أ.د. محمد أحمد علي المخلافي

أ.د. محمد أحمد علي المخلافي

 

دلالات انتخابات مجلس الدوما لروسيا الإتحادية ومؤشراتها المستقبلية

 

     د.محمد أحمد علي المخلافي 

نائب أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني

 

        تكرس هذه المقالة لإنتخاب مجلس الدوما في روسيا الإتحادية الذي أُجري في ١٧-١٩ سبتمبر المنصرم.

        تهدف المقالة ليس إلى رصد وقائع العملية الانتخابية وإنما إلى إبراز دلالات بعض التدابير المتخذة أثناء العملية الانتخابية ونتائجها، وهي دلالات ذات أهمية دولية، إذ أظهرت أن ثمة شروط تتبلور للعودة إلى تعدد القطبية الدولية وتشكل منظومتين رأسمالية واشتراكية بنمط جديد، وسنورد في هذا المقام بعض من تلك الدلالات.

     لقد تصّدر نتائج الانتخابات حزب روسيا الموحدة، وهو الحزب الحاكم، وكان هذا الأمر لا جدة فيه، فالحزب الحاكم يتصدر الانتخابات منذ سنوات الانتخابات التعددية في روسيا، وذلك بفضل جهود وشعبية الرئيس وإستخدام أدوات السلطة وإعلامها ووجاهة المسؤولين في الدولة الذين يتصدرون قائمة الحزب الانتخابية والذين يتمتعون بسمعة طيبة كوزيري الدفاع والخارجية، لكن الجديد، هو أن حزب روسيا الموحدة بدأ يحضر للإنتخابات منذ وقت مبكر جدًا، وتحت هاجس الخوف من فوز الحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية، وقد تمثل هذا التحضير المبكر بمحاكاة النهج الاجتماعي والسياسي للحزب الشيوعي الروسي لإستعادة الدولة الروسية القوية والمواطن الروسي الآمن، وذلك للإستحواذ على جزء من أصوات كتلة الحزب الشيوعي الانتخابية، وكان ضمن تلك التحضيرات تعديل الدستور عام ٢٠٢٠ وإستحداث أحكام دستورية تضمن دعم الفئات الإجتماعية محدودة الدخل وزيادة التأمينات كخطاب عملي ومباشر للناس بأن الدولة تسير نحو إستعادة النهج الاجتماعي الإنساني للإتحاد السوفيتي، وهو ما روجت له وسائل الإعلام الجماهرية، بما في ذلك محطات التلفزة الرئيسية المملوكة للدولة وخُصصت برامج تلفزيونية، شارك فيها العشرات من الصحفيين والسياسيين والأكاديميين، لهذه التدابير الدستورية والنجاح الكبير الذي حققته جهود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفريقه في مجابهة جائحة كورونا بمستوى تفوق على دول أكثر ثروة وتقدم تكنولوجي مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

     وعلى الصعيد الخارجي نجح الرئيس فلاديمير بوتين في حل قضايا النزاع وإيقاف الحروب القومية في آسيا الوسطى والقوقاز- في مناطق فضاء الإتحاد السوفيتي السابق، ومن ذلك إيقاف الحرب الأذربيجانية- الأرمينية، الأمر الذي أظهر روسيا بمظهر الدولة القوية وأنها في طريقها إلى إستعادة هيبتها وتنمية دورها على الصعيد الدولي.

     لقد قدر الرئيس الروسي وفريقه لما لهذه التدابير من أثر إيجابي على توجه الناخب الروسي، وكانت مراهنته محقة على وفاء المواطن الروسي وخصاله المحمودة في رد الجميل، ونتيجة لهذا وذاك منح الناخب الروسي الثقة للحزب الحاكم تقديراً للجهود الشخصية الكبيرة والناجحة للرئيس فلاديمير بوتين.

        بيد أن إطمئنان الحزب الحاكم إلى دعم الناخب الروسي له إعتمادًا على رد الجميل لم يكن كافياً، بل وربما كان التأييد الكبير لما قام به الرئيس الروسي من تدابير جديدة قبيل الانتخابات مصدراً جديداً لقلق الحزب الحاكم، إذ أن التدابير كانت تمثل محاكاة جزئية للاتحاد السوفيتي والنظام الإشتراكي، غير أن الحزب المنافس وهو الحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية يتبنى إستعادة شعوب الإتحاد السوفيتي السابق وحدتهم وإستعادة دولة الرفاه الإشتراكية، وكانت نتائج انتخابات برلمانات الأقاليم والسلطة التنفيذية التي جرت خلال السنتين الماضيين قد أظهرت ميل المواطنين الروس إلى الحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية مما زاد من عدم اطمئنان الحزب الحاكم إلى شعبيته التي أكتسبها بسبب التدابير والنجاحات الداخلية والخارجية، حيث تنامى الميل والمناصرة للحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية بفعل تنامي حنين العودة  إلى الدولة الراعية و النزوع الإنساني التي عرفها الروس في زمن الإتحاد السوفيتي، وعبر عن ذلك بوضوح بما حققه الحزب الشيوعي من فوز كبير في المجالس التشريعية والتنفيذية في الأقاليم، وتعزيز مكانته السياسية على مستوى السلطات التشريعية والتنفيذية المحلية في كثير من عواصم الأقاليم والمدن الهامة، مما جعل الحزب الشيوعي الروسي مرشحاً محتملاًبالفوز بالأغلبية في مجلس الدوما وإستعادة السلطة عبر الآليات الديمقراطية، وإذا لم يتمكن الحزب الشيوعي من تحقيق ذلك في هذه الدورة الانتخابية، فإن إحتمال تحقيق الفوز في الدورات الانتخابية بالمستقبل القريب كبيراً.

     من هذا المدرك أتخذت السلطات الروسية قُبيل الانتخابات وخلال عملية التحضير المبكر تدابير إضافية عديدة للحيلولة دون الفوز الكبير للحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية في انتخابات سبتمبر المنصرم، ومن ذلك:

1-  تأسيس أحزاب جديدة تستخدم نفس شعارات الحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية، بل واسمه لمنافسة الحزب على أصوات كتلته الإنتخابية، والأحزاب التي أسست لهذا الغرض هي حزب روسيا العادلة - من أجل الحقيقة، وحزب الناس الجدد، وحزب الحرية والعدالة الروسي، وحزب شيوعي روسي وبهذه الطريقة تم حرمان الحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية من حوالي ١٥٪ من أصوات كتلته الانتخابية، إذ حصل حزب روسيا العادلة- من أجل الحقيقة على المرتبة الثالثة من المقاعد والمرتبة الرابعة في الأصوات وحصل حزب الناس على المرتبة الخامسة في الأصوات والمقاعد.

وكان الحزب الخامس الذي تأهل لعضوية مجلس الدوما لحصوله على أكثر من خمسة في المائة من الأصوات، هو الحزب الليبرالي الديمقراطي والذي حصل على المرتبة الثالثة في الأصوات والمرتبة الرابعة في المقاعد، ولعل السبب في عدم تطابق أصواته مع المقاعد في أنه أقتات على دعم الحزب الحاكم مقابل التشهير بالحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية والتحريض عليه عن طريق الإستضافة الدائمة لزعيمه جيرنيوفسكي من قبل محطات التلفزة الحكومية، وجيرنيوفسكي يدعو بصراحة إلى استخدام روسيا للعنف والقوة للسيطرة على دول الفضاء السوفيتي السابق وضمها بالقوة المسلحة، وداخليًا دعى قُبيل الانتخابات إلى استخدام القوة ضد الشيوعيين وإيداع قيادتهم السجون.

2-  تعرض الحزب الشيوعي لروسيا الاتحاية قُبيل الانتخابات لمضايقات واسعة وممنهجة وملاحقات لنشطائه وقمع مسيراته ومظاهراته وإعتقالات لقيادات المظاهرات والمسيرات من قيادات ونشطاء الحزب.

3-  نظمت الحملات الإعلامية ضد الحزب الشيوعي عبر الأحزاب الدائرة في فلك الحزب الحاكم  والمدعومة منه وفي المقدمة الحزب الليرالي الديمقراطي من خلال زعيمه جيرنيوفسكي، وحزب شيوعي روسيا، وحزب روسيا العادلة – من أجل الحقيقة، وحزب الحرية والعدالة الروسي، وكذلك عبر أجهزة الإعلام العام القومية مثل: روسيا اليوم وقناة ار تي ار وقناة روسيا الأولى وغيرها، وتستخدم هذه القنوات، إلى جانب السياسيين، فريق من الصحفيين والأكاديميين الذين يحاولون تغليف الحملات الدعائية ضد الحزب الشيوعي الروسي برداء أكاديمي، لكنه لا يخرج عن الطابع العام للحملة التي سبقت وترافقت وتلت الانتخابات القائمة على تكفير الحزب وتخوينه، والبعض من هؤلاء النخبة لا يستطيعون إخفاء تعصبهم الديني اليهودي والمسيحي والسعي لتسخير الدولة الروسية لمآربهم، لكنهم لم يقتربون من نقد برنامج الحزب، لماذا ياترى؟

      لقد أدار عرض البرامج الانتخابية في محطة التلفزيون الحكومية صحفي نافذ، هو فلاديمير سلافيوف وهو الذي استضاف قادة الحملات الموجهة ضد الحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية وأستمر بذلك النهج حتى بعد الانتخابات وكان ممن استضافهم رئيسة اللجنة المركزية للإنتخابات وتمكن من إستدرجها إلى مهاجمة الحزب الشيوعي والتشكيك بمصداقيته لأسباب منها: اعتراض الحزب على التصويت الإلكتروني، وقد اعترض الحزب بالفعل على هذا النوع من التصويت الذي تصعب الرقابة عليه، وكانت رئيسة اللجنة المركزية للانتخابات قد أخذت أيضاً على الحزب أنه يدعي تمثيل الفقراء وفي ذات الوقت يدرج ضمن قوائمه الانتخابية رجال أعمال أثرياء، وبهذا الإستدراج أفقد رئيسة اللجنة المظهر المستقل والمحايد الذي يتطلبه موقعها، وقد تجنبت الحملة ومناظرات خصوم الحزب التعرض بالهجوم على برنامج الحزب، ودلالة ذلك أن الناخب الروسي يناصر برنامج الحزب الذي يجمع بين منهج الإشتراكية القائمة على السياسة الاجتماعية وحقوق الإنسان الاقتصادية وتقديم الرعاية للطفل والمرأة والشيوخ، والديمقراطية القائمة على حقوق الإنسان السياسية، وفي هذا تطور وتجديد في برنامج الحزب وإستيعاب للتطورات العالمية، بينما خصومه يشنون  الحملات على الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان بصورة عامة، لكنهم تجنبوا نقد برنامج الحزب الشيوعي إدراكاً منهم أن ذلك سيحول الرأي العام الروسي لصالح الحزب الشيوعي، إذ أن المواطن الروسي قد أكتسب وعياً جديداً بعد المعاناة التي خلفها حكم حقبة التسعينيات من القرن الماضي وتدمير الإتحاد السوفيتي على يد يلسن ودعاة الليبرالية، هذا الوعي المتزايد يجد أن البرنامج الإنتخابي للحزب الشيوعي يلبي تطلعات الأغلبية العظمى من السكان في إستعادة الحق في التعليم، والتطبيب المجاني، وتأمين السكن، وضمان العمل، وإستعادة الأرض والموارد والثروات الطبيعية والصناعات الإستراتيجية، كصناعة البترول من نفط وغاز والصناعات المعدنية والذهب والفضة، وقطاعات الاقتصاد الإستراتيجية والبنوك ذات الأهمية، إلى الملكية العامة، وتنفيذ عملية تصنيع جديدة تعتمد على التقنيات العالمية، وإعادة روسيا إلى مكانة رائدة على مستوى العالم، وإعتماد الاقتصاد القومي القائم على التخطيط الإستراتيجي، وجعل روسيا دولة إجتماعية - دولة الرفاه، وضمان الديمقراطية فيها، وإعادة روسيا ومكانتها في الساحة العالمية عن طريق الاقتصاد القوي والتكنولوجيا العالية، وإستعادة الوحدة التاريخية بين شعوب الإتحاد السوفيتي السابق عن طريق جهود الحزب الشيوعي تقربها من بعضها البعض.

     وبفعل شعبية توجهات الحزب البرنامجية وتزايد تطلعات المواطن الروسي إلى العودة إلى صدارة قيادة العالم، وإستعادة الدولة الاجتماعية - دولة الرفاه بصورتها الجديدة الضامنة للحقوق الاقتصادية والسياسية، كان تأثير التدابير ضد الحزب في سياق الإعداد للإنتخابات ليس ماحقاً بصورة كبيرة لنتائج الحزب الانتخابية، إذ إحتل المرتبة الثانية بعد الحزب الحاكم وحصل على حوالي ٢٠٪ من أصوات الناخبين وعلى ٥٧ مقعداً وتفوق على الحزب الحاكم في كل المناطق الشرقية وسيبيريا، مما يجعل منه معارضة وازنة في البرلمان الإتحادي - مجلس الدوما وينبىء بإمكانية إحراز المرتبة الأولى في الانتخابات القادمة.

     إن النظرة المدققة والفاحصة لما جري في خضم العملية الانتخابية ونتائجها توصلنا إلى دلالات و مؤشرات لا تتعلق فقط بما حققه الحزب الشيوعي لروسيا الإتحادية من نجاح في هذه الدورة الانتخابية ومستقبل روسيا الاتحادية والخارطة السياسية وإنتقال السلطة فيها، بل تتعدى ذلك إلى مستقبل العالم وإنتقال القيادة العالمية من الولات المتحدة الإمريكية، ومن تلك الدلالات والمؤشرات التي يمكن إدراكها في الوقت الراهن مايلي:

1-  إن انكشاف ضعف النظام الغربي الرأسمالي بفعل جائحة كورونا ولاسيما عجز نظامه الصحي والإقتصادي في مواجهة الكارثة، وتخبط السياسة الخارجية الأمريكية كالطائر المذبوح وتخليها عن حلفائها وأولها دول الإتحاد الأوروبي، والخذلان المتكرر لدول الخليج العربية، وهزيمتها أمام مجرد مليشيات إرهابية في أفغانستان، جعل المواطن الروسي يدرك أن تغيير قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم صار قريباً وأنعش طموحه لأن تستعاد الدولة الروسية القوية بأن تحتل الصدارة في قيادة المجتمع الدولي على نمط دولة الإتحاد السوفيتي السابق، علاوة على زيادة الإدراك للمخاطر التي صارت على مقربة من الدولة الروسية، ومنها القواعد العسكرية للناتو، وبروز أيديولوجيا استعادة الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الفارسية، وأن كان منظري الحزب الحاكم يتجاهلون الخطر الإيراني، وهي مخاطر عززت من قناعة المواطن الروسي بضرورة استعادة الدور الرائد لبلدهم وتعزيز قوتها داخلياً وخارجياً وأن وراثة الإتحاد السوفيتي تتجسد بالقدرات السياسية والفكرية والأيديولوجية للحزب الشيوعي.

2-  توسعت وبالتدريج دائرة المواطنين الروس الذين يثقون بأن مستقبل روسيا المنشود سوف يتحقق ليس عن طريق الحزب الحاكم الحالي وإنما عن طريق وصول الحزب الشيوعي عبر صناديق الإقتراع إلى حكم روسيا، ومرد ذلك أسباب عديدة، منها: القناعة بأن ما حققته روسيا من نجاحات بعد مجيء الرئيس فلاديمير بوتين كان بفضل جهوده الشخصية وأن هذا النجاح مرتبط بشخصه وجوداً وعدماً، وهو مايقر به منظري الحزب الحاكم نفسه، إذ نجدهم يكروون مقولة «روسيا قوية، لأن رئيسها قوي»، أما الحزب الشيوعي فهو مؤسسة ضاربة جذورها في التاريخ، وهي من حققت الريادة للاتحاد السوفيتي، وهي من ستستعيد ريادة روسيا على الصعيد العالمي والدولة الراعية- دولة الرفاه، والجمع بين الإشتراكية والديمقراطية، علاوة على إفتقار القوى الحاكمة حاليًا للايديولوجيا، وبالتالي غياب الرؤية للمستقبل والإعتماد في حشد الجماهير على شعبية الرئيس، بينما الحزب الشيوعي يمتلك إيديوجيا والتي طورها في الجمع بين الإشتراكية والديمقراطية.

3-  أن هذه الدلالات والمؤشرات قد تجعل جمهورية الصين الشعبية تفكر جدياً بتحالف إستراتيجي مع جمهورية روسيا الإتحادية للشراكة في التصدر معاً لقيادة العالم بتكامل قوتيهما قوة الصين الاقتصادية وقوة روسيا العسكرية والسياسية، ولا يستبعد أن يكون لهذه الدلالات والمؤشرات تأثير ما على الدول الأوروبية ودول الخليج العربية لإعادة النظر بمستوى التحالف والتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن تفقد الولايات المتحدة تفردها بالقيادة العالمية وتخليها الكلي عن حلفائها.

 

 

 

 

 


 

الجمعة, 30 نيسان/أبريل 2021 00:46

وداعًا صديقي عبدالله أحمد زيد


حزني عميق على فراق الأستاذ/ عبدالله أحمد زيد ليس لأنه من أصدقائي الأعزاء فقط، بل لمعرفتي أنه ثروة وطنية في معرفته التي بها أسهم في حماية مصالح اليمن كمسئول قانوني لوزارة النفط والمعادن ثم مستشارًا لوزارة الشئون القانونية، وتعرفت عليه عن قرب فوجدته كفاءة نادرة في اليمن في مجال البترول، لكن أعداء الحياة أقعدوه في بيته منذ أكثر من ست سنوات. ولقد غادرنا في نفس اليوم المحامي القدير/ أحمد محمد الأبيض أحد مؤسسي نقابة المحامين الذي مارس المهنة النبيلة بكل اقتدار وشرف، وقبلهما غادر كوكبة من العارفين من أساتذة الجامعة والمحامين والأدباء والكتاب اليمنيين، وفقدان اليمن لهذه الثروة الوطنية بفقدان أهل العلم والمعرفة يجعل الحزن يصل إلى قلب كل يمني مدرك أن فقدان العارفين، هو فقدان للبشر المتأنسن منتج الخيرات والمعرفة، وأن استمرار الموت باختطاف هؤلاء النبلاء بالحرب والقهر والمرض سيجعل اليمن خرابة عندما يسود فيها أجساد بلا روح؛ لأن  الروح مرافقة للإنسان العارف وتفارق البشر بفراق هؤلاء، ويصير السلام الاجتماعي بعيد المنال في ظل تسيّد بشر لا يعرفون غير الانقياد لرغباتهم الطبيعية غير المتأنسنة ولا يجيدون غير استخدام أجسادهم للتدمير والقتل والإخافة بالعنف والمس بكرامة الإنسان.

وداعًا صديقي عبدالله زيد وصديقي أحمد وكل العارفين في اليمني ممن غادرونا، وحزني عميق على فراقكم وعلى وطني الذي يعاني هذا البؤس.

خالص التعازي للأستاذ سلطان أحمد زيد وزوجة وأبناء الفقيد عبدالله زيد وأهله ومحبيه... والتعازي لزوجة وأبناء الفقيد أحمد الأبيض وأهله ومحبيه.

 

     رواية توفيق الحكيم (عودة الروح) ساهمت في إدراكنا أن الأنسان كونه إنسانًا يفسر ما حوله أو ما يحدث حوله وفقًا لآماله ومخاوفه، وأن الشعور بالألم لا يوجد بين أبناء الأمة الواحدة أو الشعب الواحد فحسب، بل يوجد بين أبناء البشرية بمختلف أجناسهم وقومياتهم، وأن هؤلاء هم البشر الأسوياء.

     تشكيل حكومة الشراكة الوطنية أعاد لدي كغيري من اليمنيين الذين يعانون الشعور بالألم مما نحن فيه من حروب وتفكك وتشردم، الروح إلى وطننا السليب، وكل فرد منا يؤلمه ما يعانيه أبناء هذا الوطن من عذابات والآم ومآسي وفظائع ترتكب في حق الوطن والمواطن كل يوم.

     وأنا هنا لن أكتفي بالتعبير عن آمالي، وإنما سأعبر بعيدًا عن التشاؤم عن مخاوفي ايضاً على هذا الإنجاز من الفشل الذي لن يأتي من الغير فقط، بل قد يأتي من المؤتلفين أنفسهم.

     لقد مثل هذا الائتلاف الحكومي عودة الروح التي كانت قد سادت لدى القوى السياسية اليمنية منذ ثورة 11 فبراير المتوجة بالتوافق والشراكة بعيدًا عن الثأر والانتقام، لكن هذه الروح فقدت منذ اندلاع الحرب المشؤمة الجارية اليوم في اليمن، وبهذا الائتلاف الحكومي عادت الروح من جديد إلى اتفاق آلية تنفيذ العملية الانتقالية في اليمن، وأن كان قد شابها عيب عدم إشراك المرأة.

     لقد أعاد الائتلاف الحكومي الروح الوطنية، بغض النظر عن عدم إشراك بعض الأحزاب أو ضعف شراكة أحزاب أخرى، لأن الائتلاف قام بين أحزاب ومكونات سياسية تجمع بين المنتمين إليها  الرابطة الوطنية السياسية والإنتماء إلى الهوية الوطنية الجامعة، وبهذا تمت الخطوة الأولى للعودة إلى العملية السياسية ولو جزئيًا، وإعادة الاعتبار إلى التعددية السياسية، والتخلي عن التمترس خلف انتماءات ما دون وطنية وإيديولوجيات إقصائية لا تقبل بالمختلف او الآخر الوطني، هذه البداية ستقود حتمًا على استعادة الدولة والوطن من المختطِفين في الداخل أو الخارج.

     ستحقق الآمال بحسن نوايا المؤتلفين وحرصهم على نجاح الحكومة بتحقيق برنامجها، والتفاف الشعب لإنجاح مهامها والرقابة على أدائها، وعدم مساهمة المكونات السياسية بأية صورة من الصور في زعزعة الثقة بالحكومة أو المساهمة في خذلانها للمكايدة السياسية أو استجابة للمستفيدين من داخلها من الصراع البيني للقوة السياسية والقوى الداعمة لشرعية الدولة على وجه الخصوص.

      يبدو أن هذه الآمال مفعمة بالنسبة لي بالمخاوف من المهددات التي ستنشط أكثر مما مضى لمحاولة تمزيق عودة الروح، ومصادرها قد تكون داخلية وخارجية.

     الخطر الداخلي يتمثل في وجود عناصر داخل مكونات الائتلاف ستدفعها مصالحها المفقودة بغياب الصراع البيني، وهي مصالح مصادرها إقتصاد الحرب والتمويل الخارجي، وخاصة في صفوف حملة السلاح.

      هناك جيش آخر سوف يتصدى لعودة الروح، وهو جيش من اعلاميي التضليل والكذب وفبركة الوقائع لصنع خطاب الكراهية الوطنية، وهؤلاء ينتمون إلى بعض مكونات الائتلاف وجزء منهم نشرتهم مكوناتهم في مختلف البلدان كصحفيين أو محليين سياسيين، همهم الأول والأخير، ليس إبراز القضية اليمنية أمام العالم، وشرح ما يعانيه اليمنيون من ويلات الحرب والفوضى، وإنما لبث الدعوة للكراهية الوطنية والطائفية بين القوى السياسية الداعمة لشرعية الدولة، وقد تستمر هذه العناصر بمهمتها بالدعوة للكراهية الوطنية بين عناصر الائتلاف الحكومي وبين اليمنيين لاختلاف ايديولوجياتهم، ولبث الإحباط وروح اليأس من إمكانية قيام حكومة الوفاق الوطني اليمني بتنفيذ برنامجها أو التشكيك بنزاهتها دونما وجه حق، وذلك بسبب استمرار المكونات السياسية المتبنيه لهذا النهج في دعم هذا النهج وتمويل عناصره بحجة أنهم مستقلون، وقد يجدون الدعم من المشاريع الإقليمية المتنافسة على تمزيق العالم العربي، المتدثرة برداء الدين والمتمثلة في المشروع الإيراني الذي يعتمد داخليًا على ايديولوجية الفارسية العقائدية، أو المشروع التركي المعتمد داخليًا على أيديولوجية العثمانية العقائدية، أو المشروع الإسرائيلي المعتمد أيديولوجيًا على السامية العقائدية.

       للمشروع الإيراني والمشروع العثماني المندثرين أدواتهما المحلية في العالم العربي، ومن ذلك اليمن، وبالحروب الطائفية تمكنا من تمزيق شعوب عربية عريقة كاليمن والعراق وسوريا وليبيا، وبهذا وفر المشروعان الإيراني والتركي الفرصة السانحة لمنافسة المشروعين في التدمير، ولا نستبعد في المستقبل أن نرى أدوات إسرائيل تعمل علنًا في اليمن. ومبررات الأدوات المحتملة صارت متوفرة سواء كانت سياسية تتمثل في تطبيع بلدان عربية كثيرة مع إسرائيل، أو مبررات دينية تتمثل في مشترك الاصطفاء الإلهي لحكم العالم   بسبب الأصل الواحد وهو الانتماء إلى السلالة الابراهيمية، لأن المشترك هو أساس العقيدة بينهما، وهو مشترك العقيدة السامية والاصطفاء الإلهي للسلالتين استمرارًا لاصطفاء النبي إبراهيم، إلى جانب الدعم الذي يقدم من قبل بعض الدول المجاورة من أجل استمرار الحرب في اليمن، وإن كان البعض منها يظهر الحياد في الحرب الجارية.

     مسؤولية مكونات الائتلاف الحكومي تقتضي أن تعمل كفريق واحد، وأن يسعى كل عضو فيها أن لا يكون وزيرًا عابرًا وإنما وزيرًا مميزًا بإنجازاته لليمن بعيدا عن الادعاء والبحث عن الخصومات أو الشعبوية التي يمكن أن تقود إلى الصراع في الحكومة، وأن يعتبر كل وزير أنه المسؤول على تنفيذ ليس فقط برنامج الحكومة المتعلق بوزارته، وإنما برنامج الحكومة ككل كالتزام دستوري، كون مسؤولية الحكومة تضامنية وكالتزام أخلاقي أمام اليمنيين الذين ينتظرون من حكومة الشراكة الوطنية انقاذهم وتحريرهم من الخوف والفاقة.

وهنا اقترح:

1-         أن تقوم الأحزاب ومكونات الائتلاف بإصدار ميثاق شرف سياسي وإعلامي تلتزم بموجبه بحل الخلافات فيما بينها بالحوار، وأن لا تقدم على أي عمل سياسي أو إعلامي أو عسكري يعيد العلاقة بينها إلى ما قبل الائتلاف، وتجنب كل ما من شأنه ان يؤدي إلى خذلان بعضها أو خذلان حكومة الشراكة الوطنية أو منازعة الحكومة في سلطتها الشرعية أو الانتقاص منها بأي صورة من الصور، والالتزام بالتصدي للحملات الكاذبة ضد الحكومة أو أي وزير فيها، بغض النظر من انتمائهم السياسي، وترك الأيديولوجيات جانبًا في قضايا إدارة الدولة والعلاقة بين الأحزاب والمكونات  السياسية، والتعامل مع الداخل والخارج على أساس الأولويات السياسية وليس الأيديولوجية.

2-         أن تبتعد مؤسسة الرئاسة عن ممارسة مهام حكومية تمنحها للحكومة التشريعات النافذة- الدستور والقوانين واللوائح النافذة، والالتزام الكلي بالمشروعية القانونية.

3-         أن تعزز الحكومة شرعيتها التوافقية بالشرعية الدستورية، وأن تنتقل فورًا إلى العاصمة المؤقتة عدن، وأن تعمل كل ما بوسعها لتصير الحامل الوحيد لسيادة الشعب والمعبر عن هذه السيادة في الداخل والخارج بالشراكة مع رئيس الدولة وفقًا للدستور ودون الخلط بين أدوارها ودور الحلفاء، وأن تبدأ أعمالها فور حصولها على ثقة مجلس النواب الذي يفترض أن ينعقد فور أداء الحكومة اليمين الدستورية أمام الرئيس في العاصمة المؤقتة عدن، وأن لا تسمح لأي كان أن يمارس أعمال السيادة لغير السلطة الشرعية في الداخل والخارج، وأن لا تخضع لغير سيادة القانون، وأن تلتزم في كل أعمالها بحكم القانون.

