منصور السروري

منصور السروري

الأربعاء, 06 أيلول/سبتمبر 2017 14:50

المجاهد ... عبقري لزمن لم يأت بعد إلى اليمن..!

دعني يارفيق التعب وصديق الرؤى وأنا بدموعي تارة اتعثر أو كما كنت تحب تطعيم نقاشتنا الكبيرة التي سبقت زماننا ومكاننا فوق هذه اﻷرض (أتحكول أي أتعثر ) وتارة أخرى أتوضأ بها أن أكتب إليك هذه الرسالة من هناك من قرب المتارس والخنادق.

متارس الدفاع عن وطن خذلنا جميعا يا رفيقي ولم يخذلك أنت فقط بل خذل كل مبدع عاش عزيزا شريفا كأنت.

أكتب اليك من خنادق الثبات والصمود على تلك المبادئ والقيم التي ارتشفنا معينها الوطني والعروبي والأممي من منابعها العظيمة رغم فارق السن الكبير بيننا.

عرفته عند قيام دولة الوحدة وعمري حينها تسع عشرة عاما معرفة عبر جلسات كانت تضمنا مع نوع خاص من ذلك الطراز الرفاقي المعتق بتيار الوعي اليساري المتجدد غير المتبوتق داخل اطارات النظرية.

عرفته "مثقفا بحجم الوطن، وفنانا بحجم الانسانية" كما وصفه اﻷديب أحمد ناجي أحمد.

غير أن علاقتي الحقيية توطدت معه أثناء رئاسة عميد الصحافة اليمنية المقاتلة خالد ابراهيم سلمان لصحيفة الثوري لسان حال الحزب الاشتراكي اليمني.

ولهذا فان حديثي يتركز حول هذه الفترة على نحو موجز ومكثف.

تقريبا بعد عام 2000 حتى قيام ثورة الشباب رسم المجاهد أبو سهيل لصحيفة الثوري والشورى والوسط كاريكاتوريات تعد في تقديري أقوى الكاريكاتوريات في كل التاريخ الصحافة اليمنية.

كانت رسومه السياسية الساخرة في الصفحة الاخيرة للثوري من كل أسبوع تكاد تكون في قوتها التعبيرية والدلالية أقوى من كل موضوعات الصحيفة.

بل لا أبالغ إذا دعيت الى القول" أنها كانت التعبير الثوري المكثف لسياسة الحزب اراء مختلف القضايا التي كان ابو سهيل يختارها موضوعات لرسوماته المتعددة المواضيع المتطورة التعابير .

وحتى لا أنسى هنا أوصى مقترحا لهيئة تحرير صحيفة الثوري نشر كتاب يحتوى على جميع تلك الرسوم التي غطت ما يزيد عن العقدين.

وكذلك اوصي كل من صحيفتي الشورى والوسط.

ﻷن رسومات ابو سهيل كانت وستظل واحدة من أهم المراجع الصادقة الموثقة بدقة لمعظم اﻷحداث والتحولات الكبيرة في اليمن.

كانت رسوماته تتميز بأنها تحمل هموم التحديث والتغيير الوطنيين.

تحمل هموم الفقراء المعذبين، وتكشف صور الفساد والافساد الممنهجين وتعريهما.

كانت رسوماته تعري العهر السياسي الذي لا يراه الناس بعيونهم العادية.

كانت رسوماته هي العيون المجردة لكل البسطاء والفلاحين والعمال وجمهور الموظفين أكانوا اغبياء بالفطرة أو أغبياء بالجبن والصمت، أو أغبياء بالتبعية ﻷركان النظام المافوي العصبوي الفاسد حيث يجعلهم يرون ما لا يستطيون رؤيته أو يتعمدون عدم رؤيته بتجاهلهم.

ولذلك عاني كثيرا في غمطه حقوقه الوظيفية والابداعية طيلة مشوار حياته.

ولولا عبقرية أبو سهيل الفنية لربما كان قد انتهى من بعد عام 1994.

وأجدني هنا ملزما باثبات عبقرية أبو سهيل ما دام وقد تعنونت هذه المقالة بعبقرية المجاهد الفنية فأقول:

معلوم أن للعبقرية معنيين:

المعنى الأول: هو النبوغ ويقاس حسب المعيار الذي وضعه عالم النفس الأميركي لويس تيرمن حيث درجات العبقرية لا تقل عن 140 درجة.

فالشاعر نابغة أو عبقري ﻷنه بالكلمات يرسم صورا شعرية نرى من خلالها الواقع على نحو مغاير لرؤيتنا له دون ذلك التعبير الشعري المكثف.

والرسام ... ايضا نابغة أو عبقري ﻷنه يستطيع تحويل تخيل اﻷشياء وعكسها في لوحات تنطق بها أكثر مما لو أنها شوهدت في الواقع.

كيف ترسم وجه مجرم من خلال وصف ملامحه؟

كيف ترسم الحزن والفرح..الحق والباطل ... الخ.؟

ووفقا لتقسيم الأميركي لويس تيرمن لدرجات العبقرية واعتبار أي رسام عبقري فإن أبا سهيل يكون عبقري  للأسف الشديد لم يأخذ حقه.

المعنى الثاني للعبقرية: ويعد الأكثر شيوعاً من المعنى الأول هو ما ذهب إليه (فرنسيس جولتون) بتعريفه للعبقري من أنه ذلك:

(الذي يتمتع بقدر كبير من الذكاء يساعده على تحقيق إنجازات عملية متميزة في حقل من حقول الحياة وبالتالي فإن العبقرية تتكون من عناصر (الأصالة، والإبداع، والقدرة على التفكير والعمل في مجالات لم تستكشف من قبل).

وهذا المفهوم هو الذي أكد عليه العالم البريطاني السير فرنسيس غولتون.

كذلك حاول كثير من الباحثين تعليل العبقرية فزعم بعضهم أن العباقرة ينتمون إلى نوع نفساني بيولوجي مستقل يختلف في عملياته الذهنية والانفعالية عن الإنسان العادي كما يختلف الإنسان عن القرد.

وقد ذهب غولتون، الذي كان أول من درس العبقرية دراسة نظامية، إلى القول بأنها حصيلة خصال ثلاث هي الذكاء والحماسة والقدرة على العمل, وحاول أن يثبت أنها ظاهرة مستمرة في بعض الأسر.

ويكاد الإجماع ينعقد اليوم على أن العبقرية حصيلة الوراثة والعوامل البيئية مجتمعة. مواهب تمكن صاحبها من التفوق.

وعبد الله المجاهد تجلت فيه كل هذه مفردات الذكاء والحماسة والانجاز والتميز والاصالة والمعاصرة  والمغايرة في كل أعماله و بكل ما تحمله من معان ودلالات.

ولولا لم تك لديه تلك العبقرية الفنية لما كان قد استطاع العيش في وسط لا يعرف بعد ولم يصل إلى زمن ثقافة اقتناء اللوحة الفنية.

تلك  العبقرية هي من حفظته وأسرته من غوائل الفقر والعوز المدقعين، وحفظته من السقوط في زمن سقط فيه الكثيرين في مستنقع التبعية للنظام الفاسد، كان المحظوظ هو من التقط فرصة الهجرة حينما تسنح له، ولكن هيهات هيهات لفنان شامل رسام تشكيلي وكاريكاتوري ونحات وخطاط يحمل خلف عبقريته قيما انسانية سقفها اﻷعلى حرية التعبير الابداعي للوحة الفنية أن يسافر لدول الخليج التي لا تزال بعضا منها حتى هذه اللحظة  ترى أن اللوحة فعلا محرما.

أبو سهيل .... سامحني يا رفيقي ومعلمي فأنت لا توفيك المؤلفات الضخمة حقك.

من أين اكتب عنك يا رفيقي.

ثقافتك كانت اعظم مما يتخيله الكثيرين؟.

عرفتك ... ، وسمعتك،  وجبت داخل عوالمك الذهنية الكبيرة.

وجدت عوالمك فسيحة رحبة في نظراتك للعالم ... للحياة... للاحلام ...للاحزان والافراح ...للوحدة والحرب والثورات اليمنية ...والعربية والكونية.

يا إلهي....

كانت أحلامك أحلامنا تتشكل داخلها منطلقات مستقبل هذا البلد وحضارته التي نراها ستأتي ولكن كلما هلت معطياتها متبلورة تآلبت قوى أعداء التغيير تتحالف لؤدها،  وتتكالب الدول و اﻷمم ضد طموحات هذا البلد المنكوب بعبث تاريخ العهر السياسي على كافة الاصعدة.

