشروع في الحصول على موافقة اطراف الصراع المحلية والإقليمية على تنفيذ العديد من المطالب العاجلة لعل أهمها: (أ): توسيع دائرة التفاوض لتشمل عودة القوى السياسية التي كانت تتفاوض عند اجتياح الحوثيين "انصارالله"  للعاصمة صنعاء مضافا اليها المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره مكونا يعبر عن الحراك الجنوبي السلمي وشارك بفاعلية في تحرير المحافظات الجنوبية بإسناد قوات التحالف ، وغيرها من القوى التي يرى"جريفيت" من خلال المشاورات الجارية أهمية تواجدها في المفاوضات. (ب): ضمان تسهيل وصول تقديم معونات الإغاثة الانسانية الى جميع محافظات ومناطق الجمهورية دون أي اعاقة من أي طرف كان ، وذلك بعد اعادة النظر في الاليات السابقة التي شابها ورافقها الكثير من السلبيات خلال الفترة الماضية سواء كانت تلك السلبيات من المنظمات التابعة للأمم المتحدة أو الوكلاء المحليين أو من التحالف والدول المانحة . (ج): موافقة جميع الاطراف على الالية التي وضعها البنك المركزي أو اجراء تعديلات عليها بحيث يتمكن من الوفاء بالالتزامات التي ذكر انه سيبدأ بها في يوليو 2018م ، بمعنى اخر وضع حد للعملية الاقتصادية وعدم انهيار العملة اليمنية ، وقبل كل ذلك الالتزام بصرف رواتب الموظفين في مختلف المؤسسات في المحافظات الواقعة تحت سلطات الشرعية أو سلطات الانقلابيين والتي لم تعر أي من السلطتين أي اهتمام لها لأكثر من عشرين شهرا مما ضاعف الازمة الانسانية في اليمن. (د): انجاز فوري لا يقبل كثرة النقاش والجدال يقضي بإطلاق كافة المعتقلين ، والمخفيين قسريا ، واسرى الحرب في كافة السجون اليمنية مع ضمان تعويضهم عما لحقهم وأسرهم نتيجة ذلك ، والتزام كافة الاطراف بعدم تكرار تقييد الحريات مجددا وفقا للقوانين الانسانية المتعلقة بذلك ، والمكفولة بالدستور والقانون اليمني التي صادرها الانقلابيين بعد اجتياحهم للعاصمة صنعاء والمدن اليمنية الاخرى أو تلك التي تم تحريرها ولكنها فرضت نفس القيود التي فرضها الانقلابيين من السلطات المحسوبة على الحكومة الشرعية .(هـ): التزام جميع الاطراف على تخفيف حدة الخطاب الاعلامي ومحاولة بث مواد اعلامية تدعو الى التعايش والتسامح وإعلاء مبادئ وقيم السلام التي نادى بها الاسلام والمواثيق الدولية والتهيئة لإيقاف الحرب في جميع وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.(و): التزام دول التحالف بمعالجة كافة الجرحى والمعاقين بسبب الحرب من جميع الاطراف ، والتزام الشرعية بإضافتهم الى كشوف مرتبات اجهزة الدولة الرسمية لان مثل هذه الخطوة من شأنها تخفيف الاحتقان والأحقاد والضغائن لدى جميع الاطراف. (ز): التزام الحوثيين (انصارالله) بإلغاء كافة التغييرات التي تم ادخالها على الشعائر الدينية في المناسبات وأدت الى خلافات وتوترات اجتماعية في مساجد بعض المناطق الخاضعة لسلطتهم ، بالإضافة الى الغاء أي تعديلات يمكن أن تكون قد أدخلت على بعض المناهج الدراسية . فتنفيذ مثل هذه المطالب سوف يمهد لمفاوضات اكثر ايجابية .

ثانيا : متطلبات عاجلة لإنهاء الحرب :

      إذا كانت النقطة الاولى تتطلب حسما عاجلا دون الخوض في نقاشات مطولة لأنها مطالب ملحة لا تقبل التأجيل فان متطلبات انهاء الحرب تتطلب تحديدا دقيقا لأولويات المفاوضات ، كما تتطلب مسئولية محددة من كل طرف من اطراف التفاوض يكون ملزما بتنفيذها على الارض ، وبعض القضايا الاجرائية قد تتطلب اشرافا اقليميا او دوليا مثل وقف العمليات القتاليه ، وتسليم الاسلحة الثقيلة والمتوسطة ، والانسحاب من المحافظات والمؤسسات التي لا تزال تحت سيطرة الانقلابيين ، وغيرها من القضايا المعقدة التي تعد نتائج للحرب "حسب كتابات الرفيق قادري احمد حيدر" خصوصا بعد أن أوضح تقرير اعضاء فريق الخبراء المعني باليمن المقدم الى مجلس الامن بتاريخ 23 يناير 2018م ، "أنسلطة الحكومةالشرعية اليمنية تآكلت الى حد اصبح مشكوك فيه عنده ما اذا كان بمقدورها في يوم ما أن تعيد اليمن الى سابق عهده بلدا واحدا ، ويستند الفريق الى :(أ) عدم قدرة الرئيس هادي على الحكم من الخارج .(ب)  تشكيل مجلس انتقالي جنوبي ولديه هد معلن وهو إنشاء يمن جنوبي مستقل. (ج)استمرار وجود الحوثيين في صنعاء ، وكثير من مناطق الشمال.(د) انتشار عمليات مستقلة من جانب قوات عسكرية تعمل بالوكالة يمولها ويمدها بالسلاح اعضاء التحالف الذي تقوده المملة العربية السعودية[3]". وهذا يشير الى أن سير المفاوضات ستكون شاقة ومعقدة ، وتتطلب مرونة من جميع الاطراف اليمنية للخروج بحلول تحفظ الوطن من التفتت الى دويلات وتنهي الحرب بل وأي حروب قادمة ، فدول التحالف دعمت الشرعية منذ البداية لكنها لم تكن جادة في انهاء الحرب بصورة سريعة ، فلو كانت جادة فعلا في انهائها . سوف تدعم القيادة الشرعية داخل الاراضي اليمنية وتمكنها من قيادة المقاومة لاستعادة شرعيتها وبناء جيشا وطنيا موحدا لكنها قصرت في ذلك ، ولم تعمل ايضا طوال سنوات الحرب على تمكين الحكومة الشرعية من العودة بشكل فعال الى الاراضي اليمنية المحررة لفرض وجودها على الارض ، بقدر ما عملت بعض دول التحالف على دعم جماعات أو تكوين جماعات مسلحة موالية لها ، ومتناحرة مع بعضها ، وهو ما ساهم في تعزيز قوة الانقلابيين ، وبقائهم على السيطرة علي معظم محافظات الشمال المكتظة بالسكان بالقوة والقهر . وجعل حكومة الشرعية تظهر بهذه القدرة الضعيفة التي وصفها به التقرير .فتدخل التحالف حسب قول سالموتر Salmutter(2017) في بداية الامر كان مجديا ، والدعم المقدم للشرعية كان مجزيا ، إلا أن التطورات التي حدثت فيما بعد ، واستهداف المدنيين والبنى التحتية ، وتكوين جماعات مسلحة خارجة عن سلطة الشرعية يجعلنا نتخيل أنه أصبح من الصعب العودة إلى أي تسوية سلمية ، خصوصا عندما نتذكر أن المبادرة الخليجية قد اخفقت لانتقال السلطة سلميا بعد مرور ست سنوات إلى أجل غير مسمى ، لأنها تناقضت مع الأهداف الرئيسية للثورة الشبابية الشعبية في فبراير 2011م[4].

     ومن هذا المنطلق وبدلا من تضييع الوقت والجهد والمال اعتقد أن البداية الصحيحة يجب أن تكون بوضع الهدف المسبب للحرب كموضوع أول للمفاوضات باعتباره هدف جوهري لإنهائه ، والوصول الى تسوية سياسية مختلفة تؤسس لبناء الدولة الضامنة للحقوق والحريات وهذا يتطلب الاتي :

(أ):أن يبدأ التفاوض بإقرار العمل بمخرجات الحوار الوطني الشاملالذيتوافق عليها اليمنيين ، واستكمال ما تبقى ، وما كان مثار خلاف منها ، باعتبار أن مضامين تلك المخرجات هي اساس بناء دولة مدنية ديمقراطية اتحادية حديثة ، فبقدر ما كانت الحرب الراهنة هروبا من هذه المخرجات فإنها في الوقت ذاته تعبير عن جذر المشكلة المسببة للحروباليمنية المتمثلة بإشكالية بناء الدولة الضامنة ، فكل السلطات المتعاقبة عجزت عن بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية التي تكفل المشاركة السياسية الواسعة في السلطة لكافة فئات المجتمع وشرائحه ، وتوزيع الثروة حسب حاجات الناس وفقا لخطط التنمية المستدامة . فالذين اشعلوا الحرب هم الذين كانوا عائقا في بناء الدولة على مدار العقود الماضية ، والطامحين الجدد في حصر السلطة والثروة في فئة أو سلالة بعينها دون أن يكلفوا انفسهم حتى التفكير في ابسط مقومات بناء الدولة ، بقدر هدمهم لمؤسساتهاالشكلية التي كانت تدار من مركز اتخاذ القرار في صنعاء ، وأسسوا للفوضى بدلا من تعزيز المؤسساتالموجودة , وهذا ما كشفته ممارساتهم على ارض الواقع خلال الحرب الراهنة ، بل وكشفت مقاصدهمالماضية , الحاضرة ,والمستقبلية المتمثلة بعدم خروج السلطة ، والقوة ، وثروة البلد عن مركز السيطرة الدائم وإن ادعوا غير ذلك .فحسم هذه القضية الجوهرية وقبول جميع الاطرافبمن فيهم اطراف محسوبة على الشرعية، مع ضمان تنفيذي اقليمي وإشراف دولي ، سوف يسهل ما بعدها. وبهذا الصدد لابد من الاشارة الى ضرورة مراجعة قضيه الاقاليم , وربما تكون فكرة ثلاثة اقاليم (شمال - وسط - جنوب) تحت دوله فدرالية فكره مقبولة لدى اغلبية اليمنيين .

