نجم الكمالي

نجم الكمالي

الأربعاء, 15 شباط/فبراير 2017 17:41

لقد قمنا بفعل عظيم

ضمن ملف استعادة تفاصيل الأيام الأولى للثورة وأبرز المحطات، وبحث أسئلتها، وهو الملف الذي يفتحه موقع "الاشتراكي نت" بمناسبة الذكرى السادسة لثورة فبراير، كخطوة أولى على طريق تدوين الحدث الأبرز في تاريخ اليمن المعاصر من زواياه المختلفة، ننشر هنا تباعا الكتابات المتصلة بموضوع الثورة تحت عنوان "أسئلة الثورة وتفاصيلها".

...........

لقد تغيرت الأمور وإلى الأبد في نظري حين رأيت صفًا من جنود الأمن المركزي يطلقون غازات مسيلة للدموع على جماعة تتظاهر في منطقة قريبة من حي الثورة. لا أعرف إلى الآن تاريخ ذلك اليوم ولا أهتم حقيقة؛ فالمنظر قد جذبني وقام بتوفير انتشاء مناسب للفتى الذي يرى الثورة حلمًا وغرضًا للحياة.

 بعدها عشنا فترة حماسية جدًا من المسيرات والهتافات، وتدهورت نتيجة هذا الشغف الثوري درجاتي في الكلية ولم أعر الأمر أدنى اهتمام حتى عندما سقطت في عدة مواد دفعة واحدة.

كان الهدف الثوري العام الخاص بالبلد يتحد بالرؤية الداخلية الثائرة تجاه كل أشكال التعليم النظامي والرتيب والتي ترى الكتابة والحياة الفوضوية الصواب وليذهب كل شيء للجحيم.

قد تمنعني الدرجات المتدنية التي حصلت عليها ذلك العام من مواصلة تعليمي العالي، لكنني أنظر للأمر بلا اهتمام يجعلني أطمئن أن قليلًا من تلك الروح التي واجه بها الشباب كل الضوابط الأمنية والاجتماعية لا تزال موجودة وتتحرك للأمام رغم العقلنة الزائدة للأمور التي صبغت المشهد مؤخرًا.

لم نأتي إلى الوعي بهذا النطاق للأشياء إلا الآن؛ إذ كنا منشغلين عنه في فورة حماسة ثورية لشباب غير هيَاب وفريد. كنا مفلسين وبلا أي امتيازات ولا تجمعنا أي روابط مع شلة البشر الذي يجوبون الشوارع يوميًا ويهتفون حتى تختفي أصواتهم سوى الحماس العجيب للتغيير والانتشاء لدى سماع الأغانى الوطنية.

كانت أيام فبراير أيامًا مناسبة جدًا لمزاج الكائن الغاضب من الحياة والمتشائم الذي كنته، وبروح رومانسية حالمة أكثر منها واعية سياسيًا رحت أخط الشوارع مع أناس لم أتوقع أبدا أنهم يسكنون وسطنا. فالشوارع الضيقة للمدينة والأسواق كانت لا تشيء بالكثير عن ما يخبئه هؤلاء الناس العاديون من ثورية وجموح وشجاعة.

 بالإضافة إلى أن الرتابة كانت تقتل كل شيء قد يوحي باحتمالية حدوث انفجار ثوري فالأغلبية ملتحقين بامتيازات الحزب الحاكم وكثير من المثقفين حينها كانوا يتقاتلون على الكتابة بكل ثقالة الكون للصحف أو الدخول في كشف إحدى الجهات النافذة للحصول على مخصصات ملائمة.

قرأت اليوم منشورًا يحوي الكثير من الهتافات التي كنا نرددها في المسيرات وفكرت كم أننا ابتعدنا عن مثل هكذا أجواء ورحنا نبحث عنها اليوم بنوستالجية، كالتي أكتبها الآن ربما، تجعل مما حدث متحفًا للعرض لا بيانًا حياتيًا يحدد مصير اليمنيين منذ تلك اللحظة وإلى الأبد.