ماذا عسى كاتب مثلي عرفك في سنوات التساؤل عن القادم اليمني الممكن والتحديات التي تهدد ذلك القادم؟

ما عسى كاتب مثلي مشرد هناك... تارة في أعماق اودية الحجرية وتارة فوق قمم وذرى جبالها الشامخة مؤازرا جيشها بسلاح الكلمة والتوعية ...جيش بدأ من جديد بناءه بل ومن نقطة الصفر وسط تركة وإرث كبيرين من الفوضى التي خلفتها سنوات حكم العصابة التي اغتصبت حقك وحقي وحق كل مبدع شريف عزيز في هذا الوطن؟

ماذا .... عسى أن اكتب وانا غير مستقر في مكان ولا ارشيفي الذي يحتوي على كثييييبير من رسوماتك قدامي ﻷكتب عن بقايا عبقك الخالد في تلك الرسومات.

آآآآآآه ... يا أبا سهيل.

ستظل صورة البردوني على جدار مجلس اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين والتمثال الذي نحته له في نافذة ذلك المجلس وصورة رائد القصة القصيرة في اليمن الشهيد محمد احمد عبد الولي،وصور الشحاري والربادي وزيد مطيع دماج وغيرهم تشهد بعبقريتك الفنية وبوفاءك الاستثنائي حينما رسمت صور أولئك الذين جمعوا بين الابداع والنضال ومثلوا طفرات استثنائية في تاريخنا المعاصر قد لا تتكرر في أي جيل لاحق.

إيييه يا رفيقي....

اعذرني عن عدم قدرتي على الايفاء بادنى حقك عندي في الكتابة عنك فلم تكن انسانا عاديا في القيمة مع أنك عشت انسانا بسيطا عاديا في واقع الحياة.

كنت العظيم اخلاقا... العظيم ابتسامة.

نعم ابتسامتك التي كنت أقرأها بحذافيرها بقلبك قبل أن تبرق في عينيك الغارقتين بأحزان الكون والعالم الباكي وعلى شفتيك التي لن تفارق مخيلتي.

كنت دوما تتزين بعظمة القيم عظمة تتجسد متجلية في صمتك وحديثك، في تفكيرك وخيالك، أثناء ما تكون ترسم، أو تفكر بلوحة سترسمها مع أن معظم لوحاتك كانت تتشكل خاماتها في وعيك إما من معطيات الاحداث... أو اثناء سيرك على أرصفة الشوارع والحارات وفوق الباصات بفعل عدسة عينك اللاقطة لكل شاردة وواردة.

تكاد كبريات الصحف الحزبية والاهلية باليمن أن تكون من تصاميم ابي سهيل الذي كان يصمم الترويسات وصفحاتها ويرسم شعاراتها وكتابة اسمائها، وهنيئا لصحيفة يكون هو من صممها فذلك يعني وجود أحد شروط نجاح تسويقها والمتمثل بروعة وفنية التصميم.

وللأسف كانت كثير من تلك الصحف تستغل طيبته الزائدة ولا تعطيه حقه كاملا تحت مبرر أنها تحت التأسيس، وكان يتحمل ذلك الاستغلال ﻷن ما يهمه هو أن تزيد عدد الصحف والمجلات والكتاب لكي يزيد عدد الناس الذين يقرؤون.

كان همه احداث ثورة وعي حقيقية في المجتمع احد اهم المنطلقات للتغيير وﻷن رؤيته تقوم على هكذا وعي ظل يعمل دونما يأخذ حقه كاملا ربما في كل تلك التصاميم التي كان يرسمها للصحف والمجلات اليمنية.

كيف أنسى طريقة واسلوب توديعك لنا في الصحيفة وأنت تلف حزام حقيبتك حول كتفك بطريقة مميزة ... حقيبة لم تكن كأي حقيبة أخرى ﻷنها كانت بمثابة معمل رسمه المتنقل معه.

كيف أنسى وأنت تودعني بتلك الحفاوة الخاصة وتودع الزملاء بصحيفة الثوري في تلك اﻷيام والليالي التي اقل ما يمكن ان توصف بها أنها تعد الأيام الذهبية لنا في صحيفة الثوري التي كان توقيع ابو سهيل على كاريكاتورياتها  الاسبوعية تمثل لمسة فنية ابداعية اضافية بحد ذاتها.

ختاما... أكرر توصيتي لصحيفة الثوري والشورى والوسط بجمع تراث الفقيد عبد الله المجاهد في مجلد ضخم كأقل ما يمكن أن يكافئ به بعد رحيله المرير.

والعزاء كل العزاء للحركة الفنية في اليمن، وللابداع ومحبيه ولاسرته وللوطن رحيل هذا العبقري قبل اﻵوان.

...............شكر.........

* أوجه شكري ﻹنسان غال علي في مكان ما من الكون دون تشجيعه لكتابة هذا النص ما كنت قويت على الكتابة عن أبي سهيل عبد الله المجاهد...!

توطئة استهلالية:

كنت قد نشرت هذه المادة قبل عامين ــــ أي في الذكرى الحادية والأربعين لاستشهاد المناضل الأديب رائد القصة القصيرة في اليمن الشهيد محمد أحمد عبد الولي ضمن حادثة الدبلوماسيين الشهيرة في 30 أبريل 1973 ــــ على نحو موجز غير أن الاستقبال الذي نالته هذه المادة ، واتصال الكثيرين بي حينها وتزويدي بمعلومات حد بي إلى إثراءها وتنقيحها لتصير كما هي الأن بين يدي القارئ أكثر رصانة ودقة وثراءً لا سيما وقد أرفقتها بصورة نادرة وجدتها في الساعات الأولى من صبيحة عيد العمال العالمي بينما كنت أقوم بتنزيل صور نادرة عن اليمن من موقع (العميري نت) تفاجئت بصورة الشهيد محمد أحمد عبد الولي إلى جوار الرئيس الرابع للاتحاد السوفياتي (ليونيد برجنيف) وأول رئيس للجمهورية العربية اليمنية المشير (عبدالله السلال)، واندهشت كيف أن أحداً من الصحفيين والكتاب لم يفطن لتلك الصورة النادرة، والتي تشير إلى أن هنالك صورا أخرى موجودة في الأرشيف السياسي للثورة والجمهورية ولكنها مغيبة.

أكتفي بهذه التوطئة وألج بقارئي العزيز للمادة متمنيا أن تنال إعجابه وتوجيه أي نقد لها بغية إثراءها كيما تصير في المستقبل مشروعا لكتاب يتناول هذا الأديب الذي لا يزال يتجاور وكل الأجيال بتجربتيه الأدبية والنضالية على حد سواء.

 

البداية من النهاية

يوم 30 أبريل / نيسان 1973 يوما حزينا ومبكياً وصاعقاً ومرعباً في اليمن وتحديداً في شطره الجنوبي فحسب، بل كان كذلك لكل عشاق السلام والتغيير والأدب في جميع أنحاء العالم.

 

والآذان التي لم تك قد سمعت عن بلد اسمه اليمن حتى ذلك الوقت، ذهبت يوم (الاثنين/ 30 ابريل) تبحث عمن يكون هذا البلد في خارطة العالم؟

 

كانت جميع وكالات الأنباء والأخبار العالمية تزف للعالم خبر مصرع عشرات من كبار الدبلوماسيين في اليمن الجنوبي ... بعضها تقول (42) مع طاقم الطائرة، وبعضها قالت (28) دبلوماسيا بالإضافة إلى أفراد طاقم الطائرة، واستقرت المعلومات فيما بعد عند(22) دبلوماسيا بينهم (3) أشخاص ـــ سعوديين ــــ هم طاقم الطائرة، و(19) كادر وطني يمثلون رزنامة ثورته الوطنية ... تتجمع متوحدة فيهم مهارات النضال الثوري الفدائي والسياسي، والتأهيل العلمي، والإبداع الأدبي والصحافي، والوطنية الصادقة ... وطن يخسر هذه الرزنامة في جنوبه ، وفي شماله يسمم (عبدالقادر سعيد) أحد أبرز زعماء الحركة الوطنية ، و يغتال ( محمد أحمد النعمان الابن) رائد الليبرالية اليمنية ورجل دولة من طراز فريد ، ويخفى قسريا عشرات المناضلين ، وأكثر منهم بين منفي أو قتيل .... لنتصور مثل هكذا وطن كيف سيكون مستقبله؟

 

لقد كان من بين أولئك العظام الذين رحلوا مع فجر وطن لم ولن تشرق شمس الله عليه رغم تعدد المحاولات الشعبية المتوالية .... من بين أولئك الكبار الذين رحلوا قبل الآوان شخصية تسابق ظلها فسبقت ليس فقط زمنها في إتقان قراءة الواقع الذي يعيشه اليمن بل سبقت حتى زماننا وربما الأزمنة التي ستأتي بعد.