يتبع

 

 


[1]Lambourne, (2004) Post-Conflict Peacebuilding:Meeting Human Needs for Justice and Reconciliation, Peace, Conflict and Development – Issue Four, April 2004 ISSN: 1742-0601, p2

2Anderson,et al.( 2017) Rebuilding a Unified Yemen Emerging from the Rubble: Institute for the Study of Diplomacy Georgetown University, May 2017Authors .p1-4

[3]مجلس الامن (2018)فريق الخبراء المعني باليمن  والمكلف بموجب قرار مجلس الأمن (2017)  رسالة موجة الى مجلس الامن مؤرخة 26كانون الثاني / يناير 2018 ص9

4Salmutter,2017, "Why did the transition process in Yemen fail?", عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. , p1-3


1-      قراءة في إحاطة "مارتن جريفيت" لمجلس الأمن :     

      تظهر الاحاطة الأولى التي قدمها المبعوث الأممي الجديد الى اليمن"مارتن جريفيت" الثلاثاء 17 ابريل 2018م لمجلس الأمن ثقة وخبرة الرجل في ادارة التفاوض السياسي ، وإدراكه المبكر لمكامن الاخطار التي يمكن ان تهدد أي اتفاق سيتم التوصل اليه بين اليمنيين ، ولذلك خاطب مجلس الامن صراحة أن دوره يقتصر على تسهيل عملية التفاوض وهذا في نظره لا يكفي ، بل يتطلب من الدول الأعضاء في المجلس القيام بدورها الدبلوماسي إذا أرادت الوصول الى نتائج ملموسة على الأرض باتجاه إيقاف الحرب ودخول اليمنيين في حوار لبناء السلام ."فجريفيت" - بلاشك - درس الملف اليمني بشكل جيد ، وتكونت لدية معرفة مناسبة بقوى الصراع الداخلية والإقليمية واللاعبين الدوليين من خلال جولته الأولى ولقاءاته مع "كافة الاطرافوالعديد من المنظمات المدنية ، والقادة ، والنساء الذين استمع بكل اهتمام لمختلف وجهات نظرهم[1]" ووجد لديهم كما قال قناعات في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب والدخول في مفاوضات لتحيق السلام ، وحسنا فعل للتأكد من تلك القناعات حين التقى بالأحزاب السياسية في السفارة اليمنية بالرياض بتاريخ 11 ابريل 2018مباعتبارها أحد اهم مرتكزات العملية السياسية التي استندت اليها المبادرة الخليجيه واليتها التنفيذية لنقل السلطة ; ولعبت الدور الاساس في مؤتمر الحوار الوطني الشامل للوصول الى تلك النتائج ذات الإجماع الوطني ; وحاولت بكل الوسائل السياسية السلمية تجنيب البلد كوارث الحرب غير انها فوجئت "بانقلاب جذري على العملية السياسية الحوارية القائمة ، كسياسة مضادة للواقع ومناقضة لتقدم المجتمع التاريخي بإقصاء وإكراه للخصوم  للقبول بقوة السلاح بالنتائج النهائية للحرب[2]" .

    ولذلك أدرك "جريفيت" مبكرا دور الاحزاب السياسية في اي تسوية سياسية ، وشعر أن الشرعية والتحالف والمبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ أحمد قد أهملوا دورها في عملية التفاوض خلال الثلاث السنوات الماضية ، الى جانب قمع دورها السياسي في الداخل بفعل معادلة الحرب كبديل للعمل السياسي ، وهو ما يعني أن اقتصار المفاوضات والحوار بين الشرعية والانقلابيين قد يكون أحد اسباب تعقيد المفاوضات ، ولن يكون مجديا التوصل الى السلام ما لم يتم استيعابمختلف القوىالسياسية للمشاركة في التفاوض والحوار القادم . كما أن "جريفيت"  أدرك ايضا خلال جولته أنالصراعقد أحدثتغييرات رئيسية على الأرضوأن عليه الأخذ بعين الاعتبار قوى الصراع داخل تحالف الشرعية ، وتحالف الانقلابيين ،وهذا ما جعله يلتقي بقيادات منالمجلس الانتقالي الجنوبي، وقيادات من المؤتمر الشعبي بعد مقتل "علي صالح" وبعض اللاعبين الإقليميين لمعرفته أن إهمال هذه القوى واقتصار المفاوضات بين تحالف الشرعية والانقلابيين لا يعني سوى قنابل موقوتة لأي سلامقادم . ويظهر أن المجلس الانتقالي الجنوبي استطاع ايصال رسالته بشكل قوي ، وهذا ما جعل"جريفيت" يشير في احاطته فيما يخص القوى التي تنضوي تحت مظلة الشرعية بقوله " لقد أحدث الصراعتغييرات رئيسية على الأرض في المحافظات الجنوبية ، وجعل إحباطات وتطلعات الجنوبيين الطويلة الأمد أكثروضوحاً ، فلن يكون هناك سلام في اليمن إذا لم نستمع أيضا إلى أصوات الجنوب ونتأكد من تضمينها فيالترتيبات السياسية التي تنهي الحرب[3]" وبهذا الصدد يمكن القول ان القضية الجنوبية ستدخل لأول مرة في اطار المفاوضات وعلى طاولة أي حوار قادم ، وسيكون هناك من يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره ممثل للحراك الجنوبي الذي اعلن عن نفسه في 7 /7/2007م بشكل مستقل عن الشرعية والانقلابيين ، وربما يبرز مطلب الانفصال كأمر واقع في المفاوضات خصوصا إذا بقي الموقف من القضية الجنوبية غير واضح ، وظل إصرار الشرعية على تقسيم الجنوب الى اقليمين ، وأستمر الحوثيين " انصارالله" على نفس الافكار التي انطلقوا منها منذ بداية الانقلاب للسيطرة على السلطة والثروة .

     لقد شعر"جريفيت" خلال جولته الاولى التي اتسمت بالشمولية أن الشعب اليمني في أمس الحاجة إلى بوادر أمل بأن هذه الحرب سوف تنتهي قريبا ولدية استعداد للعمل بكل ما في وسعهلإنجاز اتفاقات فعالة فيما بين اليمنيين ، لكنه يرى أن "الوساطِة بدون وجود دعٍم دبلوماسي يسندها تؤول الى الإخفاق ، وهو ما يتعين بالنسبة لأعضاء مجلس الأمن وغيرهم من الدول الأعضاء بين الفينِة والأخرى أن يضعوا قوة الرأي الدولي ظهيًر لهذه الاتفاقات " بل كانت اخر عبارة يوجهها للمجلس هي " وحدتكم وعزمكم سيكونان الحاسمين [4]" وفي تقديري أن هذه اشارة قوية الى تلك الدول الإقليمية والدولية التي تحرك بعض القوى المحلية وكان لها الدور الأساس في افشال الاتفاقات السابقة التي توصل أو كان يمكن أن يتوصل اليها اليمنيين . فحين نعيد النظر في بعض الدوافع الكامنة المختبئة تحت أسباب الحرب المعلنة لقوى الصراع المحلية والاقليمية ، سنجد الكثير من الشواهد التي تؤكد أن تلك القوى مارست بذكاء وعلانية اعمال ممنهجة لإفشال كافة الاتفاقات . بدأت ملامحها تتبدى لدى الكثير من المراقبين منذ التوقيع على المبادرة الخليجية التي لم تنص صراحة بخروج "اقطاب النظام السابق" نهائيا من المشهد السياسي ، وإعطائهم الحصانة ، بل ظلت تدعم بقائهم حتى اليوم ، وخير دليل على ذلك ما تقوم به بعض دول الجوار مع بقايا أسرة الرئيس السابق على عبدالله صالح .

 وبالعودة الى العراقيل التي واجهت مؤتمر الحوار الوطني الشامل خصوصا في جلساته الأخيرة ، سنجد مظاهر ذلك العمل الممنهج لإفشال الحوار أكثر وضوحا في رفضها وثيقة الضمانات ، ومشروع العدالة الانتقالية ، وعدم حسم موضوع القضية الجنوبية ، وظهور مقترح الاقاليم الستة بشكل مفاجئي ، وعدم استكمال مسودة ألدستور ، وعدم تشكيل اللجنة الوطنية كبديل لمجلس النواب وغيرها من المؤشرات التي تجعلنا نقرر بأن اطرافا محلية وإقليمية كانت قد أدركت أن مخرجات الحوار الوطني الشامل ستفضي الى الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة  كاستجابة لتطلعات جماهير ثورة 11 فبراير الشبابية الشعبية 2011م التي رفعت شعار "اسقاط النظام[5]" ، وهو ما ترى فيه فقدانا لمصالحها ، فبادرت بثورتها المضادة ، والانقضاض على السلطة الانتقالية التي وصلت للسلطة بموجب المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية التي ما كان لها أن ترى النور على ذلك النحو لو لا ضغط القوى السياسية اليمنية في إعادة صياغتها النهائية ووضع الية مزمنة لتنفيذها ، ولا توصل مؤتمر الحوار الوطني الى تلك النتائج لولا ارادة القوى الوطنية الحية في مؤتمر الحوار ، والمساندة الأممية . ويبدو أن "جريفيت" يخشى من استمرار وضع المزيد من العراقيل لإفشال المفاوضات القادمة وعدم التوصل الى اتفاقات ما لم يكن هناك ارادة لإنهاء الحرب والتوصل الى سلام مستدام .