    

4-         البرامج الحكومية تكون عادة طموحة ولمدة زمنية ليست قصيرة، وهي في حالتنا المرحلة الانتقالية التي تنتهي بإبرام اتفاق سلام شامل ودائم. وجميع مهام هذه المرحلة هي أولويات. كما أن الالتزام بحكم القانون والمشروعية القانونية وتفعيل دور أجهزة الرقابة سوف يحققا سد أبواب الفساد دونما ضجيج إعلامي عن محاربة الفساد والذي لم يحقق في الماضي شيئاً يذكر.

لكن ثمة أولويات خاصة لا تحتمل الانتظار لتحرير المواطن من الخوف والفاقة ولتعزيز فاعلية الدولة، مما يستوجب سرعة استعادة العمل المؤسسي والأمن والخدمات خلال فترة وجيزة، ويعلن ما أنجز في هذا الجانب خلال مائة يوم لكي يبعث الطمأنينة لدى كل اليمنيين، بما في ذلك المناطق الخارجة عن سلطة الدولة الشرعية، ويبدأ ذلك بصرف المرتبات، وإعادة تنظيم أجهزة الأمن والنيابة العامة والمحاكم وأجهزة الرقابة المالية والإدارية، واحترام حياد الوظيفة العامة، وتوفير خدمات الماء والكهرباء والصحة والتعليم، وإنهاء محاصرة المدن حيثما يكون ذلك ممكناً دون تأخير. وأرى أن فاعلية الدبلوماسية اليمنية تحتاج إلى اهتمام خاص من حكومة الشراكة الوطنية؛ إذ فقد اليمنيون ومعهم العالم دور وتأثير الدبلوماسية اليمنية منذ أن أوكلت مهام وزير الخارجية إلى وزير بالإنابة في ظل وجود وزير الخارجية، واستمر الأداء غير الفاعل للدبلوماسية اليمنية من يومئذٍ إلى اليوم. وبتحقيق هذه المنجزات يصير السلام غاية ممكنة التحقيق، إذ سيصير ضرورة لكل اليمنيين.

5-         أن تتخلى حكومة الشراكة عن الركون إلى الحلفاء الاشقاء، كما حدث من قبل، بالقيام بمهامها الاصيلة في الخارج والداخل، وعدم القبول بدعم مجاميع أو قوات مسلحة لفرض سلطة خارج القانون، وإدارة السلطة الشرعية بفاعلية والاعتماد على الذات وأن تعزز علاقتها بالأشقاء الحلفاء على أساس احترام سيادة الدولة وبما يحقق استعادة سلطتها، وأن تعود هذ العلاقة إلى مسارها الطبيعي كعلاقة بين دول ذات سيادة.

الأحد, 18 تشرين1/أكتوير 2020 16:08

اليمن الديمقراطية تجربة حية

 

      يحتفي جميع اليمنيين في الجنوب والشمال كل عام بذكرى ثورة 14 أكتوبر 1963م، بما في ذلك، المجاهرون بموقف وأيديولوجيات مضادة لنتائج تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وقيمها النبيلة، ولا يجد هؤلاء غضاضة في الحديث عن ثورة أكتوبر الخالدة والمجيدة، والإحتفاء من هؤلاء البعض لا يعني الإيمان بحيوية أهدافها اليوم أو لعظمة منجزاتها، لأن مثل هذا الإيمان يتطلب التخلي عن الحديث عن أن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية نظام شعارات ونكران منجزاتها الوطنية العظيمة، وحقيقة الإحتفاء لا يعدو أن يكون خطاب شعبوي وبإعتبار التجربة من وجهة نظرهم صارت من الماضي ولا ضير في الإحتفاء بها محاباة للجماهير الشعبية الواسعة، لكن جمهور اليمنيين ينظر من خلال التجربة الى بناء المستقبل من خلال دروس التجربة ومواجهة حالة إختطاف الدولة اليمنية والسعي الى تفكيك الوطن والتفريط بسلامة ترابه الوطني باعتبار تجربة اليمن الديمقراطية الشعبية تجربة حية وقابلة في جوانبها الكثيرة للحياة من جديد.

     ينعى على التجربة رفع الشعارات وطبيعتها، لكن التجربة بحد ذاتها تثبت بأن الشعارات التي تجسد مصالح الشعب بأغلبيته تصير ايدولوجية شعبية تستطيع أن تحشد الطاقات، وحماية سيادته وسلامة أراضيه.

     أما طبيعة الشعارات فينعى عليها بأنها تقدمية، وكأن التخلف والعيش خارج العصر وثقافة التسلط والقهر والتهميش جزء من الوطن، فما كان يعاب على ثورة أكتوبر وتجربتها أنها رفعت شعارات التحديث، والتغيير، والتقدم، والمساواة، والعدالة الاجتماية، وتحرير المرأة، والتنمية الموجه لصالح الفقراء، وتحقيق الوحدة اليمنية، وهي شعارات لا تحمل أي قيمة معادية للإنسان وحريته.

     نحن اليوم بحاجة ماسة لشعارات التقدم والتحديث من أجل استعادة روح العصر والتصدي لدعوات ومساعي استعادة حكم الكهنوت وثقافة العنصرية التي صار لها اليوم صوتاً عالٍ ووسائل إعلام جمهارية : تلفزيونات وإذاعات ومئات المواقع الالكترونيه علاوة على إستخدام مناهج التعليم ومنابر الجامعة والمدارس والمساجد والتوجيه المعنوي للقوات المسلحة والأمن.

           وطننا المختطف اليوم ودولته المقصية بأشد الاحتياج الى نشر ثقافة دولة القانون والمواطنة، وحق الشعب في اختيار نظامه السياسي وفي اختيار حكامه بالإرادة الحرة لكل مواطنيه من النساء والرجال والفقراء والأغنياء والشباب والشيوخ، وكذا نشر قيم المواطنة والدولة المدنية، وفي مقدمتها، المساواة، والشراكة، والعدل، والإنصاف، وإرادة الشعب، والسيادة، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، وحقوق الانسان، لمواجهة ثقافة وعقيدة الولاية وشرعية الاصطفاء الإلهي لورثة الحسن والحسين أو ورثة الأنبياء، والترويج لقبول التبعية لهذه الدولة الإقليمية أو تلك كإيران أو تركيا.

     ينعى على تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أنها وحدت اليمنيين جنوباً وشمالاً لبناء الدولة الوطنية في الجنوب، كخطوة أولى على طريق دولتان لشعب ثم دولة وشعب وذلك بفضل الوعي الذي تمتعت به قيادة الدولة الفتية ونشر ثقافة الجمع الخلاق بين الهُوية الجامعة لليمنيين والهُويات الفرعية، وفي مقدمتها الهُوية الجنوبية، مع اقصاء نزعات الإنتماء العصبوية بكل أنواعها.

      اليمن اليوم بحاجة الى شعارات تلك المرحلة الزاهية في تاريخ اليمن التي تم فيها حشد الشعب اليمني لدعم الهُوية الجامعة ونشر ثقافتها بين مختلف الطبقات والفئات نبذ الفرقة والتمييز ومواجهة العصبيات التمزيقية التي يسعى اليوم لبعثها من مقابرها: عصبية السلالة، وهي أسوأ عصبية وأكثرها تدميراً وواقعنا اليوم شاهداً على ذلك، وعصبية المنطقة والقبيلة والعائلة وهي عصبية تفضي الى سلسلة من حركات التفكيك قد لا تتوقف إلا عند القرية.

       ينعى على تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أخذها بالوسائل المحققة للمساواة الرأسية والأفقية والمتمثلة في القطاع العام والمختلط في مجال الصناعة والزراعة والخدمات الاجتماعية كنظام التعليم العام المجاني والصحة العامة المجانية. واليمن اليوم وبأغلبية أبنائه وبناته بحاجة ماسة إلى الإعداد لبناء المستقبل لفترة مابعد النزاع، وهو مستقبل لا يمكن أن يكون لصالح كل أبناء الوطن بدون هذه الوسائل لمواجهة الفقر الذي تسببت به سياسة الإفقار منذ منتصف التسعينات وعممته الحرب الجارية اليوم على أكثر من ثلثي السكان، ليس بسبب الحرب وحدها وإنما أيضاً بسبب الفرص التي أتاحتها الحرب لممارسة الفساد الوقح والفوضى وإقتصاد الحرب، الأمر الذي ترتب عليه عودة اللامساواة الرأسية والأفقية لتشمل الغالبية العظمى من اليمنيين وليشمل الفقر ليس مجالات الدخل فحسب وإنما التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الضرورية للحياة.

      هذه الصورة البائسة لن يكون بمقدور اليمن التغلب عليها في مرحلة مابعد النزاع إذا لم يجري الإستفادة من تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

     ينعى على جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أنها أذابت الفوارق الطبقية والمجتمعية، وتمكن الجميع في ظلها من التمتع بحق العمل والرعاية الصحية المجانية والتعليم المجاني، والتعرف على مختلف الفنون الحديثة كالمسرح والفنون الجميلة بمختلف أنواعها والموسيقى الحديثة وغيرها من الفنون، كما حافظ القطاع العام على حماية الأرض الزراعية من التمزيق، وحول الفلاحيين الى قوة منتجة للخيرات المادية لكل المجتمع. وحريً بنا الاستفادة من هذه التجربة لإستعادة دور الدولة في بلد فقير سوف يغادرالحرب فاقد لكل إمكانية لتحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية دونما إزالة اللامساواة وإستعادة دور الدولة في العملية الاقتصادية مع القبول بمنجزات العصر الأخرى المتمثلة في التعددية الاقتصادية والسياسية ، وإستعادة دور الدولة لم يعد مطلوباً لإستعادة الدولة في اليمن وإنما صارت بحاجة إليه الإنسانية بمختلف بلدان العالم الغنية والفقيرة؛ إذ ثبت أن تعطيل دور الدولة في التنمية لم يكن له غير مبررات أيدولوجية كشفت جائحة كورونا خطأها، وما من شك أن مرحلة مابعد هذه الجائحة والتنمية في المستقبل سيشهدان إعادة دور الدولة في ظل التعددية الاقتصادية والسياسية بعد أن ثبت للعالم في التجربة العملية أن النظام الاقتصادي او الصحي أو التعليمي الخاضع للعرض والطلب عاجزاً عن حماية المجتمعات ومستقبلها وأن الدولة ومن خلال القطاع العام هي بمقدورها حماية المجتمعات وأزداد العالم يقيناً بخطأ الايدلوجية التي أستبعدت دور الدولة  بعد أن عجزت الأنظمة الصحية في أغلب دول العالم الرأسمالي مواجهة الجائحة ومن ذلك الولايات المتحدة الأمريكية ودول الإتحاد الأوروبي التي فقدت التضامن فيما بينها في ظل الجائحة وربما يكن ذلك أثره على التضامن بين دول العالم في المستقبل بينما أعلنت دولاً فقيرة قدرة أنظمتها الصحية على مواجهة الجائحة ليس في أوطانها فقط بل وقدرتها على تقديم الدعم لدول أوروبا المتقدمة، وكانت من هذه الدول دولتان ناميتان فقيرتان كوبا وفيتنام وأظهرت المحنة أن القطاع العام لبلدان ضعيفة وفقيرة هو القادر على حماية المجتمعات وأن الدول العظمى بأنظمتها الصحية والإقتصادية عاجزة عن حماية مواطنيها ناهيك عن مساعدة العالم.

       إذاً مبادئ ثورة 14 أكتوبر، هي مبادئ خالدة، ولا يجوز لليمنيين التفريط بها ليس لأنها سامية وقيمها نبيلة فحسب، بل وبأن بها تم تحرير الإنسان اليمني من الخوف والفقر. وبتحديثها وتطويرها وإعمالها في المستقبل سيجعل تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ليست من الماضي وإنما تجربة حيوية يستقي منها اليمنيون الى جانب مخرجات الحوار الوطني أسس بناء المستقبل وإقامة جمهورية اليمن الإتحادية.

كلما حدث حادث مشين في مدينة تعز أو المحافظة، وهي الحالة السائدة المتمثلة في القتل وإحراق المساكن ونهب الأموال، يوجه اللوم إلى أطراف ليس لهم من الأمر شيء، كأبناء منطقة المخلاف، لأن معظم من يقومون بترويع سكان تعز واقتراف الجرائم، ينتمون إلى هذه المنطقة. كما يوجه اللوم إلى السلطة المحلية في المحافظة، وفي المقدمة المحافظ.

وهنا أدعو كل من يعتقد أن كل أبناء المخلاف مسؤولون أو راضون بما يحدث في تعز، العودة لأصل المشكلة ومنبعها، المتمثل في تعامل السلطة الشرعية مع جماعات مسلحة، أسهمت بهذا الشكل أو ذاك في المقاومة. فالدعم الخارجي الذي أتى خلافاً للقانون، قد جعل كل مسلح يعتبر نفسه هو السلطة، ولن يستطيع أحد أن يردعه إلا باستخدام سلطة القانون، وتوقف السلطة الشرعية والداعمين الخارجين عن دفع الأموال وتقديم السلاح للجماعات المسلحة، وأن تقدم الإمكانيات للمحافظة، عبر سلطتها المحلية، ممثلة في المحافظ، وأن يتخلى الحزب الذي ينتمي إليه المسلحون، ويحظون برعاية قياداته عن توفير الرعاية والدعم لهم، سواء أكان هذا الدعم سياسياً أم مالياً. وفي هذه الحالة يمكن أن تلعب الشخصيات المنتمية إلى منطقة المخلاف دورها في محاصرة الظاهرة، بعد أن تصير ليست مصدر ثروة أو جاه. وأنا شخصياً، كاتب هذه السطور، طالبت منذ عام ٢٠١٥م من السلطة الشرعية والداعمين الخارجيين التوقف عن تقديم المال والسلاح للجماعات المسلحة، وهم لا ينتمون إلى المخلاف فقط، وإنما ينتمون إلى مناطق مختلفة في تعز، وتقديم الدعم الخارجي للحكومة فقط، وهذا المطلب تحدثت فيه مباشرة مع ولي عهد أبوظبي، عندما كنت عضواً في الحكومة، وكان الحديث ليس منصباً على تعز، وإنما اليمن ككل، بما في ذلك تعز، واستخدمت اختصاصي وصلاحياتي، عندما كنت وزيراً للشؤون القانونية، لمنع صدور قرارات مخالفة للدستور والقانون، وشاركت في تقديم رؤية لاستعادة الدولة وإدارتها وفقاً للدستور والقانون، وكان هذا سبباً لمغادرة الحكومة وتهميش دوري، لكن هذا هو المجال الذي يمكننا أن نساهم فيه بإدارة الدولة والشأن العام، فعندما يتم الالتزام بإدارة الدولة وفقاً للقانون، تستطيع محافظة تعز أو أي محافظة أخرى مغادرة الفوضى والإرهاب والقتل والاستيلاء على الممتلكات.

فيما يتعلق بالمحافظ نبيل شمسان، فإنه يواجه هذه الفوضى المدعومة من السلطة المركزية المعنية بتعيين القيادات العسكرية ومساءلتها، والتي تنتمي إلى وحداتها مجاميع مسلحة منفلتة، بل تساهم في إرباك السلطة المحلية وإضعاف هيبتها، كما تساهم السلطات المركزية بإضعاف سلطة المحافظ بالتعيين في الهيئات المدنية مثل أجهزة الشرطة والأمن، المنصوص عليها في الدستور كهيئات مدنية ومدرجة وفقاً للمادتين (٣ و ١٥٥) من قانون السلطة المحلية، ضمن السلطة المحلية، ويجب أن تخضع للمحافظ، وتنفذ أوامره، ويتم تعيين مسؤوليها من المحافظ في الدرجات الأدنى من مدير عام، ويرشح المحافظ من هم في المناصب التي يشغلها مدير عام.

لقد اطلعت على مخاطبات المحافظ لمسؤولي السلطة المركزية يطالبها بالتوقف عن صدور قرارات تعيين مسؤولي الشرطة من قبل وزير الداخلية ومدير شرطة تعز، في مطلع هذا العام، ولازال الحال كما هو عليه.

إذن، يجب أن يوجه اللوم والنقد إلى السلطة المركزية التي تهدد حكم القانون، وكانت سبباً بتفشي الفوضى، ليس في محافظة تعز وإنما في كل المحافظات التي تقع تحت حكم السلطة الشرعية، إذ أن عدم احترامها لحكم القانون جعل انتهاكه هو القاعدة.

الهُوية هي رابط الانتماء إلى أمة ووطن. والمواطنة وما يترتب عليها من حقوق وواجبات تحقق هذا الانتماء وتحميه وتحافظ عليه. فهي ارتباط بوطن محدد ودولة، بما يحقق الانتماء لهذا الوطن وهذه الدولة، ويمثل هذا الانتماء الهُوية الوطنية للمواطن الفرد والشعب. ويتحقق هذا الانتماء بالفعل في ظل توفر مقومات المواطنة: المساواة، الحرية، المشاركة والمسؤولية، والعدالة والإنصاف. وبالمواطنة تحقق الانتماء. والمواطنة والانتماء يعززان الهُوية الوطنية الجامعة، إذ أن المواطنة تعني تمتع المواطن بكافة الحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية دون تمييز، وغياب أو استبعاد مبدأ المواطنة يعني فقدان حقوق المواطنة الذي يترتب عليه فقدان الشعور بالانتماء إلى الوطن وعدم الولاء للدولة، وبالتالي فقدان الشعور بالهُوية الوطنية.

وهذا الانتماء في اليمن صار مستهدفاً جهاراً نهاراً، خاصة بعد إعلان جماعة الحوثي رسمياً التمييز العنصري كعقيدة، وتبني الهُوية العقائدية غير الوطنية، ومسعاها إخراج شريحة من شرائح المجتمع اليمني- الهاشميين، من النسيج اليمني، والتنكر لتاريخ اليمن وثقافته وتراثه وقوميته العربية، وهي العناصر التي تشكل مجتمعة الهُوية اليمنية.

والمواطنة تقتضي من الفرد والجماعة الإقرار بالمساواة، والعدل، والإنصاف، والشراكة، والتنوع، والتعدد، كشروط لا غنى عنها لحماية الهُوية الوطنية الجامعة.

لقد دمرت حرب 1994م، وامتدادها حرب 2014م، نسق القيم الوطنية، وأحلت محلها قيم سلبية تجاه الوطن ومصالحه، واستهدفت نتائجها مباشرة، المواطنة، ومنع بناء دولة المواطنة، وذلك بإلغاء المادة (27) من الدستور بشطب الحق في المساواة أمام القانون وعدم التمييز، فأجازت التمييز دستوراً وقانوناً، وجسدته ممارسة وسلوكاً. واليوم يعلَن التمييز العنصري رسمياً كعقيدة لجماعة الحوثي. والتمييز بين المواطنين يمثل المدخل الأساسي لتفكيك الأوطان ودوافع الانفصال، إذ عادت بعد حرب 1994م إلى الواجهة دولة القبيلة والعسكر ورجال الدين، والحكم بثقافة شيوخ الدين والقبائل والعسكر، وكرست هذه الصورة في مناطق سيطرة الانقلاب نشوب حرب 2014م، التي أعادت دولة العنصرية والطائفية السلالية والمذهبية. بينما المواطنة التي تحقق الانتماء الوطني تعني رفض الاستبداد والعنصرية والطائفية، ودولة المواطنة لا تكون إلاَّ دولة مدنية، أي الدولة غير القبلية أو الدينية أو العسكرية، وهي الدولة التي لا تميز بين المواطنين، ولا تضيق على حرياتهم، ولا تحرمهم من الحق في المشاركة في تقرير إدارة شؤونهم، أو تظلمهم، أو تميز بينهم في فرص شغل الوظيفة العامة أو النشاطات الاقتصادية والتجارية، كما فعلت سلطة ما بعد حرب 1994م، ويفعله اليوم الحوثيون بأكثر بجاحة وبإعلان التمييز العنصري رسمياً، وهذا السلوك وتلك الممارسة أوجدت تعارضاً مطلقاً مع جذر أو مرتكز المواطنة الذي يقوم على مبادئ: المساواة، الحرية، الشراكة، المسؤولية، العدل والإنصاف.

تضافرت عوامل التمييز الناتجة عن حرب 1994م والحروب المتصلة: حروب صعدة، وحرب 2014م المستمرة، وتفشي الفقر والمجاعة والخوف، فكان تراجع القيم الكبرى كقيم في مقدمتها المواطنة وفقدان الشعور بالانتماء وبالهُوية الوطنية الجامعة.

تراجع الولاء للوطن إلى الولاءات الأولية: القبيلة، المنطقة، السلالة والمذهب، وصارت ولاءات ما قبل الدولة أقوى من الولاء للوطن، والمجتمع والدولة. وزاد من سيطرة هذه الولاءات المستندة إلى رابطة الدم والعصبيات الصغرى تهميش الحرب وأطرافها للسياسة والأحزاب السياسية. ولم تتمكن من خلال الحرب إلاَّ الجماعات المسلحة ومراكز القوى القبلية المنتمية إلى أحزاب سياسية واتخذتها غطاء لها، لكن الانتماء الأقوى كان للقبيلة والعصبيات السلالية والمناطقية، وعلا شأنها كونها مصدراً للمقاتلين بلا ثمن.

وحتى الحركة الحوثية لم تكتفِ بكونها جماعة سلالية، بل تحولت إلى قبيلة مسيطرة على قبائل أخرى في شمال الشمال، وتعاملت معها بأسلوبين: تمكين القبائل الموالية من المال والسلاح والسلطة المحلية، أو ممارسة القمع الوحشي ضد القبائل التي أظهرت مقاومة لسيطرة قبيلة الحوثي السلالية، أو رفض سلطتها كما حدث مع قبائل حجور والبيضاء.

استخدمت دول الإقليم الولاءات الفرعية، بما في ذلك المذهبية والسلالية- الهُوية العقائدية، لتعميق الانقسامات مما أدى إلى صيرورة الحرب حرب الكل ضد الكل، وترتبت نتائج خطيرة على هذا الإضعاف للولاء الوطني، بوجود قوى على الأرض تفرض سيطرتها وتعلن تخليها مباشرة أو ضمناً عن الهُوية الوطنية الجامعة، وهي نتائج خطيرة على حاضر ومستقبل اليمن، ومنها:

  • وجود قوى تسعى علناً إلى تفكيك البلاد إلى دويلات متعددة.
  • إعلان القوى التي تحمل السلاح الولاء لدول أخرى كإيران أو تركيا، أو بعض دول الجوار.
  •  فقدان الروابط السياسية والعمل السياسي بتغييب دور الأحزاب السياسية، وبالتالي فشل محاولات إيجاد كتلة تاريخية يمكن أن تحافظ على الروابط السياسية بين اليمنيين، وعلى رابطة الهُوية الوطنية، وأن تحقق بائتلافها إمكانية إنهاء الصراع المسلح وتحقيق السلام؛ إذ فشلت الأحزاب السياسية بتحويل التحالف الوطني للأحزاب والقوى السياسية، الذي تشكل عام 2018م، إلى ائتلاف حقيقي وفاعل.
  • تولد شعور غير مسبوق لدى الفاعلين السياسيين والمجتمعيين بأن نجاح الفرد أو الحزب أو القادة السياسيين معياره الارتباط بالخارج ومصالحه، وهو ارتباط يوفر المال والسلاح في ظل الفقر والفاقة، فانهارت القيم أمام الحاجة، ومن تمسك بالقيم يعيش مرارة اللوم، والنعت بالفشل، ومع الزمن قد يشعر فعلاً بالعجز والفشل.
  • استمرار الحرب لأنه صار المصدر للثروة أو العيش؛ خاصة بعد أن صير الحوثي العنصرية عقيدة وأعلن الهُوية العقائدية.
  • فقدان صوت وتأثير الرأي العام، وخاصة الرأي العام الذي يشكله المثقف المنتج للثقافة والمثقف الحركي الذي يوصل الثقافة إلى أفراد المجتمع.

   لعل الأخطر من هذه النتائج المترتبة على الحرب وتعطيل مبدأ المواطنة، هي الواقعية المفرطة والزائفة الداعية إلى تحقيق السلام بالحفاظ على هذا الواقع، إذ أن السلام الذي يقوم على أسس طائفية أو سلالية، أو على أساس التمييز العنصري أو المناطقية أو القبلية، لا يقل فداحة وخطراً على المستقبل من استمرار الحرب ونتائجها الكارثية، التي ستتحول إلى نتائج مستمرة باسم السلام، فالسلام لن يتحقق إلا باتفاق شامل يقود إلى إزالة آثار ونتائج الحرب على أساس المواطنة التي تمثل ضمانة لاحترام القيم العصرية الكبرى: المواطنة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وتوفير شروط ممارسة هذه القيم في الواقع المعاش، وبما يعزز من انتماء المواطن إلى الوطن والدولة، ويجعله يتمسك بالهُوية الوطنية والقومية ويعتز بهما.

    وعندما يقوم السلام على أساس وضع اليد على أجزاء من التراب الوطني؛ يكون هذا السلام منشوداً من القوى التقليدية، التي تعتبر حدود الوطن هي حدود القبيلة، والساعية إلى استعادة ملك الأجداد من إمارات وسلطنات ومشيخات. وإذا كان صدور دعوات الواقعية لتحقيق سلام على أساس نتائج الحرب من هذه القوى مفهوماً، إلاَّ أنه من غير المفهوم أن نجد مثل هذه الدعوات تصدر عن شخصيات مثقفة يسارية. ودعوات مثل هؤلاء ليست إلا تفريط بقيم الوطن، سواء قصدت ذلك أم لم تقصد، وبمشروع اليسار نفسه القائم على قيم: بناء دولة القانون- دولة المواطنة، وبناء وطن مزدهر وقوي قادر على حماية سيادة الوطن ووحدته الترابية وحماية المجتمع؛ إذ أن الجماعات المسلحة والقوى والوحدات العسكرية غير التابعة للدولة والتي تفرض سلطتها في الواقع صارت متعددة ليس على صعيد الوطن فقط، بل وعلى صعيد كل منطقة صغيرة، كالألوية العسكرية التي لديها قيادات مختلفة، كما هو الحال في الساحل الغربي ومحافظة تعز، والقوى المتعددة والمختلفة والمتنازعة، والتي لا تتبع الدولة، وسيطرت على الأرض في الشمال والجنوب، وتبذل كل جهودها لتعزيز قبضتها العسكرية على الأرض والاستيلاء على الموارد العامة والخاصة دونما أدنى اعتبار أو مسؤولية لحياة السكان وأمنهم الاجتماعي، حيث تركت الأوبئة والجوع تفتك بالسكان. ونجد أن منطق هذه الجماعات منطق مختل، حيث تطالب الدولة المعتدى عليها، وفاقدة الفاعلية دون سواها، بدفع المرتبات ومكافحة الأوبئة القاتلة والتي في مقدمتها فيروس كورونا، والكل يعترف بهذه الحقيقة، وبأن القوى المسيطرة غير التابعة للدولة لا تمثل من قريب أو بعيد سلطة دولة أياً كان مستواها، وأخطر ما فيها الجماعات الطائفية السلالية والتنظيمات الإرهابية- القاعدة وداعش وأنصار الشريعة. وكلتا القوتين غير مؤهلتين للسلام بدون حشد قوى السلام بإمكانياتها وتوحيد فعلها. وأمام هكذا وضع يكون الأجدر باليساريين قبل غيرهم، والذي لا يقوم مشروعهم على وحدة الوطن فحسب، بل على الوحدة القومية والأخوة الأممية، أن يعملوا من أجل تحقيق سلام مستدام وعادل، أساسه المواطنة المتساوية، وقيمه النبيلة: المساواة والعدل والإنصاف.

