نبيل سبيع

نبيل سبيع

الثلاثاء, 31 آذار/مارس 2020 15:51

الفيروس الذي يعشق مهاجمة الأقوياء أولاً

 

غالباً ما تتنمَّر الفيروسات والجراثيم وكل الأمراض والأوبئة على البلدان الضعيفة والفقيرة، لكنّ كورونا قلب المعادلة.

كورونا عدونا جميعاً، لكنه- والحق يقال- عدو يجبرك على احترامه. فهو يستهدف الرؤوس أولاً سواءً على مستوى الدول أو الأفراد.

ليس مثل بقية الفيروسات والأوبئة التي تذهب إلى أفريقيا وبلدان العالم الثالث الأسوأ وضعاً والأشد فقراً كي تستعرض عضلاتها هناك، بل بدأ بمهاجمة رؤوس العالم، الدول العظمى.

بدأ بضرب الصين ثم هاجم أوروبا بشراسة وقسوة ثم بدأ بضرب أمريكا التي يبدو أنها ستكون على موعد مع موجة عاتية من الوباء. لقد بدأ كورونا بمهاجمة القوى العظمى والرؤوس الكبيرة، ولم يلتفت حتى الآن كثيراً للبلدان الضعيفة والفقيرة.

وحتى على مستوى المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا كلها، نراه استهدف الدول الإقليمية القوية والغنية بصفة رئيسية ومنذ البداية، بدءاً من إيران ومرورا بالسعودية وبقية نادي الدول الغنية في الخليج.

وإذا كان هذا على مستوى الدول والبلدان، فإنه على مستوى الأفراد، يتصرف وينتهج حتى الآن نفس النهج، حيث يبدأ بمهاجمة زعماء البلدان وشخصياتها البارزة: من الصين إلى ألمانيا وأمريكا مرورا بإيران وليس إنتهاءً ببريطانيا، استهدف كورونا العديد من قادة هذه البلدان وأفراد نخبها السياسية والفنية.

ولا شك أن كورونا يستهدف الناس والمواطنين العاديين وأنه عدونا جميعا، عدو البشرية جمعاء، لكن هذا الفيروس الغريب يستوقفنا كثيرا عند هذه النقطة.

يقول العلم إن الفيروسات لا تفكر، لكن كورونا يشعرك أنه يتمتع بوجهة نظر خاصة به تجاه العالم، يشعرك أنه يفكر أكثر من البشر ويعشق مهاجمة الكبار والأقوياء أكثر من سواهم.
ـــــــــــــــ
* من صفحة الكاتب على فيسبوك

الأربعاء, 03 شباط/فبراير 2016 15:05

رصاصتان وثلاث هـراوات

"الرصاصة التي تصيبك لا تسمعها"، لا أدري من قال هذه العبارة، لكنني اختبرتها مؤخراً على أرض الواقع وأعرف الآن جيداً كم هي صحيحة.

بعد ظهيرة 2 يناير، أي قبل شهر من الآن، تلقيت رصاصتين لا أدري أيهما سبقت الأخرى: إحداهما اخترقت أسفل فخذي الأيمن فوق الركبة بعدة إنشات وخرجت من الجهة الأخرى للفخذ فيما اخترقت الأخرى ساقي اليسرى من تحت مفصل الركبة بإنش واحد تقريبا وخرجت من مقدمة الساق. لم أسمع صوت الرصاصتين، ولم أشعر بأيٍّ منهما لحظتها. فقط، شعرتُ لوهلة ببرودة تخترق ساقي اليسرى كما لو كان خيط هواء بارد عبر من خلال الثقب الذي أحدثته الرصاصة في عظامي ولحمي. كنتُ ما أزال واقفاً على الرصيف حيث تعرضتُ للطلقات، وقد قمتُ بعدة خطوات بساقيّ المصابتين دون علمي بإصابتهما، ربما ثلاث أو أربع خطوات نزلت بها من الرصيف الى الشارع، ثم شعرتُ فجأة كما لو أنه ليس لدي سوى ساق واحدة: اليمنى. وعندها فقط، سقطتُ أرضاً.

وأنا مُمَدَّدٌ على ظهري على اسفلت الشارع، أمسكتُ بساقي اليسرى بكلتا يدي ورفعتها أمام وجهي محاولاً معرفة ما بها، رأيتُ ثقباً في بنطلوني تحت الركبة ورأيتُ الدماء، فأدركتُ لحظتها أنني أُصِبتُ برصاصة. وعندها فقط، صرختُ متألِّماً.