    ومن غير المستبعد أن يكون لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية خارطة سلام جاهزة لوقفالحرب والدخول في مفاوضات وحوار لإحلال السلام على الطريقة التي تمت في مراحل سابقة من تاريخ اليمن ، لكن على المدى المنظور يبدو أن الحرب لن تتوقف ، ولن تظهر مثل هذه المبادرات كما يرى بعض المراقبين ، ما لم تتيقن دول التحالف أن مصالحها لن تتضرر فيما بعد ، وفي هذه الحالة سيكون على "جريفيت"التعامل مع ما يفرضه واقع الحال وإن بدى في إحاطته أكثر ثقة في التوصل الى اتفاق ، ومع كل ذلك عليهم جميعا إدراك أن إحلال السلام حتى وأن انسحبت كافة القوات من مواقعها وسلمت الاسلحة الثقيلة والمتوسطة للقوات التي سيتم الاتفاق عليها وعادت الشرعيه وفقا لاتفاق سياسي الى العاصمة صنعاء ، وتشكلت حكومة وحدة وطنيه ، ما لم يتم استئناف الحوار على اساس معالجة اسباب الحرب والآثار الناجمة عنها واستئناف معالجة القضايا الحوارية التي تم تجاوزها في أواخر جلسات مؤتمر الحوار الوطني الشامل اي بعد استكمال الثغرات التي تم ثنيها في لحظة استباقية للزمن قبل ان يباغتنا الانقلابيين بالحرب ونستهلك الزمن . فمن المهم في أي حوار قادم استكمال الخطوات المتبقية لمؤتمر الحوار ومراجعة القضايا الخلافية ; ووضع الخطط الاجرائية لمستجدات الحرب ، ومعالجة أهم الاسباب المؤدية الى تكرار الحروب; والاهم من ذلك وضع الخطط قصيرة ، ومتوسطة ، وبعيدة المدى لمعالجة اثار الحرب ، بما يضمن التوصل الى بناء الدولة المدنية الضامنة للمواطنة المتساوية ، اذا كان فعلا الهدف الحقيقي للمجتمع الاقليمي والدولي مساعدتنا في التوصل الى سلام مستدام ،اما اذا كان الهدف ايجاد تسوية والسيطرة على الاقتتال في الظروف الراهنة ، والبحث عن القوى التي تساند هذا الطرف الاقليمي او الدولي أو مكافحة الارهاب في إطار تسوية سياسيه كيفما كان الامر ،  فلا يعني ذلك سوى حروب مستدامة وليس سلام مستدام ، فالاتفاق على وقف الحرب مهم لكن الاهم هو أن يوفر ذلك "مجموعة جديدة من الفرص التي يمكن أن يلعب المجتمع الدولي فيها دوراً أكثر أهمية في رعاية أو تقويض عملية السلام[6]" ، وهذا الامر هو م ستكشفه النتائج على أرض الواقع حين تتعدد وتتدرج صياغة مطالب السلام المستدام من مطالب عاجلة ، ومتوسطة ، وطويلة المدى ، وتحويلها الى خطط اجرائية مزمنة قابلة للتنفيذ على الأرض بمساعدة إقليمية دولية تكفل الاستقلالية اليمنية .

    حقا لا ندري ما إذا كان المجتمع الدولي سوف يسعى الى الاستمرار في رعاية التفاوض حتى يتوصل اليمنيين الى اتفاق لسلام حقيقي يشمل كامل الجغرافيا اليمنية أم سيعمل على تقويض السلام بترك بعض الجماعات المدعومة إقليما تتناحر مع بعضها في المناطق الجبلية بعد أن يتم السيطرة الكلية على المناطق الساحلية والمناطق الحدودية لدول الجوار . لكن بالنظر الى الخطوط العريضة لإستراتيجية السلام التي سيتبعها "جريفيت" وذكرها في إحاطة نجد أن هناك جهود أممية مطمئنة لإنجاز السلام . حيثاشتملت الإستراتيجية على شقين الأول : العمل على ايقاف الحرب ، والثانية : بناء السلام ، وهي استراتيجية سليمة في حالة وصول جميع الاطراف الى القبول بإيقاف الحرب وإزالة الاسباب الظاهرة والكامنة للصراع ، ووضع الخطط الاجرائية السليمة لبناء السلام المستدام . يظهر الشق الاول للاستراتيجيةإيقاف الحرب : بقوله " أن الحل السياسي لوضع حد لهذه الحرب هو فعلياًمتاح ، فالخطوط العريضة لهذا الحلليست خفية : إنهـاء القتال ، وسحب القوات ، وتسليم الأسلحةالثقيلة في المواقع الرئيسية ، بمعية الاتفاق على تشكيل حكومة تتسم بالشمولية ، وتجمع الأطراف فيما بينها علىتوافق في الآراء لبناء السلام[7]" ، لكن هذه الخطوط العريضة هي ذاتها خطوط التقاطع والاختلاف منذ البداية وبسببها الظاهر ودوافع الحرب الكامنةوعدم انصياع الانقلابيين للسلامطالت فترة المفاوضات ، بالإضافة الى عدم تحديد الامم المتحدة بشكل صريح الطرف المعرقل للمفاوضات ، وهو ما جعل اليمنيين اكثر ريبة من امكانية الوصول الى سلام مستدام ، لذلك ينبغي على المجتمع الدولي أولا أن يكون مقتنعا بأنه سوف يسعى لإزالة أثار الانقلاب والحرب معا ويؤسس لسلام مستدام في هذا البلد الذي صار يصفه بأنه يعاني اسوء أزمة انسانية في العالم . فالاستقرار في اليمن كما أكد "جريفيت"لن ينهي فقط الازمة الانسانية كنتيجة من نتائج الحرب بل سيجلب الاستقرار لجيران اليمن وللمجتمع الدولي وسيحمي الممرات الدولية وسيقضي على ظاهرة الارهاب ، لذلك يرىأن الطاقات ينبغي أن تتحول صوب العمل لوقف هذه الحرب فالأطراف الضرورية لهذه المهمة المحددة هي التي يمكن أن تسهم قراراتها في إنهائها ، وهذا يتطلب مصداقية جميع الاطراف المحلية والإقليمية والدولية . والسؤال الذي يطرح نفسه هل لدى الحركة الحوثية "انصار الله" قناعة بإيقاف الحرب وسحب القوات ، وتسليم الأسلحةالثقيلة ؟ خصوصا بعد أن احكموا سيطرتهم على كافة القوات المسلحة الثقيلة التي كانت تمتلكها الدولة ، وبعد أن تخلصوا من حليفهم ولم يتبقىمنه سوى ديكور ليس الا ، وبعد أن جمع قادة الحركة الثروة التي لم يكن احدهم يحلم بها .   

    ويظهر الشق الثاني لإستراتيجية : بناء السلام  من خلال اشارته الى "إن بناء السلام سيكون مهمة أكبر ، تستند إلى سوابق مختلفة ومشاركٍة أوسع ، وسيكون الحوار الوطني ،بسجله ذي الشمولية والمشاركة المدنية مبعث الإعجاب سابقًة حاسمة ، وسيكون هذا جدول أعمال ألانتقالليشمل : المصالحة ، وهو ما يتطّلب اهتماماً كبيراً من جانبنا بعد نهاية الصراع ؛ والمراجعة الدستورية ، وإعادة  الأعمار ، وإعادة بناء مؤسسات الدولة ... و تحقيق هذا العمل  يستدعي مشاركة كاملةمن المجتمع المدني لضمان أن تتجاوز هذه العملية جانب السياسة وتعكس تطلعات جميع اليمنيين[8]"  وتحت هذه الخطوط الاستراتيجيه العريضة ستظهر تفاصيل جزئية إجرائية ، وستكون إن وضعت لاستكمال ما تبقى لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل على ارض الواقع مبعث اطمئنان لدى اليمنيين . غير ان ذلك يتطلب إرادة دولية تجبر دول الاقليم ( ايران - التحالف) والانقلابيين على الانصياع لكافة الاجراءات المطلوبة لإيقاف الحرب والدخول في حوار لإعادة الاعمار وبناء السلام , وأول تلك الاجراءات هي تخلي الحوثيين صراحة ليس فقط عن السلاح بل ايضا عن افكار التميز السلالي وتخليهم عن الحق الالهي في السلطة والقبول بالمواطنة المتساوية ، وتبني خطاب إعلامي مغاير لخطابهم الحالي وإزالة كافة التغييرات التي احدثت شرخا داخل المجتمع ، وتسببت في تفتيت النسيج الاجتماعي وأحدثت شرخا في البنية الاجتماعية , والقبول بتشكيل حزب سياسي يمثلهم ويعبر عن اتجاهاتهم السياسيه والفكرية , وهذا الاجراء لابد وان يتم قبل الدخول بأي حوار شامل بل قبل ان تضع الحرب اوازارها كإثبات لقبولهم بالأخر والتعايش بسلام إن كانوا صادقين في الوصول بالمفاوضات والحوار الى سلام مستدام .

    ويرى"جريفيت"وغيره أن الحرب تزداد ضراوة في اليمنبعد أن دخلت عامها الرابع دون الوصول لأي اتفاقوإيقافها غير متوقع عما قريب ، كما أن المفاوضات لا يمكن أن تكون مضمونة لان جبهات القتال مشتعلة ، وهذا يتطلب كما يقول "جريفيت" من "القادة تنحية خلافاتهم والاتفاق فيما بينهم على التعاطي مع بعضهم البعض ليس من خلال الاقتتال بل عبرالحواِر والنقاش، كما أن التنازلات المتبادلة مطلوبة من الجميع والتحلي بالصبر وحسن النوايا وإيجاد حلول ابداعية "، وفي اعتقادي أن استمرار الحرب أو عدم نجاح المفاوضات يرجع الى التخاذل الاقليمي والدولي الذيلميردعالمتسببين في الحربمنذ البدايةبإجراءات من شأنها تنفيذ القرارات الدولية بالاضافة الى أن التحالف الذي جاء لدعم الشرعية لم يمكنها من العودة والاستقرار في المحافظات المحررة والبدء بتنفيذ نموذج الدولة المدنية على ارض الواقع منذ الاسابيع الاولى للتحرير ، لكن يبدو أن المجتمع الدولي كان غير مقتنع بإنهاء الحرب والانتقال الى بناء السلام من خلال تأسيس مداميك الدولة المدنية الديمقراطية ، وإذا افترضنا أن من علامات الاقتناع في هذه المرحلة هو تغيير جنسية المبعوث الأممي الجديد (مارتن جريفيت)  ليحدث نقلة نوعية في عملية التفاوض والحوار للتوصل الى اتفاق سلام ، فإن من بداهة القول أن يالاخذ بعين الاعتبار أن المفاوضات والحوارات القادمة ينبغي ألا تلغي ما تم الإجماع عليه في مؤتمر الحوار الوطني الشامل بل تدعمها وتؤكد على تنفيذ وثيقة الضمانات المنبثقة عن ذات المؤتمر ; فالهدف من اي مفاوضات او حوارات قادمة لابد أن ينصب حول استعادة الدولة بمضامين نتائج مؤتمر الحور الوطني الشامل والتحضير لبناء السلام المستدام ، وهذا "يتطلب قوى سلام قادرة على تعبئة المجتمع باتجاه مناهضة العنف والحروب ، قوى عابرة للعصبيات القبلية والمناطقية والمذهبية والسلالية ، وهي القوى القادرة على حشد الجماهير برابطة سياسية وليس عصبية ، هذه القوى تتمثل بالأحزاب السياسية ، الأمر الذي يتطلب إدراكه من كل الأطراف المعنية بتحقيق السلام وفي مقدمتها الحكومة اليمنية والمبعوث الأممي [9]" ; ويبدو واضحا من احاطة "جريفت" أن المفوضات الاولى الخاصة بوقف الحرب وتسليم السلاح سوف تقتصر على الاطراف المتقاتله بينما الحوار سيشمل كافة الاطراف التي من شأنها أن تسهم في اعادة الاعمار وبناء الدولة ; وكل ذلك سيكون  وفقا للمرجعيات الثلاث مع تعديلات واضافات حسب ما تقتضيه متغيرات الواقع.