   إذن السلام الذي ينقذ اليمن وطناً وإنساناً، هو السلام العادل والمستدام الذي لا بد أن يحافظ على وحدة الأمة ويحل القضايا الخلافية، وفي المقدمة القضية الجنوبية، وإزالة آثار الحروب: حرب 1994م، وحروب صعدة، وحرب 2014م، ومن ثم يجب أن تنصبّ الجهود نحو التوصل إلى اتفاق سلام يوفر آليات تحقق بكل مبادئها وقيمها: المبادئ والأسس والقيم التي تضمنتها وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، كمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات وأمام القانون، ومبدأ الحرية ويشمل: حرية الرأي والتعبير، والتنظيم، والمشاركة في إدارة الشأن العام، والحق في الوظيفة العامة، والتملك، والسلامة الجسدية. وتحقق قيم المواطنة: المساواة، العدل، الإنصاف، والشراكة، ومقومات الدولة المدنية الأخرى: كالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وإرادة الشعب وسيادة القانون، وهذه القيم تمثل مقومات دولة القانون، دولة المواطنة، الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.

   تمثل قيم المواطنة وتحويلها إلى آليات دستورية، منجزاً عظيماً لليمنيين مجسداً في مسودة دستور جمهورية اليمن الاتحادية، كآليات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

   الأولوية الأولى لاتفاق السلام، هي استعادة مؤسسات الدولة، وممارسة دورها، وحماية المجتمع كله على أساس المواطنة، وهذه هي الخطوة الأولى لإنهاء الرغبات في التسلط، والتفكيك، والثأر، والانتقام، والعنصرية، والتمييز، وبآليات حددتها مسودة الدستور كالهيئات المستقلة، ومنها هيئة العدالة الانتقالية لكي تحقق العدل لضحايا الحروب والنزاعات خلال الفترة الانتقالية- ما بعد النزاع- والمشاركة في إدارتها من قبل مختلف القوى، وإعمال آليات العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية المجتمعية بعد أن يكون اتفاق السلام قد حقق المصالحة السياسية.

بالمواطنة يتحقق الانتماء. لكن استعادة الشعور بالانتماء والمواطنة والهُوية الجامعة، بعد ما مر بها الإنسان اليمني من فضائع ودعوات للكراهية، وإعلان التمييز العنصري والهويات العقائدية، يتطلب عملاً فكرياً، وثقافياً واسع النطاق، تربوياً وإعلامياً وثقافياً، ينهض به المثقف الفردي والجماعي: من مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، وتكريس قيم المواطنة سلوكاً وممارسة لدى أفراد المجتمع، ولدى النشء على وجه الخصوص، من أجل تحقيق اندماج وطني، وخلق بيئة سليمة لوعي المواطن. ويكون تكريس الانتماء والمواطنة والهُوية الجامعة في الوعي عبر التربية، والثقافة، كضرورة وطنية لحماية الهُوية والمواطنة، وتعزيزهما بفاعلية مؤسسات الدولة والمجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية، فاعلية تحقق:

  • تنمية الإحساس بالانتماء والهُوية الجامعة.
  • تنمية المعارف والقدرات والقيم والاتجاهات، والمشاركة والمسؤولية تجاه المجتمع، والتمتع بالحقوق دون تمييز.
  • التأصيل النظري لمفهوم الهُوية والمواطنة والانتماء.
  • التغلب على نتائج وآثار الحرب والتدخل الخارجي بشؤون البلاد، والإعلاء من شأن قيم الحرية والاستقلال والسيادة وسلامة التراب الوطني.
  • المشاركة في إدارة الشأن العام.
  • تنمية قيم المواطنة.

 

الأحد, 14 حزيران/يونيو 2020 17:02

العلاقة بين اللا مساواة وحروب اليمن

لقد هالنا أن يُصدر عن الحركة الحوثية في القرن الواحد والعشرين إعلان رسمي بالتمييز العنصري في اليمن، واعتبار المنتسبين إلى سلالة الهاشميين جماعة مميزة عن سائر اليمنيين، وسلخهم عن المواطنة اليمنية وانتمائهم الوطني كمواطنين يمنيين، وجزء من النسيج الاجتماعي اليمني؛ وذلك بإصدار ما يسمى بالمجلس السياسي لائحة تشريعية سميت باللائحة التنفيذية لقانون الزكاة، وكون هذه اللائحة ليست صادرة عن سلطة دستورية شرعية معترف بها في الداخل والخارج، فإنها معدومة الأثر القانوني. والتجارب السابقة، بما في ذلك في اليمن، تظهر أنه لا يمكن للمجتمع أن يسمح بالتمييز العنصري خصوصاً، واللا مساواة عموماً؛ إذ سيترتَّب على إعلان التمييز العنصري وبوثيقة رسمية آثاراً سياسية واجتماعية خطيرة، منها ما يأتي:

  • سوف يقود هذا التمييز العنصري، وعلى أساس الأصل السلالي، إلى تحريض كافة فئات وطبقات المجتمع اليمني ضد من ينسبوا إلى الهاشميين وبجريرة حمقاء أرتكبها بعضهم.
  • يترتب على هذا التمييز العنصري فقدان الأمل بإمكانية تحقيق سلام شامل ومستدام قريب في اليمن، وجعل الحوثي غير أهل لتحقيق السلام.
  • سيجعل الحرب الدائرة رحاها في اليمن تتسم بوحشية أكبر بسبب الإعلان الرسمي لأحد أطرافها عن اعتماد التمييز العنصري.

   وعلينا جميعاً كيمنيين العمل على مواجهة هذه المخاطر، والعمل على إشاعة التسامح، وعدم استهداف من ينسب إلى الهاشميين بسبب النسب أو النسب المدعى به، وبوزر جماعة محاربة لا تدرك مغبة ما أقدمت عليه. وعلينا أن نتذكر أن ثورة ٢٦ سبتمبر التي قضت على الحكم الكهنوتي السلالي، قد شارك في قيادتها و استشهد في الدفاع عنها شخصيات وطنية تنتسب إلى بني هاشم، ومنهم من أنخرط في الأحزاب السياسية المناضلة ضد اللا مساواة، وضحوا بأرواحهم من أجل العدالة والمواطنة المتساوية، وفي مقدمتهم قيادات وأعضاء في الحزب الاشتراكي اليمني، وكان أول شهيد من شهداء الحزب في الاغتيالات التي تمت بعد قيام الوحدة اليمنية، من سكان عمران ومن قبيلة الحوثي، وكان أحد شهداء الحزب في محافظة إب، من عائلة الشامي. ومهمتنا التصدي للتمييز العنصري أياً كان مصدره وأياً كان سببه ديني أم سلالي، أو اختلاف الجنس واللون، أو المكانة الاجتماعية وهلم جرا.

وهنا أخاطب كل ذي عقل، أن مسعى التمييز العنصري سيكون له نتائج وخيمة على الجميع، فاللا مساواة قيمة لا إنسانية ولا تدوم، سواءً كانت لا مساواة سياسية كعدم الشراكة أو عدم التكافؤ في إدارة شؤون البلاد، واتخاذ القرار السياسي والتنموي، أو لا مساواة اقتصادية أفقية بالتمييز في الدخل والثروة، أو لا مساواة اجتماعية أفقية بسبب الجنس أو الدين أو النسب أو المركز الاجتماعي. ويظهر التاريخ الإنساني، وتاريخ اليمن على وجه الخصوص، أن العلاقة جدلية بين اللا مساواة والنزاعات العنيفة، وكانت الثورات والحروب في اليمن في العصر الحديث نتائج مباشرة للا مساواة. فالثورات قامت للقضاء على اللا مساواة ومن أجل تحقيق المواطنة المتساوية، فكانت الثورات المضادة تفجر الحروب محاولة منها لاستعادة نظام اللا مساواة، لكنها هزمت وكان النصر لقيمة العدل والمساواة. ولأن هناك من لا يعتبر، فإننا سنتوقف، وللعبرة، بإيجاز شديد عند محطات تظهر الربط الجدلي بين اللا مساواة وحروب اليمن، وذلك فيما يأتي:

  • القضاء على اللا مساواة هدف محوري من أهداف ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م، إذ كان الهدف الأول، هو: ".... إقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات". وكانت المساواة من خلال المبدأ الثالث تشمل المساواة الرأسية والأفقية من خلال: "رفع مستوى الشعب اقتصادياً واجتماعياً وسياسيا وثقافياً"، وحماية هذه المساواة وفقاً للمبدأ الرابع من خلال: "إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل".

وقد حاولت الثورة المضادة استعادة اللا مساواة، من خلال استعادة النظام السلالي الكهنوتي، فشنت حرباً زهقت فيها عشرات الآلاف من أرواح اليمنيين، انتهت بانتصار النظام الجمهوري وقيم العدل والمساواة، بغض النظر عن ما شابت الممارسة التي اتبعتها القوى التقليدية من مظاهر اللا مساواة، لكنها لم تجرأ على إعلان التمييز العنصري، وحاولت ممارسة التمييز بسبب الجنس، أي التمييز ضد المرأة. لكن محاولاتها فشلت كلياً بقيام الجمهورية اليمنية، هذا في الشمال. وفي الجنوب اعتبر العدل والمساواة جوهر أهداف ثورة ١٤ أكتوبر من خلال إسقاط حكم السلاطين و"إقامة نظام وطني يغير الواقع المتخلف إلى واقع اجتماعي عادل ومتطور (...) وبناء اقتصاد وطني قائم على العدالة الاجتماعية وتوفير فرص التعليم والعمل لكل المواطنين دون استثناء (...) وإعادة الحقوق الطبيعية للمرأة ومساواتها بالرجل في قيمتها ومسؤوليتها الاجتماعية". وتجسدت هذه الأهداف في الممارسة أثناء حكم الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني، فشنت الثورة المضادة الحروب ضد نظام العدالة والمساواة في الجنوب ولاستعادة حكم اللا مساواة، لكن الثورة المضادة فشلت في استعادة نظام اللا مساواة بفضل كفاح ونضال الأغلبية العظمى، من أبناء الجنوب أومن أبناء الشمال سكان الجنوب، أو من الداعمين لنظام العدل والمساواة من أحزاب وقوى سياسية تقدمية.

  • تأسس قيام الجمهورية اليمنية على مبدأ المواطنة المتساوية الذي كان سائداً في الجنوب، وعبرت عن ذلك اتفاقيات الوحدة ودستور الجمهورية اليمنية المستفتى عليه عام ١٩٩١م، حيث نصت المادة (٢٧) من الدستور على أن: "المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو اللون أو الأصل أو اللغة أو المهنة أو المركز الاجتماعي أو العقيدة". ومن أجل حفاظ علي عبدالله صالح وحليفه الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ومفتي الحروب  عبدالمجيد الزنداني على اللا مساواة في الممارسة، والحفاظ على امتيازاتهم التي تخل بمبدأ المواطنة المتساوية، وفتح ثغرة دستورية ينفذ منها التمييز، جرى حرب ١٩٩٤ وكان من نتائجها إلغاء هذه المادة واستبدالها بنص المادة (٤١): "المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة". وعلى الرغم من هذا النص كان نتاج غلبة عسكرية، إلا أن المتغلبين لم يخاطروا بفرض اللا مساواة في كل الأمور، بما في ذلك التمييز العنصري، وفي الحقوق العامة، وإنما فتح المتغلبون ثغرة للتمييز في الحقوق الخاصة ولم يتجرؤوا بإعلان التمييز ضد المجتمع كله رجاله ونسائه كما فعلت الحركة الحوثية، وإنما أستهدف التمييز المرأة. وحتى فقهاء التنظيمات الجهادية لم يتجرؤوا على إعلان التمييز، لأسباب أخرى غير سبب اختلاف الجنس، مع تلميحاتهم بضرورة تمييز ولآت الأمر ورجال الدين والعلماء ورثة الأنبياء، في خطبهم وإرشاداتهم الدينية.

   بيد أن هذه اللا مساواة الجزئية في الدستور والتي اتسعت بالممارسة الواقعية بفعل نتائج حرب ١٩٩٤، قد ترتب عليها نزاع أمتد منذ الحرب حتى اندلاع ثورة ١١ فبراير2011، التي كان على رأس مطالبها تحقيق المواطنة المتساوية. وتم التوافق الوطني على إزالة نظام اللا مساواة، وثبتت وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل مبدأ المواطنة في نصوصها المختلفة. وسجلت بذلك فشل حرب ١٩٩٤ بفرض نظام اللا مساواة، إلى جانب النص على المساواة بين المواطنين أمام القانون وفي الحقوق والحريات والواجبات العامة دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو الأصل أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو الإعاقة أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو الوظيفة أو المولد أو أي اعتبارات أخرى.

وبهذا انتصرت قيم المساواة على حرب ١٩٩٤، التي كان من أهدافها فرض نظام اللا مساواة. فقد كانت حرب ١٩٩٤م المستمرة إلى اليوم لمنع بناء دولة المواطنة وإقامة نظام اللا مساواة، وحتماً ستكون النتيجة انتصار لقيم الإنسانية: العدل والمساواة.

   واضح أن من ورط حركة الحوثي بإعلان التمييز العنصري، يجهل التاريخ الحديث لليمن، ويجهل أن المجتمع الإنساني يدين ويجرم التمييز بمختلف أشكاله وألوانه، واليمن كبلد ودولة تلتزم بالمعاهدات الدولية التي تحظر التمييز وتجرم التمييز العنصري، ومنها العهدان الدوليان لحقوق الإنسان، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

    إذن، العلاقة وطيدة بين اللا مساواة والنزاعات العنيفة والحروب في اليمن، فاللا مساواة تقود إلى الحروب، والحرب تقود إلى اللا مساواة. ومواجهة مخاطرها بعيداً عن الأساليب والخطاب العنصري أو الطائفي، هزيمة للا مساواة ولأصحابها على الصعيد المجتمعي، وعلى الصعيد الأخلاقي- القيمي، وعلى كل الصعد. وهذا يتطلب العمل والنضال على كافة الجبهات، لتوفير شروط سلام مستدام، توفر مزيداً من الضمانات والوسائل لاستعادة الدولة، والعودة إلى العملية السياسية لبناء دولة القانون- دولة المواطنة.

الجمعة, 20 كانون1/ديسمبر 2019 18:32

دور المثقف في إبراز المشترك الثقافي

 

المقدمة:

     يهدف هذا المقال الي المساهمة في وضع صيغ إجرائية عملية تتبناها مؤسسات الدولة والمجتمع في عالمنا العربي، ومنها البحث العلمي أو الجامعي وتعميم مضامينه أو نتائجه لإشاعة حوار الثقافات على الصعد الوطنية والاقليمية والدولية، وهي مهام مناطة بكل مثقف فردي أو جماعي وبالبحث العلمي في الجامعات العربية، ومنها الجامعات اليمنية،وبلقدرالذي يتطلبه السلام العالمي من حوار الثقافات يتطلبه السلام الوطني والاقليمي،وتكون البداية باشاعة التسامح الثقافي الوطني ثم الاقليمي الدولي ثم العالمي.

   أعتمدت المقالةالمعنى الواسع للثقافة وشمولها: المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف والعادات والتقاليد والفلوكلور.

   تنطلق هذه الورقة من مدرك أن الباحث الجامعي خصوصاً، والمثقف الفردي والجماعي عموماً، يمتلك القوة الناعمة- قوة المعرفة لمواجهة ثقافة الانعزال في عالمنا العربي، ومواجهة تفكيك الدولة والهُوية الثقافية الوطنية، والتصدي فكرياً للمطامع الأجنبية الرامية إلى السيطرة على بلدان العالم العربي، ومنها اليمن، وهي سيطرة لن يكتب لها النجاح إلاَّ في ظل تفكيك الدولة والهُوية الثقافية الجامعة. لكن  المثقف وفي المقدمة الباحث الجامعي ومعه الفاعلون الثقافيون الآخرون: مفكرون وكتاب وأدباء وفنانون: الرسامون والموسيقيون والسينمائيون، بمقدورهم مقاومة العدوان على الدولة والمجتمع من الداخل والخارج، وإحباط أهداف التفكيك لدول الهيمنة العالمية والمشاريع الإقليمية الأخرى التي تلتقي معها أياً كان مصدرها والمحاربون بالوكالة عنها، وذلك بإبراز المشترك الثقافي الوطني والإنساني عبر مناهج وطرق وأساليب البحث العلمي الادبي والرسم والمقالة، وإشاعة ثقافة التسامح والقبول بالاختلاف والتعدد والتنوع، وبلورةرأي عام وتوجهات ثقافية وسياسية عابرة للمذاهب والمناطق والسلالات والأعراق والأديان، تعلي من شأن المشترك الثقافي والهُوية الجامعة والمصالح المشتركة. وما من شك، أن البحث العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث يستطيع أن يبرز المشترك الأكبر بين اليمنيين وإمكانية الاعتماد المتبادل بفعل عوامل الجغرافيا والتاريخ والثقافة، بما في ذلك العادات والتقاليد والأعراف ونمط العيش وطقوسه ومنظومة القيم الإنسانية والشكل الخارجي للإنسان اليمني، إلى جانب دراسة التراث الوطني لإبراز المشترك الثقافي ومشترك المصالح والثقافة المشتركة للمستقبل والمتمثلة بقيم الدولة المدنية والقيم المجاورة لها: قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ومقوماتها: المواطنة المتساوية وإرادة الشعب وسيادة القانون، بالتأصيل العلمي لهذه القيم وإشاعتها عبر نتائج البحث العلمي، للمساهمة في تحويلها إلى واقع معاش وممارسة يومية، تغني بعض اليمنيين عن اللجوء إلى الانعزال ونكران الإنتماء إلى المجتمع اليمني والدولة اليمنية، بل يجعل هذا الانتماء مصدر فخر لكل يمني.

   لدى الباحث الجامعي اليمني والمثقف اليمني إجمالاً، قوة هائلة إن هو استعملها، وتتمثل هذه القوة في الثقافة والهُوية اليمنية الجامعة، لأن بمقدور الهُوية الجامعة أن تشكل التعبئة السياسية الكبرى، من أجل الدفاع عن وحدتنا وسيادتنا وسلامة أراضينا، والموروث المشترك يشيد صرح العيش المشترك لليمنيين، فمهمة الباحث اليمني إحياء هذا الموروث وإنعاش أمال المستقبل الآمن والمستقر، وذلك بانجاز مهمة ملحة من شقين:

الأول- إبراز المشترك الثقافي لليمنيين بمختلف مناطقهم وسلالاتهم ومذاهبهم والتي يزخر بها تراث اليمن.

الثاني- إبراز المشترك الأكبر لثقافة المستقبل، المتمثل في قيم الدولة المدنية الحديثة، انطلاقاً من التجارب الإنسانية ومن الخطوة الأولى نحو تجسيدها في اليمن من خلال مسوَّدة دستور جمهورية اليمن الاتحادية، التي تجسد العقد الاجتماعي المتوافق عليه بين قوى المجتمع في مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

أهمية إبراز المشترك الثقافي:

   المشترك الثقافي، هو الثقافة الجامعة على الصعيدين الوطني والإنساني، وهو مشترك من شأنه أن يوفر إمكانية التواصل والتفاعل الثقافي بين مكونات الوطن الواحد أو بين الشعوب المختلفة.

   المشترك الثقافي لا يعني طمس الخصوصيات وإنما عدم الانعزال[1]أو الخلط بين تعارض المواقف السياسية والوشائج والروابط الإنسانية والوطنية التي منشأها الهوية الثقافية الجامعة على الصعيد الوطني والمشترك الثقافي الإنساني، وهذا الخلط يتطلب حلول إجرائية وعملية لإبراز المشترك الثقافي أو الثقافة الجامعة من خلال مناهج التعليم والبحث العلمي ووسائل الإعلام[2]والموسيقا وفنون الرقص والرسم والرواية والقصة والشعر وغيرها من اصناف الرسم والادب.

   من أجل حماية قيم السلام والتسامح والعيش المشترك، هناك صيغ اجرائيةتحقق امرين:

الأول- التعبئة المجتمعية التي تقع على عاتق الفاعلين الحكوميين في المجتمع من خلال القرار التربوي والبحث الأكاديمي والإعلام، لإيجاد أسس لخلق ثقافة جديدة، هي ثقافة القبول بالآخر المختلف ثقافياً، والبحث عن المشترك الإنساني في الثقافات المختلفة بتعميم أساليب حوار الثقافات والإعلاء من شأنه.

الثاني- التأسيس العلمي لثقافة حوار الثقافات من خلال التربية وتكوين المهنيين والبحث الأكاديمي والتعميم الإعلامي، والمرتكز الأساسي للنهوض بثقافة حوار الثقافات يتمثل بالتأسيس العلمي لهذه الثقافة من خلال البحث الجامعي الذي يوفر مبادئ النهوض بثقافة حوار الثقافات، وهي المبادئ التي ترتكز عليها عملية التدريب والتكوين.

     هذا المجال الواسع لحوار الثقافات، يعني عدم تقيد البحث العلمي في الجامعات بنطاق زمني للحوار الثقافي، وإنما يجب أن يشمل ثقافة الماضي والحاضر. ومن حيث النطاق المكاني، أن يشمل الكون والمجتمع الإنساني. لكن الانطلاق الى الثقافة الكونية ينبغي أن تكون قاعدته إعلاء شأن المشترك الثقافي الوطني والقومي.

   ومن هذا المنطلق، فإن البحث العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث تقع عليه مهمة البحث عن المشترك الثقافي في كل قطر من العالم العربي، وثقافة مكوناته المختلفة كالعربية والأمازيغية والكردية وغيرها من الثقافات المتعددة، والبحث عن التنوع الثقافي في الأقطار التي لا يوجد فيها تعدد إثني وإنما يوجد فيها تنوع ثقافي كا اليمن.

   لكل ثقافة وطنية بتعددها أو تنوعها حدوداً مفتوحة على العالم، فهي ليست محصورة بحدود الوطن، وإنما حدودها العالم بأسره. فلكل ثقافة جانب إنساني، لأن وظيفة الثقافة وظيفة إنسانية عامة، وكل ثقافة وطنية تسهم في الثقافة الإنسانية من خلال حوار الثقافات، أي من خلال التبادل الفكري بين الثقافات والتواصل بينها وما يترتب على ذلك من تأثير وتأثر متبادل.

   ومن حيث النطاق الزمني والمكاني، فإن مهمة الباحثين تكمن في دراسة المشترك الثقافي في التراث الثقافي على الصعد الوطنية والاقليمية والإنسانية، كون التراث يمثل التعبير عن الثقافة، ويمثل أداة تواصل وربط بين الماضي والحاضر. فالثقافة في العالم العربي أثرت وتأثرت بالثقافة الهندية، والفارسية، والصينية، وبالثقافة الافريقية، واليونانية، والرومانية. واليوم التأثير المتبادل ليس بين الثقافات المتجاورة مكانياً كالثقافة العربية والامازيغية والكردية، بل أن ثقافة العالم العربي المتعددة أو المتنوعة تتأثر بكل ثقافات العالم عبر وسائل الاتصال الجماهيري[3]: إذاعة وتلفزة وانترنت وسينما، وغير ذلك من وسائل التواصل.

   تقع على الجامعة المهمة و الدور الأساسي في نشر ثقافة التسامح وحوار الثقافات، وذلك؛ لأن الجامعة تقوم بدور هام في توطيد أسس الثقافة ونشرها، من خلال التعليم والبحث العلمي وتوسيع القاعدة الثقافية[4]. وأهمية البحث العلمي في الجامعات لا ترجع إلى نشر الثقافة الوطنية والقومية والإنسانية فحسب، بل وإلى التنقيب عن المشترك الثقافي الذي يوفر بيئة صالحة للعيش المشترك وتعايش الثقافات سواء أكانت متجاورة أو متباعدة من حيث المكان والزمان.

   تتحدد مجالات البحث العلمي للمشترك الثقافي، على الصعيدين الوطني والإنساني، لتعزيز الهُوية الوطنية الثقافية الجامعة التي توفر شروط العيش المشترك والسلام بين أبناء الوطن الواحد، ولإبراز المشترك الإنساني من أجل توفير شروط السلام والأمن الدوليين، وذلك من خلال دراسة الحوار بين الحضارات، المتمثل في التواصل والتفاعل الثقافي بين الشعوب بمختلف أجناسها ولغاتها وتعددها الاثني والقومي والديني، وإشاعة قيم ومبادئ التكيف مع المختلف فكرياً وعقائدياً وآراء وتصورات، أي القبول بالثقافة المغايرة، تتحدد وفقاً لمفهوم الثقافة؛ ولعل أوضح مفهوم يحدد مجالات البحث الجامعي للمشترك الثقافي، هو التعريف الذي يعدد مكونات الثقافة باعتبار الثقافة: (كل مركب يضم المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف، وكل المهارات الأخرى أو العادات المكتسبة من طرف الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع)، وهو التعريف الذي اعتمده الكثير من الباحثين العرب في ابحاثهم المتعلقة بالثقافة[5]، وتعتمده هذه الدراسة منطلقاً لتحديد مجالات البحث العلمي لإبراز المشترك الثقافي على الصعيدين الوطني والإنساني.

مكونات المشترك الثقافي:

   طبقاً لتعريف الثقافة المعتمد في هذهالمقالة، فإن مجالات البحث الجامعي لحوار الثقافات أو المشترك الثقافي الوطني والإنساني، تتمثل في المعارف والفنون والمعتقدات والأخلاق  والقانون والأعراف والعادات والتقاليد وكل ما يتصل بها.

    لقد تأثرت الثقافة العربية بالعلوم والفنون اليونانية والرومانية والصينية والهندية والفارسية عبر النقل والترجمة لعلوم الفلسفة والطبيعة. ونقلت فنون الرسم والنحت والعمران إلى العالم العربي، وهي ماثلة اليوم في بلدان عربية كثيرة: بلدان الشام ومصر والمغرب العربي واليمن، وصارت في تعداد التراث الوطني، وهي شاهد أو دليل مادي على حوار الثقافات. وبالمقابل وعند ازدهار الدولة العربية الاسلامية نقلت علوم الفلسفة والطبيعة من الأبحاث والدراسات التي كُتبت في هذه الدولة إلى مختلف بقاع الأرض: أوروبا وايران والهند والصين وغيرها من الثقافات الأخرى، وقبل الإسلام لعبت الحضارات أو الثقافات المشرقية العربية تأثيراً مهماً في الحضارات أو الثقافات الأخرى.

  في مجال القانون عرفت بلدان العالم العربي التأثير والتأثر عبر مدارس القانون ما قبل الإسلام، وأبرزها المدرسة القانونية في بيروت، والمدرسة القانونية في اليمن، وكان للقوانين اليمنية القديمة تأثير على القانون الروماني الذي تطور وصار له تأثير عكسي على القوانين اليمنية مثل القوانين الحميرية الصادرة في بداية القرن السادس الميلادي، وكثف القانون اليمني القديم والقانون الروماني التعبير العملي عن التأثير المتبادل بين الحضارة اليمنية والحضارة الرومانية أو بين الثقافتين العربية و الرومانية.

   يؤكد الأثريون بالاعتماد على النقوش والآثار التي تم العثور عليها حتى الأن، أن الدول والحضارات التي قامت على أرض اليمن منذ الآلف الثاني قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي الذي شهد سقوط الدولة اليمنية (دولة حمير) واحتلال اليمن من قبل بيزنطا عبر الحبشة ثم الإحتلال الفارسي، كانت تربطها علاقات اقتصادية مع مصر وسوريا ولبنان ودول افريقيا القديمة والهند والروم واليونان، وغيرها، وبالتالي أثرت الحضارة اليمنية أو ثقافة اليمنيين بتلك الحضارات وتأثرت بها.