 

تلك الشخصية عزيزي القارئ اسمها " محمد أحمد عبد الولي" إنسان استطاع أن يصنع فوق جدار الحياة نافذة وشرفة.

 

من الشرفة حكى لنا واقعه الذي عاشه، بل وأطل منها على المستقبل الذي يجاورنا فيه اليوم كأنه مازال حياُ يعيش بيننا، ومن النافذة سبق عصره وحاضرنا وأزمنة قادمة، وإن لم يحدث التغيير واستمرت عجلة التاريخ دوليك دواليك تعيد تكرار دورات الذات المتعفنة فستظل أسطورته دون ريب تتوغل في أطناب المستقبل.

وبالذكرى الــ (43) لاستشهاده حرصنا في المستقلة على قراءة سطور مشرقة من بعض صفحات سيرته المليئة بالتميز سواء في نضاله كسياسي متفرد أو في ابداعه كأديب رائد مجدد.

 

ارتضاع حليب الانتماء للعقيدة والارض

ما لا يعرفه الكثيرين حتى هذه اللحظة أن الأديب الشهيد محمد أحمد عبد الولي المولود في 12 نوفمبر 1940م بحي سدس كيلو (ويعني ستة كيلو) التابع لمدينة دبرهان الأثيوبية كان قد تربى تربية دينية خالصة بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالة.

فأبيه كان من أوائل المستنيرين والمتعلمين بل أنه يوصف بالفقيه حد ما ورد في دراسة مشتركة قام بها كل من د. قائد محمد طربوش ردمان وعبد الرقيب علي محمد نعمان عنوانها (أفكار أولية عن ثلاث مدارس في الحجرية ... مدارس حيفان وذبحان وبني يوسف) نشرها مركز البحوث الدستورية والقانونية على موقعه حيث أكدا أن من أشهر الذين درسوا في مدرسة ذبحان على يد الأستاذ ( أحمد محمد نعمان) (الفقيه أحمد عبد الولي العبسي درس في مدرس في مدرسة هرر بالحبشة وكان أحد المطلوبين من قبل الإمام أحمد بعد فشل حركة 1948م وهو أب الأديبين محمد وعبد الفتاح أحمد عبد الولي).

 

وهذا ليس له من معنى سوى أن أبيه يعد من أوائل الذين تتلمذوا علي يد (النعمان / الأب) نهاية عشرينيات القرن المنصرم أي قبل أن يغادر مدينة عدن من على دكة الشيخ سعيد على متن زعيمه شراعية كما كانت تسمى الى ميناء عصب فالعاصمة الأثيوبية اديس ابابا.

 

وأيضاً من قصة(اللطمة) وبعض القصص القصيرة التي وردت في عدد من مجموعاته سنلاحظ مدى التربية الصارمة التي تربى عليها في كنف أبيه الذي حرص كل الحرص في أن بشرأب حليب الانتماء لعقيدته وأرضه البعيدة هناك حيث جذوره الأصلية في اليمن بمحافظة تعز ـــ قضاء الحجرية ـــ عزلة الأعبوس ـــ قرية حارات ـــ التابعة لناحية القبيطة، وحاليا لمديرية حيفان.

 

إن إرتضاع ذلك الانتماء لن يتقوى إلا بإرساله إلى اليمن لتعلم القرآن الكريم والعلوم الأولية التي كانت قد بدأت معالمها المبكرة تظهر في ذبحان وحيفان فاختفتا بسبب هروب اساتذتها إلى عدن أو المهجر والتحاق البعض الأخر بوظائف مع الإمام غير أن مدرسة في بني يوسف حلت محلهما هي مدرسة الفقيه (محمد قاسم) التي التحق بها الطفل(محمد) عام 1946 مع أخرين كانوا يفيدونها من الصلو والأعبوس والأحكوم وقدس والشعوبة وخدير السلمي والمذاحج وغيرها من العزل الأخرى.

 

وخلال عام وبضعة أشهر كان قد اختتم قراءة القرآن فيها كما أتقن اللهجة التعزية وتعرف على طبيعة الحياة التي يعيش تحت وطأتها جميع اليمنيين.

 

وحين شرع المغتربون بينهم والده بتأسيس أول مدرسة للجالية اليمنية بأثيوبيا أبرق إلى أقاربه يرسلونه إليه فعاد من رحلته الأولى من اليمن إلى أثيوبيا.

 

افتتحت المدرسة اليمنية عام 1948 في حي ماركاتو القريب من سدس كيلو فكان من أوائل الطلاب الذين التحقوا فيها، وتم قبوله في مستوى متقدم نظراً لما يتمتع به من إتقان القراءة والأساسيات في الحساب فكان دوما الأبرز بين جميع

 

أبناء الجالية العربية ويكرم سنوياً على احتلاله المركز الأول، ومصدر فخر للجالية اليمنية كلها وصفه (سامي الشاطبي) وهو يتقفى أثره في رحلة إلى اثيوبيا بأنه كان (سريع البديهة واسع الخيال نشيط في القراءة والكتابة وتدوين الاحداث في اوقاتها).

ومع العام 1953 كان (محمد) قد سبق عمره وأكمل المرحلة الإعدادية ليبدأ رحلة جديدة وسباق أخر.

 

من أديس أبابا إلى القاهرة

سافر إلى مصر فالتحق بثانوية المعادي بالقاهرة وتخرج منها عام 1955 وبمجرد ظهور نتيجة الثانوية يلتحق في صيف العام ذاته بجامعة الأزهر ... فهل نستطيع تفسير ذلك؟

إن شاباً يولد عام 1940، وفي عام 55م يلتحق بالجامعة، وفي مثل تلك الظروف التاريخية، وفي بلاد غير بلاده ... بلاد لا تعرف المحسوبية ولا الوساطات، ولا تباع فيها الشهادات المزورة ... إنسان كهذا يسابق الزمن سيكون أحمقاً وغبياً من ينفي عنه صفة العبقرية أو يقول إنه لا يمتلك قدرات خارقة.

 

وفي مكتبات المعادي، وجامعة الأزهر راح (محمد عبد الولي) يلتهم الكتب والروايات العربية والعالمية، ويثري مخيلته ويرفع درجة ذائقته الادبية التي مكنته من ارتياد معظم المحافل الأدبية وحضور العديد من الندوات وتكوين صداقات عديدة مع اغلب الادباء والفنانين المصريين أنداك كما بدأ يكتب القصة عام 1956.

 

ولأن ابن الوز عوام كان ضمن أول كتلة طلابية يمنية في القاهرة أسست رابطة الطلاب اليمنيين بينهم (محمد أنعم غالب، وعبد الغني علي، وأبو بكر السقاف، ومحمد على الشهاري، وأبناء الإرياني " مطهر وعبد الكريم فضل الأرياني، والشاعر أحمد الجابري، ومحمد عبد الملك المتوكل ....... وغيرهم كثير) وانتخب الفقيد (عمر الجاوي) كأول رئيس للرابطة.

 

القاهرة تحرمه من إكمال دراسته

وبينا كان محمد عبد الولي على عتبات التخرج من الجامعة يفاجئ بمطالبة السلطات المصرية له ولــ (24) طالب سنة 1959م بمغادرة مصر بتهمة الانتماء إلى التنظيم الشيوعي أو (حدتو) وتعني الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، وهي حركة كانت تضم ضمن بين صفوفها نخبة من كبار الأدباء والمفكرين والسياسيين والمناضلين المصريين كصلاح جاهين، يوسف ادريس، وصنع الله إبراهيم، ومحمود أمين العالم، فؤاد حداد، خالد محي الدين. زكي مراد إبراهيم، عبده العنتبلي، كمال عبد الحليم واحمد الرفاعي، وكذلك البطل الأسطوري لليله ٢٣ يوليه الضابط الشجاع يوسف صديق الذي اقتحم قياده اركان الجيش المصري فاتحا الطريق امام ثوره ٢٣ يوليه.

 

وكانت القاهرة قد شهدت بحسب سعيد الشحات لصحيفة اليوم السابع: يوم 30 مارس 1959. معركة بين عبد الناصر وخروتشوف .... وكان الخلاف عقائديا وسياسيا في آن واحد، لكن الأهم فيه أن مصر وقتئذ لم تسلم إرادتها لقوة كبرى بحجم الاتحاد السوفيتى القطب الثانى المهيمن على العالم، وجاء هجوم عبد الناصر فى فصل من الهجوم المتبادل بين الطرفين بسبب الاشتباكات الدامية بين الشيوعيين والقوميين العرب فى العراق، وتدخل فيها الاتحاد السوفيتى علنا لصالح الشيوعيين، ولما حدثت المشادات بين عبد الناصر وخروتشوف، أعلنت تنظيمات شيوعية مصرية تأييدها للقيادة السوفيتية، فرد عبد الناصر باعتقال عدد كبير من أبناء هذه التنظيمات) انظر موقع صحيفة اليوم السابع الأحد، 30 مارس 2014 - 09:17.