 


[1]إحـــــاطة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى اليمن ،السيد مارتن غريفيث الى مجلس الأمن17نيسان / أبريل 2018مص1

[2]قادري احمد حيدر ، السلام والحرب .. مقاربة فكرية سياسية تاريخية (1-3) 12 فبراير  2018م

 

[3]إحـــــاطة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى اليمن ،السيد مارتن غريفيث الى مجلس الأمن17نيسان / أبريل 2018مص3

[4]إحـــــاطة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى اليمن ،السيد مارتن غريفيث الى مجلس الأمن17نيسان / أبريل 2018مص6

[5]يطلق على نظام حكم علي عبدالله صالح وفقا لمنظمة الشفافية الدولية المعنية بالفساد بالنظام السياسي الكليبتوقراطي وهو مصطلح يعني نظام حكم اللصوص والفاسدين اي نمط الحكم الذي يراكم الثروة الشخصية والسلطة السياسية للمسئولين الحكوميين والقلة الحاكمة الذين يكونون الكربتوقراط على حساب الجماعة وأحياناً دون حتى ادعاءات السعي إلى خدمتهم ; وعادة ما يكون نظام الحكم في تلك الحكومات في الأصل ديكتاتوريًا أو استبداديًا ومع ذلك فقد تظهر الكليبتوقراطية في بعض النظم الديموقراطية التي انزلقت إلى "الأوليغاركية" Oligarchy أو حكم الأقلية وهي شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية ، وغالبا ما تكون الأنظمة والدول الأوليغاركية مسيطر عليها من قبل عائلات نافذة معدودة تورث النفوذ و القوة من جيل لأخر. وفي الحالة اليمنية نجد أن علي عبدالله صالح انشاء حزب المؤتمر الشعبي العام كواجهة سياسية عامة لمواجهة الاحزاب الأخرى ومارس من خلاله الديمقراطيه الشكلية وجند له دوائر مواليه في كل المحافظات والمديريات والدوائر بينما كان هو وأفراد عائلته والدوائر المقربة منه هم المتحكمين الفعليين بكل مفاصل اجهزة الدوله العسكرية والإدارية والمالية ، وهذه الدوائر المصغرة على النطاقات الادنى كانت تنفذ توجهاته ، كما عمل على تشكيل قوات الحرس الجمهوري ، والأمن المركزي ، والأمن القومي ، ووحدات أمنيه أخرى تتبعه تشخيصيا ، بل كانت كافة المواقع الحساسة في الوحدات العسكرية موكولة لأفراد عائلته أو قريته أو قبيلته أو من تلك الدوائر المقربة منه .

[6]Wendy Lambourne, Post-Conflict Peacebuilding:Meeting Human Needs for Justice and Reconciliation, Peace, Conflict and Development – Issue Four, April 2004 ISSN: 1742-0601, p2

[7]إحـــــاطة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى اليمن ،السيد مارتن غريفيث الى مجلس الأمن17نيسان / أبريل 2018مص2

[8]إحـــــاطة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى اليمن ،السيد مارتن غريفيث الى مجلس الأمن17نيسان / أبريل 2018مص4

[9]ا.د.محمداحمدالمخلافي اليمن بين الثوره والثورة المضادة(الحلقة14) خطة السلام ,خارطة الطريق لليمن , 3فبراير 2017م

 

الأحد, 18 شباط/فبراير 2018 14:09

المبعوث الاممي الجديد وفرص السلام

 

   يبدأ المبعوث الاممي الجديد مارتن غريفيث البريطاني الجنسية عمله الجديد لحل الصراع في اليمن خلفا لولد الشيخ احمد الموريتاني الجنسية الذي اخفق في التوصل للسلام سبب تعنت الحوثيين بعد انتهاء الموعد الحدد لمجلس الامن يوم الخميس الموافق 15 فبراير 2015 م للاعتراض على قرار التعيين. ويبدو أن غريفيت يتمتع بخبرة طويلة في حل النزاعات والتفاوض والتوسط والشؤون الانسانية عوضا عن انه كان يدير مؤسسة "المعهد الاوروبي للسلام" في بروكسل.

   لا شك ان الرجل سيكون لديه تراكم معرفي بالقضية اليمنية من خلال الملفات التي تركها بن عمر وولد الشيخ وأرشيف الامانة العامة للأمم المتحدة; وبخبرته يستطيع ادراك المصالح المتناقضة للدول الاعضاء في مجلس الامن التي تلعب الدور المهم في الملف اليمني والدول الإقليمية التابعة لها, ودورها في تحريك الصراع اليمني; بالإضافة الى قربة من وزارة الخارجية البريطانية والتقارير الاستخباراتية وغيرها مما يمكنه من التحرك وفقا لتوازن المصالح الدولية والاقليمية والمحلية.  

   يعلم الجميع أن المبعوث اليمني ميسرا لكن في الوقت نفسه يشع المقترحات المناسبة لاطراف الصراع وفق المعطيات التي تتوفر لديه من طرفي الصراع ويقرب وجهات النظر المتباعدة بل ويقترح مشاركة بعض الاطراف التي يمكن ان تيسر عمليه الحل ; وقد حاول ولد الشيخ عمل ذلك لكن كانت المناقشات والحوار مقتصره في الغالب على طرفي الصراع الشرعية والانقلابيين بصرف النظر عن الاطراف الإقليمية التي اشركها لحلحلة المواقف المعقدة. 

   الاحداث الاخيرة سواء في صنعاء بمقتل علي عبدالله صالح حليف الحوثيين او في عدن بظهور المجلس الانتقالي الجنوبي ضد الشرعية ولديه مطلب قديم جديد يحتم هذه المرة أن تكون جلسات الحوار والمناقشات مختلفة لأن المعطيات على الارض قد اختلفت عما كانت عليه في فترة بن عمر وولد الشيخ ; واقصد هنا بات لزاما على المبعوث الاممي الجديد ان يكون جاهزا لأن يلتقي بقوى فاعله لم يلتقي بها ولد الشيخ احمد مجتمعه مع طرفي الصراع ( الشرعية - الانقلابيين ) اهمها المجلس الانتقالي الجنوبي وبقيه قوى المقاومة الجنوبية + القوى السياسية اليمنيه التي كان لها دورا فاعلا في المبادرة الخليجية ; بالإضافة الى منظمات المجتمع اليمني والمرأة والشباب الذين كان لهم دور في مؤتمر الحوار الوطني عوضا عن تكليف لجان ميدانية للنزول في كافة المحافظات للالتقاء بمكونات مجتمعية لها تاثيرها في بيئتها المصغرة ان اراد النجاح والتوصل الى سلام فعلا.

   لا أدري ما اذا كان القدر حليفنا في النجاح والوصول الى السلام المنشود عندما يرى البعض أن هذا الرجل قبل يبدأ عمله ينظر للحرب اليمنية باعتبارها أعقد من الحرب السورية والعراقية اذا طال أمدها حيث سيكون حلها اكثر تعقيدا إذ من المتوقع ظهور بؤر حرب انقسامية جديدة تتخذ اشكالا جديدة من الصراع المؤدي الى تمزق اليمن الى اجزاء صغيرة ; وهو ما يمكن أن تغذيه هويات وثقافات ماضوية ما قبل وطنية ; وربما ان هناك مساع دولية لإعادة تقسيم خارطة اليمن على هذا النحو جعلت البعض يطرح مثل هذا التصور عن الرجل حتى اذا ما بدأت المشاورات وجاء مقترح للتقسيم لا يكون مفاجئا ; وما يؤكد ذلك  أن تقرير لجنة خبراء الامم المتحدة الصادر يوم الجمعة 16 فبراير 2018م "الذي نشره موقع “ريليف ويب” التابع للأمم المتحدة ذكر أن اليمن “بعد قرابة 3 سنوات من النزاع ، يكاد كدولة أن يكون قد ولى عن الوجود , فبدلا مما كان دولة واحدة ، بات هناك دويلات متحاربة، وليس لدى أي من هذه الكيانات من الدعم السياسي أو القوة العسكرية ما يمكنه من إعادة توحيد البلد أو تحقيق نصر في ميدان القتال" واضاف التقرير أن هناك تقريبا اربعة كيانات في اليمن ولا وجود لسلطة الدولة ومشكوك في قدرة السلطة الشرعية على استعادة الدولة الموحدة ; وهو مايعني أن هناك نوايا مبيتة لتقسيم الدولة الى كيانات ; بدليل ان اشارة التقرير الى أن " تقييم لجنة الخبراء يستند على عوامل أربعة هي : الأولى عدم قدرة الرئيس عبدربه منصور هادي على ممارسة الحكم من الخارج ، الثانية: تشكيل مجلس انتقالي جنوبي ولديه هدف معلن وهو إنشاء يمن جنوبي مســتقل؛ الثالثة : استمرار وجود الحوثيين في صنعاء ، وكثير من مناطق الشمال ؛ والرابعة : انتشار عمليات مستقلة من جانب قوات عسكرية تعمل بالوكالة يمولها ويمدها بالسلاح أعضاء التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية " كل ذلك يؤكد الميل الدولي الى التقسيم.

 وفي تصوري ان هذا ليس مخيفا في اللحظة الراهنة ولا المستقبلية اذا استندت المشاورات والحوارات بين الاطراف المختلفة وليس فقط بين الشرعية والانقلابيين الى المرجعيات الثلاث المعروفة مع التركيز في هذا الجانب وباهتمام بالغ على مخرجات الحوار الوطني الشامل أخذين بعين الاعتبار اعادة النظر في الاقاليم وقانون العدالة الانتقالية المعدل واعداد الدستور مع الضمانات وتوصلت الى اتفاق لسلام مستام برعاية أمميه ومن ثم البدء بإعادة الاعمار والبناء.