   وصلت إلينا مدونة قانون قتبان التجاري الصادرة في القرن الثامن قبل الميلاد[6]، وهي الفترة التي تشكلت فيها الملامح العامة للتشريع الروماني. وبالمقارنة بين التشريعين يظهر أسبقية التأثير للقانون اليمني، إذ كان قانون قتبان التجاري ينظم العلاقات التجارية الخارجية، أو العلاقات ذات العنصر الأجنبي، بينما الألواح الرومانية الصادرة عام 449 قبل الميلاد كان نشراً للعرف القانوني، ولم يصدر قانون وضعي ينظم التجارة ذات العنصر الأجنبي إلاَّ في عام 212م، أي بعد مضي عشرة قرون تقريباً من تاريخ صدور قانون قتبان التجاري. ولازالت تستخدم إلى هذه يومنا هذا بعض مصطلحات القانون التجاري وتنسب إلى القانون الروماني،  وعند مقارنتها بمصطلحات استخدمت في القانون اليمني القديم السابق تاريخياً على القانون الروماني، نجدها تتماثل لفظاً ومحتوى، وبالتالي، لا يستبعد أن يكون أصل تلك المصطلحات القانون اليمني القديم، كون القانون التجاري  القتباني في اليمن كان الأسبق على القانون التجاري الروماني، من أمثلة ذلك، مصطلح "AVARIE" يقابله في القانون اليمني القديم "عوار" أي ضرر، ومصطلح "MAGASIN" يقابله في القانون اليمني القديم "مخزن" أي مكان حفظ السلع أو المتجر، ومصطلح "CARAT" ويقابلها في القانون اليمني القديم "قيراط"، وهذه المصطلحات انتقلت إلى التشريعات الإسلامية والأوروبية المعاصرة. لكن التأثير تغير إلى عكسه، فعند ضعف الدولة الحميرية ونشوب الحرب الأهلية في اليمن بين الحميريين والكهلانيين منذ عام 522-535م، والصراع الأيديولوجي من خلال الصراع بين الديانتين المسيحية المدعومة من بيزنطا واليهودية المدعومة من فارس، كان التأثير الأكبر للقانون الروماني، وتجسد ذلك التأثير في قوانين الحميريين التي عثر الباحثون على نسخة منها باللغة اليونانية، ويرجح صدورها إلى مطلع القرن السادس الميلادي[7].

   وفيما يتعلق بالثقافة التي انتقلت تحت تأثير الديانات وعادات وتقاليد منشأها وتفاعلها مع ثقافات البلدان المستقبلة، وجدنا أن هناك تأثير وتأثر لخلق ثقافة مشتركة على صعيد الوطن الواحد أو البلدان المختلفة، ومن أمثلة ذلك، أن اليهودية دخلت إلى اليمن في القرن الرابع الميلادي، وأتى اليهود إلى اليمن من الحجاز، واحتفظوا بنظمهم القانونية وأعرافهم وعاداتهم. وفي القرن السادس الميلادي أخذ التجار الحميريون من البلدان الأخرى الديانة المسيحية وطقوسها وتقاليدها ونشروها في اليمن. وإجمالاً، عرفت اليمن ثلاثة نظم قانونية وأعراف وتقاليد دينية: يهودية ومسيحية واسلامية، وإلى جانب هذه النظم عرفت مدينة عدن النظام الهندوسي.  وفي الثقافة الشعبية حدث خلط بين طقوس هذه الديانات إلى حد عدم التفريق بين شيخ الإسلام وحبر اليهود أو الرباني الكاهن المعلم او العالم لدى اليهود وتلامذة المسيح±، وأتخذ من أضرحة أحبار اليهود مزاراً للمسلمين، وبمرور الزمن أُعتقد بأن أحباراً يهود هم من الأولياء المسلمين، وذلك، لاستمرار إعمال النظم القانونية اليهودية والمسيحية بعد دخول اليمن في الدولة الإسلامية بموجب المعاهدات المبرمة بين الدولة الإسلامية ويهود ومسيحي اليمن، وأدخل الاستعمار البريطاني النظام الهندوسي إلى مدينة عدن.

   ومجمل القول أن الثقافة القانونية والدينية في العالم العربي قد أثرت وتأثرت بالقانون الروماني والنظم القانونية للأديان المختلفة، وكان التأثير في المرحلة الأولى للتشريع المشرقي، بينما كان التأثير الأكبر في المراحل التالية للقانون الروماني، بعد أن أصبحت الدولة الرومانية دولة عظمى، وأمتد ذلك التأثير إلى القوانين الحميرية والقواعد الحقوقية الإسلامية[8].    

   وفي العصر الراهن صار الحوار الثقافي من خلال التواصل والتأثير المتبادل عبر النقل والترجمة أكثر سعة وشمولاً. وفي مجال القانون، هناك مشتركات كبرى تتمثل في قيم: المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان وهي قيم يحتاج العالم العربي تحويلها إلى قيم معاشة وممارسة يومية لكي نحقق السلام على صعيد أوطاننا مع الآخر المختلف، وإيجاد أرضية مشتركة للعيش المشترك الوطني والإنساني. ومهمة البحث الجامعي إبراز وإعلاء شأن هذه المشتركات لتحقيق تعميم ثقافة التسامح والحوار بين الثقافات، ومن خلال مناهج ومبادئ وطرائق البحث العلمي، وهو جهد سيسهم حتماً في تجنيب مستقبل عالمنا العربي الحروب الأهلية والخارجية، والاضطرابات السياسية والأمنية، والمساهمة في تحصين بلدان العالم العربي من الانقسامات الطائفية الدينية والمناطقية والعرقية والسلالية.

   إذن، مهمة الأبحاث الجامعية استخراج المشترك الثقافي بين الشعوب والأمم والقوميات المتعددة والمختلفة وبين مكونات الوطن الواحد في مجال العلوم والفنون والقانون.

   أما فيما يتعلق بالأعراف والعادات والتقاليد ونمط العيش والفلكلور الشعبي، فإنها وإن كانت تتأثر أيضاً وتتطور بحكم التواصل مع الغير، إلاَّ أن الأصل فيها أنها تمثل ثقافة خاصة لكل شعب من الشعوب وتميزه عن غيره، ومهمة البحث العلمي في هذه المجالات تنصب على المشترك الثقافي في بلدان التعدد الثقافي كالعراق والمغرب أو بلدان التنوع الثقافي كاليمن.

إبراز المشترك الثقافي الوطني:

   ثمة بلدان عربية يوجد فيها تعدد ثقافي تبعاً للتعدد العرقي أو الأثني أو الديني، لكن ليس لكل مكون ثقافة منعزلة ومنفصلة بذاتها، وإنما هناك تشابك وتفاعل وتداخل ثقافي بين مختلف المكونات[9]، ومن هذا التداخل والتفاعل يتشكل المشترك الثقافي الذي يمثل الهُوية الجامعة. ويظهر التنازع بين هذه المكونات ليس بسبب وجود تمايز ثقافي، وإنما بسبب مسعى احتكار السلطة من قبل أحد المكونات وتهميش المكونات الأخرى وثقافتها، وترتب على هذا السلوك اضطرابات وحروب في العراق وسوريا وهي الحروب التي تعاني منها دولاً عربية أخرى لا يوجد فيها تعدد اثني او ديني أو قومي كاليمن بسبب احتكار السلطة. من هنا، فإن مهمة البحث العلمي المزاوجة بين إبراز المشترك الثقافي وضمانات حفظ شروط التعايش والتفاعل بين مختلف مكونات الوطن الواحد، ومن هذه الضمانات، الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون وإرادة الشعب وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وتحويل هذه القيم الكبرى إلى ثقافة مجتمعية تحترم التعدد والتنوع واحترام حق المكونات الثقافية في الحفاظ على هُويتها الثقافية والإقرار بالتعدد والتنوع في إطار الهُوية الثقافية الجامعة، بدءاً بالدستور ثم الممارسة المعاشة.

    ما تتميز به اليمن عن غيرها من البلدان العربية متعددة الأعراق والأثنيات بأن هناك تنوع ثقافي، وفي الجانب الديني، يعتنق اليمنيون الدين الإسلامي عدا عدد محدود لا يمثل نسبة من السكان يعتنقون اليهودية، ويتضاءل عددهم منذ الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، إذ تم تهجيرهم قسراً بموجب اتفاق بين إمام اليمن والبريطانيين (اتفاق بساط الريح)، واستمر التضييق عليهم لتهجيرهم وإخراج العدد القليل المتبقي منهم من مناطقهم، بعد بسط الحركة الحوثية سيطرتها على محافظة صعدة بعد عام 2011م. ليس في اليمن ثمة جماعة عرقية ذات ملامح وخصائص فيزيائية أو بيولوجية تميزها عن غيرها، ولا جماعة اثنية لها عناصر ثقافية مميزة لها.وإنما نجد، إذا ما استثنينا الأقلية اليهودية، أن هناك تنوع مذهبي: الشافعية والزيدية والاسماعيلية، وتنوع لغوي باستمرار وجود لغات قديمة: المهرية والسقطرية، وهذا موروث وطني يتصل بحضارة اليمن القديمة.

   فيما يتعلق بالأعراف والعادات والتقاليد فهي متنوعة في اليمن، لكنه لا توجد جماعة لها سلوكيات غريبة عن السائد في المجتمع اليمني. 

   وهنا يطرح التساؤل حول سبب وجود جماعات سياسية تنكر انتمائها السياسي إلى اليمن والدولة اليمنية، أو تسعى إلى أن تصنف كأقلية؟!

    وبالعودة إلى الأسباب والدوافع نجدها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بثقافة الدولة التسلطية، والقائمة على ادعاء الحق في الحكم، وآخر هذه الادعاءات هي ادعاءات الحركة الحوثية التي أدت إلى حرب أهلية منذ عام 2014م، وهي الجماعة التي تتنكر للثقافة اليمنية الجامعة، وتبحث عن ثقافة بديلة بتبني طقوس ثقافية مستجلبة من إيران وجنوب العراق وجنوب لبنان، وهي ثقافة ذات طابع طائفي من شأنها إثارة المزيد من التوترات المجتمعية والصراعات المدمرة، وعدم الاعتراف بحق الاختلاف والتعدد والتنوع. وكان رد الفعل على هذا السلوك، هو الخلط بين رفض الهيمنة السياسية وبين المشترك الثقافي والهُوية الجامعة والمعبر عنه من قبل جماعات سياسية يمنية برفض استمرار الوحدة اليمنية.

    ثمة موقفان يبدوان متعارضان، لكنهما يصبان في مشروع واحد، مشروع تفكيك الدولة والهُوية اليمنية: الموقف الأول: يرفض الاختلاف والتنوع والتعددية داخل الهُوية الجامعة، واعتبار الهُوية، هي العنصر الديني وحده، وهي الوحدة التي لا تقبل التعدد أو الشراكة الوطنية، وترفض التعامل مع عناصر الهُوية الوطنية الأخرى، العنصر القومي العربي والتعدد الثقافي، وهذه هي الجماعات الدينية التي تعمل لصالح الهُويات الأجنبية خاصة الإيرانية والتركية والتي تسعى لإيجاد هُويات غريبة عن اليمن واليمنيين وايديولوجية ماضوية تحتمي به باستجلاب طقوس دينية غريبة عن اليمنيين، وتحديداً من إيران وجنوب العراق وجنوب لبنان، وهو ما تقوم به الجماعة الحوثية. وتلتقي معها في هذا العمل التفكيكي الدعوات المضادة باستعادة الاستعمار التركي-الخلافة الإسلامية، أي العودة إلى المستعمرين السابقين لليمن: إيران وتركيا. أو تفكيك اليمن إلى دويلات دينية مذهبية أو سلالية يسهل تحقيق طموح السيطرة لدول الاقليم الكبيرة والصغيرة منها.

وأصحاب هذا الموقف وذاك المختلف مظهراً والمتفق جوهراً لا يعترفان حتى ببعضهما كقوة دينية تنفي الآخر المختلف وفي إطار الدين الواحد. ناهيك عن الأديان الأخرى.

الموقف الثاني: هو موقف القوى الساعية إلى الخلاص من مخاطر سيطرة قوى دينية معينة تسعى لإقامة دولة التسلط الديني المذهبي أو السلالي. وبفعل الخوف الذي أوجدته القوى الأولى المتمثلة في الجماعة الحوثية وحلفاؤها من النظام القديم والتنظيمات الجهادية السنية المتعددة كالقاعدة وأنصار الشريعة وداعش والتنظيم السروري والقوى التي تتفق معها في السر أو العلن، يأتي الموقف الثاني تعبيراً عن هذا الخوف والإحباط والتفكك الذي أصاب المجتمع وفقدان أجزاء منه للشعور بالانتماء لليمن، الأمر الذي يساهم بدوره في التفكيك، بسبب البحث عن هُويات ثقافية جديدة مصطنعة، لا تستطيع التعبير عن نفسها إلا بالاحتماء بهُويات ثقافية إقليمية يُعتقد خطأ أنها هُويات قوية بسبب قدرات سلطاتها تقديم الدعم بالمال والسلاح للحركات والجماعات التفكيكية، وهو دعم يقدم لها أيضاً من خلال قوى دينية- عسكرية محلية باتجاه التفكيك للهُوية اليمنية والوحدة الترابية. و الموقف الثاني تمثله بعض القوى العسكرية المقاومة للانقلاب، والتي صارت تعمل بالوكالة عن القوى الداعمة للشرعية وتقر بولائها للدول الداعمة وليس لشرعية الدولة اليمنية، وهؤلاء وأولئك يتفاخرون بشجاعة اعلان التبعية لإيران وأذرعها العسكرية في عالمنا العربي أو لخصومها في الاقليم أو الترويج للتفكيك والدعوة إليه علناً.

   ونعتقد إن اظهار المشترك الثقافي في اليمن، يضع أمام المثقف الفردي والجماعي[الاحزاب السياسية]و البحث الجامعي على وجه الخصوص مهمتين رئيسيتين:

الأولى- استحضار الموروث المشترك.

الثاني- بلورة ثقافة عصرية جامعة واشاعتها في المجتمع.

   تتطلب المهمة الأولى من المثقفين و الباحثين الجامعيين أو البحث العلمي اجمالاً: إبراز المشترك الثقافي في التراث والأعراف والعادات والتقاليد والفلكور الشعبي، وكل ما يمت بصلة إلى الميراث الثقافي المشترك لليمنيين من آداب وفنون، ويشمل ذلك النصب والمدن التاريخية ومعها وقائع التاريخ المشترك، وكل ما من شأنه ربط الماضي بالحاضر ويبرز الثقافة المشتركة والهُوية الجامعة.

   أما المهمة الثانية فتتمثل بالتأصيل النظري للثقافة المستقبلية الجامعة، وذلك من خلال إبراز تأثير المشترك الثقافي على تحقيق االسلام والاستقرار والنمو والرخاء، وهو مشترك بمفاهيمه وصيغه الحديثة تجعله يحقق ويضمن القبول بالتعدد والتنوع في ظل دولة ضامنة لحقوق ومصالح مواطنيها، هي الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وتوعية المجتمع بضرورة وأهمية الإعتراف الدستوري بقيم ومقومات الدولة المدنية، وتحويل مفاهيمها إلى ثقافة وطنية جامعة، وأهم تلك القيم والمقومات: الديمقراطية والمواطنة المتساوية والإرادة الشعبية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

   وتمثل مسوَّدة دستور جمهورية اليمن الاتحادية الخطوة الأولى للإعتراف بالتعدد والتنوع والقبول بالمختلف، والإنطلاق من نصوصها لتكريس ثقافة الحوار الثقافي وترسيخ قيم ثقافة التسامح وقيم الدستور الكبرى المتمثلة بقيم ومقومات الدولة المدنية.

   أكدت مسوَّدة الدستور على احترام التنوع الثقافي والفكري على الصعيدين الوطني والإنساني[10]، وأوجبت على الدولة العمل على إشاعة ثقافة التسامح والتعايش ونبذ ثقافة الكراهية[11].

ورغم أن مسوَّدة الدستور ركزت على الهُوية الثقافية الوطنية أو الهُوية الثقافية المشتركة أو الجامعة، فإنها لم تغفل حماية التعدد والتنوع الثقافي بإلزام الدولة بالاهتمام بثقافات المناطق المهمشة، والقبول الدستوري بالاختلاف والاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية في المادة(3)[12]، والنص مباشرة في المادة 55 على تعزيز الهُوية الوطنية الجامعة والتنوع الثقافي والفكري.

أكدت مبادئ المسوَّدة إذاً على الهُوية الثقافية الوطنية الجامعة المتمثلة في الانتماء إلى اليمن والعروبة وإلى الديانة الإسلامية وإلى القيم الإنسانية. وهي هوية تقوم على ثقافة العيش المشترك في دولة اتحادية عمادها الدولة المدنية الديمقراطية، وقوامها المواطنة المتساوية والإرادة الشعبية وسيادة القانون.

وبهذا يتوفر للباحث الجامعي المصدر الأول، وهو الدستور، للإعتراف بالتنوع الثقافي واحترام خصوصياته في إطار الثقافة الوطنية، ومن ثم، يكون بمقدور الباحثين الجامعيين إشاعة ثقافة المستقبل وثقافة المشترك في الرؤى والمصالح.

 

المراجع:

1.       (أبو زيد) أحمد، (2012م)، هوية الثقافة العربية. القاهرة.

2.       (الوافدي) نجاة، (2018م)، حوار الثقافات مدخل لتعزيز التعاون بين الشعوب: عناصر للتفكير والتأمل. في (حوار الثقافات وأسئلة الهوية). مركز الذاكرة المشتركة من أجل السلم والديمقراطية، مكناس.

3.       (بيجوليفسكايا) ن.ف، (1951م)، بيزنطا في طريقها إلى الهند، من تاريخ تجارة بيزنطا مع الشرق خلال القرن 4-6م. منشور باللغة الروسية.

4.       محمد أحمد علي، (1985م)، من تاريخ التشريع في اليمن. مجلة دراسات يمنية، مركز الدراسات والبحوث اليمني، العدد (20)، صنعاء.

5.       (علي) جواد، (1960م)، تاريخ العرب قبل الإسلام. مطبوعات المجمع العلمي العراقي، الجزء الثامن.

6.       (العثماني) أسعيدة، (2018م)، الحوار من أجل المشترك الإنساني- الغايات والتحديات، في (حوار الثقافات وأسئلة الهُوية- أعمال الندوة التأسيسية). مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم. مكناس.

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

أ.د.محمد أحمد علي المخلافي

باحث أول-أستاذ في مركز الدراسات والبحوث اليمني

محام

 


[1]- (العثماني) أسعيدة، (2018م)، الحوار من أجل المشترك الإنساني- الغايات والتحديات، في (حوار الثقافات وأسئلة الهُوية- أعمال الندوة التأسيسية). مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم. مكناس، صـــ66-67.

[2]- إعلان مكناس بتاريخ 27 يناير 2018م، ندوة حوار الثقافات وأسئلة الهُوية المنعقدة في مدينة مكناس في الفترة 26-27يناير 2017م. مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم.

[3]- أنظر: (أبو زيد) أحمد، (2012م)، هوية الثقافة العربية. القاهرة، صـــ83 وما بعدها.

[4]- (أبو زيد) أحمد، المرجع السابق، صـــ83.

[5]- هذا التعريف شائع في أعمال الباحثين العرب، وهو تعريف سيرادوارد بيرنت تايلور. أنظر: (أبو زيد) أحمد، مرجع سابق، صــ15. و(الوافدي) نجاة، (2018م)، حوار الثقافات مدخل لتعزيز التعاون بين الشعوب: عناصر للتفكير والتأمل. في (حوار الثقافات وأسئلة الهوية). مركز الذاكرة المشتركة من أجل السلم والديمقراطية، مكناس، صـــ125.

[6]- نشرت نصوص قانون قتبان التجاري في كتاب (علي) جواد، (1960م)، تاريخ العرب قبل الإسلام. مطبوعات المجمع العلمي العراقي، الجزء الثامن.

[7]- (المخلافي) محمد أحمد علي، (1985م)، من تاريخ التشريع في اليمن. مجلة دراسات يمنية، مركز الدراسات والبحوث اليمني، العدد (20)، صنعاء، صـــ223 وما بعدها. نشرت نصوص من قوانين الحميرين في كتاب (بيجوليفسكايا) ن.ف، (1951م)، بيزنطا في طريقها إلى الهند، من تاريخ تجارة بيزنطا مع الشرق خلال القرن 4-6م. منشور باللغة الروسية.

[8]- المصدر السابق، صــ243 وما بعدها.

[9]- (أبو زيد) أحمد، المرجع السابق، صـــ209.

[10]- تنص المادة (55) من مسوَّدة جمهورية اليمن الاتحادية على أن: "تعمل الدولة على تعزيز الهُوية الوطنية الجامعة، وأسس التكافل الاجتماعي والعدالة والحرية والمساواة، والتنوع الثقافي والفكري، وترسيخ القيم الإسلامية والإنسانية النبيلة".

[11]- تنص المادة (56) من مسوَّدة جمهورية اليمن الاتحادية على أن: "تعمل الدولة على ترسيخ قيم الإخاء والتسامح والتعايش، ونبذ ثقافة الكراهية وتمجيد الحروب والتحريض المذهبي والطائفي والمناطقي، ويجرم تكفير المسلمين أفراداً كانوا أو جماعات، كما يجرم ازدراء وسب الدين الإسلامي وكافة الأديان السماوية والإساءة للأنبياء والرسل".

[12]- تنص المادة 3 من المسوَّدة على أن : "تولي الدولة الاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية".

 

 

المسار:

   مما تقدم يتبين أن مهمة الدولة المدنية- هي إيجاد قطيعة مع دولة الغنيمة أو دولة ما قبل القانون بكفال تحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرياته الأساسية والتنمية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون ولامركزية الحكم.

   قيم الدولة المدنية الرئيسية-هي ثلاث قيم دستورية كبرى: الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الإجتماعية وهي تمثل قيم كبرى في إطارها أو بجوارها مقومات الدولة المدنية منها: المواطنة، والإرادة الشعبية، وسيادة القانون، ولامركزية الحكم.

بإعمال اّليات الديمقراطية تتحقق مقومات الدولة المدنية، ومن خلال هذه الألية تمارس حقوق المواطنة التي تعني أن جوهر الدولة المدنية يكمن في تحقيق المواطنة الكاملة، من حيث صلة المواطن بالدولة، بدون وسيط، وعدم التمييز بين المواطنين رجال ونساء، وتطبيق القانون على الجميع حكام ومحكومين، أي أن الدولة المدنية-هي دولة الحق والقانون، و الديمقراطية تعني أيضاً أن جوهر الدولة المدنية يكمن في قيام الحكم فيها على اختيار الناس لحكامهم عن طريق الانتخابات التعددية الحرة والنزيهة، وما يتوافقون عليه من دستور وقوانين وإدارة ومؤسسات وما يقرونه من ضمانات وآليات لاحترام المشترك بينهم، وهذا التوافق على الدستور والقوانين والمؤسسات، يمثل بمجمله عقد اجتماعي يحدد بنية الدولة المدنية، باعتبارها مؤسسة المجتمع بكل أفراده رجال ونساء، كما تعني الفصل بين السلطات، ومتطلبات الدولة المدنية تقتضي بالضرورة الفصل بين السلطات والشراكة بالتداول السلمي للسلطة ولامركزية الحكم بما يحقق توزيع عادل للسلطة والثروة وبالتالي تتحقق العدالة الإجتماعية وفي ظل الديمقراطية تتوفر إمكانية المساءلة والمحاسبة ومن ثم ضمانات حماية حقوق الإنسان والتي تعني أن الدولة المدنية تعمل بشراكة المجتمع المدني، على كفال حقوق الإنسان الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، المدنية، والسياسية، على حد سواء، وتمكن المواطن والإنسان من ممارستها والتمتع بها، ويشمل ذلك حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، والتعددية، والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

إذن لايكفي لقيام الدولة المدنية أن لاتكون عسكرية أو قبلية أو دينية، وإنما يجب أن يرافق قيامها إعمال القيم الدستورية الكبرى وأن تقوم على المقومات التي يتحقق بها الخلاص من الدولة التسلطية وقيام دولة الشراكة.

   القيم الثلاث الكبرى وما يرافقها من مقومات للدولة المدنية، تحل حتماً محل الدولة الدينية والتسلطية العسكرية والقبلية، والانتقال من الفكرة إلى المسار يبدأ بتجسيدها في أحكام الدستور بحيث تمثل قيمه الكبرى.

   إذن الخطوة الأولى في إقامة الدولة المدنية تتمثل في التأسيس الدستوري للدولة المدنية وفقاً لمضامين عقد اجتماعي جديد.

   لقد تبلور العقد الاجتماعي الجديد من خلال الأحزاب والحركات الاجتماعية والسياسية، ثم جرى الإفصاح عن مضامينه، وخاصة ما يتعلق بإقامة الدولة المدنية، في ميادين وساحات الاعتصامات في تونس ومصر واليمن، على وجه الخصوص، وانتقلت إلى حوارات سياسية بين الأحزاب والنخب السياسية التي عملت على تحويلها إلى نصوص دستورية.

    جسد دستور تونس الصادر عام 2014 فكرة الدولة المدنية ومقوماتها بصورة صريحة وضمنية، حيث نص الفصل الثاني على أن تونس: ((دولة مدنية، تقوم على المواطنة وإرادة الشعب، وعلوية القانون. لا يجوز تعديل هذا الفصل)).  

    وبقراءة هذا الفصل مع ديباجة الدستور، نجد أن قيم ومقومات الدولة المدنية تتمثل في المواطنة والديمقراطية وحقوق الأنسان وإرادة الشعب وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية والتعددية السياسية والحزبية.

   تجنب الدستور المصري الصادر عام 2014 النص صراحة على أن الدولة المصرية دولة مدنية، ونصت الديباجة على مدنية الحكومة وليس الدولة: ((...بناء دولة ديمقراطية حديثة، حكومتها مدنية))، على الرغم من أن الدستور في أحكامه قد تضمن مقومات الدولة المدنية المختلفة: الديمقراطية والمواطنة وسيادة القانون والتعددية السياسية والحزبية والفصل بين السلطات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

   وعلى الرغم من أن دستور المملكة المغربية الصادر عام 2011 قد تم إعداده وإصداره في خضم الربيع العربي، إلاَّ أنه لم يستخدم مصطلح الدولة المدنية، لكن مضامينه تشتمل على مقومات الدولة المدنية الحديثة.

   لقد أتت مسوَّدة الدستور اليمني متماثلة مع الدستور التونسي في النص الصريح على الدولة المدنية وزادت عليه بالنص على اللامركزية السياسية والإدارية والمالية (الفيدرالية). كما أن مسوَّدة الدستور نصت على مقومات الدولة المدنية الكبرى مباشرة في المادة الأولى إلى جانب مقومات أخرى نصت عليها أحكام مسوَّدة الدستور المتفرقة كالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والحزبية.

وفقاً للمادة (1) من مسوَّدة جمهورية اليمن الاتحادية[1]، اليمن دولة اتحادية مدنية ديمقراطية، قوامها: الإرادة الشعبية والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، وهذا النص يحتاج إلى استكمال بإضافة حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، بغض النظر أن الدستور قد خصص باباً خاصاً لحقوق الإنسان وأورد العدالة الاجتماعية في مختلف النصوص.

    عبر عن الإرادة الشعبية في المادة (5) بأن: ((الشعب مالك السلطة ومصدرها)) وأن الشعب حر في تقرير مكانته ومصيره السياسي من خلال مؤسسات الحكم في إطار الدولة الاتحادية وفقاً لأحكام الدستور والمواثيق الدولية التي يتم المصادقة عليها من قبل الدولة اليمنية.

   أما المواطنة المتساوية فقد اعتبرت المادة (7) أن الجنسية اليمنية هي أساس المواطنة وهي التي تحقق التمتع بكل حقوق المواطنة المتساوية.

   أما مقوم سيادة القانون كمبدأ أساسي من مبادئ الدستور، فهو يتشابك مع المبادئ الأخرى، خاصة مبدأ المساواة وعدم التمييز الذي تضمنته مسوَّدة الدستور في باب الحقوق والحريات.

   يقوم مقوم الديمقراطية على مبادئ: الفصل بين السلطات، التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة المنصوص عليها في المادتين (8 و13) من المسوَّدة.

من نصوص مسوَّدة الدستور المختلفة يتأكد أن اليمن دولة اتحادية عمادها الدولة المدنية، وقيمها الكبرى: الديمقراطية والعدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان، وقوامها المواطنة المتساوية، والإرادة الشعبية، وسيادة القانون، واللاَّمركزية السياسية والمالية واللإدارية.