والحقيقة أن محنة الشيوعيين في مصر كانت بمثابة رد فعل لمحنة القوميين الناصريين في العراق والتي راح ضحيتها المئات من أبرز العناصر والكوادر القومية الناصرية فجاءت أحداث 30مارس 59م في مصر رداً لها خاصة بعد وقوف خروتشوف إلى جانب العراقيين وعلى نحو أخص تعرض قرابة (200) طالب مصري حينها يدرسون في موسكو إلى مضايقات وصل صداها للسفارة المصرية ما جعل ناصر يقوم بنقلهم بأسرع وقت ممكن إلى الولايات المتحدة كرد فعل لمعاملة موسكو للطلاب المصريين حينها. انظر (سنوات الغليان) محمد حسنيين هيكل.

(حيث تعرض أعضاء حدتو من المصرين للاعتقالات والتعذيب التي وصلت إلى حد وفاة الكثيرين منهم تحت سياط التعذيب نحو شهدي عطية أحد أبرز كتاب جريدة الجماهير أبرز الصحف الاشتراكية في الاربعينات وحكم عليه عام ١٩٤٨، بالأشغال الشاقة لمده ٨ سنوات... وكان من مؤسسي حدتو تم القاء القبض عليه في عام 1959 وحوكم محاكمة عسكرية في قضية شيوعية إلى جانب ٤٧ من رفاقه في قضية عرفت بقضيه ال ٤8 ، تم نقلهم من سجن الحضره بالإسكندرية الي معتقل أبى زعبل وهناك تعرض ال ٤٨ معتقلا الي التعذيب عرايا والسحل بالخيل والتعذيب الشديد المنظم. سقط خلالها شهدي عطية شهيداً، وتعرض يومها (ناصر) لموقف محرج في يوغسلافيا عندما دعاه الرئيس تيتو لحضور مؤتمر وفى الجلسة وقف مندوب يوغسلافيا ووجهة التحية إلى ذكرى الشهيد (عطية) الذي قتل تحت التعذيب في مصر فكانت صدمة لعبد الناصر جعلته يبرق إلى مصر يطلب وقف التعذيب والتحقيق في الموضوع.) انظر (يوميات الوحات) لـ: صنع الله إبراهيم" نقل بتصرف.

 

إن ما أريد الوصول إليه من خلال من هذه الاستدلالات هو الإشارة إلى البيئة الفكرية والأدبية، والنضالية التي كان الشهيد محمد أحمد عبد الولي متواجداً داخلها أثناء فترة دراسته بالقاهرة تواجداً إيجابيا وفاعلاً وإلا ما كان ليطرد من القاهرة مع (24) يمنياً عملت (حدتو) على ترتيب أوضاعهم الدراسية في موسكو واتجهوا ناحيتها.

 

وأجزم أن الشهيد محمد عبد الولي كان حاضراً داخل كل هذه الأحداث، وكان في ضوء معطياتها يعيد صياغة اتجاهاته الفكرية ومنطلقاته الأدبية الإبداعية.

 

وفي تقديري أنه لم يتوجه مباشرة إلى موسكو وإنما إلى عدن على إثر مأساة (30مارس 59م) التي طالت الشيوعيين المصريين والعرب.

لأنه عندما عاد من موسكو لم يعد إلى عدن ولكنه عاد إلى صنعاء، وبدأ بتقلد مناصب سياسية كما سنأتي على ذلك لاحقاً.

 

وفي إحدى مدارس عدن قام بتدريس مادة التاريخ بقية ذلك العام حد ما وثقه في إحدى قصصه الشهيرة (الدرس الأخير) ضمن مجموعته الأولى، وحقاُ كان درساً أخيرا في عدن حيث لحق ببقية الطلاب عام 1960 الذين سبقوه إلى موسكو والتحق بمعهد غوركي للآداب ليتخرج منه حاملاً درجة الإجازة في الآداب (ليسانس / أدب).

 

روسيا التي أنجبت كبار أدباء السرد القصصي في العالم أثرت عليه كثيراُ خصوصا تجربتي مكسيم غوركي وتشيخوف رائدي المذهب الواقعي في الأدب وهو مذهب يقوم على عكس الواقع في العمل الفني مع فارق أن محمد عبد الولي عمل على عكس الواقع ليس للقبول به وإنما لتعريته ونقده والتبشير بالمستقبل).

                                             

المناصب تتسابق عليه

على إثر عودته عام 1964 إلى اليمن، وما أن تزوج من ابنة عمه (مشلى) التي أنجبت له (بلقيس فأيوب) حتى بدأت المناصب تتسابق عليه ففي البداية تعين مديرا عاما للطيران اليمني، ونظراً لما تميز به من نجاح في عمله وصل صداه إلى مسامع (السلال) قام الأخير بنقله إلى مكتبه بدرجة مدير عام مكتب رئيس الجمهورية

وإزاء ما لا حظ عليه السلال من ثقافة عالية ومهارات في الحوار والاقناع تنم قدرات سياسية فذة أصدر قراراً جمهوريا بتعينه قائما بأعمال السفارة اليمنية في موسكو وبرلين وبعد ذلك مقديشو.

ومما يحكى عنه أنه ذات مرة قام بترجمة مباشرة فورية لرئيس التحاد السوفيتي (ليونيد بريجنيف) الذي صاح في مترجمه قائلاً له:

ـــــ إنه يتحدث باللغة الروسية أفضل منك ويترجم إليها أحسن منك.

لتتناقل الصحف الروسية حينها بحسب شهادات كثير يمنيين كانوا هنالك يومذاك عبقرية الدبلوماسي المتحدث باللغة الروسية.

 

الأرض يا سلمى

من هذا العنوان نلاحظ أن ابن (26) سنة الأديب والسياسي (محمد عبد الولي) يتناول عنوانين من جملة العناوين التي اتسمت بها تجربته الإبداعية والسياسية والإنسانية.

العنوان الأول: الأرض وتشير إلى " الوطن " اليمن " والثاني: سلمى ويشير إلى المرأة والعاطفة والحرمان الذي تعيشه من افتقاده للرجل المهاجر.

 

وحول هذين العنوانين تتمحور المجموعة القصصية الأولى (الأرض يا سلمى) الصادرة عام 1966 والمتضمنة قصص مازال كل من قرأها يتذكرها كـ( امرأة ، الغول ، الدرس الأخير، طريق الصين ، أبو ربية ، سوق السبت ، عند امرأة ، اللطمة، يا خبير ، الأرض يا سلمى، موت إنسان ، لون المطر ، على طريق اسمرا) واختار الأديب والإذاعي المصري عبدالتواب سيف قصة ( لون المطر) في مهرجان القصة العربية وأذاعها عبر ميكروفون " صوت العرب" إلى جانب أعلام وعمالقة الأدب العربي كـ (نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ومحمد تيمور) من مصر، و(الطيب صالح) من السودان، وعبد السلام العجيلي من سوريا، وأحمد الفقيه من ليبيا، ومحمد المرزوقي من تونس، وعبدالكريم غلاب من المغرب.... وغيرهم من نخبة الأدباء العربي.

 

كما احتفت الأوساط الأدبية في (مؤتمر الأدباء العرب الثامن، مهرجان الشعر العربي العاشر) بدمشق، وملتقى دار الادباء بالقاهرة حد ما شهد به (عبد التواب سيف) حيث قال " نحن سويا مع عشرات الأدباء ـــ الجميع ـــ يجلونه، يحبونه، يحترمونه، ......... وهم قبل ذلك يقدرون قلمه، ويهتزون لقصصه، ويحتفون بإنتاجه وأدبه).

 

من سجن القلعة عبر عن خيبة أمله بالثورة

كان محمد عبد الولي مع أولئك الذين وقفوا في صفوف الضباط والمقاومة الشعبية المدافعة عن صنعاء المحاصرة من قبل الفلول الملكية، ووثق في واحدة من أهم قصصه حرب السبعين يوماً هي قصة (الأطفال يشيبون عند الفجر).