كأنّ الألم لا يحدث نتيجة الإصابة بل نتيجة معرفتنا بها: لم يداهمني الألم لحظة إصابتي بالرصاصة بل بعد معرفتي بها. وفيما شعرت بالألم جراء إصابة الساق اليسرى، لم أشعر بأي ألم في ساقي اليمنى رغم أنها أُصِيبتْ أيضاً برصاصة، ربما لأنني لم أعرف بها إلا بعد إسعافي الى المستشفى.

بعد أن حملني أصدقائي من الشارع الى السيارة ومددوني على الكرسي الأوسط، لم أحب البقاء ممدداً، فأمسكت برجلي اليسرى وشِلْتها برفق كي أتمكن من النهوض والجلوس، وقد اعتمدت كلياً في ذلك على رجلي اليمنى دون أن أشعر بأي ألم فيها أو أنتبه الى أنها هي الأخرى مصابة بطلقة، وهو ما ظللت أجهله حتى بعد وصولي المستشفى وإجراء المجارحة الأولية على رجلي اليسرى ورأسي الذي كان يؤلمني بشدة وينزف هو الآخر جراء تعرضه للضرب. حتى الطبيب الذي أجرى لي المجارحة غادر غرفة الطوارئ معتقداً أنه قد أنهى مجارحة كل جروحي دون أن ينتبه لإصابة رجلي اليمنى، لكن أحد الممرضين انتبه لها فاستدعاه مجدداً من الخارج. وعندها فقط، حين عرفت بالإصابة، آلمتني رجلي اليمنى، ولكنْ بدرجة أقل من اليسرى.

كانتا طلقتين من مسدس لم أره. وكانت الرصاصة التي أصابت ساقي اليسرى أخطر من أختها: فقد مرت من تحت مفصل الركبة بالضبط وأحدثت تفتُّتاً في العظم الغضروفي وشروخاً وأضراراً في عظم الساق، فيما اخترقت الأخرى عضلات فخذي الأيمن فقط ولم تصب العظم. ورغم التفاوت بينهما في درجة الإصابة، إلا أنني لم أشعر بهما على السواء لحظة الإصابة. ومازلتُ حتى اللحظة لا أدري حقاً أيَّهما سبقت الأخرى. لكني أعرف جيداً ما الذي سبقهما: فقبل إطلاق الرصاصتين على ساقيَّ، كان رأسي قد أصبح هدفاً لأكثر من هراوة.

---------

ثلاث هراوات و"مفَارِع":

---------

كانت الساعة تقترب من الثانية والنصف بعد ظهر الثاني من يناير حين غادرت منزلي في شارع "الزراعة" رفقة الأصدقاء: مازن شاكر (صهري)، فارس حسان وأوراس الإرياني. كنا عازمين على زيارة قرية "ذي بوس الحميري" التاريخية الواقعة فوق سفح أحد الجبال الجنوبية للعاصمة صنعاء والتي تتمتع بإطلالة ساحرة على المدينة وبشجرة قديمة نبتت فوق صخرة تتخللها وتغطيها شبكة عجيبة من الجذور. أحب تلك الشجرة كثيراً، وأحب جذورها أكثر. وقد حدثت أصدقائي عنها واقترحت زيارتها بعد أن نتغدى "مضبي" في أحد المطاعم. رحبوا بالمقترح، وطلب أوراس أن نمر به قبل ذلك على مصرف الكريمي في بداية شارع هائل من جهة شارع الزبيري. وصلنا بعد نحو خمس دقائق، ونزل أوراس وفارس من السيارة الى المصرف، فيما قام مازن بركن السيارة على بعد عدة أمتار. وبعد ركن السيارة، ترجلت من الكرسي الأمامي المجاور لكرسي السائق، ووقفت على الرصيف معطياً ظهري للمارة ومواصلاً حديثي مع مازن من خلال نافذة السيارة، وهو الحديث الذي لم تسمح لي هراوة غير متوقعة بإكماله.