خلاصة:

   مشروع الدولة المدنية مطروح منذ أن تحررت البلدان العربية من الاستعمار أو الأنظمة الكهنوتية، ومنها بلدان الربيع العربي. غير أن التعبير عن هذا المشروع سياسياً كان يتم من خلال المطالبة بالدولة الحديثة الديمقراطية، والمواطنة، ولامركزية الحكم، وسيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية. وطُرح هذا المشروع سياسياً، وبصورة واضحة، من خلال ثورات الربيع العربي كفكرة أخذت مسارها إلى توافقات وطنية تمثل عقداً اجتماعياً بين أطراف قوى المجتمع المدني وهو ما تجسد في دساتير بعض البلدان العربية كالدستور التونسي ومسوَّدة دستور اليمن الجديد، وبالمقابل تناهض هذا المشروع قوى سياسية دينية وأخرى عسكرية وقبلية.  

   الدولة المدنية ينهض بها المجتمع المدني المتمثل في مؤسساته الحديثة: الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات غير الحكومية وكذا الإعلام الحر والمفكرين والكفاءات العلمية والسياسية والإدارية، وعلى عاتق المجتمع المدني ومؤسساته تقع مهمة إشاعة وتوطين مفهوم الدولة المدنية ومقوماتها وقيمها: التسامح والشراكة والتوافق.

   يعد مشروع الدولة المدنية الأداة العملية لإنقاذ بلدان العالم العربي، ومنها اليمن، من التخلف وإيقاف الحروب والفوضى ومنع تفكيك وتمزيق الكيان الوطني على أسس مذهبية أو سلالية أو مناطقية أو قبلية، حيث تمثل الدولة المدنية الوعاء المؤسسي لاستيعاب التناقضات الحادة في المجتمعات العربية كالمجتمع اليمني: الجهوية والسياسية والاجتماعية، بإنهاء مسلسل دورات العنف على السلطة وحالة احتكار السلطة وبالتبعية الثروة الوطنية ونزعات امتلاك السلطة المعبر عنها بسعي الحاكم لتأبيد سلطته وتوريثها، وهو الأمر الذي أوصل الدولة في اليمن إلى مرحلة الفشل واستدعى الثورة الشعبية، وبالدولة المدنية بمقوماتها سوف توفر الحلول للانقسامات وستنهي مبررات دعوات الانفصال أو البحث عن صيغ الاستقلال التام عن الدولة اليمنية.

   إن الخطوة الأولى في إقامة الدولة المدنية تتمثل بالتأسيس الدستوري للدولة المدنية وفقاً لمضامين العقد الاجتماعي الجديد الذي تم التوافق عليه في مؤتمر الحوار الوطني الشامل ، واتفاق السلام النتظر من اليمنيين عدا تجار الحرب والساعون الى إحتكار السلطة والثروة بدعاوى شرعية الهية أو تاريخية أو جغرافية. لكن دور مؤسسات المجتمع المدني يجب أن يمتد إلى أبعد من ذلك بالعمل على تأسيس سياسي وثقافي يتغلغل في بنية المجتمع والأحزاب وقواعدها والانتقال إلى جعل مقومات الدولة المدنية ثقافة ليست حزبية فقط، بل وشعبية واسعة الانتشار، والمساهمة مع القائمين على الدولة المدنية في تأهيل المواطن للمشاركة في صنع القرار وفي الاستفادة من الحقوق والحريات، بما في ذلك، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن خيرات الثروات الوطنية وفقاً لمبدأ تكافؤ الفرص، وتوفير شروط المشاركة الإرادية والطوعية، ومناهضة ثقافة دولة ما قبل القانون التي تتمرس خلفها قوى الثورة المضادة والمتمثلة في التيار الديني الداعي إلى دولة الخلافة أو دولة الولي الفقيه، والقوى العسكرية والقبلية، بإقامة ائتلاف مجتمع مدني واسع تتقدمه الأحزاب السياسية المدنية العابرة للطائفية والمناطقية ليمثل كتلة تاريخية للتغيير وإقامة الدولة المدنية.

ــــــــــــــــــــــــــــ

أ.د.محمد أحمد علي المخلافي

باحث أول-أستاذ في مركز الدراسات والبحوث اليمني

محام

 


[1]- تنص المادة (1) من مسوَّدة الدستور على أن: ((جمهورية اليمن الاتحادية دولة اتحادية، مدنية، ديمقراطية، عربية إسلامية، مستقلة ذات سيادة، تقوم على الإرادة الشعبية والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وهي وحدة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، واليمن جزء من الأمتين العربية والاسلامية)).


لقد سبقت الثورة اليمنية مقدمات جعلت حدوثها متوقعاً ولمسارها معالماً واضحة وفي المقدمة  أسس الدولة المدنية، ومن ذلك:

1-      وجود ائتلاف سياسي- اجتماعي واسع إلى حد ما، والمتمثل في ائتلاف المعارضة- اللقاء المشترك وشركائه في إطار اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، سعى إلى الإصلاح الديمقراطي عبر وفاق وطني شامل، بما في ذلك السلطة، لكن انسحاب السلطة ممثلة في الرئيس علي عبدالله صالح من الحوار في 31أكتوبر2010م، نقل المعارضة إلى حالة جديدة مثلت مقدمة أساسية للثورة، إذ أعلن الائتلاف تغيير النظام وعبر النضال الشعبي المباشر بالدعوة للهبة الشعبية وتنظيم التجمعات السلمية[1] وكان أكبر هذه التجمعات السلمية قد تم في عواصم المحافظات وقدر عدد المشاركين فيها بأكثر من خمسة ملايين مشارك وذلك بتاريخ 3فبراير2011م.

    ثمة من يؤرخ لانطلاق الثورة بهذا التاريخ وليس تاريخ 11فبراير2011م يوم بدء الاحتجاجات المستمرة في ميادين التغيير والحرية، وهناك من يعتبر أن تاريخ انطلاق الثورة كان في 18يناير2011م بإعلان (بيان صادر عن الثورة الطلابية بجامعة صنعاء)[2]، ولكن الرأي الغالب يحدد تاريخ الثورة بيوم 11 فبراير 2011.

2-      رفعت المعارضة شعار تغيير النظام بوفاق وطني وتضمن مشروع رؤية للإنقاذ الوطني مقومات الدولة المدنية، وهو شعار يختلف عن شعار ساحات الحرية والتغيير من حيث اللفظ، إذ كان شعار هذه الساحات والميادين هو- إسقاط النظام وإقامة الدولة المدنية، ومن ثم، فإن الهدف العام للثورة: التغيير وإقامة الدولة المدنية يستند إلى تصور قائم خاضع للتطوير عبر الحوار والوفاق الوطني[3]، وهو ما تم بلورته بصورة واضحة في مخرجات أو مقررات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، المنعقد في الفترة من 18مارس2013 إلى 25يناير2014.

   أوردت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل النص على الدولة المدنية ومقوماتها وجرى تجسيدها في مسوَّدة الدستور، وكانت الخطوات التالية لإقامة الدولة المدنية قد حددت في ضمانات تنفيذ مخرجات المؤتمر ثم في مسوَّدة الدستور، وتتمثل في مراجعة ومناقشة مسوَّدة الدستور من قبل الهيئة الوطنية للمتابعة والاشراف على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي شكلت بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم (31) لسنة 2014 بشأن إنشاء وتشكيل الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل، وبعد إقرار هذه الهيئة التوافقية للمسوَّدة، تطرح للتداول والنقاش العام ثم الاستفتاء على مشروع الدستور الذي بموجبه تجري الانتخابات العامة لهيئات الدولة الاتحادية المدنية،لكن الثورة المضادة أوقفت عملية الانتقال الديمقراطي بالتمرد المسلح واشعال حرب أهلية وإقليمية ينتظر اليمنيون نهاية لها، بإنهاء الانقلاب، وتحقيق سلام مستدام، والعودة إلى العملية السياسية، واستئناف خطوات الانتقال الديمقراطي لبناء الدولة الاتحادية المدنية.

   يواجه مشروع الدولة المدنية نسقين من الثورة المضادة، تمثل النسق الأول بالنظام القديم والحركة الحوثية (أنصار الله) المدعومة من إيران، ويتمثل النسق الثاني بالتنظيم السروري، وهو تنظيم سري يتشكل من قيادات في حزب التجمع اليمني للإصلاح والجماعات والتنظيمات السلفية وتزعمت ولازالت قيادة التنظيم مجموعة جامعة الإيمان بزعامة عبدالمجيد الزنداني، الذي يسعى للإنقلاب على حزبه منذ قيام اللقاء المشترك، وينشط هذا التنظيم السري منذ التسعينات بصورة سرية ومستقلة عن الحزب والجماعات، وهو تنظيم إرهابي زادت قوته وشوكته في ظل الحرب الجارية في اليمن، والتي تخوضها جماعة أنصار الله الحوثية بشعارات وممارسات أيديولوجية شيعية وسلالية، الأمر الذي أوجد بيئة حاضنة للتنظيمات الجهادية السنية علاوة على الدعم الذي تتلاقاه  بعض قياداته من دول إقليمية.

   غير أن تحقيق السلام سوف يعيد قوة المجتمع المدني وفاعليته اللتان بفعلها جرى التوافق الوطني في مؤتمر الحوار الوطني الشامل على إقامة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.

مرتكزات الفكرة:

   خضعت بلدان الربيع العربي لدولة ما قبل القانون كاليمن وليبيا أو لدولة تسلطية في تونس ومصر وسوريا، وهي التي عطلت مبادئ الكرامة والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، ولأن هذه الدولة قد عرفت فساداً غير مسبوق في التاريخ وفشلاً لم يشهده نمط دولة ما قبل دولة القانون أو الدولة التسلطية، ثمة محاولات لتوصيفها بمصطلح جديد- هو دولة الغنيمة أو الدولة الغنائمية وتعرفها بأنها: ((هي الدولة التي كانت محصلة توالي فشل السياسات التنموية والسياسية، الدولة الاستبدادية التي وفرت الفرصة لطغمة قليلة من السيطرة على أجهزة الدولة، واحتكار الثروات الوطنية والشأن العام، متجاوزة بذلك حدود الفساد وآلياته التقليدية، ومؤسسة لنمط مختلف من أنظمة الحكم أكثر عنفاً وتعنفاً وتعقيداً))[4].

   لتحقيق مبادئ الثورة التي رفعتها الثورات العربية: مبادئ الكرامة والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، فإن الثورات العربية كان لأبد لها أن تمضي إلى (تفكيك الدولة الغنائمية وإسقاطها نهائياً واستبدالها بتأسيس دول (دولة) مدنية ديمقراطية قائمة على احترام الحريات وعلو القانون وحقوق الإنسان)[5]. وبإقامة الدولة المدنية سيتحقق (القطع مع منطق وآليات الدولة الغنائمية المستبدة)[6]، ونجاح الثورة المضادة في إيقاف مسار الدولة المدنية الى حين لا يجب أن يوقف النضال من أجل إستعادة المسار.

ودولة ما قبل القانون أو دولة الغنيمة في اليمن، هي- النموذج الأسوأ في المنطقة العربية ومن سماتها الأساسية[7]ما يلي:

أولاً: طبيعة الدولة:

1-      دولة معطلة السيادة ويتبين ذلك من خلال أمرين:

الأول-تعطيل مبدأ المواطنة، من حيث قطع الصلة بين المواطن والدولة وإقامتها عبر سلطة موازية: مراكز القوى المالية أو العسكرية أو القبلية أو الدينية، ومنذ إنقلاب الثورة المضادة تعطلت سيادة الدولة بصورة مباشرة، والنضال من أجل إستعادة مسار الدولة المدنية، يتطلب إستعادة سيادة الدولة وقانونها.

الثاني-تعطيل إنفاذ القانون، بدون وسيط، من خلال مؤسسات الدولة: القضاء والإدارة والخدمات، إذ لم تحتكر الدولة استخدام القوة طبقاً للشرعية القانونية، وإضعاف قدرة الدولة على إنفاذ حكم القانون بالتطبيق الانتقائي، دون إخضاع أصحاب السلطة والنفوذ لحكم القانون، أو إحلال سلطة مراكز النفوذ محل سلطة الدولة والعرف القبلي محل القانون، وإن تباينت السلطات البديلة من بلد إلى آخر إلاَّ أنها حققت نفس النتيجة، هي تسيَّد دولة الغنيمة، وإستعادة مسار الدولة المدنية يجب أن تسبقها إستعادة السيادة الوطنية وحكم القانون.

2-      تم تسخير الدولة لخدمة الحاكم وعائلته والمصالح الخاصة للأعوان والأتباع بدلاً من خدمة الصالح العام، أي إنزياح الدولة من العام إلى الخاص، واستخدام إمكانيات الدولة لتقوية سلطة الرئيس وعائلته ومراكز النفوذ لتعزيز الزبائنية التي تقوم عليها السلطة، وبالتالي، شيوع الفساد السياسي البنيوي، وهذه دوافع كانت كافية لأصحابها لشن ثورة مضادة أدخلت اليمن في حرب مأساوية وهي حرب أوقفت عملية الإنتقال الديمقراطي ومسار إقامة الدولة المدنية، وأول مهمة لمرحلة مابعد النزاع وتحقيق السلام، هي استئناف العملية السياسية وإنجاز ما تبق من الفترة الإنتقالية وبناء الدولة الإتحادية المدنية الديمقراطية. 

3-      العجز عن الشراكة الدولية وعدم القدرة على إدارة مواردها بناءً على خياراتها الذاتية والمستقلة، وبالتالي، القبول في العلاقات الدولية بدور التابع والمتلقي، بما في ذلك، الرائدة في المنطقة أو يفترض أن تكون كذلك، كمصر وسوريا وليس اليمن فقط، وبإقامة الدولة المدنية سوف تستعيد اليمن فاعليته ودوره في الإقليم والعالم.

ومن هذا المدرك كان من الطبيعي أن تطرح الثورات العربية مشروع الدولة المدنية كبديل عن دولة الغنيمة.

تكمن طبيعة الدولة المدنية في أنها:

1-      حديثة تقوم على أساس دستوري- مؤسسي يتوافق عليه الناس، وبالتالي، هي دولة غير عسكرية وغير دينية (كهنوتية) وهو ما اعتبرته (وثيقة الأزهر بشأن مستقبل مصر) أنه يتفق مع الإسلام الصحيح[8].

2-      عماد الدولة المدنية الديمقراطية والعدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان[9]، وهي ثلاث قيم كبرى للدساتير التي صدرت بعد ثورة الربيع العربي كالدستور المغربي والتونسي والمصري ومسودة الدستور اليمني.

3-      معنية بإدارة الشأن العام وتحقيق المصالح العامة للمجتمع[10].

4-      تقوم الدولة المدنية على التوافق والشراكة[11]. أي لامركزية الحكم والشراكة في السلطة والثروة.

ثانياً: وظائف الدولة:

   لقد ترتب على طبيعة دولة الغنيمة تعطيل وظائف الدولة المتمثلة في حفظ الأمن وتقديم الخدمات وتحقيق التنمية، وبالتالي، صارت لدولة الغنيمة وظيفتين رئيستين هما:

1-      تعطيل آلية الدولة كأداة عامة مستقلة.

2-      تعطيل وظيفة الدولة في إنتاج الخيرات المادية وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصار على الوظيفة الريعية للدولة واحتكار الرئيس وعائلته للعائد الريعي وإخراج جزء من هذه الثروة لتعزيز الزبائنية والولاء الشخصي للرئيس ثم أفراد عائلته، الأمر الذي ترتب عليه عدم الاستقرار الاقتصادي وتوقف التنمية، وبالتالي، عدم الاستقرار السياسي، هذه العوامل مجتمعة أفضت إلى ثورة الربيع العربي، وكانت من دوافع الثورة المضادة التي نشهدها اليوم في اليمن وغيرها من البلدان.

إذن البديل النقيض لدولة الغنيمة من حيث وظائفها هي الدولة المدنية،

إذ تتمثل وظائف الدولة المدنية في:

1-      إدارة شئون المجتمع وحفظ أمنه وتقديم الخدمات له وتمكينه من ممارسة حقوقه، كأداة عامة مملوكة لكل المجتمع ومستقلة عنه.

2-      تحقيق التنمية الشاملة والعادلة، بما يحقق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والنهوض بالمجتمع[12].

ثالثاً: شرعية الدولة:

    لا تقوم شرعية دولة الغنيمة على القبول والرضا واختيار الحاكم بالطرق الديمقراطية، علاوة على غياب شرعيتها الاقتصادية، ومن ثم فأن شرعيتها الوحيدة- هي شرعية الغلبة. من هنا، فإن البديل النقيض، هي الدولة المدنية، إذ تنتج شرعية الدولة المدنية وتجديدها عن إعمال آليات الديمقراطية كمنظومة متكاملة[13]، وتوفير ضمانات إعمال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، والعدالة الإجتماعية كقيم كبرى ترافق قيام الدولة المدنية التي تقوم على المواطنة وإرادة الشعب، والإستقلال والسيادة وحكم القانون.

 

....................... يتبع

ــــــــــــــــــــــ

أ.د.محمد أحمد علي المخلافي

باحث أول-أستاذ في مركز الدراسات والبحوث اليمني

محام

 


[1]- راجع. محمد أحمد علي: المصدر السابق، صـــ63-80.

[2]- ورد في البيان: ((استلهاماً من روح شعب تونس العظيم والتي أشعلها في جسده الطاهر الثائر الشهيد محمد البوعزيزي، فإن الشعب اليمني العظيم قد قرر  اليوم أن يسير على الدرب، ويشعل ثورة شعبية سلمية في وجه الديكتاتور علي عبدالله صالح ولن تنتهي إلا برحيله وأعوانه، وترك السلطة للشعب اليمني حفاظاً على مبادئ الثورة والجمهورية والوحدة،....)).

[3]- راجع. محمد أحمد علي: المصدر السابق، صـــ80-90.

[4]- إعلان تونس الصادر عن الندوة المنعقدة بتاريخ 1-2 مارس 2011م بعنوان: ((حقوق الإنسان في مسار التحولات الديمقراطية والتنمية العادلة. دروس الثورة الشعبية التونسية ومسئولة المجتمع المدني)). ولعل أول من استخدم مصطلح الدولة الغنائمية هو- الصديق أديب نعمة في بعض محاضراته وفي هذه الندوة، وقبله أستخدم البعض مصطلح دولة الغنيمة، وفي هذا السياق سيتم استخدام مصطلح دولة الغنيمة كرديف لمصطلح دولة ما قبل القانون.

[5]- المصدر السابق.

[6]- نفس المصدر.

[7]- راجع بالتفصيل.محمد أحمد علي: قضية دولة القانون في الأزمة اليمنية. الجزء الأول، بيروت، دار الكنوز الأدبية، 1999م، نفس المؤلف: العلاقة بين القبيلة والقانون. مجلة دراسات يمنية، أبريل- يونيو2010م العدد (97).

[8]- صدرت وثيقة الأزهر بشأن مستقبل مصر في تاريخ 20يونيو2011م وحسب الوثيقة بأنه: ((بمبادرة كريمة من شيخ الأزهر اجتمعت كوكبة من المثقفين المصريين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والدينية مع عدد من كبار العلماء والمفكرين في الأزهر الشريف....وقد توافق المجتمعون على ضرورة تأسيس مسيرة الوطن على مبادئ وقواعد شاملة تناقشها قوى المجتمع....)) ورد في البند أولاً من الوثيقة: ((أولاً: دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته= =ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس، وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ، بل ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم، شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية)).

[9]- ورد في البند ثالثاً من الوثيقة: ((ثالثاً: الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، واعتبار المواطنة وعد التمييز على أساس من الدين أو النوع أو الجنس أو غير ذلك، مناط التكليف والمسئولية وتأكيد مبدأ التعددية واحترام جميع العقائد الدينية السماوية الثلاث)). وورد في البند خامساً من الوثيقة: ((خامساً: تأكيد الالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية، والتمسك بالمنجزات الحضارية في العلاقات الإنسانية، المتوافقة مع التقاليد السمحة للثقافة الإسلامية والعربية، والمتسقة مع الخبرة الحضارية الطويلة للشعب المصري في عصوره المختلفة، وما قدمه من نماذج فائقة في التعايش السلمي ونشدان الخير للإنسانية كلها)).

[10]- أنظر البند ثالثاً من وثيقة الأزهر.

[11]- ورد في البند رابعاً من الوثيقة: ((رابعاً: الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، بحيث يتم اجتناب التكفير ، وتأثيم استغلال الدين واستخدامه لبعث الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين، واعتبار الحث على التمييز الديني والنزعات الطائفية والعنصرية جريمة في حق الوطن، ووجوب اعتماد الحوار المتكافئ والاحترام المتبادل والتعويل عليهما في التعامل بين فئات الشعب المختلفة، دون أية تفرقة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين)).

[12]- ورد في البند ثامناً من الوثيقة: ((ثامناً: إعمال فقه الأولويات في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة الاستبداد ومكافحة الفساد والقضاء على البطالة ونهضة المجتمع في الجوانب الاقتصادية والبرامج الاجتماعية والثقافية والإعلامية بحيث تكون على رأس الأوليات التي يتبناها شعبنا في نهضته الراهنة مع اعتبار الرعاية الصحية واجب الدولة تجاه كل المواطنين جميعاً)).

 

[13]- ورد في البند ثانياً من الوثيقة: ((ثانياً: اعتماد النظام الديمقراطي، القائم على الانتخاب الحر المباشر، لأنه الصيغةَ العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، وتحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسئولين أمام ممثلي الشعب، وتوخي منافع الناس العامة ومصالحهم المرسلة في جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شئون الدولة بالقانون - والقانون وحده وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية التامة وحرية الحصول على المعلومات وتداولها)).                                                                                                                           

 

الدولة المدنية في بلدان الإنتقال:

اليمن نموذجاً*[1]

الفكرة والمسار

 

استهلال:

   قبل الربيع العربي لم يكن يستخدم مصطلح الدولة المدنية إلاَّ في الأدبيات الفكرية، ولم يُطرح كمشروع شعبي إلاَّ في الثورات الشعبية التي ابتدأت بتونس ثم مصر واليمن وسوريا وليبيا وغيرها من البلدان العربية.

   وبتتبع طبيعة الثورة المضادة للتغيير وقيام الدولة المدنية في بلدان الربيع العربي نجدها متماثلة القوى ومتبادلة الأدوار، وتنتمي إلى التيار السياسي الديني، ففي اليمن، نجد نسقها الأول يتمثل في الجماعة الدينية المتشيعة الحركة الحوثية "أنصار الله" ، أما نسقها الثاني فيتمثل في التنظيم السروري (جماعة سنية)، وينطبق هذا الحال على سوريا. أما في تونس وليبيا ومصر، فإن التنظيمات الإسلامية السنية هي من تمثل الثورة المضادة. ولأن الدولة المدنية تأتي على أنقاض الدولة الدينية أو التسلطية أو القبلية، فإن مناهضتها لا تقتصر على تيارات سياسية دينية، وإنما تشاركها الموقف قوى أخرى عسكرية وقبلية، وهذه القوى موحدة الموقف في مناهضة الدولة المدنية في اليمن وإن كانت متصارعة على من يتولى منها الحكم.   

وعلى الرغم من نجاح الثورة المضادة من اشعال الحروب في اليمن وليبيا وسوريا، إلاَّ أن الدولة المدنية صارت مشروعاً شعبياً كفكرة ومساراً عملياً سيتحقق حتماً بإرادة الشعوب، وإن أعيق تحقيقه بعض الوقت.

   لقد تبنت الأحزاب والنخب السياسية فكرة الدولة المدنية في مختلف بلدان الربيع العربي، لكن مسار بناء الدولة المدنية لم يجسد حتى الأن إلاَّ في الدستور التونسي وفي وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل ومسوَّدة الدستور في اليمن بصورة مباشرة وواضحة دون مواربة.

   تتناول هذه الورقة تبني مشروع الدولة المدنية كفكرة ومسار في بلدان الربيع العربي مركزة على نموذج اليمن.

    وحسبنا في هذا المقام أن نساهم في جعل الفكرة حاضرة والمسار هدفاً للمواطن العربي، ينبغي العمل على تحقيقه مهما كبر حجم المعوقات كالحرب في اليمن وسوريا وليبيا، والعمل على إقامة كتلة تاريخية للمجتمع المدني على الصعيد الوطني والعالم العربي، من خلال منظماته السياسية والمجتمعية، لمجابهة ثقافة دولة ما قبل القانون أو دولة الغنيمة وقواها المناهضة لقيام الدولة المدنية، سواء أكانت قوى دينية سنية أم شيعية أو قوى تسلطية عسكرية أو قبلية، أي مجابهة الثقافة الماضوية التسلطية سواء كانت باسم الدين أو الاصالة والتي تتخفى الثورة المضادة خلفها لخداع الشعوب. 

الفكرة:

   ثمة مشترك ومختلف بين بلدان الربيع العربي، فالمختلف يتعلق بالأسباب والمقدمات، أما المشترك فيتعلق ببعض الأسباب والوسائل، والمشترك الأكبر، هو هدف إقامة الدولة المدنية موضوع الدراسة.

من حيث الأسباب تتماثل بعض أسباب الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا في أهم سببين للثورة هما:

الأول-تسويد الفساد البنيوي، وصيرورته الدعامة الأولى لنظام الحكم، وتمكين قلة من محتكري السلطة، من احتكار الثروة والاستيلاء على المال العام والخاص باستغلال السلطة والنفوذ، الأمر الذي ترتب عليه ظهور شريحة متسلطة مستهترة بالمجتمع وبالقيم الإنسانية، استباحت كل مقدرات المجتمع، وجاهرت بإظهار الفساد ومظاهر البذخ بصورة فجة استفزت مشاعر كل مواطن. بمقابل فئة غنية مصدر ثروتها الفساد اتسعت مساحة الفقر والبطالة بين الأغلبية الساحقة من السكان لاسيما في اليمن ومصر وتونس، بل صار الإفقار منهجاً للسلطة في هذه البلدان.

الثاني-أن احتكار السلطة لم يتوقف على طبقة أو فئة أو قبيلة، بل ضاقت دائرته وأوقفت على الحكم الفردي العائلي، وبلغ تحدي إرادة الشعوب بتأبيد السلطة وتوريثها، وكان كل نفي من الرئيس في سوريا أو اليمن أو مصر أو تونس أو ليبيا لعدم التأبيد أو التوريث تقابله خطوات عملية لتأبيد السلطة للرئيس وتوريثها للأبناء والأقارب عبر تمكينهم من مصادر القوة: المال العام، التجارة، قيادة الأجهزة العسكرية والأمنية، التأثير السياسي، وتكليف الأتباع من السياسيين ومن المحسوبين على الفئة المتعلمة والمثقفة للترويج للتوريث والورثة، وتفردت خطوات التوريث في كل من اليمن ومصر وسوريا وليبيا، بتمكين أبناء الرئيس وأقاربه من السيطرة العائلية على قيادات أجهزة الأمن والتشكيلات العسكرية وشبه العسكرية، وفي سوريا تحقق التوريث بالفعل بنقل السلطة من الأب الى الإبن، وهو المثل الذي كانت تسير على ركبه السلطة في بقية البلدان.

   ومن حيث أساليب الاحتجاج الثوري، فقد لجأت الثورة اليمنية إلى نفس الأسلوب الذي أستخدم في تونس ثم مصر، والمتمثل في الاعتصام الدائم في الساحات العامة الذي بدأ في 11 فبراير 2011م وأضاف إليه اليمنيون العصيان المدني الذي نجح في العديد من المدن اليمنية، لاسيما في جنوب اليمن، لكن الثورة في سوريا وليبيا تميزتا بالانزلاق السريع إلى العنف بسبب السيطرة المطلقة للتيارات الدينية على مسار الثورة الشعبية.