   لذلك فاطراف الصراع وخاصة اليمنيون امام اختبار صعب هذه المرة اذ عليهم الجلوس على طاولة المفاوضات والوصول الى حل ولن يصلوا الى الحلول المناسبة ما لم تكن القناعات ونوايا الوصول الى السلام القائم على العدل والمساواة والحرية والتوزيع العادل للسلطة والثروة والمشاركة السياسية وبناء الدولة والتخلي عن اعادة انتاج الحروب والازمات قد تعززت لديهم وخاصة بعد ادراكهم مألات الحروب السابقة وما نجم عنها من مطامع لقوى خارجية لا حدود لها , فان توفرت لديهم الارادة لإحلال السلام فانهم يستطيعون اجبار كافة المؤامرات التي تحاك لوطنهم على الامتثال للإرادة اليمنية; أما إذا لم يتقارب اليمنيين ويتنازل بعضهم لبعض ويتركون الاستعلاء والغرور فلن يكن بمقدور المبعوث الاممي تحقيق اي تقدم كسابقيه وستظل اليمن تنزف وتدفع الثمن وستتقسم بطريقة قد لا ترضينا ولا ترضي حتى المجتمع الدولي الذي لن يهتم بنا بقدر اهتمامه بالمناطق الجغرافية الاستراتيجية التي تخدم مصالحه.

   السلام لا يمكن لأي قوة خارجية أن تهبه لنا بل يتطلب ارادة يمنية ذاتية تأتي بوادرها من خلال وقفة مع ذواتتا وضمائرنا وتقديم التنازلات  بأنفسنا لأنفسنا ونخلص بلدنا من الارتهان الخارجي ومن الكوارث التي انتجتها حروبنا بالوكالة; وعلينا الا نتوقع أن المبعوث الاممي سيأتي بما لم يأتي به المبعوثين الامميين السابقين, ربما فقط ان خبرته في فض المنازعات ستمكنه من تيسير سبل التفاوض بين جميع اطرف التفاوض , وربما تشفع له جنسيته البريطانية من إصغاء أطراف الصراع للمقترحات التي سيقدمها هذا اذا كانت الاطراف الاقليمية والدولية التي تقف وراءهم راضية عن احلال السلام وصار لديها قناعة بان مأسي الشعب اليمني فاقت كل مأسي العالم , وانه من الواجب القومي والانساني التوصل الى حلول ترضي جميع الاطراف وتؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تتعايش مع باقي دول العالم في نفس العصر لا أن تتخلف عنه.

   أتمنى هذه المرة من اعماق اعماق الانسان الذي استخلفه الله على الارض للبناء لا للهدم   من جميع الاطراف اليمنية المعنيين بإنهاء الصراع أن يقبلوا على الحوار واضعين بعين الاعتبار أن المؤشرات على الارض تقول أن هناك من يريد لهذه الحرب أن تطول وتتمزق اليمن الى اجزاء صغيره ثقافات وقبائل ومذاهب ومناطق  تتناحر مع بعضها ويستغل الاجنبي ثرواتها ويتحكم بمصيرها.

18 فبراير 2018

      لابد أن يعي ذويالرؤية الأحادية الذين يصنفون مواقف القوى السياسية والاجتماعية المختلفة عن مواقفهم حسب رغبتهم ووعيهم الذي يفتقد كثيرا إلى الموضوعية – من وجهة نظري -  تلك الرؤية التي تصنف مواقف هذه القوى وخصوصا مواقف الحزب الاشتراكي في احد الطرفين القصويين الذي لا مكان للوسطية فيها ، وكأن لسان حالهم يقول لكي نفهم مواقف هذا الحزب بوضوح علية أما أن يكون مع هذا الاصطفاف الذي نحن فيه وإلا فهو مع الاصطفاف الأخر بصرف النظر عما إذا  كان هذا الاصطفاف فعلي أو شكلي وتحت يافطات حزبيه أو عصبوية أو غيرها كما فعل البعض ، وهم يرون في نفس الوقت أن عليه توجيه أعضاءه لحمل السلاح والقتال في إطار هذا الاصطفاف الذي يودون أن يختاروه له  وما عدى ذلك فهم يعتبرونه بلا موقف أو أن موقفه ضبابي أو غير واضح وفقا لخيالاتهم المنبثقة من وعي زائف لا يضع مكانا للوسطية التي تحتم إمكانية وجودها ضمن اصطفاف ثالث ورابع ، وإمكانية تغير وتبدل المواقع والأدوار خصوصا في العمل السياسي ، ولذلك نجدهم يعتبرون أن المواقف تقاس بصورة حدية من خلال الاصطفاف الحربي المسلح ، والخطاب المتشنج في وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي دون قراءة موضوعية للواقع ومطالب تطور وتقدم المجتمع وحاجات الناس الفعلية للسلام والاستقرار من خلال الرؤى الناضجة التي تضع حدا للحروب والدمار والبدء بالبناء والاعمار .  

     ولذلك لابد لهؤلاء أن يفهموا ويعوا أن المواقف والمبادرات التي يتبناها الحزب الاشتراكي لا تنسجم قولا وفعلا مع رؤيتهم الأحادية ألإقصائية ليس لان هيئات الحزب هي التي تتخذها وتضعها وفقا لمرجعياتها الحاكمة فحسب بل أيضا لأنها تستند إلى نتائج التحليل العلمي - لقضايا ومشكلات الواقع الموضوعي للمجتمع – عبر استخدام المنهج الجدلي الذي يعتبره الحزب "أداة للتحليل والمعرفة والتخطيط والبناء والتنظيم والعمل والرؤية" ، وهو ما يتيح الفرصة للهيئات والقيادات الحزبية في مختلف الأطر الحزبية ، وخصوصا الهيئات العليا استقراء وتحليل وفهم واقع صراع القوى السياسية والاجتماعية بأطرافها المختلفة داخل الوطن وما يتبعه من صراع على النفوذ الإقليمي والدولي على ضوء ما يجري من سلوكيات وأحداث ومواقف هامة على الأرض بعيدا عن اللجوء إلى التفسيرات الغيبية والمثالية المغردة في سماء المصالح الأسرية أو الفئوية والحزبية الضيقة التي لا تأخذ في الاعتبار  مصالح اغلب فئات الشعب ومصالح الوطن عموما، وبتعبير أخر نقول لهم أن الحزب عندما يضع رؤية ويتخذ موقفا مما يجري حوله يستند إلى منهجية علمية لتحليل وفهم وتفسير وقائع الصراع الدائر بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية ومدى تأثير كل منها في الأحداث اليومية مع الأخذ في الاعتبار صيرورة هذا الصراع في المستقبل بين تلك القوى مع ارتباطاتها الخارجية من عدمه ، وهو ما يعني أن المنهجية العلمية - التي يعتمد عليها الحزب في استقراء وتحليل وفهم قضايا ومشكلات المجتمع أي كان نوعها وبشكل كلي وجزئي - تمكن هيئاته وقياداته العليا من اتخاذ المواقف أو القرارات ووضع المبادرات والحلول المناسبة في اللحظة المناسبة بل وتجعله أكثر قدرة على استشراف أفاق المستقبل . ولذلك فان القوى السياسية والاجتماعية التي تسير بلا منهج علمي تعجز فعلا عن استقراء وفهم ما يجري في الواقع بكل أبعاده وتقع في الكثير من الأخطاء بل وتتكرر أخطاءها دون أن تعلم ، وهنا تلجأ إلى إسقاط فشلها على الحزب الاشتراكي عبر كيل التهم لقيادته ومحاولات تحريض أعضائه على اتخاذ مواقف مغايرة بما يجاري رؤيتهم الأحادية مستغلين في ذلك عدم امتلاك الحزب الوسائل الإعلامية الكافية لدحض مزاعمهم مع علمهم أن كيل التهم والإشاعات الجزافية لقيادات الحزب لا تستطيع الصمود كثيرا أمام المواقف والمبادرات التي تقدمها هذه القيادات تباعا في مختلف القضايا الوطنية بما فيها مواقفه من الحروب الداخلية والحرب الراهنة بأبعادها الداخلية والخارجية ومن منظور وطني استراتيجي .

       وتأسيسا على ذلك وبالعودة إلى مرجعيات الحزب الاشتراكي الحاكمة لمواقفه الحريصة على السلام  والسلم الاجتماعي الرافضة للعنف والحروب سنجد أن هذه المواقف ثابتة ومبدئية وتأتي أحيانا إستباقية أو تنبيه لمخاطر استمرارها ،وبنظرة سريعة لهذه المواقف المبكرة التي ينبغي أن تحسب ضمن ايجابياته لمن يستطيع القراءة بعيدا عن المواقف الذهنية المشفرة التي لا تقبل بغيرها . يستطيع من أراد فعلا فهم حقيقة مواقف ومبادرات الحزب مما جرى و يجري في هذا البلد الذي عانى شعبه كثيرا في الماضي وهو اليوم أكثر معاناة من أي وقت مضى لإثباتها أو نقدها أن يبدأ من هنا بمراجعة مواقف الحزب الواضحة من الحروب منذ حرب صيف 1994م الذي أعلنته قوات التحالف العسكري القبلي الديني بدءا بإعلان الحرب في خطاب الرئيس آنذاك من ميدان السبعين في 27 ابريل 1994م وما صاحبه من تحريض واستعدادات وفتاوى أجازت قتل وسفك دماء أعضاء وقيادات الحزب وابنا الجنوب واستباحة أموالهم ونهب أراضيهم ..الخ – حتى إعلان انتصارهم في 7 / 7 / 1994م حيث أتخذ الحزب حينها موقفا واضحا من الحرب وكذلك من الانفصال الذي كانوا يروجون له كتبرير لحربهم ، بدليل أن أمين عام الحزب لم يعلن الانفصال إلا عندما وصلت قوات ذلك التحالف إلى محيط مدينة عدن وبصفته الشخصية بسبب ظروف الحرب التي لم تمكن هيئات الحزب من الاجتماعات آنذاك ، ومع ذلك عندما توفرت ظروف اجتماع أعلى هيئات الحزب في صنعاء في سبتمبر 1994م اتخذت القرارات المناسبة لذلك ، وفصلت من الحزب من أعلن الانفصال .