الهراوة التي تهوي بقوة على رأسك من الخلف تؤلمك بشدة وستسمع صوتها بخلاف الرصاصة، لكنك ستسمعها وكأنها حدثت في مكان آخر لا علاقة له برأسك ولا بجسدك ككل. لا أدري إذا كان هذا أمراً يشترك فيه الكثير من الناس، لكن هذا ما حدث لي أنا على الأقل حين هوت الهراوة بقوة على رأسي: آلمتني الضربة، لكني سمعتها وكأنها وقعت على الجدار المجاور لي على بعد مترين أو ثلاثة، وكما لو أن عقلي يقول لي: اصمد.. الضربة لم تقع في رأسك!

لكنّ الألم وُجِدَ أصلاً لتبديد الأوهام وإقناعنا بحقيقة ما نحن فيه. وفضلاً عن هذا، فقد كانت هناك على الأقل هراوتان أخريان تناوبتا على رأسي وأماكن أخرى من جسدي بدون تأخير ولا تلكؤ، وأكدتا لي أكثر أن من يتعرض للضربات ليس الجدار بل أنا. وهكذا، بدأ الاعتداء عليّ: بالهراوات.

بعد الضربة الأولى، التفت الى الخلف بدون تفكير ورأيت شاباً يرتدي الزي القبلي المعروف، لكني لم أستطع تبيُّن ملامح وجهه رغم أنه لم يكن ملثماً ولم يكن يبعد عني أكثر من متر واحد تقريباً. لقد أثرت الضربة على قدرتي على الرؤية بوضوح، جعلت رؤيتي مشوشة ووجه الشاب ضبابياً. وقد أدركت السبب بعد وصولي الى المستشفى: أخبرني الطبيب أن الضربة استهدفت تحديداً منطقة الإبصار في رأسي.

كانت ضربة قوية وكافية لإيضاح وجهة نظر المعتدين وإيصال رسالتهم، لكنهم أرادوا أن يكونوا كرماء معي أكثر: فما إن التفت الى الشاب الذي هوى على رأسي بهراوته من الخلف وأصبحت في مواجهته، حتى تلقيت ضربة هراوة أخرى من الخلف أيضاً. وهذه المرة، لم التفت الى الشخص الآخر الذي وجه لي الضربة الثانية، فقد تتالت الضربات على رأسي وجسدي، وأصبح تركيزي كله منصباً على تفادي الضربات وليس على معرفة من يوجهها لي. لا أدري عدد الضربات التي تلقيتها بالضبط، لكنها تركت عدة كدمات وأورام على رأسي وجسدي.

غير أنها كلها لم تكن بخطورة الضربة الأولى التي فتحت جرحاً في رأسي من ثلاث غرز نزف كثيراً حتى وصلت المستشفى.

لم يقل المعتديان شيئاً خلال الاعتداء الذي تم بسرعة. والكلمة الوحيدة التي سمعتها خلال الاعتداء لم تأتِ منهما بل من شخص ثالث هرع باتجاهنا وهو يصرخ: "فلتوا له.. فلتوا له!". حين سمعته، شعرت بنوع من النجدة التي يشعر بها عادةً أي شخص يتعرض للاعتداء وسط شارع مكتظ ولا يجد من يتدخل لإنقاذه. ظننته "مفارِع"، ثم لمحت في يده هراوة، وأوهمني باندفاعته الغاضبة صوب المعتدين أنه عازمٌ ليس على "المفارعة" فقط وإنما أيضاً على الدفاع عني. لكنه، ما إنْ وصل، حتى باشرني أنا بضربة على رأسي.

في الأثناء، كان مازن شاكر قد اشتبك مع الشاب الذي افتتح الاعتداء علي، وسلبه الهراوة، ما دفع الأخير الى توجيه مسدسه الى رأس مازن الذي لم يكن مسلحاً. وأما فارس وأوراس فقد كانا داخل المصرف الذي أغلق الحراس أبوابه فوراً بعد سماع أول رصاصة أطلقها المعتدون في الهواء ولم يعرفا أنني من كان يتعرض للاعتداء في الخارج. لم أسمع الرصاصة التي أطلقت في الهواء كما لم أسمع الرصاصتين اللتين أطلقتا بعدها على ساقيّ، لكن الآخرين سمعوا الرصاصات الثلاث التي اختتم المعتدون بها مهمتهم قبل أن يغادروا على دراجاتهم النارية.