   هذا الأسلوب في العمل الثوري جعل الثورة اليمنية تشترك مع الثورة في كل من تونس ومصر بالطريقة النضالية، المتمثلة في الثورة الشعبية السلمية، على الرغم من المحاولات الكثيرة من قبل السلطة العائلية في اليمن زج الثورة الشعبية في أعمال العنف، وذلك باستخدام العنف المفرط ضد المعتصمين سلمياً في الساحات العامة وضد المظاهرات والمسيرات، بما في ذلك ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

   يكون الأمر مدهشاً عندما يحدث أمراً غير متوقعاً، وكان مدهشاً في الثورات العربية، وعلى وجه الخصوص، في الثورة اليمنية، مشاركة المرأة وبفعالية ومشاركة أبناء القبائل في الاعتصامات والمسيرات والمظاهرات بدون سلاح وعدم اللجوء إلى السلاح حتى في حالة سقوط الضحايا من بينهم ووجود مواجهات مسلحة خارج الساحات. وهو أمر نجح في تأجيل الثورة المضادة شن الحرب الشاملة لمدة ثلاث سنوات، كان الوقت فيها متاحاً لمنع الثورة المضادة وتجنيب اليمن الحرب، لو أن القوى التي كان لها الفضل في فرض الاعتراف بضرورة التغيير عبر الانتقال الديمقراطي استمرت متضافرة الجهود مرصوصة الصفوف. لقد أدت مواقف الخذلان بين صفوف القوى الداعمة للثورة في اليمن ممثلة في اللقاء المشترك، إلى نصرة استراتيجية الثورة المضادة في إيقاف عملية التحول وتحقيق الانتقال الديمقراطي لإقامة الدولة المدنية الحديثة، ونجاح الثورة المضادة في إيقاف مسار العملية السياسية بالحرب الشاملة، بتحالف ثلاث قوى: القوى العسكرية، ببنيتها القبلية والمناطقية وعقيدتها غير الوطنية، والقوى القبلية والقوى الدينية التي تتمتع بسلطات ونفوذ لن يستمرا في ظل الدولة المدنية بقيمها ومقوماتها المعاصرة والتقدمية، وساعد على ذلك مكان العاصمة صنعاء في وسط غابة من المعسكرات الرسمية  والقبلية التي كانت تتلقى قياداتها الأموال من الحكام داخل البلاد وخارجها، وتجمعت هذه القوى في تحالف النظام القديم والبائد، أي نظام علي عبدالله صالح وورثة النظام الامامي- الحوثيون، وهذا هو النسق الأول للثورة المضادة، وثمة نسق ثان يتمثل في نفس القوى مع الاختلاف أن القوى الدينية هنا ليست متشيعة وإنما سنية تتمثل بالتنظيم السروري[2] الذي يتربص دوره في التصدي لمشروع الدولة المدنية الحديثة واعاقة تحقيقه. من هنا، فإن مرحلة ما بعد النزاع واستئناف الانتقال الديمقراطي تتطلب تحالف وطني واسع لتحقيق مشروع الدولة المدنية، ومواجهة خطر القوى الثلاث، وقد يتطلب الأمر اختيار عاصمة جديدة للبلاد تمنع سهولة الاستيلاء عليها كلما استدعت الحاجة للاستيلاء على السلطة بالقوة القبلية، والأخذ بالعبر التي مكنت الثورة المضادة من:

1-      نجاح عائلتي الرئيس السابق علي عبدالله صالح والحوثي في جر اليمن إلى حرب أهلية وإقليمية، وهو خطر لم يعد يهدد مشروع بناء الدولة المدنية فحسب، بل صار يهدد بقاء الكيان والتراب الوطني موحداً، أي خطر فقدان حقوق السيادة وسلامة الأراضي.

2-      زيادة نفوذ القوى القبلية والدينية والعسكرية في ظل الحرب، وتضخم مصالحها المادية والسياسية، مما يجعل هذه المصالح مرتبطة بالحرب ومتعارضة مع تحقيق السلام الدائم، ومن ثم، تصير الحرب منسية على الصعيد الدولي، وحرب الكل ضد الكل على الصعيد الوطني والإقليمي، وتبرز ملامحها اليوم بثلاثة حروب حرب السلطة الشرعية مع الانقلاب، حرب السلطة الشرعية مع التنظيمات الإرهابية، الحرب بالوكالة عن إيران أو السعودية أوالامارات أو تركيا وقطر.          

   بيد أن المشترك بين الثورة اليمنية والثورات في بلدان الربيع العربي الأخرى، لا تجعل أسباب وعوامل الثورة في اليمن متطابقة مع أسبابها وعواملها في تلك البلدان، إذ كان للثورة اليمنية أسباب وعوامل خاصة، أهمها، فقدان الدولة في اليمن ركنان أساسيان قامت عليهما دولة الوحدة؛ هي الديمقراطية والشراكة، أي المكونان الرئيسيان للدولة المدنية أو أبرز قيمها ومقوماتها.

   من المعلوم أن الوحدة اليمنية قد تحققت بالتوافق وسلمياً وأرتبط تحقيقها بشرط قيام دولة ديمقراطية حديثة، وهو الشرط الذي طرحه وتمسك به الحزب الاشتراكي اليمني، وتم إنجاز المرحلة الأولى على طريق التحول الديمقراطي، وأوشك اليمن على تحقيق المرحلة الثانية والأخيرة من مراحل التحول الديمقراطي، وهي مرحلة الانتقال الديمقراطي، غير أن هذا الأساس للوحدة اليمنية ودولتها تم هدمه بحرب 1994م وتمت العودة إلى النظام التسلطي وحكم الفرد وعائلته، وحينذاك لم يكن يستخدم مصطلح الدولة المدنية كما حدث بعد ثورة فبراير 2011، لكنه كان يتم استخدام مفردات تتعلق بقيم الدولة المدنية: الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الإجتاعية ومقومات الدولة المدنية: دولة القانون، الشراكة، المواطنة المتساوية، إرادة الشعب مالك السلطة ومصدرها وغيرها من المقومات.

   بتعطيل شرط الديمقراطية بالحرب أُقصى شريك الوحدة- الحزب الاشتراكي اليمني كأحد طرفي المعادلة السياسية- الاجتماعية، وبإقصاء الحزب الاشتراكي اليمني تم إقصاء جزء من الوطن- هو جنوب اليمن ثم إقصاء كافة الأحزاب والقوى السياسية، ومن ثم تم إعادة اليمن إلى أزمة الشراكة، وهي أزمة ترتب عليها أمران:

الأول-أزمة سياسية شاملة تمثلت في انقسام جهوي حاد عبر عن نفسه بالحراك الجنوبي والقضية الجنوبية وبالحركة الحوثية وحرب صعدة، وانسداد سياسي نتج عن أزمة الشراكة وعن فقدان الأمل بإمكانية التغيير عبر صناديق الاقتراع، وفقدان الأمل بإمكانية الإصلاح الديمقراطي في ظل فقدان الإرادة السياسية للمتمسكين بزمام السلطة- الرئيس وعائلته، وغياب الإدارة الفاعلة للدولة وفي ظل نظام عائلي تسلطي، بعد أن تكررت الانتخابات محددة النتائج سلفاً وخوض الحوار بين السلطة والمعارضة من أجل الإصلاح الديمقراطي لمدة 13 عاماً دون نتيجة حقيقية.

الثاني-وهو أمر ترتب على الأول، ويتمثل في الفشل في الشراكة الدولية على الصعيدين الديمقراطي والاقتصادي، وهذا الأمر قاد إلى توقف العملية التنموية، كما توقفت بسبب الأمر الأول العملية السياسية أو الإنتقال الديمقراطي[3].

   من حيث مقدمات الثورة، فالثورة الشعبية في كل من تونس ومصر وسوريا وليبيا، لم تسبقها مقدمات كافية (باستثناء حركة كفاية في مصر) تجعلها متوقعة، ولم تكن لا السلطة ولا المعارضة مستعدة لمواجهتها أو تحديد آفاقها، وكان عامل المفاجأة إيجابياً من حيث أنه أدى إلى انهيار سلطة الرئيس وعائلته في كل من تونس ومصر في وقت قصير وسلمياً، لكنه كان سلبياً من حيث أن الأحزاب السياسية لم تكن قد وضعت تصورات كافية للتغيير ولم يكن لديها أسس متفق عليها لبناء الدولة المدنية الحديثة، أما في سوريا وليبيا فقد أتت الثورة في ظل فراغ المجتمع من القوى السياسية المنظمة أو إفراغه من الأحزاب الفاعلة كالشيوعيين في سوريا.

 

................ يتبع

ـــــــــــــــ

أ.د.محمد أحمد علي المخلافي

باحث أول-أستاذ في مركز الدراسات والبحوث اليمني

محام

 


* قدمت هذه الورقة في مؤتمر (الدولة المدنية في المنطقة العربية) والذي نظمه المعهد العربي للديمقراطية، المنعقد في تونس من 15-17 ديسمبر 2018م.

[2]- سمي التنظيم السروري بهذا الاسم نسبة إلى الإخواني السوري محمد سرور.

[3]- راجع. محمد أحمد علي: التغيير..الإصلاح الديمقراطي في اليمن. صنعاء2011م، صـــ19-61.

الأحد, 23 أيلول/سبتمبر 2018 21:36

الاحتفاء بثورة 26 سبتمبر دفاع عن الكرامة

الاشتراكي نت/ كتبة الدكتور محمد احمد المخلافي  

    تطل علينا الذكرى السادسة والخمسين لثورة 26 سبتمبر المجيدة، الثورة التي دشنت تاريخا جديدا لليمن ولليمنيين، كان أهم منجز لها، هو الجمهورية النقيضة لنظام الكهنوت والاستبداد والتمييز والحط من كرامة المواطن، وعزز هذا التاريخ الجديد بثورة 14 أكتوبر ذات الأهداف الخالدة للتحرر من الخوف والفاقة والتمييز والتحرر من الاستعمار وحكم السلاطين والشيوخ الذي كان استمراره لا يعني غير استمرار التشرذم والتمزق والضعف.

     لقد اعتقد الغالبية العظمى منا كيمنيين قبل عام 2014 أن ثورة 26 سبتمبر قد جعلت من حكم الكهنوت الإمامي نظاما "بائدا في ذمة التاريخ وأن النظام الجمهوري صار في مأمن من الانقضاض عليه أو الإرتداد عنه، وأنه لم يعد هناك أحد يمكن ان يفكر بإستعادة حكم همجي يتكئ على دعامتين خارج التاريخ، هما وهم السلالة المختارة وخرافة حقها في الحكم (الولاية) دون غيرها.

    كنا نحن اليساريون بالذات نتصدى لكل من يحذر من مخاطر الحزب السلالي  السري للنظام البائد على مستقبل النظام الجمهوري، وكنا نعتبر ذلك دعوة للكراهية السلالية وقدمنا من اجل ذلك الحجج الكثيرة جوهرها بأن من يتهمون بتشكيل حزب سلالي سري هم ليسوا مع النظام الجمهوري فقط بل وصاروا يعملون من أجل التقدم والتحديث والعدالة الاجتماعية، ولم نجادل بهذا الامر فحسب بل خاصمنا بسببه شخصيات يسارية هامه وكنت أحد من خاصمهم وهنا أعتذر لهم عمّا بدر منا تجاههم واعتذر عن حسن النوايا الذي جعلنا نبدو اليوم غير بعيدي النظر وهو حسن نية أدى الى سوء التقدير منا ومن غيرنا وحجب عنا رؤية الخطر الذي كانت الثورة المضادة تعد له منذ زمن بعيد، وها نحن اليوم نحتفي  في الذكرى السادسة والخمسين للثورة المجيدة وأجزاء عزيزه من اليمن تقع تحت سيطرة جماعه سلالية تدعي الحق الإلهي  في الحكم (الولاية) دون غيرهم من اليمنيين ، وهو ادعاء ترتبت عليه ويلات وفظائع خلفتها حربهم العدوانية على اليمنيين جميعا" بإستثناء قلة قليلة من ضحايا الجهل الذين ليس لهم من سبيل الى العيش غير إستخدام أجسادهم في الدمار والقتل والترويع والاستيلاء على المساكن أو تفجيرها ، ولعل الاسوء في إدعاء الحق في الحكم بإصطفاء الهي اعتمادا" على الوهم والخرافة ، هو الجهر بدعوة عنصرية تنكر على اليمنيين حقهم في المواطنة المتساوية وعدم التمييز وأنهم مصدر السلطة التي تحكمهم.

    بكل أسف، فإن إعلان الحق الإلهي في الحكم (الولاية) من قبل الحركة الحوثية يجعل من غير الممكن تحقيق سلام لا غالب فيه ولا مغلوب ، لأن هذه الحركة بإعلان الحق في الولاية والجهر بالدعوة للكراهية السلالية والدينية (المذهبية) قد وضعت نفسها موضع يفقدها أهلية أن تكون طرفا في عملية السلام ووضعت نفسها كعدو للأغلبية العظمى من اليمنيين ، وهو أمر يعبر عن فقدان القائمين على هذه الحركة للإدراك والوعي ، ويجعل من غير الممكن تحقيق سلام دائم وشامل في ظل استمرار الإنقلاب وإدعاء الحق الحصري في الحكم لأن هذا السلوك ليس له من معنى غير عدم القبول بالعيش المشترك مع اليمنيين أو غالبيتهم العظمى وبالتالي عدم القبول بإقامة دولة المواطنة.

    بكل أسف فإن كل المؤشرات تظهر بأن جماعة الحوثي ترفض العيش المشترك مع بقية اليمنيين الذين يمثلون الغالبية العظمى في ظل دولة ديمقراطية حديثة وأهم تلك المؤشرات؛ قيام الجماعة بعد موافقتها على الذهاب الى جنيف للتشاور في سبتمبر الحالي بالامتناع عن المشاركة في المشاورات والذهاب الى حشد أنصارها في شوارع صنعاء وغيرها من محافظات الجمهورية التي لا تزال تسيطر عليها لترديد شعارات الكراهية السلالية والطائفية (المذهبية)، وإعلان الولاء لصاحب الولاية الإلهية عبدالملك الحوثي. في ظل هذا السلوك وشعار الموت وممارسة القتل والتدمير دون وازع هل يمكن لعاقل أن يصدق أن هذه الجماعة مؤهلة لأن تكون طرفا في عملية سلام وشريكة في السلطة وإعادة بناء اليمن دون أن تتخلى صراحة عن الدعوة للكراهية السلالية والطائفية (المذهبية).

      لهذه الأسباب فإن اليمنيين مدعوون جميعا الى الاحتفاء بثورة 26 سبتمبر المجيدة ثم ثورة 14 أكتوبر الخالدة للدفاع عن منجزاتهما وهو دفاع عن النظام الجمهوري وعن حق المواطنة والكرامة الفردية والجماعية للمواطن التي لا تهدر من قبل أي عدوان أكثر من عدوان التمييز ونكران الحق في المواطنة والمساواة.

   اليمنيون جميعهم معنيون بالاحتفاء بثورة سبتمبر وثورة أكتوبر وليس هناك من هو معني بإحداهما دون الأخرى، لان كلا منهما ثورة لكل اليمنيين والانقضاض على أحداهما يقوض الأخرى بفعل الترابط الجدلي بينهما نشأة ومسارا، علاوة على ان معركتنا ليست عسكرية فقط، بل معركة أخلاقية عظمى ضد من يسعى للمساس بكرامتنا وادعاء التفوق والتميز علينا.

    المعني بالاحتفاء بثورة 26 سبتمبر ليست مؤسسات الدولة والمجتمع فقط، بل معني بها كل مواطن وبطريقته وبأيسر السبل كرفع العلم الجمهوري بدلا من شعارات الموت، ورفع علم الجمهورية-هو دعوة للتعايش بين كل أبناء اليمن شرقه وغربه شماله وجنوبه وتعبيرا عن الدعوة الى أن اليمن يتسع لكل أبنائه، وأن المواطنة المتساوية هي الرابط بينهم وليس رابط السلالة أو المذهب أو المنطقة أو القبيلة وعليها ترتكز وحدتهم الوطنية والترابية.

الخميس, 31 أيار 2018 22:03

الهُوية وحفظ الذاكرة الوطنية


إهداء إلى شاعر الوطن والكرامة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح

لا يستطيع المثقف الفردي أو الجماعي أن يحمل السلاح لإيقاف الحرب التي يسعى فيها المحاربون بالأصالة أو بالوكالة إلى تفكيك الدولة والهُوية الوطنية اليمنية واغتصاب السلطة وتفتيتها إلى كنتونات مشرذمة ممزقة تسهل للطامع الأجنبي السيطرة على دويلات ضعيفة بدون هُوية ولا سيادة ولا كرامة ولا طموح. لكن المفكرين والكتاب والأدباء والفنانين: الرسامين والموسيقيين والمسرحيين والسينمائيين، يستطيعون مقاومة العدوان على الدولة والمجتمع، واحباط أهداف التفكيك الإيرانية والمشاريع الإقليمية الأخرى التي تلتقي معها أي كان مصدرها، تركيا أو دول مجاورة، والمحاربون بالوكالة عنهما بصورة مباشرة أو تأجيج الحرب بالتحريض الطائفي: السلالي والمذهبي، وذلك بإشاعة ثقافة التسامح والقبول بالاختلاف والتعدد والتنوع وبلورة رأي عام وتوجهات ثقافية وسياسية عابرة للمذاهب والمناطق والطوائف والسلالات وإبراز أهمية العيش المشترك وعوامل القوة والوحدة.

ثمة موقفان يبدوان متعارضان، لكنهما يصبان في مشروع واحد، مشروع تفكيك الدولة والهُوية اليمنية. الموقف الأول: يرفض الاختلاف والتنوع والتعددية داخل الهُوية الجامعة، واعتبار الهُوية، هي العنصر الديني وحده، وهي الوحدة التي لا تقبل التعدد أو الشراكة الوطنية، وترفض التعامل مع عناصر الهُوية الوطنية الأخرى، العنصر القومي العربي والتعدد الثقافي، وهذه هي الجماعات الدينية التي تعمل لصالح الهُويات الأجنبية خاصة الإيرانية والتركية والتي تسعى لإيجاد هُويات غريبة عن اليمن واليمنيين وايديولوجية ماضوية تحتمي به باستجلاب طقوس دينية غريبة عن اليمنيين، وتحديداً من إيران وجنوب العراق وجنوب لبنان، وهو ما تقوم به الجماعة الحوثية. وتلتقي معها في هذا العمل التفكيكي الدعوات المضادة باستعادة الاستعمار التركي-الخلافة الإسلامية، أي العودة إلى المستعمرين السابقين لليمن: إيران وتركيا. أو تفكيك اليمن إلى دويلات دينية مذهبية أو سلالية يسهل تحقيق طموح السيطرة لدول الاقليم الكبيرة والصغيرة منها.

وأصحاب هذا الموقف وذاك المختلف مظهراً والمتفق جوهراً لا يعترفان حتى ببعضهما كقوة دينية تنفي الآخر المختلف وفي إطار الدين الواحد. ناهيك عن الأديان الأخرى.

الموقف الثاني: هو موقف القوى الساعية إلى الخلاص من مخاطر سيطرة قوى دينية معينة تسعى لإقامة دولة التسلط الديني المذهبي أو السلالي. وبفعل الخوف الذي أوجدته القوى الأولى المتمثلة في الجماعة الحوثية وحلفاؤها من النظام القديم والتنظيمات الإرهابية السنية المتعددة كالقاعدة وأخواتها والقوى التي تتفق معها في السر أو العلن، يأتي الموقف الثاني تعبيراً عن هذا الخوف والإحباط والتفكك الذي أصاب المجتمع وفقدان أجزاء منه للشعور بالانتماء لليمن، الأمر الذي يساهم بدوره في التفكيك، بسبب البحث عن هُويات جديدة مصطنعة، لا تستطيع التعبير عن نفسها إلاَّ بالاحتماء بهُويات دول إقليمية يُعتقد خطأ أنها هُويات قوية تقدم لها الدعم بالمال والسلاح، وهو دعم يقدم لها أيضاً من خلال قوى دينية- عسكرية باتجاه التفكيك للهُوية اليمنية والوحدة الترابية. وهذا الموقف تمثله بعض القوى العسكرية المقاومة للانقلاب، والتي صارت تعمل بالوكالة عن القوى الداعمة للشرعية وتقر بولائها للدول الداعمة وليس لشرعية الدولة اليمنية، وهؤلاء وأولئك يتفاخرون بشجاعة اعلان التبعية لإيران وأذرعها العسكرية في عالمنا العربي أو الترويج للتفكيك والدعوة إليه علناً، علاوة على عدم التحرج من إعلان الولاء لدول أجنبية أخرى. وهذا الأمر أوجد حالة من خوف الكل من الكل وحرب الكل ضد الكل.

وهذا السلوك لا يمت بصلة للشجاعة، فالشجاعة هي مواجهة العدوان على شرعية الدولة اليمنية وتفكيكها لإعادة بناء المفكك والمشتت، والدفاع عن الهُوية الجامعة، كونها الأداة الجامعة للإنسان اليمني واستعادة كرامته، وهي أداة توحيد وتوفير شروط وعوامل المشترك العام بين اليمنيين. وهذه المهمة يستطيع المثقف الفردي والجماعي أن يسهم فيها وفي إعادة البناء المعنوي والروحي لليمنيين، وبث الشعور الإيجابي بالكرامة والهُوية. وهناك عدد قليل من المثقفين صار يقوم بهذا الدور، لكن المهمة عظيمة وضخمة تحتاج إلى مشروع مؤسسي للنهوض بها من خلال مؤسسات الدولة والمجتمع.

نحن بحاجة إلى بعث الروح في الهُوية والتجديد والتطوير لها، لكن ذلك لا يعني تفكيك الهُوية الوطنية، وإنما إعطائها مفهوماً حديثاً يجعلها قابلة لاستيعاب التنوع والتعدد والاختلاف في إطار وحدة الهُوية ووضع قطيعة مع الهُويات التمزيقية القبلية أو الجهوية أو الاصوليات الدينية الرافضة للتغيير والتقدم، وأن تكون الدولة راعية للجميع وأن يكون الوطن ملاذاً لكل أبنائه، الذين يستطيعون الافتخار بالولاء للدولة، وبالانتماء إلى الوطن اليمني، وليس للقبيلة أو المنطقة أو للأجنبي. مما يجعل ابن عدن قادراً على أن يتمسك بخصوصيته الثقافية أمام الصنعاني، ويفتخر بيمنيته أمام الإمارتي أو السعودي، وبعروبته أمام الأمريكي أو الألماني. ويكون بمقدور الصنعاني التمسك بخصوصياته الثقافية أمام العدني، ويفتخر بيمنيته أمام القطري، وبعروبته أمام الإيراني أو التركي. والمحيط الجامع للعدني والصنعاني والسقطري والصعدي تاريخياً وعادةً وتقاليداً وطقوساً وحتى الشكل الخارجي للبشر، هي اليمن. وهو المحيط الأقرب من أبوظبي أو الدوحة أو الرياض، ناهيك عن طهران أو إسطنبول. وما من شك أننا كيمنيين نستطيع أن نجد المشترك الأكبر وإمكانية الاعتماد المتبادل على بعضنا في محيطنا الأقرب جغرافياً وتاريخياً وثقافة، بما في ذلك، العادات والتقاليد ونمط العيش وطقوسه ومنظومة القيم الإنسانية والشكل الخارجي للإنسان.

لا تتطلب عملية التفكيك جهداً كبيراً ولا حكمة ولا شجاعة، وإنما تتطلب فقط التحلل من القيم الوطنية، وعدم الاكتراث بالأخلاق الموروثة أو المكتسبة التي تعلي من شأن الوطن والكرامة، وشيء من التشجيع والدعم الخارجي بالمال أو السلاح، والدعم الداخلي بالاستجابة إلى دعوة الانكماش والاحتماء بالمنطقة أو العشيرة أو القبيلة، وإثارة مشاعر الكراهية ضد الآخر. لكن استعادة الوحدة الوطنية ووحدة التراب الوطني تتطلب جهداً كبيراً وتنازلات وتضحيات وقوة معنوية كبيرة. 

لدى المثقف قوة هائلة إن هو استعملها، وهي الهُوية اليمنية، وكون الهُوية كما أكد مفكرون معتبرون تشكل التعبئة السياسية الكبرى، والموروث المشترك يشيد صرح العيش المشترك، وهما ما يستطيع احيائهما المثقف.

بيد أن الحشد لحماية الهُوية أو لاستحضار الموروث المشترك، كما أسلفنا، يحتاج إلى عمل مؤسسي منظم، ومؤسسات متخصصة توصل وقائع التاريخ المشترك والذي كتبه الأوائل والمحدثين، وأخرى تشيع المعرفة بالفولكلور والميراث الثقافي المشترك، والنصب التاريخية، وفي مقدمتها شبام حضرموت، وصهاريج عدن، ومدينة تعز القديمة، وشبام الغراس، وصنعاء القديمة. بالإضافة إلى المناظر الطبيعية الرمزية، بما في ذلك، أبرز النباتات الفريدة أو المميزة في اليمن كشجرة البن، ودم الاخوين وشجرة الغريب. وكذا نشر الابداع الفني والادبي الذي قد تم أو يجب أن يتم، كالشعر والقصة والرواية والموسيقى واللوحات الفنية التي تجسد الوحدة الوطنية وتعلي من شأن الوطن والكرامة، وغير ذلك من مجالات الابداع الفكري والادبي والفني.

إذن تقع على عاتق المثقف اليمني الفردي والجماعي في هذه الظروف الصعبة مهمة وطنية نبيلة لإقامة مشروع يحشد المفكرين والعلماء والأدباء والفنانين لنشر أو انتاج الابداعات لحماية هُويتنا الوطنية وتطويرها وإعادة تشييد صرح العيش المشترك، واستعادة الدولة الوطنية كاملة السيادة والموحدة الإرادة، والقادرة على حماية وحدة الأراضي والتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

تبدأ مهمة الأحزاب في الدفاع عن الهُوية الوطنية، في الدفاع عن الهُوية الوطنية للحزب نفسه، وحماية الوحدة التنظيمية والفكرية مع تطوير بنيته، حلما تتوفر الظروف الملائمة، لاستيعاب التعدد والاختلاف في إطاره وإطار المجتمع، ثم الانطلاق إلى استعادة التضامن فيما بين الأحزاب وإقامة تحالف عابر للطائفية المذهبية أو السلالية أو المناطقية أو القبلية.

غير أنه يمكن أن يطرح سؤال هنا، ما الذي يكون بمقدور المثقف الفردي والجماعي فعله تجاه الأسباب التي أدت إلى البحث عن زمرة داخلية، أو عشيرة، أو قبيلة، أو منطقة، أو عن سلالة، أو عن دولة أو دول خارجية للاحتماء بها بحثاً عن الأمان وهروباً من الخوف الذي أوجدته الحروب الأهلية بدءً من حرب 1994م وانتهاءً بالحرب الدائرة الأن منذ عام 2014؟ وهذا سؤال موضوعي وواقعي. صحيح أن إزالة الأسباب التي أدت إلى التمزق والتفكك تحتاج إلى دولة تمتلك القوة الكافية لحماية وحدة البلاد وسلامة أراضيها، غير أن الصحيح أيضاً أن المثقف يمتلك قوة ناعمة، لكنها قوة فاعلة ومؤثرة، هي قوة المعرفة التي تجعل منه نواة المجتمع الصلبة، وبقوة المعرفة وقوة وحدة الهُوية أو الهُوية الجامعة، يستطيع المثقف استعادة الروح الوطنية والشعور بالكرامة، ولا كرامة بدون وطن كامل السيادة موحد الإرادة ومستقر وآمن. مما يجعل كل مواطن يتحلى بهذا الشعور قادراً على المشاركة باستعادة الدولة والسيادة والوحدة الوطنية، وليبدأ المثقف من اليوم وليس غداً، لأن الغد قد يكون متأخراً. 

وأعتقد أن الانطلاق يجب أن يبدأ من المثقف الحركي، خاصة مؤسسات المجتمع المدني: الأحزاب والمنتمون إليها والمنظمات الإبداعية والمنتمون إليها، بإطلاق نشاطات وفعاليات تصب في مشروع واحد، هو مشروع إحياء الذاكرة الوطنية وحفظها من خلال التاريخ، والجغرافيا، والمقالة، والرواية، والقصة، والمسرح، والسينما، والتصوير، واللوحة التشكيلية، وغيرها من الفنون.