 

عند تأمر القوى التقليدية وممارستها لأساليب حقيرة وخبيثة غير مسبوقة في تاريخ المؤامرات السياسية استطاعت بأساليبها الدنيئة رغم ضعفها وجبنها وهروبها أثناء الحصار أن تزج بأبطال حرب السبعين يوماً وكل من وقف إلى صفهم بأحداث أغسطس المشؤومة والتي سقط فيها مئات من أبطال فك الحصار شهداء، ومئات هربت إلى الجنوب اليمني أو إلى قراها تاركة مناصبها العسكرية والمدنية، ومئات اعتقلت وأدخلت سجون صنعاء دونما تمييز بينهم كان من بينهم (عبدالله البردوني ، ومحمد عبد الولي ، وعثمان أبو ماهر ، وقائمة من الأسماء الكبيرة في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية.

 

وقبع في السجن لمدة سنة كاملة دونما ذنب اقترفه سوى نجاحاته كدبلوماسي حاذق، وأديب لامع ومناضل صادق يسكنه حب الوطن والتغيير كان أحيانا يوضع منفرداً داخل (زنزانة صغيرة اثنا عشر قدما في ثمانية اقدام) حد ما ورد في قصة (ريحانة).

 

كان يعلم أن كل صفاته تلك منبوذة من أُناس لايزالون يشربون، ويتوضئون من نفس مياه برك مساجد صنعاء، من أناس كانوا يعيشون في كهوف التاريخ، وفجأة وجدوا أنفسهم أمام ثورة تقول لهم يجب أن تتغيروا لتواكبوا العصر والزمن.

 

أيٍ زمن وأيٍ عصر (أيها المولد) ... ما عد باقي إلا أن يحكمنا حبشي (مولد).

سنة كاملة داخل جدران زنازين(القلعة) كتب خلالها مشاريع قصصية ستشتمل عليها مجموعته الثانية (شيء أسمه الحنين) عبر فيها عن خيبة أمله بالثورة بعشرة قصص (وكانت جميلة ـــ يقصد بها ثورة سبتمبرـــ ليته لم يعد، الشيء الذي لا يمس، شيء اسمه الحنين، يمامة، سينما طفي لصي، يا أخي اتخارج، الأطفال يشيبون عند الفجر، أصدقاء الرماد).

غير أن هذه المجموعة لم يصدرها عقب خروجه من السجن وإنما تأخرت حتى عام 1972.

 

من السجن إلى البكاء فوق قبر الحبيبة

عندما خرج من السجن كانت زوجته (مشلى) قد غادرت الحياة تاركة له أيوب وبلقيس.

خرج من السجن، وكما أخبرني (الفقيد عبد الرحمن سيف إسماعيل رحمهما الله جميعاً) كنا نراه يذهب إلى مقبرة قرية حارات ويجلس إلى جوار قبر زوجته يبكي فراقها المرير فقد كان يحبها إلى حد لا يوصف ويحس أنها حرمت من أشياء كثيرة، وتحملت في سبيله كثير من المتاعب والمعانة.

 

أقام في تعز، وشرع يؤسس داراً لنشر الكتب فيها، وفي عام 1971م يشارك في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، بدأ يتفرغ لكتاباته الأدبية حيث كتب رواية يموتون غرباء كأول رواية له ... وهي قصة شائقة ومحزنة في ان واحد تصور حياة مواطن يمني اسمه عبده سعيد رمز به للمهاجرين اليمنيين في اثيوبيا، وكيف أن اليمني يتعب ، ويكد ، ويحلم ، وقبل أن يستمتع بما حققه في قريته من بناء أحسن دار ، وشراء أحسن بندق ، ......... الخ يموت هناك بعيداً عن وطنه ... فلا يكتفي بمنافسة أصحاب الأوطان في أرزاقهم بل ينافسوهم حتى في قبورهم؟.

 

وفي عام 1972 يصدر المجموعة القصصية الثانية (شيء أسمه الحنين) وأشرنا إليها سابقاً،

 

حسد الفأر الصحفي يعيده إلى السجن

إن شخصية بحجم (محمد عبد الولي) يستحيل أن تعيش في منأى عن الحاسدين وأعداء النجاح والابداع.

 

فبينما كان ينشر أعماله القصصية في الصحف المجلات نشر قصة عنوانها (ذئب الحلة) مع مجموعة من القصص الأخرى نشرت في مجموعة عنوانها (عمنا صالح).

 

قصة ذئب الحلة صور فيه شخصية مجنون يقبع في السجن تصويراً فسره الحاسدين على أنه يقصد به الشعب اليمني، وأنه يسخر منه بتلك الصورة التي تعري حقيقة الواقع اليمني المؤلم.

 

وجاء في أحد كتب الدكتور المقالح أعتقد أنه (قراءة في أدب اليمن المعاصر) إشارة إلى شخص تسبب في دخول (الشهيد المعتقل السياسي) حيث أفاد حسب ما أتذكره " أن الفأر الصحفي سعى للإيقاع بالشهيد بكتابة تقارير تضليلية عنه قادته لأن يعود إلى سجن القلعة مرة ثانية " ولم أحظى حتى هذه اللحظة بمعرفة من يكون ذلك الفأر الصحفي .... ثمة أشخاص يقولون أنه (محمد الزرقة) الذي ترأس تحرير صحيفة الثورة فيما بعد ويبنون حكمهم ذلك من عداوته للأدباء المتميزين حينها وعلى راسهم محمد عبدالولي ، ومنهم من يذهب إلى القول أنه (عبده صالح الدحان) لكون شهرة محمد عبدالولي طغت على شهرته حينها خاصة في كتابة القصة القصيرة التي كان الدحان قد سبق (الشهيد) في كتابتها وإصدارها من خلال مجموعته التي ظهرت في نهاية الخمسينيات وعنوانها( أنت شيوعي) وعندما أصدر محمد عبدالولي مجموعاته القصصية طغت على مجموعة الدحان وأنستها من ذاكرة الناس علاوة على التميز الذي صاره محمد عبدالولي كأديب وسياسي ويؤكدون على ذلك بأنه كان ضمن الذين سيقومون بالرحلة ضمن الدبلوماسيين ، وأنه تنازل لمحمد عبدالولي بمقعده في الرحلة المشؤومة.

 

بيد أن الدحان في لقاء لصحيفة الثقافية صرح بما يزيح احتمال أن يكون هو السبب، لكونه لم يك على علاقة بالمخابرات الجنوبية، وأن احتمال (الزرقة) لكونه كان على علاقة بالأمن السياسي في الشمال، ولا يستبعد أن تكون المخابرات الشمالية على صلة بحادثة الدبلوماسيين تلك .............. ومع ذلك لا نستطيع الجزم بمن يكون ذلك الفأر الصحفي، كما لا نستيع حتى هذه اللحظة الحسم فيمن وقف وراء تلك الجريمة التي ماتزال غامضة، ويجب أن يفتح ملفها حتى لا تظل تبعاتها تكال ضد مناضلين أبرياء.

 

وكان الشهيد قبيل دخوله المعتقل قد تزوج من طبية سويدية تعمل المشروع السويدي بتعز، وأنجبت له (سارة، وفاطمة).

 

ودخل المعتقل حيث يقيا فيه (8) شهور أبرق من خلاله للرئيس (عبد الرحمن الإرياني) طالبه فيه بإطلاق سراحه، لكي يغادر من اليمن.

عندما خرج من السجن ودع زوجته السويدية وابنتيه (سارة، وفاطمة) على أمل أن يلحقها بعد زيارة سيقوم بها إلى عدن التي سينعقد فيها مؤتمرا للدبلوماسيينها في الخارج.

 

النهاية ... هناك

فوق وادي عمد بحضرموت

تزامن خروج الأديب محمد أحمد عبد الولي من سجنه السياسي مع انعقاد مؤتمر للدبلوماسيين اليمنيين في جنوب الوطن، ولأنه كما عرفنا سابقاً كان على قدر كبير من المهارات والخبرة الدبلوماسية فقد شغل سفيراً لليمن بأكثر من دولة علاوة على وجود أواصر فكرية وايديولوجية تربطه بتوجهات النظام السياسي الحاكم في الجنوب.

 

كل ذلك شجعه على ارتياد عدن لحضور أعمال المؤتمر الدبلوماسي الذي كانت القيادة السياسية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قد دعت معظم سفراءها من الخارج للمشاركة فيه والذي بدأت فعالياته مطلع أبريل من عام 1973 واستمرت لعشرة أيام في مدينة الشعب بعدن جرت فيه مكاشفات لبعض السفراء، وقراءة تقييمية للتجربة الثورية حينها وكان من مقررات المؤتمر: القيام بزيارة إلى محافظات الجمهورية بهدف الاطلاع على الأوضاع فيها وجهود حكومة الثورة آنذاك بغرض نقل كل ذلك وتوضيحه للبلدان التي سيعملون فيها كسفراء ممثلين لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

 

في يوم 28 أبريل 1974م تم إعداد طائرة " الانتينوف نوع "أباتشي توف" بدرجة إعداد v.i.p(فيري أمبورتنت) على درجة عالية من الاعداد بإشراف كبير المهندسين وأحد الخبراء الروس، وبعد الفحص النهائي للطائرة أذن للدبلوماسيين الصعود إليها وكانوا جميعاً في حالة انشراح وتعلو وجههم ابتسامات وأجواء فرائحية نادرة.