طلب مني أحد الأصدقاء الكتابة عن هذا الموضوع، وفكرت يوم أمس كم أنني تأخرت في الكتابة وكم سأخيب ظنه إذ أنني سأفشل بالطبع في الكتابة عن حدث فارق كهذا في ساعات قليلة قريبة من ذكراه أو حتى يوم. والحقيقة إنني لم أشعر بالخفة في الكتابة مثلما أشعر الآن، حيث أشعر أن لديّ القدرة على انتقاء الكلمات بسهولة ويسر كما لو تأتي هي حتى تحظى بموقع.

إن البسطاء الذين سكنوا الصفوف الأولى من المظاهرات وبذل بعضهم حياته هم علامتنا الفارقة التي يمكننا مقايستها بأي أوضاع صعبة قد تحدث لنا أو قواعد اجتماعية قد نجد أنفسنا فيها ومطالبين بالخضوع لها. قد نكون عطالى، كسالى، مكتئبين ونمضي في الحياة بصعوبة ونوافق على خيارات سيئة للمعيشة فقط، لكننا لسنا ساذجين أو مكبلين؛ لقد قمنا بفعل عظيم ولا يزال داخلنا الكثير من صرخته اللاحقة؛ فاحذروا.

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

@aleshterakiNet

الخميس, 04 كانون1/ديسمبر 2014 16:43

العزيز اسخيلوس

أثق بأنك تشعر بالزهو لفكرة أنك بعد كل هذا الوقت لا تزال حاضرًا في حياتنا، وبأنك لا تزال تتخذ مواقع عدة في أشعار البعض ومقالاتهم. إنه شيءٌ يبعث علي البهجة بالفعل.

بالنسبة لي، لا شيء يثير البهجة حقًا. وسوى أنّني قد خرجت عصرًا لأشرب الشاي واشتري بعض البطاط -التي اتضح انها رديئة جدًا- فإن لا شيء يستحق الذكر.

لم أدرك أن آفة حارتنا هي البطاطيّ الذي يبيع بطاطا رديئة، وبذلك يستوجب على نجيب محفوظ أن يغير من آفة حارته العتيقة.

لقد فهمت عدة أشياء في الفترة التي مضت يا اسخيلوس.

لقد فهمت أن النطاق الانساني للأشياء هو الذي يصنع قيمتها. فالانجازات التي تأتي خارج الظروف الانسانية وصراعاتها المستمرة، لا تشكل اغراءًا، ولا حقيقة. وهكذا انتهت بالنسبة لي خيالات اليقظة اليومية التي اصطنعها لأنفذ فيها مطلقي الذي لا استطيعه.

إن المشهد الكبير الذي يحكمنا يبعث فينا مسحة من الكآبة، ولمواجهته، يصطنع الكثيرون الغباء ويسوقون ذلك عبر تفاؤليه تباع في اشرطة وسيديهات تنمية بشرية هزيلة. الحقيقة أن ذرات الوجود التي نتصارع معها يوميًا تحتاج للكثير من القوة، وتستدعى الكثير والكثير من المعرفة. أنت تعرف ذلك جيدًا.

لديّ صديق يا اسخليوس، يعيش مسارات حياته وفقًا لمذهب المثالية. لقد عرفت ذلك في محادثة جدلية كبيرة انتهت بتوجيهي الاتهام له، أن مثاليته الدينية لا تعدو أن تكون جزئية صغيرة في الاطار العام الكبير لمثاليته في الحياة. لقد أتى لي بعدها وقرر أنّني إنسان مجدف، يستخدم الاحكام المطلقة بسذاجة. والحقيقة أنني أفعل ذلك أحيانًا، لكن ذلك لا يمنع من أنّني بسذاجتي هذه، أعيش أقصى تجليات الأفعال البشرية؛ الانفعال. وهو ما لا يحوزه هذا المثالي الذي تنقلب حياته شيئًا فشيئًا إلى مجموعة انضباطات خاليه من المعنى.

لا أدري لماذا أكتب لك هذا كله. لكن فكرة أنّني اليوم في عطلة تشعرني بالكثير من الارتياح الذي بإمكانه أن يتخذ أشكالًا عديدة. وهذه الرسالة الهزيلة إحداها.

ربما أكتب لك لاحقًا.