يواجه اليمن اليوم خطر حقيقي على وحدته الترابية وسيادته وسلامة أراضيه بفعل عوامل تفكيك الدولة والهُوية الوطنية؛ فما الذي أدى إلى ظهور عوامل تفكيك الدولة والهُوية؟

يعد مسعى احتكار السلطة والثروة وتوريث الحكم، وغياب المواطنة المتساوية، السبب الرئيسي في حدوث انقسامات حادة سياسية واجتماعية، دفعت بالسلطة وبقواها إلى خوض حربين شاملتين عامي 1994و2015، والأخيرة لاتزال مستمرة. هذا إلى جانب حروب صعدة. وهي حروب أدت بدورها إلى تعميق الانقسام والتشظي على الأصعدة السياسية والاجتماعية والمناطقية، وظهرت قوتان تدعوان إلى التفكيك: الجماعة الحوثية في شمال الشمال تتكئ وتستند إلى المشروع الإيراني لتفكيك مشروع الدولة في الوطن العربي، والحراك الجنوبي الداعي إلى تفكيك الدولة شمال وجنوب واصطناع هُوية جديدة، هي الجنوب العربي، وهي هُوية لم تدم أكثر من عام في عهد الاستعمار البريطاني ولم تضم كل أراضي جنوب اليمن، وتجد هذه الدعوات دعم مباشر وغير مباشر من دول في الاقليم الطامحة للسيطرة على شواطئ اليمن الطويلة وجزرها الفريدة.

هذه المحاولة وتلك لتفكيك الدولة واصطناع هُويات جديدة، قوامها عنصر جغرافي أو ديني ستقود حتماً إلى تفكيك الشمال إلى دويلات صغيرة، والجنوب إلى سلطنات ومشيخات لاستعادة الماضي القريب، وتسهل على دول الجوار الصغيرة السيطرة عليها.

   ولأن الهُويات التي يجري اصطناعها غير قادرة على الصمود، فإن أصحاب الدعوات يبحثون عن هُويات لدول في الإقليم للاحتماء بها والسكون تحت ظلها. وحيث أن الهُوية الثقافية، هي جامعة لعناصر الهُوية القومية والدينية والوطنية، نجد جماعة الحوثي التي لا تستطيع هُويتها المصطنعة الصمود أما الهُوية اليمنية، تسعى إلى اصطناع هُوية أيديولوجية باللجوء إلى طقوس ورموز ومناسبات دينية غير يمنية تستجلب من ايران وجنوب العراق ولبنان، وهذا يظهر عدم إمكانية اصطناع هُوية وطنية مستقلة، وهذا العجز يقود حتماً إلى البحث عن هُوية أجنبية للاحتماء بها. وخيراً لليمن ولليمنيين بمختلف اتجاهاتهم العودة إلى المسار السياسي وبناء الدولة الاتحادية المدنية الحديثة التي رسمت معالمها بوضوح وثيقة الحوار الوطني الشامل؛ وأهم تلك المعالم والمقومات، هي: المواطنة المتساوية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والسيادة الوطنية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، هذه هي المقومات والقيم التي يمكن لكل اليمنيين العيش في ظلها وأن توفر لهم الأمان والعيش المشترك للجميع، وعلينا جميعاً تقع مسئولية التصدي لمشاريع التفكيك بمشروع الدولة المدنية وبأشكال ثقافية متعددة.

لكننا مع الأسف لا نجد اليوم أشكالاً ثقافية مبلورة ومحددة في هذه اللحظة الفارقة لمواجهة عملية تفكيك الدولة والهُوية، الأمر الذي يستوجب من المثقفين اليمنيين والعرب العمل على إيجاد أشكال ثقافية قادرة على مواجهة تحدي عوامل التفكك، من خلال البحث في النسق الحضاري الموحد، الذي صنع الحضارة اليمنية القديمة وقيمه المادية المشتركة بين اليمنيين، والتي كانت من صنع الإنسان اليمني، والبحث في نسق العادات والتقاليد والتراث التي تشكل العنصر الوطني للهُوية اليمنية المشتركة، إلى جانب اللغة والدين، لاستعادة روح المواطنة اليمنية التي يخترقها اليوم التدخل الأجنبي وسيطرته مادياً وروحياً، وذلك بإشاعة روح التسامح والقبول بالتعدد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ونشر قيم العدل والمواطنة المتساوية، والعمل على اقناع أطراف الصراع بأن القبول بالمواطنة المتساوية، والتمسك بالهُوية المشتركة، وإعادة بناء الدولة واستمرارها، وتحقيق التغيير والاندماج الاجتماعي؛ هي من تحقق الأمن للجميع، ولا مستقبل لطرف من الأطراف بالاحتماء بالأجنبي أو الحرب أو الصراع.

   هذه هي المهمة الوطنية لكل مثقف فردي أو جماعي لمقاومة التفكيك.

إذن ما يهدد بتفكيك اليمن دولة وتراباً وهُوية ليس مشاريع التفكيك الخارجية فحسب، بل والقوى الداخلية الخشنة لا تستند إلى فكر ولا عقل مدبر، وهي العامل الأخطر ولكنها ليست الأقوى، ولا تمثل النواة الصلبة للمجتمع، إذ أن فعل القوة مداه ونطاقه محدودان في المكان والزمان، والنواة الصلبة للمجتمع اليمني التي بمقدورها الدفاع عن الكيان والهُوية، هي النخبة التي تمتلك مصادر قوة متعددة من سياسة وعلوم وأفكار وفنون، وبالتالي هي الجديرة بالدفاع عن اليمن دولة وتراباً وهُوية بالمقاومة الثقافية لمشاريع تفكيك الدولة والهُوية في اليمن وقواه الداخلية والخارجية، وهذه مهمة تاريخية تتطلب استخدام أشكال ثقافية متعددة ومنها: احياء التراث المشترك عبر كتابة جديدة للتاريخ، والخطوة الأولى، العمل على إعادة نشر ودراسة أعمال الحسن الهمداني ونشوان الحميري، وكتاب (توحيد اليمن القديم) لمحمد عبدالقادر بافقيه، وأعمال الدكتور علي محمد زيد، وبعض كتابات عبدالله باذيب، وكتابات قادري أحمد حيدر، وغيرهم ممن كتبوا عن الشأن الثقافي اليمني، ودراسة كفاح الحركة العمالية في عدن ضد مشروع اتحاد الجنوب العربي كمشروع استعماري، والتاريخ الثقافي للحضارة اليمنية المشتركة. وعبر احياء التراث والآداب والفنون المشتركة، وإنتاج ثقافة جديدة عابرة للمذاهب والمناطق، تخلق قيم حرة، هي قيم الديمقراطية والتسامح ينهض بها المثقف الفردي والجماعي اليوم وليس غداً.

الأربعاء, 07 شباط/فبراير 2018 20:24

أثر العولمة على الهُوية

 

 

 

 

 

"ورقة قدمها خلال ندوة ثقافية عن (حوار الثقافات واسئلة الهُوية) عقدت في مدينة مكناس في المملكة المغربية يومي 27-28 من شهر يناير 2018م"

مهددات الهُوية في عصر العولمة:

أثر العولمة على الهُوية

 

أ.د.محمد أحمد علي المخلافي

باحث أول-أستاذ في مركز الدراسات والبحوث اليمني

محام

أثر العولمة على الهُوية:   

   وجدت العولمة على مر العصور، خاصة، فيما يتعلق بالثقافة والمعرفة. وكل ثقافة أمة ناهضة كانت تتبلور وتغنى بفعل تأثرها بثقافات أخرى، ومن ذلك، الثقافة العربية-الإسلامية، التي شكلت الهُوية الجامعة والمشتركة للعرب وغير العرب، من خلال تفاعل الثقافة العربية مع ثقافات القوميات الأخرى في الدولة العربية والإسلامية، كالثقافة الأمازيغية والقرطاجية، والكردية والأشورية والكلدانية والفينيقية والفرعونية والبابلية واليمنية (قتبان، وسبأ، وحمير، ومعين، وحضرموت، وكندا)، وبالنقل والترجمة من اليونانية والفارسية ولغات قديمة أخرى. وتطورت العلوم والفنون التي شكلت المعارف الثقافية وأساس للنهوض والتفوق.

   بيد أن العولمة المعاصرة في ظل تفوق الغرب الرأسمالي قد جعل التأثير للغرب وحده على العالم العربي بتعدده القومي والثقافي، بفعل تفوقه في انتاج السلعة والمعرفة: ثقافة وعلوم وفنون وتكنولوجيا متقدمة، وبذلك تمكن من توحيد العالم بنمط استهلاكي عالمي[1]، وتسليع الثقافة في ظل حجب المعرفة على البلدان الفقيرة، التي لا تستطيع شرائها، والتي تمثل معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ومنها، بلدان العالم العربي.

   بالرجوع إلى قواعد العولمة المعاصرة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية، نجد أنها تتعارض مع ذاتها، وتنفي بعضها البعض الآخر. ففي ظل السعي لفرض نمط عيش موحد في العالم، عن طريق حرية التجارة والاستثمار والخدمات، بجعل كل دول العالم سوقاً مفتوحاً أمام الدول المنتجة للسلعة والخدمات، نجدها لا تسمح بالوصول إلى الثقافة المعرفية: علوم وفنون وتكنولوجيا التي تمتلكها الدول المتقدمة، وتحجبها عن معظم دول العالم غير المتقدمة. وإلى جانب هذا التناقض، ثمة تناقض آخر يتمثل في أن السيطرة على العالم من خلال حرية التجارة والاستثمار والخدمات، يقابلها الدعوة للتسامح والتعدد وحماية حقوق الإنسان في البلدان النامية والأقل نمواً، ومنها بلدان العالم العربي.

   إذن عولمة الاقتصاد لا تقابلها عولمة الثقافة المعرفية، وإنما تقابلها حماية المعارف التي تتوصل إليها البلدان المنتجة للثقافة والتكنولوجيا. وحرمان البلدان النامية والأقل نمواً من المعرفة والعلم والمعلومات، يترتب عليه فقدانها مفاتيح التربية والتقدم والنماء[2].

   ومجمل القول، أن العولمة موجودة منذ القدم، ودورها إنجاز التأثير والتأثر المتبادل بين الأمم وهُوياتها، وإيجاد شروط لتطور ونمو الهُويات. لكنها تختلف اليوم في ظل حرية التجارة والاستثمار والخدمات، إذ صار التأثير من طرف واحد، هو الطرف المنتج للسلعة والخدمة والثقافة والعلم والتكنولوجيا، وصار تسليع الثقافة وحجب المعرفة سبباً في انعزالية وعدم تطور الهُويات الأضعف، وهي الأمم المستوردة للسلعة والخدمة ورأس المال والثقافة والتكنولوجيا.

    إن العولمة اليوم لا تشكل خطراً على هُوياتنا الجامعة في ظل العولمة من منظور تسيّد الهُوية الثقافية للبلدان المصدرة للسلعة والخدمة ورأس المال والثقافة فحسب، وإنما مصدر الخطر الأكبر حجب المعرفة وفقدان الهُوية في العالم العربي لعوامل التطور والتغيير والإغناء والإثراء، وذلك من خلال الوقوف على المضامين العامة للاتفاقيات الدولية الخاصة بالعولمة. بموجب اتفاق الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية أحد اتفاقات منظمة التجارة العالمية لعام 1994م (تريبس)، أدخلت الملكية الفكرية لأول مرة في التاريخ ضمن حرية التجارة وفرض الحماية المطلقة لحقوق الملكية الفكرية، وتشمل الحماية بموجب هذه الاتفاقية والاتفاقيات المتصلة بها، في مجال الملكية الأدبية والفنية والعلمية، حقوق المؤلف، والأعمال المبتكرة في التأليف، والحقوق المجاورة لحقوق المؤلف، وتتمثل في حماية حقوق فناني الأداء، والمنتجين، والتسجيلات الصوتية، وهيئات الإذاعة، وبرامج الحاسوب، والاختراعات في جميع المجالات الإنسانية، بالإضافة إلى حماية الاكتشافات.

   وبإقامة منظمة التجارة العالمية، تمكنت بلدان الشمال الغني من عولمة النظام الرأسمالي، وإزاحة كل العوائق أمام شركاتها، وبموجب اتفاقية (التريبس) تمكنت من إخضاع حقوق الملكية الفكرية لقضايا التجارة، وحجبت المعرفة عن البلدان المستوردة للثقافة والتكنولوجيا غير القادرة على شرائها أو غير المسموح بشرائها، ولم توفر الحماية للملكية الفكرية التي تمتلكها البلدان النامية والأقل نمواً، ومنها بلدان عالمنا العربي، مثل الموارد الجينية، والمعارف الاصلية التقليدية، والتراث الشعبي، التي تكتسب قيمة علمية واقتصادية-تجارية جديدة بالنسبة لهذه البلدان، الأمر الذي يمّكن شركات البلدان المتقدمة سرقة المعارف الأصلية (التقليدية) لشعوب البلدان الفقيرة، وتسجيل براءات اختراع تحمي حقوق الملكية الفكرية للشركات المتعدية على هذه الحقوق[3].

   إذن في ظل اتفاقية (تريبس) مُنحت الدول المتقدمة فرض ما هو أبعد من التبعية، بل فرض ما هو أشد اجحافاً: حجب المعرفة ووسائل التنمية عن البلدان النامية والأقل نمواً، باحتكار منجزات العلم والتكنولوجيا والمعلومات والمعارف، وبالتالي احتكار الدواء والغذاء والثقافة[4].

   ولأن الهوية الثقافية بوصفها شيئاً انتاجه مستمر، أي يتم انتاجها بشكل متواصل في عمليات دائمة لا نهائية ولا تكتمل[5]، وتحتاج لتطويرها إلى التفاعل عبر نقل منجزات الثقافات الأخرى كالترجمة، فإن حماية حقوق الملكية الفكرية على الصعيد العالمي، قد جعل العولمة الثقافية تتجه ليس نحو تفكيك الهُويات القومية والوطنية للبلدان الضعيفة فحسب، بل تتجه نحو عزل هذه الهُويات وحرمانها من عوامل التطوير والتغيير بحجب المعارف الجديدة عنها.

    بيد أن هذا لا يعني أن الهُوية الثقافية والعولمة الثقافية إجمالاً في تضاد، وإنما التضاد هو في بعض جوانبها، ومن ذلك، الحماية المطلقة للملكية الفكرية، وعدم الاعتبار لمصالح البلدان الضعيفة التي من حقها على البلدان المتقدمة أن تُمكن من الوصول إلى المعارف الجديدة وإلى التكنولوجيا الحديثة، عبر تيسير نقل المعارف الثقافية والتكنولوجيا بدعم من الدول المتقدمة، وإعادة النظر في اتفاقية (تريبس) ومواءمة قواعد الحماية مع أهدافها وإزالة التعارض بينها، ومن أمثلة ذلك:

   ما تنص عليه المادة (7) من اتفاقية (تريبس) المتعلقة بالأهداف على أن: ((تسهم حماية ونفاذ حقوق الملكية الفكرية في تشجيع روح الابتكار التكنولوجي ونقل وتعميم التكنولوجيا، بما يحقق الأهداف المشتركة لمنتجي المعرفة التكنولوجية، بالأسلوب الذي يحقق الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، والتوازن بين الحقوق والواجبات)). وتضمنت المادة (8) مبادئ إنفاذ الاتفاق، وهي مبادئ تمنع احتكار جديد المعرفة الثقافية أو التكنولوجية، ومنها:

1-      حق الدول المستوردة لمنجزات العلم والثقافة اعتماد تدابير لازمة لخدمة المصلحة العامة في القطاعات ذات الأهمية للتنمية الاقتصادية-الاجتماعية والتكنولوجية فيها، شريطة اتساق هذه التدابير مع أحكام الاتفاق.

2-      اتخاذ تدابير، لمنع حائز حقوق الملكية الفكرية من إساءة استخدامها، أو منع اللجوء إلى ممارسات تسفر عن تقييد غير معقول للتجارة أو تؤثر سلباً على النقل الدولي للتكنولوجيا.

ونصت المادة (66/2) على إلزام الدول المنتجة للمعارف التكنولوجية: ((بإتاحة حوافز لمؤسسات العمل والهيئات في أراضيها بغية حفز وتشجيع نقل التكنولوجيا للبلدان الأقل نمواً الأعضاء لتمكينها من خلق قاعدة تكنولوجية سلمية قابلة للاستمرار)).

   بيد أن الاتفاق قد تضمن قواعد وإجراءات وآليات تنفيذية، فيما يتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية، وتخضع الدولة التي لا تتضمن تشريعاتها تلك القواعد والإجراءات والآليات، أو لا تلتزم بتطبيقها بدقة، للمساءلة والجزاءات، لكن الاتفاق لم يحدد القواعد والإجراءات والآليات لوفاء البلدان المتقدمة منتجة المعارف الثقافية والتكنولوجية بالتزاماتها نحو البلدان الأقل نمواً أو النامية. الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في الاتفاق، بما يحقق وفاء الدول المنتجة للمعارف بالتزاماتها، وإيجاد اتفاقات خاصة ترعى مصالح البلدان النامية والأقل نمواً، وحماية الملكية الفكرية المملوكة لها، بالحفاظ على الموارد الجينية، والمعارف التقليدية والتراث الشعبي، وحماية حق السكان في الحفاظ على هذا العنصر للهُوية، وبهذا يمكن الحفاظ على هُويات بلدان العالم العربي مع التطوير والتغيير والإغناء والإثراء.

   ثمة من يضع الهُوية الثقافية والعولمة بمجملها في تضاد، باعتبار الهُوية ليست قابلة للتطور والتغيير بفعل تغير الزمان والمكان والتفاعل مع الآخر، وهذا هو موقف دعاة الدولة الدينية وعدم الإقرار بغير الهُوية الدينية، وهي دعوة إلى عدم قبول الآخر المختلف ثقافياً ودينياً وعلى الصعيدين الوطني والدولي[6]، وتحل العنف محل التسامح والسياسة محل الدين، وكان من نتائج هذه الدعوة قيام الحروب الدينية والمذهبية التي نشهدها اليوم في العالمين العربي والإسلامي، ومنها: اليمن، والعراق، وسوريا، وليبيا، بل أدى قيام حكم طائفي- ديني في السودان إلى انفصال السودان إلى شمال وجنوب، وتجري المحاولات للانفصال في العراق والدعوات في اليمن وليبيا[7]. وتعتبر هذه القوى الخطر الأول للعولمة، هو الإقرار بعالمية أو كونية حقوق الإنسان والتسامح والقبول بالآخر المختلف دينياً أو مذهبياً أو ثقافياً أو سياسياً، وتستوي في هذا الموقف التنظيمات السياسية الإسلامية السنية والشيعية.

   إذن العولمة بصيغتها الحالية لا تفكك الهُوية الوطنية أو القومية في عالمنا العربي وإنما تؤدي إلى تيبسها وتقوقعها وعدم قابليتها للتطوير والتغيير لسببين:

الأول-يتمثل في الطبيعة المتوحشة للعولمة الحالية، وحجب العرفة عن البلدان غير المنتجة للمعارف الثقافية والتكنولوجية.

الثاني-عجز العالم العربي عن الفعل والتأثير في مجال الثقافة والعلوم والتكنولوجيا.

عوامل تفكيك الهُوية:

   إن ما يؤدي إلى تفكيك هُويتنا الجامعة والمشتركة وما يهدد تبعاً لذلك بتفكيك دولنا في العراق وسوريا وليبيا واليمن، هو التعصب الديني الطائفي، الذي يجعل العنصر الديني، هو الهُوية، وبالتالي يعتبرها شئياً جامداً ومكتملاً وثابتاً كثبات الدين، ويعتبرها غير قابلة للتطور والتغيير والتفاعل مع الآخر والتأثير والتأثر الذي يحقق تطور وثراء البشرية والهُويات الوطنية والقومية.

   ومن منطلق هذا الخطأ الذهني والمسلمات الفاسدة المحكومة بنزعة الاستبداد والتسلط، تُرفض الهُويات الفرعية الدينية أو القومية للآخر، بل ويُرفض التعدد والتنوع والمواطنة والمساواة في الوطن والعالم.

    إذن تساهم العولمة في حالتها الراهنة بحرمان الهُوية أو الهُويات في عالمنا العربي من عوامل التطوير والتغيير، وغياب مساهمة العالم العربي في المعرفة على الصعيد العالمي، بجعل العولمة اقصاءً وتهميشاً لهُويتنا. واحتكار الحكم أو السعي إليه بدعوى التميز القومي أو السلالي وتحت رداء الدين يفكك هذه الهُوية، وهو ما لا تستطيع عليه العولمة أو دول العالم المتقدم إلاَّ من خلال الدول الدينية الطائفية في العالمين الإسلامي والعربي وصراعها على النفوذ، وهو السلاح الذي نشهد استخدامه في أوطاننا بنجاح من قبل السلطة في إيران ودول الخليج العربية، وبالتالي من قبل دول الهيمنة العالمية، خاصة الولايات المتحدة الامريكية.

   الخروج من هذا المأزق الهُوياتي يتطلب التأهل لسد الفراغ في العالم العربي بإقامة الدولة المدنية، والقبول بالآخر المختلف سياسياً، ودينياً، ومذهبياً، وثقافياً، واقتصادياً، واجتماعياً، على الصعيدين الوطني والعالمي، وأن تمثل قوام الدولة المدنية: المواطنة المتساوية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية.

   أول الخطوات لجعل الهُوية الوطنية والقومية جامعتين غير مستنفدة للهُويات الفرعية، والجمع بين الهُوية المشتركة والهُويات الفرعية واحترام التنوع والتعدد، هي بناء دساتير تجسد هذا التسامح؛ لأن الدساتير القائمة في عالمنا العربي لا تجسده بوضوح حتى في أكثرها تقدماً وحداثة، بما في ذلك، الدساتير الصادرة في الألفية الثالثة وبعد ثورة الربيع العربي، مثل: دستور جمهورية مصر العربية[8]، ودستور المملكة المغربية[9]، ودستور تونس[10]، ودستور العراق[11]، وجميعها تغلب العنصر الديني، ولا يستثنى من ذلك، الدساتير التي لازالت في طور البناء كالدستور اليمني والدستور الليبي، في ظل المخاطر لمساعي إيجاد هُويات مذهبية، ومناطقية وسلالية، تستهدف تفكيك الدولة والكيان الوطني في ظل حروب مستعرة، لتحقيق غلبة طائفية والاستئثار بالحكم بادعاء التميز أو الاصطفاء الإلهي، أو بسبب المظلومية التي وجدت في ظل حكم استبدادي، وعدم المساواة في المواطنة.

   وحيث أن الثقافة في عالمنا العربي، هي ما تمثل المشترك بين كل المواطنين، تكون هي الأقدر على أن تكُّون الهُوية الجامعة مع اختلاف الدين والقوميات والأعراف، بما في ذلك، تحرير الدساتير من الشعبوية واحترام الشرائع الدينية لكل المواطنين، دون حاجة إلى النص على أن الإسلام دين الدولة، ويكتفى بالنص على أن الشريعة أحد مصادر التشريع؛ لأن الثقافة المشتركة قد جعلت الشريعة الإسلامية ملزمة بذاتها، كونها تمثل عنصراً مشتركاً للثقافة السائدة لبلدان العالم العربي.

   وبالعودة إلى المبادئ الدستورية في مسوَّدة دستور جمهورية اليمن الاتحادية نجدها قد حددت عناصر الهُوية الوطنية ومقوماتها ومقومات كل عنصر في المواد (1-7)[12]، من المسوَّدة، وهي مبادئ مستقلة ومتشابكة في آن واحد.

   وفقاً للمادة (1) من المسوَّدة، عناصر الهُوية الوطنية، هي العروبة والإسلام والانتماء لليمن، ويعبر عن هذا الانتماء في المادة (2) من المسوَّدة، وطبقاً لهذا الانتماء تكون مقومات الهُوية الوطنية، هي الشراكة والمصير المشترك في دولة اتحادية مدنية ديمقراطية، قوامها: الإرادة الشعبية والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، وهذا النص يحتاج إلى استكمال بإضافة حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

  على الرغم من أن مسوَّدة الدستور قد ركزت على الهُوية الوطنية أو الهُوية المشتركة أو الجامعة، إلا أنها لم تغفل حماية التعدد والتنوع بإلزام الدولة بالاهتمام بثقافات المناطق المهمشة، والقبول الدستوري بالاختلاف والاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية في المادة (3)[13] ، والنص مباشرة في المادة (55) على تعزيز الهُوية الوطنية الجامعة والتنوع الثقافي والفكري[14].

    إذن، مبادئ الدستور أكدت على الهُوية الوطنية الجامعة المتمثلة في الانتماء إلى اليمن والعروبة، وإلى الديانة الإسلامية وإلى القيم الإنسانية، وهي هُوية تقوم على العيش المشترك في دولة اتحادية عمادها الدولة المدنية، والديمقراطية، وقوامها المواطنة المتساوية، والإرادة الشعبية، وسيادة القانون.

    والقراءة الشاملة للمواد (3،2،1) مع المادة (55) يمكن اعتبار أن الهوية الجامعة، هي الانتماء لجمهورية اليمن الاتحادي والديمقراطي، وللعروبة والإسلام، والمشترك، هو الانتماء إلى اليمن، واللغة العربية والإسلام والمصير المشترك، مع احترام التعدد الثقافي واللغوي: اللغة المهرية والسقطرية ووجوب الاهتمام بهما في ظل التركيز على الهوية المشتركة أو الجامعة.

    بيد أن هذا لا يعني أن المسوَّدة خالية من التشويش على الهُوية أو المداخل لتفكيكها، شأنها شأن الدساتير العربية الحديثة كدساتير: العراق، ومصر، والمغرب، وتونس، بسبب الإفراط في التعبير عن الهوية الدينية بالنص على أن الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع، وهذا أمر ليس نتاج أزمة في الهوية، وإنما نتاج ثقافة شعبوية وفهم خاص للإسلام تحول إلى فهم شعبوي، يصعب تجاوزه، وليس لمسوَّدة الدستور خيار فيه لأن هذا الفهم كرس في المبادئ الدستورية التي جرى التوافق عليها وإقرارها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وتم استبعاد الصياغات الأخرى التي تصوب هذا المفهوم، والمنطلقة من أن الدولة ليس لها دين، والإسلام دين الشعب أو المجتمع وأن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع أو المصدر الرئيس للتشريع[15]، ومع ذلك فإن هذا التشويش خطره عظيم وآثاره مدمرة، إذ صار الإسلام منذ قرون ستاراً لخوض الحروب الداخلية وكان أسوأها حرب 1994م ثم الحرب الأكثر سوءاً الدائرة منذ عام 2015م والتي يعاني الشعب اليمني من ويلاتها وفظائعها، وفككت كيان الدولة، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في هذه الأحكام وفقاً لاتفاقية السلام المرجوة، بتحرير الفضاء الديني من هيمنة سلطة الدولة أو الأحزاب أو ما يسمى بالولي الفقهي أو العلماء أو ورثة الحسن والحسين أو ورثة الأنبياء، وذلك بالنص على أن الإسلام دين الشعب والشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع أو المصدر الرئيس للتشريع.

    من مبادئ الدستور الأخرى يتبين أن الدولة الاتحادية المدنية الديمقراطية ترتكز على مقومين لم يردا في المادة الأولى، هما: العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، ونقترح أن يتم إضافة هذين المقومين إلى المادة (1) من الدستور، لكي يصير واضحاً أن الدولة المدنية الديمقراطية تقوم على الإرادة الشعبية، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، أي أن تدرج العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في مقومات الدولة المدنية وفي إطار الأحكام التأسيسية وليس الأحكام التوجيهية، وهذا ما يحقق الانتماء أو الولاء للوطن، ويحمي استمرارهما.

   في اليوم الذي أعلن فيه الإنقلاب في اليمن بتاريخ 21يناير 2014م، على المشروع الوطني للتغيير، كان مقرراً طرح مسوَّدة الدستور على الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، لدراستها ومواءمتها مع الأسس والمبادئ الدستورية الصادرة عن مؤتمر الحوار. وعند إنهاء الحرب وتحقيق السلام، سوف تتم العودة إلى العملية السياسية، أو ما يُفترض أن يكون، وأول الخطوة ستتمثل في مناقشة مسوَّدة الدستور.