 

ومن قبيل فتات المعلومات التي ظل الكاتب يقتنصها من وراء سطور قراءاته لكثير من التصريحات والحوارات حول هذه الحادثة تعالوا (نتخيل) أقول (نتخيل).

 

(بينا كانت الطائرة تتهيأ للإقلاع يدخلها شخصاً يطوف بين كراسيها كمن يقوم بفحص نهائي، يقترب من (عبد الله الأشطل ... سفير اليمن الجنوبي في الأمم المتحدة، وعلى عبد الرزاق باذيب سفيرها في المانيا) يهامسمها، وفجأة يقررا مغادرة الطائرة فيعبرا بجوار (محمد عبد الولي) ويناديهما: إلى أين؟ ... إن أعظم اللحظات التي يعيشها الإنسان هي في التعرف على معالم بلاده) انتهى الخيال شبه الحقيقي.

 

وقبل ذلك كان ناصر السقاف سفير الجنوب في اثيوبيا قد ــــ بحسب ما أوردته صحيفة 26 سبتمبر في العدد 1477 -الصادر الأربعاء 14 أكتوبر-تشرين الأول 2009 عدد خاص بالعيد ال 46 لثورة اكتوبر الصفحة 5 ــــ استدعى من عمله كسفير في اديس ابابا الى عدن لحضور ما سمي بمؤتمر الدبلوماسيين الا انه بحدسه ودهائه شعر برائحة المؤامرة، ولم يعد ....... وترك السفارة في اديس ابابا وهو لا يملك سوى جواز سفره وظل متنقلاً بين دمشق وبغداد والكويت طالباً اللجوء السياسي ثم قرر عام 1974م البقاء في القاهرة ومنحته سفارة الجمهورية العربية اليمنية سابقاً منحة مالية شهرية رمزية.

 

غير أن أخرين غير دبلوماسيين كان من المتوقع أنهم سيسافرون بذات الرحلة غير أنهم تراجعوا في اللحظات الأخيرة بينهم (عمر الجاوي، وعبده صالح الدحان).

 

ومن الذين لم يمتطوا الطائرة ووردت أسمائهم ((احمد علي مسعد، وعلي معوض، وعبود) بحسب كتاب (شهادتي للتاريخ) لــ (عبد القوي مكاوي) أورد في سياق جوابه على سائل حول أسرار حادث (طائرة الدبلوماسيين) قائلاً:

 

كان (احمد علي مسعد السفير في روما ... وهو نسيب صالح مصلح وزير الداخلية حينها ...طلب من (احمد علي مسعد) ان ((يتصنع المرض والاصابة بالأنفلونزا)) ولو كان وباء الخنازير لادعى) وفعلا تأخر عن ركوب طائرة الموت المزينة بالصندوق الاحمر ..............................."

وجاء في كتابه أيضاً " وبعد نهاية الاجتماع ذهب (علي معوض) ومعه (عبود) السفير السابق في الصين. ذهبا الى وزير الخارجية (محمد صالح عولقي) الذي كان ضمن ضحايا الطائرة، واعتذرا له من عدم استطاعتهما مواصلة الرحلة بسبب وصول مكالمة لاسلكية من الرئاسة تطلب منهما العودة فورا.

واستقل وزير الخارجية السابقة ومعه الـ 24 دبلوماسيا الطائرة وفيها (صندوق الموت الاحمر) في طريقهما الى المحافظة الخامسة، وكان طيرانهم من المحافظة الرابعة نهاية المطاف في أبشع جريمة من جرائم القتل الجماعي التي عرفتها الانسانية".......... انتهى الاستدلال.

 

إزاء هذا الأمر نضع كثير أسئلة أهمها سؤال: لماذا لم يبلغ (الجاوي، أو الدحان، أو على باذيب) (محمد عبد الولي) الذي كان أقرب إليهم من بقية الدبلوماسيين الأخرين؟ .................... سؤالاً ليس أكثر ؟!

وأقلعت الطائرة بشكل طبيعي صوب مطار عتق بشبوة.

 

***

بعد الظهر جهزت طائرة أخرى نوع "داكوتا" لرحلة مستعجلة للحاق بالطائرة الأولى التي تحمل الدبلوماسيين، وسيكون خطها (عدن -عتق-الغرف-بحران –الغرف).

وكان طاقم الطائرة مكونا من محمد حسين محمد أحمد البحه ومعه اثنين آخرين جميعهم من الجنسية السعودية لجئوا إلى اليمن الجنوبي (وقصتهم طويلة .... خلاصتها أنهم رفضوا أوامر السلطات السعودية في قصف مواقع جنوبية اثناء حرب 1972 بين الشمال والجنوب، وخوفاً من اتهامهم بالموالاة لنظام الحكم في عدن حينها فروا إليها، وتم تعينهم ضمن طاقم طيران شركة اليمدا حينها).

***

يوم 30 أبريل كانت التوجيهات أن تطير (الانتينوف) مباشرة إلى مطار بحران، وتطير (الداكوتا) ــــــ لا يزيد سعتها عن (28) راكباً زائداً طاقمها ـــــــ إلى مطار الغرف بسيئون لتضع الدبلوماسيين الذين على متنها ومن ثم تتجه إلى مطار بحران حيث وصلت (الأنتينوف) لتنقل بقية الدبلوماسيين لينضموا إلى زملائهم بالغرف.

 

أقلعت أولاً من مطار عتق إلى مطار الغرف الطائرة الصغيرة (الداكوتا) وخلال الفترة الزمنية التي كانت فيها في الجو (حسب شهادة العميد الرشيدي المسئول الأول عن تجهيز وإعداد الطائرات المعدة للرحلات المهمة لكبار المسئولين) انقطع الاتصال بطاقمها وتلقت غرفة العمليات بعدن من برج مطار الغرف بسيئون بلاغاً بفقده (الداكوتا) من الرادار وتبع ذلك بلاغ آخر من برج مطار بحران يؤكد فقدانهم للطائرة من الرادار.

 

***

وبينا كانت الرحلة عابرة فوق أجواء وادي حضرموت وتحديدا فوق أحد الجبلين المتاخمين لوادي(عمد) صعق سكان القرى المتناثرة حول الوادي وهم يشاهدون ويسمعون دوى انفجار الطائرة التي استقت من دماء شموس وأقمار وطن كانت داخلها.

 

نعم ارتوت وتلونت بالزينة حقول وادي عمد وأعباره وأشجاره وأحجاره وتلاله من تلك الدماء البريئة حتى أنه لم يُعثر على جثة واحده كاملة.

 

جميع أشلاء الجثث وجدت متناثرة على مسافات متباعدة من أصقاع الوادي، وظلت المروحية تنقلها كأوصال لحم مقطعة تسيل منها دماء من الوادي إلى حيث تقف طائرة (الأنتينوف) في مناظر يعجز وصفها عبرت عن مدى البشاعة والاجرام الذين يتحلى بهما من خطط لتلك الجريمة.

 

واشتملت قائمة أسماء الشهداء الضحايا (1) محمد أحمد عبدالولي العبسي أديب وسياسي (2) محمد صالح عولقي: وزير الخارجية (3) صالح الشاعر: سفير اليمن في موسكو(4) سيف أحمد صالح الضالعي: سفير اليمن في بغداد (5) عبد الله بن سلمان: سفير اليمن في لندن (6) عبد الباري قاسم: سفير اليمن في الصومال (7) فضل أحمد ناصر السلاّمي: مندوب اليمن الدائم في الجامعة العربية (8) طه ناصر محمد: القائم بأعمال سفارة اليمن في بيروت (9) محمد ناجي: القنصل العام في اندونيسيا (10) عبد الرحمن حسين: مستشار قانوني في سكرتارية مجلس الوزراء (11) نور الدين قاسم: مدير قسم الإعلام في وزارة الخارجية(12) سعيد شحبل: مدير مراسيم وزارة الخارجية(13) مهدي صالح جعفر: مدير قسم شؤون أفريقيا بوزارة الخارجية (14) قاسم الكعبي: سكرتير ثالث في وزارة الخارجية (15) عبد القادر أحمد ناصر السلاّمي: سكرتير ثالث في وزارة الخارجية (16) عبد الكافي محمد عثمان: مدير قسم شؤون الدول الاشتراكية وأمريكا اللاتينية (17) عبد الرزاق نعمان: سكرتير مكتب وزير الخارجية (18) محمد أحمد البيشي: مستشار في وزارة الخارجية (19) أحمد فضل بن دحمان: مسئول القسم القنصلي بوزارة الخارجية(20) محمد حسين محمد أحمد البحه: قائد الطائرة سعودي الجنسية لجأ إلى الجنوب (21) إقبال علي أحمد: مهندس طيار سعودي الجنسية لجأ إلى الجنوب (22) أحمد حسين البيحاني: مساعد طيار.