حين بدأوا الإعتداء عليّ بالهراوات، ظننت أنني أتعرض لإعتداء بالخطأ ولم أتذكر أنني صحفي حتى. لكنْ، بعد أن رأيت إصابة رجلي اليسرى برصاصة، تذكرت أنني صحفي وربطت بين ذلك وبين الإعتداء.

--------

المحقق وريال مدريد:

--------

بعد وصولي الى غرفة الطوارئ في المستشفى الجمهوري، جاء محقق وجلس على يميني وأنا ممدد على سرير المجارحة. كنت أتألم بشدة ولم يكن الطبيب قد بدأ مجارحتي بعد فيما بدأ المحقق باستجوابي! قلت له إنني سأرد على أسئلته لاحقاً بعد العلاج، لكنه أصرّ على أن يتم التحقيق في تلك اللحظة، وبرر ذلك: "عشان نمسكهم". قلت له: "ماباتمسكوهمش". قال: "إلا بانمسكهم". قلت: "صدقني ماباتمسكوهمش، وما أشتيكمش تمسكوهم.. قولوا لهم بس ما يكرروها مرة ثانية". كان عدد من الأصدقاء الذين هرعوا الى المستشفى متجمعين باب غرفة الطوارئ ويستمعون لحواري مع المحقق. وبعد جملتي الأخيرة، قال أحد الشبان: "لن يمروا يا أستاذ نبيل". فرديت عليه: "إلا، إلا يمروا، عادي، يمروا.. وعادنا بازيد أضوِّي لهم عشان يمروا براحتهم. المهم ما يكرروها مرة ثانية".

اعتقدت أن المحقق سيقتنع ويتركني حينها، لكنه أصر: "ضروري نعرف من هم.. تعتقد من هم غرماءك؟". نظرت اليه، وقلت له: "ريال مدريد".

لم يكتف بجوابي هذا، بل أصر قائلاً إنه سيتم الإمساك بهم إذا "عرفنا من هم". وعندها، سألته: "أنت متأكد إنكم باتمسكوهم إذا قلت لك من هم؟". رد: "أيوه، مؤكد". قلت له: "هم اللي بهذلوا ببدلتك. هيا روح امسكهم وخلِّي الدكتور يعالجني لو سمحت". نظر إليّ بصمت ثم غادر بصمته وأوراقه.

في اليوم التالي، زارني محققان آخران وأجبت على أسئلتهما. أخبرتهما أنني لا أستطيع الجزم باتهام طرف بعينه، لكني أحمل سلطة الأمر الواقع المسيطرة على صنعاء المسؤولية. ثم زارني محقق ثالث وسألني: "شفت مع المعتدين واحد لابس ميري؟". "لا"، أجبته ثم سألته: "ليش كان فيه واحد لابس ميري؟". بدا لي كما لو شعر بأنه تورط بطرح هذا السؤال، ثم قال: "ظهر واحد لابس ميري في الفيديو بس الفيديو مش واضح". سألته: "يعني فيه فيديو؟". رد: "أيوه، كاميرا الكريمي صورت".

كانت تلك أول مرة أعرف فيها باشتراك شخص يرتدي الميري في الاعتداء، وأول مرة أعرف بوجود فيديو للحادثة. وقد عرفت لاحقاً أيضاً أن المعتدين لم يكونوا ثلاثة أو أربعة كما أخبرت المحققين، بل ستة أفراد كما أظهر فيديو مصرف الكريمي.

لقد توفرت في حادثة الاعتداء عليّ خيوط كثيرة قلما تتوفر في حادثة أخرى، وهي كافية تماماً للتعرف على هوية المعتدين والقاء القبض عليهم: فقد اعتدوا عليّ في وضح النهار، وفي شارع مكتظ وحيوي ومحاط بالمصالح الحكومية المحروسة جيداً، وجوار معسكر حرس الشرف، ولم يكونوا ملثمين. وفوق هذا، تم تصويرهم بفيديو.

وقد نفذوا الاعتداء بثقة وأريحية كبيرة كأيّ معتدين واثقين جداً بأنهم فوق المساءلة والمحاسبة. ولهذا، كنت بالمقابل واثقاً بأنّ أحداً لن يلقي القبض عليهم لكي يعاقبهم أو حتى يستوقفهم للحظة لكي يسألهم بود: "لماذا؟".