      لقد كانت حرب صيف 1994م ، التي أرادت به تلك القوى المتحالفة ضمن اصطفاف عسكري قبلي ديني إلغاء الحزب من الخارطة السياسية اليمنية ولكن هيهات فقد استطاع لملمة صفوفه في سبتمبر 1994م وانتخب قيادة جديدة بقيادة علي صالح عباد ( مقبل ) وذلك بعد أن عجزت قيادات بارزة في السلطة آنذاك تشتيت صفوفه وإغراء بعض كوادره لتأسيس لجنة تحضيرية لإشهار حزب اشتراكي يغرد في فلك السلطة بأجنحتها المتعددة وكان ذلك دليل على تماسك وصمود كوادر وقيادات الحزب في جميع المحافظات ووعيهم التام بأن الدوافع الحقيقية وراء خوض تحالف اصطفاف قوى الحرب هو التخلص من الحزب كشريك رئيسي في التوقيع على اتفاقية الوحدة ومن ثم الاستئثار بالسلطة والثروة في عموم البلاد ، وفي ذات الوقت الهروب من استحقاق تنفيذ وثيقة العهد والاتفاق التي شملت مضامينها بنود تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تضمنها برنامج الحزب الاشتراكي آنذاك ولا زال يتبناها حتى اليوم ، ولذلك فان الحملة الإعلامية التي يشنها البعض خلال هذه الفترة لا يستبعد أنها في إطار المحاولات المحمومة لإقصاء الحزب من العملية السياسية نظرا لما يحمله هذا الحزب من مشروع وطني سلمي ، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن على الباحثين عن الحقيقة بعيدا عن المواقف المسبقة المضادة للحزب معرفة نضال الاشتراكي مع قوى المعارضة لتحقيق هذا المشروع الوطني لتأسيس وبناء الدولة من خلال وثائق تشكيل جبهة معارضة أوسع أطلق عليها مجلس التنسيق الأعلى عام 1995م الذي صار بعد دخول الإصلاح فيه مرحليا يعرف باللقاء المشترك بين عام 1997 - 2003م بقيادة الشهيد جار الله عمر الذي دفع حياته ثمنا لهذا المشروع الوطني ليستمر بعدها بشكل أوثق حتى عام 2011م والنظر فيما طرأ عليه فيما بعد ، وعليهم أي الباحثين بحث وثائق اللقاء المشترك لمعرفة مدى تأثير اليسار على توجه المشترك وخصوصا ما ورد في وثيقة الإصلاح السياسي والاقتصادي الصادرة عام 2005م ، ومشروع وثيقة مؤتمر الإنقاذ الوطني الصادرة أواخر عام 2010م ، بالإضافة إلى إسهامات شباب الحزب بجانب بقية الشباب في اندلاع ثورة الشباب السلمية مطلع عام 2011م لتغيير النظام والانتصار للمشروع الوطني لبناء الدولة المدنية .

     وفي إطار التتابع التاريخي لمواقف الحزب من الحروب المستمرة أعلن رفضه لسلسلة الحروب الستة العبثيةالتي شنتها السلطة السابقة على صعدة خلال الفترة بين عامي 2004- 2009م ، كما كان يحذر من مغبة استخدام السلطة مختلف أساليب القمع والقتل والاغتيال لنشطاء وقيادات الاحتجاجات السلمية المطلبية لأبناء المحافظات الجنوبية منذ بدايتها لتتحول إلى حراك شعبي سلمي منذ عام 2007م ، وما صاحبه من قمع واتساع دائرة العنف ، وكان للحزب موقفا متقدما من الإرهاب واتساع بؤره واعتبر كل ما يحدث في البلد من أزمات وعنف وحروب وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية دليل على " فشل نهج السلطة في حسم المشكلات الناجمة عن التوترات الاجتماعية والاحتقانات السياسية  التي تنشأ في ظل غياب الدولة الوطنية العادلة القائمة على قاعدة المواطنة المتساوية والقانون والتمسك بالقواعد المنظمة للحياة الديمقراطية والحريات العامة وحرية الفكر .. الخ " .

    وكانعكاس لتزايد الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وازدياد الغليان والرفض الشعبي لكل ما يحدث في البلد اندلعت ثورة الشباب السلمية في فبراير2011م وانضمت إليهم قوى المعارضة الشعبية" السياسية والاجتماعية "وكان الحزب احد ابرز القوى الفاعلة فيها ، وكانت مواقفه أكثر وضوحا مع عملية إحداث التغيير بالطرق السلمية ، وتأكيدا على مواقفه المبدئية أدان كل عمليات القمع والعنف والقتل لشباب الثورة الشبابية في الساحات والمسيرات والتظاهرات السلمية بل وعمل على كشفها بمختلف الطرق المتاحة غير أن ممارسات السلطة التي ظل الحزب يحذر منها ، وما حدث تحديدا في ساحة التغيير بتعز وما تلاه في جمعة الكرامة بصنعاء شكل محطة هامة - لجناح من أجنحة السلطة العسكرية القبلية الدينية – للالتحاق بهذه الثورة تحت مبرر حمايتها في حين ظل الطرف الأخر في السلطة ممسكا بمختلف مفاصلها وهو الأمر الذي دفع بالطرفين إلى جر البلد إلى حافة الحرب الأهلية عبر أساليب العنف والمظاهر الحربية المسلحة المختلفة في صنعاء " الحصبة تحديد" وفي محافظات أخرى تمثلت بإيقاظ بؤر الإرهاب ورفع وتيرة الاغتيالات في وقت كانت مشاورات التسوية السياسية المتمثلة بالمبادرة الخليجية جارية لإيجاد مخارج للسلطة وأزمة انتقالها ، وفي هذا الصدد أسهم الحزب بفعالية في إنجاحها ووضع آليتها التنفيذية وتوقيعها للخروج بالوطن عبر المسار السلمي لانتقال السلطة بطريقة توافقية ، وما كانت موافقته على المبادرة رغم ما كان يشوبها من محاذير - عبر عنها شباب الثورة حينئذ - إلا للخروج الآمن بهذا البلد وعدم الانزلاق إلى الحرب الأهلية التي شعر الحزب أن هناك من استعد واعد لها ويرغب في إدخال البلد في ويلاتها وهو ما يجري اليوم .

         والحقيقة أن موقف الحزب من الانتقال السلمي للسلطة في إطار العملية التوافقية والشراكة لا تحتاج إلى إثبات لان مساهماته كانت حاضرة في دفع كافة أعضائه ومناصريه للمشاركة في الانتخابات الرأسية في 21 فبراير 2012م ، وتقديم الكثير من التنازلات حفاظا على البلد من الانهيار والانزلاق إلى الحرب الأهلية في الوقت الذي كان البعض يعمل من خلال تواجده في الحكومة التوافقية على تثبيت أعضائه ومناصريه في المناصب الحكومية المدنية والعسكرية ، بل كان الحزب يؤكد في كل مناسبة عبر هيئاته القيادية العليا على "ضرورة الإسراع في استكمال الانتقال السلمي للسلطة وإنجاح عملية التغيير الذي ينشده الشعب وفقا للشراكة السياسية التوافقية المنصوص عليها في المبادرة الخليجية والياتها التنفيذية وليس على إزاحة طرف أو أطراف من العملية السياسية توطئة لاحتكار القرار السياسي والسلطة والثروة لحساب طرف أو أطراف أخرى" وكانت مواقف الحزب الاشتراكي المبدئية من كافة القضايا الوطنية أكثر وضوحا للجميع في مؤتمرالحوار الوطني الشاملحينما قررت بعض مكونات اللقاء المشترك عدم دخول مؤتمر الحوار برؤية موحدة أساسها مشروع وثيقة مؤتمر الإنقاذ الوطني التي تم الاتفاق عليها أواخر عام 2010م ، التي يبدو أن البعض وقع عليها حينئذ كاستجابة تكتيكية لتلك اللحظة ولم يكن مؤمنا بالوصول بالمشروع الوطني إلى نهايته بقدر ما شعر بتحقيق رغبته المكبوتة بانتقال السلطة من شخص لأخر أو من طرف لأخر وهو ما اتضح أثناء جلسات مؤتمر الحوار وفي أواخره عندما فضلت بعض مكونات الحوار الهروب من استحقاقات وطنية مهمة كشكل الدولة من إقليمين ووثيقة الضمانات وحل القضية الجنوبية وقانون العدالة الانتقالية وغيرها من القضايا الخلافية التي تم القفز عليها لا لشيء بل لحسابات أثبتت الأحداث التالية لمؤتمر الحوار خطئها لدى البعض وبأنها كانت تدميرية لدى آخرين إلا أن الحزب استمر في الدعوة للاستمرار بانجاز مهام المرحلة الانتقالية واضعا في الاعتبار الوصول بالمشروع الوطني إلى نهايته مهما كانت العراقيل والصعوبات على أمل في أن الحل السياسي سيكون حاضرا لانجاز تلك المهام .

    وعلى الرغم من انتقاد الحزب للأسلوب الذي تم فيه تكوين لجنة الأقاليم ، واستمرار تمسكه بموقفة تجاه القضايا الوطنية التي كانت مثار نقاش وتباين في مؤتمر الحوار إلا انه"رحب بنتائج مخرجات مؤتمر الحوار باعتبارها حصيلة وطنية حية تعبر عن تعاون جهود كل القوى الوطنية والسياسية الفاعلة المشاركة في المؤتمر بل واعتبرها الطريق السليم لتعزيز الديمقراطية وتكريس روح الوفاق الوطني وحل المشكلات الراهنة وتجنب المخاطر الكبيرة المحدقة بالوطن ،ودعا كل أعضاءه وكل القوى الوطنية الفاعلة إلى استنهاض الهمم ومواصلة العمل بنفس الروح الكفاحية التوافقية لتنفيذ تلك المخرجات على صعيد الواقع العملي في اتجاه بناء الدولة الوطنية الحديثة وإرساء قيم العدل الاجتماعي والديمقراطية وتأمين التطور الوطني الشامل في مختلف مناحي الحياة وتوطيد السلام والاستقرار وتصفية أثار ومشاكل الماضي السلبية والحفاظ على الهوية الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية للشعب اليمني ، كما شدد على أهمية تضافر كل الجهود الوطنية الرسمية والشعبية لمواجهة المعضلات الملحة المتفاقمة في البلاد وفي مقدمتها الفلاتان الأمني والانهيار الاقتصادي وتردي أحوال الشعب واشتداد الحروب وأعمال العنف المختلفة في مناطق واسعة من البلاد ، واعتبر أن استمرارها وعدم الوقوف الجاد أمامها سيؤدي إلى كوارث ونتائج وخيمة لا يحمد عقباها واعتبر أن الوطن للجميع والحفاظ علية وتطويره واجب مقدس ومهمات مشتركة لكافة أبنائه"ولا يستطيع أحدا إنكار هذه المواقف الوطنية المسئولة بمن فيهم المزايدين بالقضايا الوطنية لان ما يحدث اليوم ليس سوى نتائج كارثية لتلك القفزات غير المحسوبة على الحوار في مؤتمر الحوار أو تلك التي تم حسابها ولكن بطريقة مختلفة .