 

أخيرا ... عظيم فوق حروف الخلود

رحل الشهيد محمد أحمد عبد الولي بعد رحلة قصيرة لم تتجاوز الـ (33) سنة لكنها كانت بالقياس إلى حجم عظماء مبدعين رحلوا قبله أو بعده تعادل أعمار الحياة.

وأسالوا التاريخ كم كان عمر (أبو القاسم الشابي) و(إبراهيم طوقان) وغارسيا لوركا، وجاك لندن، وانطونيوا وتشيخوف وقبلهم الخليفة عمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين الأيوبي؟

 

وحتى إن لم يبقى من ذرية المبدعين أبناء يحملون أسمائهم كحال الشهيد محمد أحمد عبد الولي الذي توفى ابنه أيوب بعده، وقبل بضعة سنوات رحلت ابنته الدكتورة بلقيس صاحبة أول صيدلية تفتحها امرأة في تعز بسبب مرض عضال داهمها لتكتمل بذلك سيرة الوجع التي عاشها الشهيد في حياته القصيرة.

 

نعم حتى إن لم يبقى اسم يحمل اسمه في اليمن ليذكرنا به يكفيه أنه قد خلف وراءه تجربة استثنائية ستظل الأجيال تتناقلها في مدارسها، وتدرسها في جامعاتها، ومنصات المنتديات الأدبية، والصوالين الثقافية وفي صحفها ومجلاتها جيلاً إثر جيل، وذلك هو الفرق بين أديب شهيد، وكل الذين عانى منهم كثيراً ... أولئك باتوا منسيين، وهو مذكور ... أولئك إن ذكروا فلا يذكرون إلا واللعنات تلاحقهم حتى قبورهم، أما هو فاسمه محمود فوق حروف الخلود، وروحه ترفل بالتقدير في وعي الوجود.

الأحد, 01 شباط/فبراير 2015 16:25

الروافع الأساسية للثورة !!!

 

أستهل مقالتي هذه بمقولة للكاتب الفرنسي الخالد الذكر أناتول فرانس: إيه يا أجيال المستقبل، أبناء الأيام التي ستهل! إنكم سوف تناضلون، وحين تشرع الخيبات في حملكم على الشك بنجاح قضيتكم فلا ريب في أنكم سوف تستعيدون شجاعتكم وترددون .... " لقد خسرناها مؤقتاً ولكن ليس إلى الأبد! لقد تعلمنا أشياء كثيرة، وغداً تنهض القضية من جديد وهي أقوى بالحكمة، وروح الانضباط. ".

نعم ... أيها الثوار ... ستنهض قضية الثورة اليمنية من جديد وهي أقوى ب (الحكمة، وروح الانضباط).

منذ يوم الجمعة الماضية وعلى مدى أيام هذا الأسبوع، والشباب يحاولون القيام بمسيرات ثورية ما أن تبدأ بالتحرك إلا وتتعرض لاعتداءات سافرة جبانة تنم عن مدى الإجرام الممزوج بالغباء والبلادة غير الخاليين من الخبث والحقد الذي يستوطن المعتدين من أخماص أقدامهم حتى مفارق رؤوسهم.

وإزاء الفارق بين أخلاق الثوار العالية ورغباتهم وطموحاتهم وأحلامهم الكبيرة المشروعة، وبين أخلاق المعتدين المنحطة، ورغباتهم وطموحاتهم وأحلامهم الحقيرة غير المشروعة فإن على الشباب الذين تحركهم الدوافع الكبيرة في تقرير مصير مستقبل هذا البلد التركيزعلى الأولويات الكفيلة بإنجاح ما يصبون إليه من أهداف وطنية.

إن تلك الأوليات التي سآتي عليها تالياً تمثل في مضمونها روافعا حقيقية ضامنة لنجاح انتفاضاتهم أو ثوراتهم.

إن أية ثورة أياً يكن حجمها كبيراً لن تنجح دون وجود روافع أساسية لها، وأهداف وطنية وقومية وإنسانية عظيمة تكتسبها من تطلعات وطموحات شعبها.

والفعل ثوري الذي يفتقر إلى الحوامل الأساسية للثورة سيكون محكوم عليه بالفشل بأكثر من صورة كالاستيلاء على الثورة، وضرب أهدافها الكبيرة تارة أو وتارات بإعادة انتاج ذاتها القوى التي ما قامت الثورة إلا ضدها إلى الحياة من جديد، أو بخيانة قِوى كنا نظن أنها ثورية حينما سُمح لها بالمشاركة في فعل الثورة فانكفأت على أعقابها متقهقرة إلى التحالف والارتهان والارتماء إلى أحضان العصابات التي كانت تعيث بالبلاد والعباد فساداً كما هو حاصل اليوم.

قد يقول قائل إن هذه الكلمات تنظير، والثورات لا تحتاج للتنظير، وإنما للعمل الميداني.

وهنا أرد على من يردد هذا القول: جزء مما قلته صحيحاً وهو (العمل الميداني) لكن التنظير الذي تعتبره خطئاً هو على العكس من ذلك كلية.

فلا ثورة بلا نظرية ثورية، ولا نظرية ثورية بلا فكر ثوري حقيقي.

لا نريد ثورة بلا فكر، ولا فكر بلا ثورة.

والثورة التي تكون ترجمة تطبيقية للفكر تنجح، والفكر القابل للتطبيق الثوري في مقدوره أن يحشد الجماهير التواقة للتغيير، وأن يقودها لتحقيق أحلامها.

 هل تعرفون لماذا أعظم ثورة نظيفة في تاريخ البشرية هي ثورة 11 فبراير لم تنضج، وتحقق أحلام شعبنا فيما يصبو إليه لبناء مجتمع مدني حديث؟

ليست لأن الظروف الموضوعية كانت غير مهيئة لنجاح ثورة 11 فبراير، فهذه ربما كانت مهيئة أكثر من جميع بلدان الربيع العربي الذي سرعان ما تحول لخريف عربي ثقيل.

وليس لأن هنالك من سرقها، أو غدر بها وطعنها من الظهر، أو لأن عصابة المافيا اليمنية التي حكمت البلاد والعباد لــ (ثلث قرن) ففصلت المستقبل بما يمكنها من الإجهاز والاجهاض لأي محاولة ثورية للتعيير.

وليس لأن الجيران والمجتمع الدولي تأمر على ثورتنا وأرداها صريعة في مهدها، أو أعاد توجيهها بألياته المختلفة صوب ذاتها لتتأكل من داخلها تأكلاً ذاتياً.

ليست كل هذه العوامل هي التي حالت دون إنضاج ونجاح ثورة 11 فبراير السلمية.

لإن كل هذه العوامل والتداعيات التي ظلت تسير متوازية مع ثورة 2011 مثلت ولا تزال تمثل عوائقا تحوول دون نجاح الثورة السلمية غبر أنها في مجملها ليست إلا عوامل وعقبات موضوعية، لا ذاتية.

لقد كانت العوامل الذاتية هي العائق الأكبر الذي استقام عقبة في طريق الثورة السلمية، ويتمثل في (غياب الروافع الثقافية والاجتماعية والمادية الثورية) والتي يمكن إيجازها في:

1 ـــ غياب الرافع الثقافي أو الفكري للثورة:

 وأقصد به المشروع الثقافي للثورة ... وبعبارة أخرى (الحكمة) التي ذكرها أناتول فرانس أعلى هذه المقالة.

إننا إذا ما ذهبنا ننقب عن أسباب فشل ثورات منتصف القرن المنصرم سنجد أن من جملة الاسباب ... غياب المشروع الثقافي لأي من تلك الثورات، ولنأخذ مثلاً ثورة 23 يوليو 1952 كان لها حاملاً اجتماعياً ولم يكن لها حاملاً ثقافياً، فأدى نقص الرافع الثقافي إلى عدم انتقال الثورة المصرية إلى مرحلة الدولة المدنية الديمقراطية، وبالمثل انقلبت بقية الثورات العربية على قيم التعددية والمشاركة السياسية خصوصا في سوريا والعراق والجزائر وتونس وليبيا واليمن قبل وبعد الوحدة.