من صفحة الكاتب على الفيسبوك

 

حوالى التاسعة من مساء أمس، وبينما كنت مع أسرتي داخل المنزل، دوى انفجار كبير بالخارج بعد دقائق من توقف الألعاب النارية التي أطلقها الحوثيون احتفالاً بالإعلان الدستوري. أفزع الانفجار طفليَّ وزوجتي وأفزعني أيضاً، وقد سمعنا صوت حصوات وأحجار تحط على سطح المنزل وفي حوش البيت. طمأنت طفلي وهب (6 سنوات)، الذي أفزعه الانفجار بشدة وجعله يصرخ "حرب، حرب"، بأنها ليست حربا، وأنه مجرد احتفال. ولكني ظننته في الواقع "صوت قذيفة دبابة". لاحقاً، اتضح أنها كانت عبوة ناسفة انفجرت جوار الباب الغربي لحوش المنزل الذي يوجد لديه أيضاً باب جنوبي، هو الباب الذي نستخدمه عادة، والذي عرفت لاحقاً أن عبوة ناسفة أخرى وضعت جواره.

بعد فترة وجيزة، وصل جنود من قسم شرطة الجديري الواقع بالجوار مع أفراد من اللجان الشعبية التابعة للحوثي وتجمعوا أمام الباب الجنوبي وجوار سور نقابة المهندسين الذي لايفصله عن سور وباب منزلي سوى شارع ضيق بعرض متر ونصف، وقاموا بتفكيك العبوة الأخرى التي وضعت هناك ولم تنفجر كما قيل لي.

بعد ذلك، اتصل بعض جيراني يطمئنون عليّ، أولاً الصديق إبراهيم الشرفي ثم الصديق عبدالله الخزان. شكرتهما وطمأنتهما أننا لم نتأذّ. نصحني إبراهيم بالحذر ونبهني بأنني قد أكون "المستهدف من التفجير"، قلت له إنه لا يوجد سبب يدفع أياً كان لإستهدافي بتفجير كهذا.

ما أزال فعلاً لاأجد سبباً يدفع أيّ طرف لإستهدافي وإستهداف أسرتي بتفجير كهذا. ولاأجد سبباً أصلاً لتفجير كهذا في المربع السكني الذي أقطن فيه: فنقابة المهندسين شبه مغلقة ونادراً ماترى بابها ينفتح لدخول أو خروج أحد. وجيراني ليس بينهم مسؤولون أو قادة سياسيون. وأنا مجرد صحفي وكاتب أعزل يستخدم قلمه في التعبير عن رأيه، ولاأظن أن ما أكتبه قد يدفع أياً كان لاستهدافي بهكذا تفجير. وحتى إذا كان ما أكتبه قد يدفع أي طرف للنيل مني، فأرجو على الأقل ألا يتم توريط أسرتي في الموضوع.

لقد توجهت أصابع بعض الأصدقاء والمتضامنين معي بالاتهام نحو الحوثيين، ولكني لا أتهمهم ولاأستطيع اتهامهم بدون دليل، وأرجو من الآخرين أيضاً عدم اتهامهم بدون دليل. وإذا كانت جماعة الحوثي تتحمل أي مسؤولية في تفجير كهذا، فهي مسؤوليتها كسلطة أمر واقع فرضت يدها على مؤسسات الدولة وشوارع العاصمة وجعلت من نفسها المسؤولة عن أمن الناس. وأرجو ألا تستخدم سلطة الأمر الواقع التي فرضتها على الدولة والناس في تصفية حسابات مع المختلفين معها أو معارضيها.

كنت بالأمس قد تفاديت الكتابة حول الموضوع لأسباب عدة بينها عدم إقلاق أسرتي وأقاربي، لكن يبدو أن الخبر انتشر اليوم ووصل كثيرين، وصار واجباً شرح ماحدث وطمأنة من قلقوا علي وعلى أسرتي، وأرجو أن يكون هذا المنشور كافياً.

أشكر كل من اتصل للإطمئنان، ومن بعث رسائل على الفيسبوك أيضاً، وكل من قلق عليّ وتضامن معي ومع أسرتي بأي شكل، وأعتذر لمن لم أتمكن من شكرهم مباشرة. لقد غمرتموني بدفئكم وأشعرتموني بمزيد من القوة. وأطمئنكم أن طفليّ وهب وأسار، وأمهم وميض شاكر، وعزيزتنا سارة، وأنا أيضاً، بخير. وأرجو من الله ألا يرينا شراً في أحد.