    وبمراجعة البيانات الصادرة عن هيئات الحزب العليا منذ ما بعد انتهاء مؤتمر الحوار الوطني الشامل وحتى اللحظة  نجد أن مواقف الحزب من كافة الحروب لا تنحاز لطرف ضد طرف أخر بدليل أن موقفه من العنف والحرب في "دماج" بين الحوثيين والسلفيين وحلفاءهم وما نتج عن ذلك من تهجير لا يختلف عن موقفه الرافض للعنف والحروب عند تصاعد وتيرة الحرب ووصول الحوثيين ( أنصار الله ) إلى عمران حيث اعتبر الحزب "أن ما يجري خلط أمور كثيرة في الوقت الحاضر حيث يتسرب إلى ساحة الفعل السياسي ما يجعل مسألة التعايش والتفاهم والشراكة الوطنية مهددة بحسابات الثارات والانتقام التي يجري تسيير جانب كبير منها من داخل أروقة المتربصين بثورة التغيير التي يراد دفنها إلى الأبد والحكم عليها بالفشل وان الخطاب المرافق لهذا الوضع المأزوم اليوم تمارسه كثير من القوى بما فيها بعض القوى المدنية الناعمة التي لم تر الثورة إلا حسما عسكريا وعلى أي أن نحو كان ، وهذا الخطاب هو الذي مهد لهذا الوضع وأعاد إنتاجه كرغبة مؤجلة ، عند الكثيرين ممن لا هم لهم إلا إغراق هذا البلد في الحروب والدمار ، وجدد موقفه الرافض للتصعيد بأشكاله المختلفة وأعتبر أن استمرار التفاوض حول كافة المطالب المطروحة يجب أن يتم بعيدا عن التهديد بالقوة والسلاح ، وبعيدا أيضا عن الأفعال والأقوال التي تشعل الفتنة وتثير أجواء المواجهة والحروب وتمزق نسيج المجتمع بدلا من أن توحده حول الأهداف الكبرى ورأى أن يرافق ذلك جدية في البحث والنقاش لكل المطالب التي تكون مصلحة الشعب فيها حاضرة بقوة وبوضوح ، كما اعتبر إن النضال السلمي والضغط الشعبي هما الكفيلان بتحقيق المطالب السياسية والحفاظ على سلامة الوطن في نفس الوقت ، ولم يتوقف الحزب عند هذا الموقف المبدئي في صيغته العامة فقط بل إنه قدم رؤية تنسجم مع إيمانه بقيمة النضال السلمي ورفضه لقوة السلاح والحروب والعنف في تحقيق المطالب أيا كانت مؤكدا على أن المطالب العادلة قادرة على حماية نفسها دون حاجة إلى استعراض القوة وخاصة عندما يكون مثل هذا الاستعراض بداية الطريق نحو الكارثة ، وجدد تمسكه الرفض للعنف والحروب وبأنه سيضل يناضل بالرأي والكلمة والموقف السلمي على الأرض النابع من إيمان الحزب بقدرة الشعب على التغيير سلميا ودعا كل الخيرين لمنع العنف والحروب مشدد بمخاطبة الجميع ومستدلا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع " اللهم هل بلغت اللهم فاشهد " وهذا ليس موقفا فقط بل تحذيرا وتنبيها مما يجري وما يمكن أن يتبعه من جر البلد إلى أتون حرب أهلية أن لم يعمل الجميع على تدارك الموقف والسير باتجاه الحلول السياسية .

       وبسقوط صنعاء بيد الحوثيين ( أنصار الله ) في 21سبتمبر 2014م بتلك الطريقة التي يعرفها الجميع وتوقيع الأحزاب السياسية على اتفاق السلم والشراكة وملحقة الأمني في 22سبتمبر2014م ، وما تبعه من تطورات متتالية كعدم تنفيذ  اتفاق السلم والشراكة مرورا بالتوسع في المحافظات وأزمة تشكيل الحكومة ولجوء الحوثيين إلى محاصرة بيت الرئيس ورئيس الحكومة والوزراء وفرض الإقامة الجبرية عليهم ومن ثم إصدار الإعلان الدستوري ، وما تلاه من هروب هادي إلى عدن وتوسع الحوثيين في حروبهم باتجاه السيطرة على المحافظات الجنوبية عدن والضالع وتعز وأبين وغيرها من المحافظات وما نجم عنها من قرار التحالف العربي بقيادة السعودية بالتدخل العسكري الجوي عبر الطلعات التي سميت  بعاصفة الحزم ثم استعادة الأمل وما صاحب تلك التطورات من إعلان المقاومة الشعبية في محافظات عدن والضالع وتعز وغيرها من المحافظات التي أشعل فيها الحوثيين وحلفائهم الحروب وما رافقها من قصف جوي لطيران التحالف بتلك الطريقة التي لم تشهد له البلد مثيلا من قبل ، وفي كل هذه المحطات كان للحزب الاشتراكي مواقف واضحة وثابتة إلى درجة أن هيئاته القيادية العليا أصدرت خلال أسبوع بيانين يعزز كل منهما الأخر ويحذر من الاستمرار في طريق الحروب وبإمكان من أراد الرجوع إليها بتفاضل الأحداث أن يرجع لها عبر الاشتراكي نت ومواقع أخرى بل والرجوع إلى أدبيات الحزب في وثائق المجلس الحزبي الوطني ووثائق دورات اللجنة المركزية وتصريحات ومقابلات قيادات الحزب ومبادراته المتعددة التي تقدم بها لإنهاء الأزمة والحروب بحل سياسي ولا شك انه سيرى مواقف الحزب الثابتة من كل ما جري ويجري من أحداث لا غشاوة فيها إلا لمن لا يفقه أو يسمع أو يرى وبالتأكيد من يرى مواقف الحزب بمنظار معتم السوداء أو تلك القوى ذات النظرة الأحادية الاقصائية التي تريد الحزب تابعا لها ما لم صنفته في القطب الأخر كما ذكرت سابقا حتى أن البعض ممن يشارك في مؤتمر جنيف المحسوبين على بعض الأحزاب المفرخة حاول أن يصور مشاركة الاشتراكي في جنيف بأنها اصطفاف مع طرف متغاضيا أو مقفل عينيه لما تضمنته دعوة الأمين العام للأمم المتحدة للحزب الاشتراكي كمكون ، والحراك الجنوبي كمكون أخر إلى جانب طرفي الأزمة والحرب مع انه كان من المفترض دعوة ممثلين للمقاومة الشعبية على الأرض ، لقد أزعجني كما أزعج غيري ذلك المتحدث المحسوب على طرف من تكتل حديث التكوين وهو يتحدث بما يريد هو وليس كما هو وقع فعلا ومع ذلك يمكن القول أن الحزب الاشتراكي اليمني يتخذ مواقفه بما تمليه عليه حاجة الناس للسلام والبناء رافضا الحروب والدمار وهو موقف غالبية فئات الشعب الراغبة في السلام والأمن والاستقرار والبناء باعتباره حزبا يعمل على تشكيل إيئتلاف يمثل قوة مدنية شعبية مع باقي الأحزاب والمكونات التي ستناضل من اجل تحقيق المشروع الوطني وان طال الزمن .

17 / 6 / 2015م

     لا ادري لماذا يريد البعض من السياسيين والكتاب المحسوبين على بعض القوى السياسية أن يظهروا الحزب الاشتراكي اليمني وكأنه بلا موقف أو انه اتخذ موقفا منحازا مع طرف ضد طرف أخر من إطراف الصراع على السلطة القديمة الجديد واتخذ طابعا حربيا منذ بدايته ومع ما صاحبه من تغير وتبدل مواقع وأدوار وتحالفات ذات السلطة بدخول الحوثيين ( أنصار الله ) دائرة الصراع الحربي على السلطة، والحقيقة أن مثل هذا الحكم على مواقف الحزب الاشتراكي خال من الصواب تماما لأنهم بهذا الحكم يريدون أن يضعوا مواقفه في إطار نفس هذه القوى المتصارعة على السلطة والثروة بصرف النظر عن تغير المواقع والأدوار لديها، وهم بذلك يريدون أن يلغوا طبيعة الصراع الحقيقي بين القوى الاجتماعية الممثلة للمجتمع، وفي الوقت نفسه يوحي برغبة كامنة لنفي وجود الحزب وبقية القوى السياسية والاجتماعية الأخرى التي لها تأثيرها داخل بنية المجتمع ولها مواقفها المتميزة إزاء ما يجري في هذا الوطن، لكن مثل هذه المحاولات لا يمكن لها أن تدحض واقع وجود الحزب وبقية قوى التغيير التي تسعي إلى تأسيس وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة في ظل هوية وطنية جامعة تعززها مؤسسات الدولة الرسمية بعيدا عن الهويات الأخرى التي عمل النظام القديم على إحيائها خلال العقود الماضية للبقاء في السلطة، وهو ما يعني أن ثمة مواقف مضادة لمواقف قوى أو أطراف السلطة القديمة - الجديدة المتصارعة التي أدخلت البلد في أزمات وحروب متتالية ، وهذه المواقف المضادة التي تتخذها قوى التغيير وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي ليست مجردة من الصراع لكنه صراع بين القوى المحافظة على النظام القديم بكل أدواته ، وبين قوى الحداثة التي تستخدم وسائل النضال السلمي لانتقال وتداول السلطة وفي مجرى هذا النضال تتخذ مواقفها بالاستناد إلى عوامل بنيوية عديدة تتعلق باتجاهاتها ورؤاها ، ونظمها الداخلية ، وبرامجها المعبرة عن مصالح الغالبية العظمى من فئات الشعب الأكثر بؤسا ، والاهم من ذلك المنهجية التي تتبعها لتفسير وفهم واقع الصراع بموضوعاته المختلفة .