وما كان لهذا الواقع الانقلابي ليفرض وجوده كأمر قائم حال كان هنالك مشروعاً ثقافياً يحدد ماهية وطبيعة النظم السياسية التي ستسند إليها مهام إدارات أوطانها.

 إن الحامل الثقافي هو من يحدد ليس مسارات أي ثورة من الثورات فحسب، بل الأهم من ذلك أنه يحدد الذي يفترض أن تكون عليه حياة أي مجتمع.

لأن جوهر الحامل الثقافي لأي ثورة لا يلغي حق جماعة وفئة من المجتمع وتجييره لحساب فئة وجماعة أخرى لأنه يعي جيداً أن مثل هكذا إلغاء سيعمل في المستقبل على دفع (الفئة/ الفئات المغيبة والمحرومة من حقوقها) للإطاحة بالثورة، وما تتالى الثورات في مجتمعاتنا العربية، واستمرار متوالياتها بين بضعة عقود وأخرى إلا بسبب هيمنة فئات اجتماعية على فئات أخر.

 فئات ما أن تظفر بالحكم حتى تتحول إلى عصابات منظمة أخطر من تنظيمات عصابات المافيا نفسها.

 ولمزيد من التوضيح للذي أرغب الوصول إليه أسوق جملة لأحد الفلاسفة حيث قال : يا إلهي "كم سيكون الناس سعداء لو أن حكامهم فلاسفة أو فلاسفتهم حكاماً".

 فما هي فلسفة كل ثورة من ثوراتنا؟

ما هي فلسفة ثورة 11 فبراير؟

وهل يجب أن يكون لكل ثورة فلسفة أو فكر أو ثقافة؟

هل يجب تقود الثورة الثقافة؟ أم الثقافة هي التي يجب أن تقود الثورة؟

من الذي ينتج الأخر. الثقافة أم الثورة.

 في تقديري أن مجتمعاً جاهلاً غير مثقفا لا يستطيع أن يثور، وإذا ما ثار سوف يفشل ويعود إلى ما كان عليه في البداية ، وربما إلى ابعد وأسوأ ما كان عليه قبل أن يثور كما هو حالنا في اليمن.

 لهذا أرى أن الثقافة هي بدورها من يرسم فلسفة الثورة، ويحدد وعي الثورة.

الثقافة في الأصل هي التي تنتج الثورة الناجحة ... والثورة بعد أن تستوي، وتتحول لثورات في مختلف مجالات التنمية الشاملة تقوم بتشكيل جوهر الثقافة.

أعني أن هنالك تلازما وتداخلا وتكاملا حيث الثقافة تنتج الثورة، والثورة تشكل جوهر الثقافة.

 يجب على الشباب الذين يتوقدون إلى استئناف الفعل الثوري ضرورة أن لا يكرروا الخطأ الذي وقعنا فيه عام 2011 حيث لم نك نمتلك رؤية لما يفترض أن تكونه اليمن بعد الثورة بسبب أن كثير من الشباب ــــ أمام سبق المبادرة في إشعال فتيل الثورة، والتضحيات التي قدموها ــــ استبدت بهم نزعات الزعامة، وغُذيت داخل أنفسهم نيران الانتهازية فاعتمت انظارهم عن الاستعانة بالمثقفين النوعيين لصياغة الحامل الثقافي للثورة، وعليهم أن لا يكرروا ذاته الحطا ثانية.

 2 ـ غياب الروافع الاجتماعية للثورة:

 أقصد بالروافع الاجتماعية للثورة بتلك المصفوفات أو المرتكزات الاجتماعية الفاعلة خاصة الاحزاب السياسية باعتبارها الرافع السياسي الأول الشبه منظم ــ بصرف النظر عن ضعفها أو مرضها اللذين يكادا يشلان حركتها ــ ففيها من بقيا الرمق ما يمكن أن تستعيد به عافيتها من ضعفها وسلبيتها.

 وأول ما يجب على الشباب هنا هو القيام بثورات داخل أحزابهم.

ونجاح ثوراتهم داخل أحزابهم، سيحرك بدوره مختلف منظمات المجتمع المدني التي تتصل بطريقة أو بأخرى بهذه الأحزاب كالنقابات العمالية والجمعيات والمؤسسات والمراكز، والمنتديات المختلفة فمعظم هذه التجمعات المدنية تتصل بتلك الأحزاب، وعلاوة على ذلك تتصل أيضاً بأكثر من شكل بالرساميل الوطنية المختلفة.

ودفع عجلة أي ثورة وتحريكها دون المكونات الاجتماعية المختلفة ليس سوى عبثاً فوضويا، ومضيعة للوقت واستهلاكاً للطاقات الثورية..........الخ.

 وفي حين أن وجود الروافع الاجتماعية السياسية والمدنية المنظمة يسرع بانجاع الفعل أو الحدث الثوري فإنه في الوقت ذاته ــــ خصوصا في ضوء وجود الحامل الثقافي أو الوعي الثقافي الثوري المحدد لأهداف الثورة الكبيرة ــــ  يعمل على تحقيق التكافؤ في العلاقات الاجتماعية بين كافة أنسجتها المجتمعية تحقيقاً يقوم على قواعد الارتباط، والتناظر، والتعايش المشترك.

3 ــ غياب الروافع الاقتصادية

الروافع الاقتصادية للثورة تنقسم إلى قسمان روافع الاقتصاد لمرحلة ما بعد الثورة (وهذه ليست التي أقصدها في هذه الرسالة أو المقالة).

ما أقصده هو الظروف الاقتصادية للثوار أنفسهم، أو الدعم المادي لثورتهم في أن تنتشر متمددة لكافة أرجاء البلاد ـ وتستمر حتى يتسنى لها إنجاز ذاتها كحقيقة ماثلة على الأرض.

إن من أصعب العوائق في طريق نجاح الثورات العائق المادي خصوصاً في حالتنا اليمنية ... لا سيما وأن الذي نثور ضدهم يمتلكون من الأموال والأسلحة ما تنوء عن حمله ليست الجمال فقط بل والقاطرات أو الطائرات أو السفن الضخمة.

المواطن البسيط أكان موظفاً أو عاملاً لا يستطيع أن يترك وظيفته أو عمله ليثور وهو يعرف أن ما في بيته لا يسد حاجتها من القوت كذا يوم فأنى له أن يثور؟

أعرف الكثير من الثائرين لا يجدون ما يسد الرمق ........  وحتى هؤلاء لم يجدوا من يدعمهم خلال الفترة ما بعد 2011 لمساعدتهم في تحسين أوضاعهم المعيشية، بعضهم إما دون عمل وبعضهم مفصول من وظيفته ولم يسوى وضعه الوظيفي حتى الأن.

أيضاً الدعم المالي لا يقتصر على دعم من يثورون في شوارع العاصمة أو المدن، وإنما هناك فئات كثيرة وكبيرة في الريف ... فمن سيتكفل بتحريكها لتغذية الثورة في المدن؟

من كل ما سبق أكرر للشباب على ضرورة وجود الحوامل الثقافية، والاجتماعية والمادية اللاتي ستضمن لهم الاستمرار في المضي بثورتهم حتى نهايتها التي لن تقف عند حد فوزها فقط وإنما ستستمر إلى ما لا حدود تقف عندها لأن متطلبات الحياة لا نهاية لها.

فلا يكفي أيها الثوار أن تكونوا حقاً شجعانا لمواجهة أنصار الشيطان بل أهم من ذلك توفير ضمانات الانتصار العملية في معركتكم ضد الشيطان وأنصاره.

وتذكروا أن نفوسهم الشيطانية لقادرة على اقتراف أبشع الجرائم القذرة كقدرتكم على ممارسة أكبر الوسائل السلمية.

ولا تنسوا أن ثورتكم أيان توفرت لها الروافع الضرورية لحملها على النجاح سوف تنجح، مهما سارت ببطيء أو رويدا.

لأن الذين لا يسيرون إلا رويداً ــ حد ما قاله الفيلسوف رينيه ديكارت ــ يستطيعون إذا اتبعوا السبيل السوي أن يتقدموا أكثر بكثير من الذين يسرعون ويبتعدون عنهم.

من كل ما سبق تحدوني الأمنيات في أن تتجنبوا أخطاء الماضي وتستفيدوا من هذه الملاحظات في الكرة الثورية القائمة كيما تتمكنوا من إيصال ثورتكم الوطنية إلى شواطئ أحلامها ومعانقة غاياتها.