    ويبدو أن هؤلاء السياسيين والكتاب الذين ينظرون إلى مواقف الحزب الاشتراكي من الصراع والحرب الراهنة وبتلك الطريقة التسطيحية إما أنهم لم يفهموا او يقرءوا بعمق وتجرد المرجعيات التي على أساسها يتخذ الحزب مواقفه أو أنهم يقيسون مواقفه بمقاييسهم الخاصة لفهم طبيعة الصراع الذي يستدعي برأيهم الاصطفاف الحربي مع هذا الطرف أو ذال وعلى قاعدة "من لا يؤيدني فهو ضدي " ويحاولون بكل بؤس تزييف وعي الناس لصرفهم عن فهم مواقف الحزب الحقيقية من كافة القضايا الوطنية بما فيها موقفه من الحرب الراهنة بكل تجلياتها الداخلية والخارجية ، وربما لم يخطر في أذهانهم أن المواقف التي يتخذها الحزب لا تستند فحسب إلى تلك الخبرات النضالية التنظيمية والسياسية التي اكتسبها عبر عقود من الزمن جعلته يتميز بالنضال السلمي لتحقيق الأهداف الوطنية الإستراتيجية لأوسع فئات الشعب بل أيضا تستند إلى تلك المرجعيات الحاكمة لكافة سلوكياته داخل الأطر الحزبية وفي علاقته بقضايا الناس والمجتمع ، وهو الأمر الذي يقتضي ذكر أهم هذه المرجعيات الحاكمة لمواقف الحزب بإيجاز علها تجلي الغشاوة عن أبصارهم وتهديهم إلى سواء الفهم ويفقهون مواقف الحزب من كافة القضايا التي يعاني منها الوطن وفي مقدمتها حروبهم العبثية المستمرة وأزماتهم المفتعلة بما فيها إحياء النزعات والمنازعات المختلفة التي لا يستطيعون الحياة بدونها للبقاء أو الإبقاء على السلطة في أيديهم دون إحداث أي تغيير لأنهم في حقيقة الأمر لا يرون في التغيير بل والدولة بكل مؤسساتها سوى الجوانب المظهرية الشكلية دون ملامسة جوهرها الحقيقي وهو ما يجعل الحزب يتخذ مواقف تصب في مصلحة القطاع الأوسع من الفئات الشعبية وفقا لمرجعياته الأساسية المتمثلة بالأتي :

المرجعية الأولى : إن أي موقف يتخذه الحزب لا يأتي تحت ضغط اللحظة ولا يتخذه شخص بمفرده مهما كانت صفته ومكانته التنظيمية "الحزبية " كما هو الحال لدى بعض القوى السياسية بل يتم اتخاذه في إطار الهيئات الحزبية وفقا للأطر التنظيمية المثبتة في " نظامه الداخلي " ، وهذا يعني أن المواقف أو القرارات التي يتم اتخاذها بشأن موضوع أو حدث أو قضية وطنية لا تأتي بالصدفة ولا عشوائية بل تتبلور خلال المناقشات والمداخلات والآراء والمبادرات التي تقدم في اجتماعات الهيئات الحزبية التي تقرها بطريقة ديمقراطية ، ولهذا فان ما نقرأه أو نسمعه أو نشاهده في وسائل إعلام بعض الأطراف السياسية التي تتعمد التشويه أو الإساءة إلى قيادات حزبية ملتزمة بهذه المرجعيات ليست سوى محاولة للنيل من مواقف وأدوار الحزب ومبادراته التي قدمها ولا زال يقدمها لحل قضايا ومشكلات الوطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية ..الخ حلا سلميا عبر الحوار الهادف والمثمر بعيدا عن استخدام العنف واختلاق الأزمات والحروب . وهو ما كشفت وستكشف الأيام صواب رؤاه ومواقفه ، ولكن بعد أن يعجز دعاة الحروب عن تحقيق أهدافهم ودوافعهم غير المعلنة ، ولذلك فان إظهار مواقف الحزب بتلك الطريقة البعيدة عن الحقيقة من أي طرف كان هو تعبير عن الإفلاس الأخلاقي والحقد المكبوت والشعور بالدونية وانعدام  القدرة على فهم حتمية التطور التاريخي للمجتمعات البشرية وعدم الاعتراف بالأخر لدى تلك الأطراف السياسية وكتابها .

المرجعية الثانية : تتمثل برؤية الحزب البرنامجية لقضايا ومشكلات الوطن بكل أبعداها وطرق حلها بما يتواكب مع التطورات التي يشهدها العصر الراهن في مختلف جوانب الحياة ، وهذه الرؤية البرنامجية شاملة ومرنة وقابلة للتعديل والتغيير حسب مقتضيات الواقع الموضوعي وبما يلبي حاجات الناس وتطور وتقدم البلد ويتم صياغتها وفقا لأهداف مرحلية وإستراتيجية مدروسة بطرق علمية يتضمنها " البرنامج ألسياسي

الخميس, 25 كانون1/ديسمبر 2014 12:12

الضبط الالكترونية للبطاقة الشخصية

خطوة ممتازة في الطريق الصحيح تندرج في عملية إحداث التغيير أن تقوم وزارة الداخلية بمنع التعامل بالبطاقة الشخصية القديمة واعتماد البطاقة الالكترونية كما ذكرت اليوم المواقع الإخبارية حيث قامت " بإعداد سجل الكتروني متكامل يتم فيه رصد كل المعلومات المتعلقة بالمواطنين اليمنيين في سجل آلي " ولكن عليها أيضا أن تربط كل وحدات السجل المدني بصورة محكمة في جميع مكاتب فروع السجل المدني بالمحافظات والمديريات للتأكد من عدم قدرة أي مواطن استخراج أكثر من بطاقة بأسماء مختلفة وهذا يتطلب في اعتقادي إصدار رمز للصورة الالكترونية التي يتم التقاطها لصاحب البطاقة إلى جانب البصمات بحيث تظهر الصورة والرقم الوطني معا في أي فرع من فروع السجل المدني إذا غير الشخص اسمه ، وبجانب هذا الإجراء لابد أن يكون لدى مكاتب الأحوال المدنية سجلين الأول يخصص للمواليد الجدد والأخر يخصص للوفيات على أن تصدر وزارة الداخلية تعميم لكافة المواطنين بتسجيل مواليدهم خلال فترة زمنية محددة ما لم تعرضت الأسرة لعقوبة وكذلك الحال في الوفيات بحيث يتضمن عدم دفن الميت إلا بعد اخذ إذن من مكتب الأحوال المدنية بحيث يتم ربط المواليد والوفيات بهذا السجل الالكتروني وهذه الطريقة ستوفر علينا معرفة عدد السكان والمواليد والوفيات وضبط النمو السكاني وغير ذلك لكن السؤال كيف تستطيع وزارة الداخلية تنفيذ ذلك في ظل الانقطاع المتواصل للكهرباء وشبكة الانترنت ؟ وكيف تستطيع ضبط ذلك في الأرياف والمدن النائية وخصوصا في ظل تفشي الأمية والأوضاع الأمنية الراهنة ؟   

الإثنين, 10 تشرين2/نوفمبر 2014 15:34

حكومة كفاءات أم حكومة محاصصة

أصارحكم القول أنني منذ اللحظة الأولى التي نظرت فيها في قائمة أسماء الوزراء الجدد شعرت بالارتياح النفسي وقدر من الاسترخاء ليس لأني اعرف بعضهم بكفاءته ونزاهته وتفانيه في عمله وحبه لوطنه أو لأنه على استعداد للتضحية بل لإدراكي أن التشكيلة الحكومية التي اشتملت على كثير من الوجوه الشابة والجديدة التي لم تتلوث بعد ستكون بعيدة بهذا القدر أو ذاك عن المماحكة السياسية التي عرفت لدى الحكومة السابقة كما أنها لن تكون مقيدة بأغلال الأحزاب باعتبارها حكومة كفاءات وليست حكومة محاصصة الأمر الذي يجعلها أكثر تناغما في تنفيذ برنامجها - إن أحسنت بالطبع تحديد أولويات التنفيذ - لما تبقى من مهام المرحلة الانتقالية وهي مهام تتطلب عونا داخليا أولا ، وخارجيا ثانيا خصوصا في المرحلة الراهنة التي يحتاج فيها الوطن إلى تضميد الجرح النازف ، وسيكون من المفيد للحكومة الجديدة عقد اجتماعاتها منذ اليوم للوقوف أمام كافة القضايا ذات الأهمية العاجلة وعقد اجتماعات استثنائية كلما استدعى الأمر ذلك على أن يكون الهدف من الاجتماعات ليس فقط مناقشة جدول إعمالها بل أيضا متابعة عملية التنفيذ ، وهذا الأمر ينعكس على الوزراء في وزارتهم عبر هيكلية الوزارات والوقوف على الاختلال فيها والعمل على إحداث التغيير الذي يمكن كل وزير من أداء دوره في منظومة الحكومة الحالية.

حقا الحكومة اليوم أدت اليمين الدستورية وربما اعتذر منها هذا آو ذاك وعلى الرئيس ورئيس حكومته استبدالهما فورا - الليلة من بين البدائل التي لديهما - دون الانتباه لما تقوله الأحزاب لان الكلمة الفصل في الاختيار منذ توقيعها – أي الأحزاب ) على التفويض صار محسوما بيد من أوكلت له المهمة وليس من حقها الحديث عن هذا الوزير أو ذاك بصفته الحزبية إن كان فعلا يتبع حزبا أو أخر ، وفي الوقت نفسه ليس من حقها القول أن هذا الحزب حصل على عدد مقاعد أكثر آو اقل من الحزب الأخر ، فكل الأحزاب التي فوضت ووقعت على تفويضها أو تلك الأحزاب التي لم تكن حاضرة بصورة ما في المشهد السياسي أن تدرك جميعها- وهي فعلا تدرك - أن الوطن اليوم لم يعد قادرا على تحمل المزايدات ولا المؤامرات والدسائس والبيع والشراء أو ما قد يكون في مستوى السلوك المعتاد لدى البعض ، الوطن بحاجة إلى صحيان الضمير آو لنقل ارتفاع مستوى الأنا الأعلى لدى أبنائه وتوحيد جهودهم للخروج من سلسلة الأزمات التي وقعنا فيها بإرادتنا أو بإرادة غيرنا ، والحكومة وهي في بداية تلمس طريق مستقبل اليمن الجديد تحتاج مساندة ودعم جميع الأحزاب ، فإذا ظلت بعض الأحزاب السياسية تضع في حسابها الكسب والخسارة فا اليمنيون جميعا سيكونون هم الخاسرون وعليهم لا على غيرهم يقع تقرير مصير هذا البلد ومن هذا المنطلق إذا وجدنا استمرار مماحكات بعض الأحزاب السياسية سيؤدي إلى الإضرار بالمصلحة الوطنية العليا التي يندرج تحتها مصلحة الفرد كمواطن فلا بد للفعاليات الشعبية المدنية أن تتصدر المشهد السياسي بعيدا عن أحزابها وتتحرك بمختلف الوسائل السلمية وفي كافة المحافظات لدعم الحكومة بما يمكنها من انجاز المهام العاجلة وفي مقدمتها تحقيق الأمن والاستقرار ، وتوفير الخدمات العامة التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية ، ولا شك أن التناغم بين الحكومة والفعاليات الشعبية سيتوفر إذا كانت هناك مصارحة ومكاشفة وشفافية
واحدث التغيير حيث يستوجب ذلك على ألا يفهم التغيير هنا تغيير مواقع الإفراد في
المؤسسة بل تغيير أداء المؤسسة ذاتها بما يحقق النمو والتطور.