   يواجه اليمن اليوم خطر تفكيكه كياناً ودولة، ما مرد ذلك، هل مرده العولمة أم صراع هُويات مختلفة؟

   نعتقد أن خطر تفكيك الدولة والكيان الوطني اليمني، طبقاً لما تقدم، ليس له علاقة بانضمام اليمن إلى منظمة التجارة العالمية، ولا بتعدد الهُويات وتصارعها؛ إذ لا توجد في اليمن أقليات أثنية ولا دينية ولا قومية، الجميع عرب ومسلمون ولغتهم العربية، ونسقهم الحضاري موحد، وعاداتهم وتقاليدهم وتراثهم مشترك، وكانت توجد في اليمن أقلية يهودية جرى تهجيرها منذ قيام الكيان الإسرائيلي المحتل لأراضي فلسطين، ولم يتبقَ إلاَّ عدد محدود من العوائل اليهودية في محافظة صعدة، هجرتهم الحركة الحوثية منذ سنوات من صعدة، فلجأوا إلى العاصمة صنعاء، وربما يكونوا قد هجروا جميعهم بعد استيلاء مليشيات الحوثي على العاصمة وعدد من محافظات الجمهورية، وحتى وجود اليهود في اليمن لم يكن مثار خطر على الهُوية المشتركة والجامعة لليمنيين.

    لقد بدأت مخاطر تفكك وحدة الدولة ووحدة التراب الوطني بفعل حرب 1994م وآثارها التي أدت إلى منع قيام دولة القانون والمواطنة؛ وممارسة التهميش والاقصاء لكل معارضة للحكم التي طالت قطاعاً واسعاً في الجنوب، كنتيجة من نتائج الحرب. وبهذا أتسع المجال أمام التعصب المذهبي ومشاريع التفكك من جهتين يظهر أنهما متصارعتان مذهبياً، لكنهما التقيا في مشروع واحد، هو تفكيك اليمن، وهاتان الجاهتان تتمثلان في الآتي:

أولاً:التنظيمات الإرهابية-السنية. استخدم تحالف حرب 1994م المسعى الدولي للتخلص من التنظيمات الإرهابية العربية في أفغانستان بنقلهم إلى اليمن، وبذلك تمكن وبدعم دولي من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من نقل ما يقرب من (60) ألف مقاتل من الارهابين العرب من أفغانستان إلى اليمن؛ وكان لهؤلاء الارهابين دوراً أساسياً في هزيمة الحزب الاشتراكي اليمني والجنوب في الحرب، وكان هؤلاء الارهابين بقيادة بن لادن موعدين بإقامة دولتهم في جنوب اليمن، لكنه تم التراجع عن هذا الوعد، وطلب من بن لادن مغادرة اليمن مقابل استيعاب أفراد التنظيمات الإرهابية من اليمنين في الجيش والأمن، والعرب من غير اليمنين في مؤسسات الدولة المدنية، خاصة المؤسسات التعليمية. وكان الهم الأساسي للإرهابين، العمل على تفكيك الروابط الوطنية اليمنية، واعتبارها المسؤولة عن اقصاء الجنوب، استغلالاً لمعاناة المواطن في الجنوب، وكان يتم ذلك-في بعض الأوقات-برعاية من النظام الحاكم.

ثانياً: المشروع الإيراني لتفكيك العالم العربي. لقد وجد المشروع الإيراني من استمرار نتائج وآثار حرب 1994م، فرصة سانحة للسعي لتفكيك الرابطة الوطنية في اليمن؛ وذلك بتشجيع اصطناع هُوية مناطقية في الجنوب، وهُوية سلالية ومذهبية ومناطقية في شمال الشمال. ونتج عن تلاقح المشروعان خلق اصطفاف الأعداء، وتوحدهم ضد مشروع التغيير والانتقال الديمقراطي، لبناء الدولة الاتحادية المدنية الديمقراطية الحديثة، بعد أن شارف اليمنيون على إنجازه، فمثل المشروع الإيراني والمليشيات الحوثية النسق الأول للثورة المضادة والقيام بالانقلاب على المشروع الوطني بتحالف قوى النظام البائد وقوى النظام القديم، وشن العدوان ضد مختلف المحافظات اليمنية، أما مشروع التنظيمات الإرهابية فقد مثل النسق الثاني للثورة المضادة، وتمكنت بفعل هذه الحرب، من إيجاد مواقع لها غير مرفوضة من السكان، لاسيما في المحافظات الوسطى والجنوبية التي عانت من حربي 1994م و2015م في ظل دولة الوحدة.

إذن وحدة اليمن وهُويته الوطنية والقومية أمام خطرين:

الأول-إحياء الموروث الاستعماري البريطاني في الجنوب، بالدعوة إلى إيجاد قطيعة مع الهُوية المشتركة-الرابطة اليمنية-وإقامة الجنوب العربي حسب مسمى أطلقه الانجليز في نهاية الخمسينات على بعض المحافظات الجنوبية.

الثاني-استعادة حكم الإمامة الثيوقراطي السلالي في شمال الشمال.

وفي الحالتين لن يتم تقسيم اليمن والعودة إلى تشطيره، وإنما إلى تفكيكه، فالشمال لن يبقى كياناً واحداً والجنوب كذلك.

   والهُويات الجديدة ليست بمقدورها الصمود لا في الشمال ولا في الجنوب، فأصحاب الهُوية السلالية تواجهها اليوم حرباً في معظم المحافظات الشمالية، وهُوية الجنوب العربي تستدعي اليوم الهُويات المحلية في الجنوب الذي كان في ستينات القرن العشرين، مقسماً إلى أكثر من (23) سلطنة وإمارة ومشيخة، ومؤشرات الصدام بين الهُوية الجديدة التي يدعى إلى صنعها وهُويات ما قبل الدولة الوطنية تجعل لحظة إعلانها، لحظة حرب أهلية. وهناك مؤشرات تظهر أن تفكك الهُوية اليمنية-الوطنية والقومية، سيجعل اليمن لا يفقد وحدته الترابية وحسب، بل والتضحية بسلامة أراضيه. فتفكيك الهُوية الجامعة ليس حلاً، وإنما قد يقود إلى ما هو أسوأ، وقد يمثل نموذجاً أسوأ من النموذج السوداني، إذ أنه وعلى الرغم من أن دول الخليج العربية تواجه ايران في اليمن، بدعم السلطة الشرعية في الحرب، وبهدف عودة الشرعية واستعادة الدولة، غير أن بعض السلوكيات والنوازع عبر إعلام هذه الدول، تبين أن ثمة مخاطر الالتقاء مع المشروع الإيراني، لتفكيك الدولة والهُوية اليمنية، من خلال أمرين:

الأول-استظهار مطامع السيطرة على الشاطئ اليمني الكبير وموانئه المتميزة وجزره الفردية، وخاصة جزيرة سقطرى، جوهرة جزر العالم، وكذا مطامع السيطرة على الممر المائي اليمني (باب المندب). ويشجع على هذا الأمر، أن الهُوية المصطنعة، وأن كتب لها التحقق، فستكون ضعيفة تبحث عن حامٍ أو تتقبل السيطرة من قبل هُوية أقوى[16]، والهُوية الأقوى هنا ليست قوية بالفعل وإنما بالنسبة للهُوية المصطنعة، وهو ما صار يدعو إليه علناً بعض المنتفعين بالسياسة.

الثاني-مجاراة استراتيجية المشروع التفكيكي. إذ كان هدف الثورة المضادة تحقيق مشروع التفكيك الإيراني، ولما كان أحد طرفيها ليس موالياً لإيران، إلى الحد الذي تطمئن إليه، جرى الانقلاب عليه وعلى مليشياته من قبل مليشيات الحوثي، كطرف كامل الولاء ومرتبطاً وجوداً وعدماً بهذا الولاء لإيران. وبالقضاء على أحد طرفي الثورة المضادة المتمثل في علي عبدالله صالح وعائلته وجناح المؤتمر الشعبي العام الموالي له؛ أضعفت الثورة المضادة بفقدانها ركنها الأساسي الذي من خلاله تمكنت من احتلال العاصمة وعدد من محافظات الجمهورية، والاستيلاء على سلاح الدولة وأجهزتها، خاصة ما كان يسمى بالحرس الجمهوري والأمن المركزي والأمن السياسي والأمن القومي. لكن هذا التأثير لم ينعكس سلباً على الثورة المضادة فقط، بل وعلى شرعية الدولة والتحالف الوطني الداعم لها، كتحالف سياسي واجتماعي وطني، ومن أضرار ذلك الأثر المباشر، ما يلي:

1-      تبني التحالف العربي، خاصة، الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لجناح علي عبدالله صالح في الثورة المضادة، دونما أدنى تمحيص أو دراسة لما يترتب على ذلك من تداعيات على الشرعية، لاسيما أن الجناح المُنقلب عليه في إطار الثورة المضادة، ظل متمسكاً بانقلابه على الشرعية رئيساً وحكومة وتوافقاً سياسياً ومجتمعياً، وفتحت أمام عناصر الثورة المضادة وسائل إعلام التحالف العربي لمناهضة الشرعية وثورة 11 فبراير 2011م وشرعية الفترة الانتقالية بأركانها الثلاثة: اتفاق المبادرة الخليجية وآلية تنفيذ العملية الانتقالية، ووثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرارات الشرعية الدولية، وهي جميعها تكّون مشروع الدولة الاتحادية المدنية الديمقراطية الذي بتحققه تتحقق إمكانية الحلول لأزمات الهُوية الوطنية.

2-      صارت بعض دول التحالف العربي تقوض الهدف من دعم الشرعية في اليمن، من خلال دعم المقاومة وأمراء الحرب الذين برزوا من خلالها بعيداً عن السلطة الشرعية في الشمال والجنوب، بل وتشجيع رفض الشرعية من قبل بعض القيادات، بما قد يعني أن هدف التحالف العربي من التدخل في اليمن من أجل إعادة الشرعية واستعادة الدولة وبطلب من الرئيس الشرعي، قد جرى التخلي عنه من قبل التحالف العربي نفسه، وهذا أدى إلى أن تعتبر بعض المقاومة نفسها-في المناطق التي خرجت منها مليشيات الحوثي-هي الشرعية البديلة، وصارت تخاطب المجتمع الدولي لدعمها وتوفير الحماية للاستقلال عن الدولة[17].

3-      لقد ترتب على موقف التحالف العربي، إعلان مكونات في المقاومة الرفض للشرعية وعدم الاعتراف بالدولة اليمنية.

4-      وفي ظل هذا التفكيك، لم تسعَ السلطة الشرعية إلى تعزيز التحالف الوطني لدعم الشرعية، بل تساهم بطريقة أو أخرى في تفكيكها، من خلال اقصاء أحزاب رئيسية ضمن شرعية الفترة الانتقالية، وخاصة الحزب الاشتراكي اليمني، وعدم اتخاذ أي تدابير لجذب الداعمين للشرعية، واتخاذ إجراءات ليست جاذبة للحراك الجنوبي وإنما انتقامية، وبذلك، تكون هذه السلطة مشاركة في تفكيك الشرعية ومساعدة في تفكيك اليمن.

5-         إن فقدان الانتماء والولاء الوطني، يجعل من المشكوك فيه استمرار الانتماء والولاء لهُوية مصطنعة وضعيفة، وبالتالي، يسهل شرذمة وتفكيك الهُوية الجديدة، عير اتباع منهج تنظيمات إسلامية متشددة شعارها الولاء لجماعة التنظيم والبراء من الأمة، أو منهج تنظيمات شوفينية دينية أو قومية أو جهوية، أو الاحتماء بهُويات أقوى غير وطنية، إذ لمجرد الشعور بفقدان الانتماء والولاء للهُوية الجامعة، ظهرت الدعوات، مثلاً، إلى أن من حق سكان جزيرة سقطرى اليمنية الالتحاق بالإمارات العربية المتحدة، ومن حق محافظة المهرة الالتحاق بالمملكة العربية السعودية أو سلطنة عُمان، ومثل هذا التفكيك يمكن أن يطول محافظات أخرى، ووفقاً لمنطقه يكون من حق مدينة عدن أن تقيم دولتها، وكذلك حضرموت وشبوة، وربما العودة بهذه المحافظات جميعها إلى ما قبل قيام الدولة الحديثة في الجنوب عام 1967م، أي تقسيمها إلى سلطنات وإمارات ومشيخات، وهذا التفكيك للدولة والهُوية لن يقتصر على الجنوب فقط وإنما سيطال الشمال وتقسيمه إلى شمال وشرق ووسط وغرب.

    إذن نحن أمام غياب استراتيجية وطنية وإقليمية لإعادة الشرعية واستعادة الدولة ووحدتها وسيادتها وسلامة أراضيها، بل أن ممارسات بعض دول التحالف العربي تتجه لصالح الثورة المضادة في صنعاء أو من غادرها من غير الحوثين، ولصالح مشروع إيران التفكيكي[18]، سواء تقصد ذلك أو لم تقصد، وواجبها يتطلب إعادة النظر في سياستها المتبعة، بما يحقق استعادة الدولة في اليمن ووحدة ترابها وسيادتها وحماية الهُوية اليمنية.

  وفي ظل هذه المخاطر على وحدة التراب الوطني في اليمن، ومؤشرات تفكيك الدولة والهُوية الوطنية الجامعة؛ نجد بعض الأحزاب العربية اليسارية ومثقفين يساريين يجنحون إلى الحديث في إطار قوالب جامدة، والانطلاق ليس مما يحدث ويجري في الواقع، وإنما من قوالب ومقولات جاهزة، بأن ما يهدد الهُوية الوطنية والقومية في العالم العربي، هي العولمة وحدها، وأن الصراع الجاري في الإقليم، بما في ذلك اليمن، هو صراع بين قوى الامبريالية العالمية وحلفائها في دول الخليج العربية من ناحية، والقوى التقدمية من ناحية أخرى، ولكن من هي القوى التقدمية؟ هي في نظرهم إيران وحلفاؤها في الإقليم، متناسين أن النظام في إيران نظاماً ثيوقراطياً، وكل نظام حكم ديني هو نظام استبدادي، وفي نهاية المطاف هو حديث لا يجدِ نفعاً في مواجهة تحديات مشروع تفكيك الدولة في العالم العربي وهُويته، إذ يتم اسقاط هذه المقولات وتلك القوالب على ما يحدث في عالمنا العربي من تشرذم وتمزق، دونما تحديد لمساهمة العوامل المختلفة، سواء كان مصدرها العولمة المتوحشة أو العالم الرأسمالي أو مشروع إيران التفكيكي، ومن ثم، يجري اعتبار الانقلاب على عملية الانتقال الديمقراطي في اليمن ومشروع إقامة الدولة المدنية الحديثة، وبالتالي، إقامة حكم ثيوقراطي عنصري، هو صراع بين قوى التقدم والرجعية في الخليج العربي والامبريالية العالمية! وهو حديث أقل ما يوصف به بأنه مفارق للواقع، ولا يسهم في حماية الهُوية الوطنية والقومية في عالمنا العربي، ومنها اليمن. ولأن المثقف اليساري الفردي والجماعي هو الأقدر على المواجهة الثقافية لعوامل التفكيك كونه يمتلك المنهج والرؤية والموقف التي تجعله فاعلاً ثقافياً مميزاً؛ فإن الدفاع عن هُويتنا القومية والوطنية تستدعي أن يعيد أولئك النظر في مسلماتهم والانطلاق من معطيات الواقع المعاش، لكي تكون مساهمتهم أكثر إغناء وإثراء لثقافة مقاومة تفكيك الدولة والهُوية في عالمنا العربي.

 

الخلاصة:

   مما تقدم، نخلص إلى أن العولمة يمكن أن تكون مصدر إثراء للهُوية وتطويرها وتغييرها في العالم العربي، في حالة أن يعاد النظر في اتفاقات منظمة التجارة العالمية، وخاصة اتفاق (تريبس)، بإزالة أحكامها التي تقود إلى حجب المعرفة عن البلدان النامية والأقل نمواً ومنها العالم العربي، إذ أن احتكار المعارف الثقافية، يقود حتماً إلى انعزال الهُوية القومية والوطنية، ويجعلها غير قابلة للتطوير والتغيير والإغناء والإثراء.

   العولمة تؤثر على نمط العيش ونمط الحياة من خلال تصدير السلعة ورأس المال والثقافة، ومن ثم يكون التأثير للبلدان المنتجة والتأثر يقع على البلدان المستوردة، ويترتب على ذلك أن تصير هُويات الأمم المصدرة أكثر قوة، وهُويات الأمم المستوردة أكثر ضعفاً لسببين: الأول التنميط العالمي للحياة، والثاني عدم مساهمة المستوردين في انتاج المعرفة، وهذا بدوره يؤدي إلى انكماش وضمور وتحجر الهُويات الأضعف، كما هو الحال في العالم العربي، وبالتالي تصير هذه الهُويات غير قادرة على التطور والتغيير لفقدانها عوامل التأثير والتأثر الإيجابي بما يحرز من تقدم وتطور على الصعيد العالمي. لكن مخاطر تفكك الهُويات في عالمنا العربي، تكمن في عوامل داخلية تُستغل من الخارج، وأهم مصادر هذا الضعف، هو حصر الهُوية في عنصر واحد إما ديني أو قومي، وحصر الهُوية في عنصر الدين، وهو العامل الأكثر فاعلية في تفكيك الهُويات، وهو ما يحدث اليوم في السودان وليبيا والعراق وسوريا واليمن. 

   ردة الفعل ضد العولمة المتمثلة في تغليب العنصر الديني للهُوية، واعتبار الهُوية من ثوابت الدين، هي ردة فعل محكومة بالتطرف الديني، ورفض كل جوانب العولمة، وفي المقدمة، عالمية حقوق الإنسان، ورفض الآخر المختلف دينياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً، سواء كان هذا المختلف شريكاً في الوطن أو في الإنسانية.

   ولمواجهة هذه المخاطر، نخلص إلى أن الحل للنزاعات والصراع على الثروة والسلطة في الوطن العربي ومن ذلك اليمن، ليس تفكيك الدولة الوطنية ولا اصطناع هُويات جديدة أو استعادة هُويات قديمة ضعيفة لا تستطيع حماية نفسها؛ وإنما إقامة دولة مدنية لاَّمركزية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان، وتداول السلطة بالطرق والآليات الديمقراطية، وسيادة القانون في ظل السيادة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والاعتراف بالهُويات الفرعية، والقبول بالتنوع والتعدد، والمختلف دينياً ومذهبياً وثقافياً وقومياً. أي أن البديل الأكثر أمناً، التعدد والتنوع الثقافي، والقبول بالآخر الديني والمذهبي والقومي، وفي ظل دولة مواطنة تسود فيها الحرية، والعدل، والمساواة، وسيادة القانون.  

   ولمغادرة هذا المأزق، يحتاج عالمنا العربي إلى مشروع حضاري جوهره الدولة المدنية وقوامها المواطنة المتساوية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية، وسيادة القانون، والتخلص من نواقصنا وأولها عدم انتاج المعارف الثقافية والعلمية والتكنولوجية. وجعل الهُوية الثقافية طبقاً للأحكام الدستورية، هي الهُوية المشتركة الجامعة لمختلف عناصر الهُوية: العنصر الديني، والعنصر القومي، مع احترام التعدد والتنوع الثقافي، وكفالة الحق في الاختلاف الديني والثقافي والفكري لكل مواطن.

   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت

المراجع:

أولاً: الكتب العلمية والدراسات:

1-       (البرغوثي) اياد، (2017م)، نحو تيار ثقافي جديد...رؤية للاختلاف والوحدة، في أعمال الندورة الدولية: الهوية والذاكرة ومسارات الاعتراف، مكناس.

2-      (بن تمسك) مصطفى، (2014م)، أصول الهُوية الحديثة وعللها. جداول للنشر والترجمة والتوزيع، لبنان.

3-       (الطنازفتي) علي محمد علي، (2014م)، الهُوية في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر بين سيد قطب وعلي شريعتي، مكتبة مدبولي، القاهرة.

4-      (لارين) جورج، (2002م)، الأيديولوجيا والهوية الثقافية، الحداثة وحضور العالم الثالث. ترجمة فريال حسن خليفة، مكتبة مدبولي، القاهرة.

5-      (المخلافي) محمد أحمد علي، (2002م)، العولمة والملكية الفكرية. مؤسسة العفيف الثقافية، صنعاء.

6-      (شعبان) عبدالحسين، (2017م)، الهُوية والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة. لبنان.

 

ثانياً: الوثائق والدساتير:

 

1-      وثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل المنعقد في اليمن، 2013م-2014م.

2-      مسوَّدة دستور اليمن الاتحادي.

3-      دستور جمهورية مصر العربية 2014م.

4-      دستور المملكة المغربية 2011م.

5-      دستور جمهورية العراق 2005م.

6-      دستور جمهورية تونس 2014م.

 

 

 

 

 


[1]- أنظر: (بن تمسك) مصطفى، (2014م)، أصول الهُوية الحديثة وعللها. جداول للنشر والترجمة والتوزيع، لبنان، صـــ31.

[2]- (لارين) جورج، (2002م)، الأيديولوجيا والهوية الثقافية، الحداثة وحضور العالم الثالث. ترجمة فريال حسن خليفة، مكتبة مدبولي، القاهرة، صـــ239 وما بعدها.

[3]- راجع: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: تقرير التنمية البشرية لعام 1999م، البحرين 1999م. وتقرير التنمية البشرية لعام 2001م، القاهرة 2001م.

[4]- راجع: (المخلافي) محمد أحمد علي، (2002م)، العولمة والملكية الفكرية. مؤسسة العفيف الثقافية، صنعاء، صـــ32 وما بعدها.

[5]- أنظر: (لارين) جورج. المرجع السابق، صـــ262-269.

[6]- راجع: (الطنازفتي) علي محمد علي، (2014م)، الهُوية في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر بين سيد قطب وعلي شريعتي، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[7]- أنظر: (شعبان) عبدالحسين، (2017م)، الهُوية والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة. لبنان، صـــ8و15.

[8]- تنص المادة (2) من دستور جمهورية مصر العربية على أن: ((الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)).

[9]- ينص الفصل (3) من دستور المملكة المغربية على أن: ((الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية)).

[10]- ينص الفصل (1) من الدستور التونسي على أن: ((تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها)).

[11]- تنص المادة (2) من الدستور العراقي على أن: ((أولاً: الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع)).

[12]- تنص المادة (1) من مسوَّدة الدستور على أن: ((جمهورية اليمن الاتحادية دولة اتحادية، مدنية، ديمقراطية، عربية إسلامية، مستقلة ذات سيادة، تقوم على الإرادة الشعبية والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وهي وحدة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، واليمن جزء من الأمتين العربية والاسلامية)). وتنص المادة (2) من المسوَّدة على أن: ((الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية)). وتنص المادة (3) من المسوَّدة على أن: ((تولي الدولة الاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية)). وتنص المادة (4) من المسوَّدة على أن: ((الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، والاجتهاد في تقنين أحكام الشريعة مكفول حصراً للسلطة التشريعية)). وتنص المادة (5) من المسوَّدة على أن: ((الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها بشكل مباشر من خلال الاستفتاءات والانتخابات العامة، وبشكل غير مباشر من خلال الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية)). وتنص المادة (6) من المسوَّدة على أن: ((الشعب حُر في تقرير مكانته السياسية، وحُر في السعي السلمي إلى تحقيق نموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي من خلال مؤسسات الحكم في كل مستوى، وفق أحكام هذا الدستور والمواثيق الدولية التي صادقت عليها اليمن)). وتنص المادة (7) من المسوَّدة على أن: ((1-الجنسية اليمنية أساس المواطنة وهي حق لكل من ولد لأب أو لأم يمنية، واسقاطها محظور. وينظم القانون حالات اكتساب الجنسية اليمنية وحالات سحبها. 2-ينتمي جميع المواطنين، مهما كان موطنهم الإقليمي، إلى جنسية وطنية واحدة)).

[13]- تنص المادة (3) من مسوَّدة الدستور على أن: ((تولي الدولة الاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية)).

[14]- تنص المادة (55) من مسوَّدة الدستور على أن: ((تعمل الدولة على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وأسس التكافل الاجتماعي والعدالة والحرية والمساواة، والتنوع الثقافي والفكري، وترسيخ القيم الإسلامية والإنسانية النبيلة)).

[15]- عبر عن هذا التوجه أحد أساتذة القانون المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، أستاذ دكتور/ أحمد عبدالرحمن شرف الدين، الذي جرى اغتياله صباح يوم اختتام أعمال المؤتمر، وهو في طريقه إلى مقر الاجتماع.

[16]- حول لجوء الهُويات الأضعف إلى الاحتماء بالهُويات الأقوى. راجع: (البرغوثي) اياد، (2017م)، نحو تيار ثقافي جديد...رؤية للاختلاف والوحدة، في أعمال الندورة الدولية: الهوية والذاكرة ومسارات الاعتراف، مكناس، صـــ31 وما بعدها.

[17]- نموذج ذلك: رسالة الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي المنعقدة في مدينة عدن بتاريخ 23 ديسمبر 2017م.

[18]- مصطلح مشروع إيران التفكيكي، مصطلح أطلقه الدكتور ياسين سعيد نعمان على دور إيران في المنطقة العربية.

فشل الدولة في محاربة الإرهاب-البدائل:

   قبل أحداث 11 سبتمبر2001م كانت الأنظمة في العالمين العربي والإسلامي مطمئنة للتنظيمات الإرهابية ولاسيما الأجيال الثلاثة الأولى من الجهاديين، لأن مقاومة الاستبداد ورفض الطغيان لم تكن هدفاً لتنظيمات التطرف، بل العكس كان الإرهاب يستهدف منع التغيير وموجهاً للدفاع عن الأنظمة ضد التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان والتعددية الحزبية والمواطنة المتساوية، بل أشاعت خطاب (طاعة ولي الأمر). وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001م تقاطعت أهداف هذه الأنظمة مع الولايات المتحدة الأمريكية في (مكافحة الإرهاب)، لكن الغاية النهائية لم تكن القضاء على الإرهاب، وإنما استعادة السيطرة عليه والتحكم به، واُستخدام محاربة الإرهاب لتحقيق مآرب أخرى، ومن ذلك:

1- استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الحرب لغزو العراق، ولكنها أدت في الوقت نفسه لازدياد عنفوان الإرهاب ووحشيته، باستخدامه بالشراكة مع إيران الطائفية لإشعال الحروب في العراق وما جاورها.

2- واتخذت الأنظمة الحاكمة الحرب على الإرهاب مصدراً لشرعيتها.

3- واستخدمت الأنظمة الحاكمة الحرب على الإرهاب للتنصل من التزاماتها الدستورية بتحقيق انتقال ديمقراطي.

4- استخدمت الأنظمة الحرب على الإرهاب مصدراً لجمع المال وشراء الذمم وتكريس نظام الولاءات والمحسوبية التي يدور حولها الحكم.

5- الحصول على دعم للتأهيل الخاص والتسليح للقوة العسكرية والأمنية الموالية للحكام باسم قوة مكافحة الإرهاب.

6- استخدام الحرب على الإرهاب لاتخاذ إجراءات تحد من حقوق الإنسان وتمنع من ممارستها.

7- وظفت الأنظمة الحرب على الإرهاب للحد من نشاطات مؤسسات المجتمع المدني وخاصة الأحزاب والتنظيمات السياسية، وتحويل التعددية السياسية إلى تعددية شكلية ومسيطر عليها.

8- لم يرق النشاط السياسي والإعلامي وحتى الأمني في مواجهة الخطاب التكفيري والجماعات الإرهابية إلى مستوى التحدي، إذ كان محدوداً وجزئياً ومناسباتياً، وكان في الغالب إعلانياً دعائياً دون رؤية سياسية فكرية استراتيجية شاملة لمواجهة ومكافحة الإرهاب.

   وكانت النتيجة أن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب زاد الإرهاب توسعاً للأسباب السالفة، علاوة على إشعال النزاعات الطائفية ولاسيما في العراق ومحيطها.

   إذن يعيش العالم العربي اليوم بأقطاره المختلفة أعلى درجات العنف، وهي الحروب الشاملة في اليمن وسوريا والعراق والسودان وليبيا، وحروب جزئية مع الإرهاب في معظم الأقطار العربية: تونس ومصر ولبنان وفلسطين والسعودية، مما يجعل دور المفكر والمثقف الفردي والجماعي في محاربة التطرف والإرهاب بنشر ثقافة التسامح كأولوية من أولوياته عبر خطاب اللاَّعنف باعتباره مفردة أساسية لثقافة التسامح، باعتبار ثقافة التسامح رؤية شاملة دلالاتها متعددة، وخطاب اللاَّعنف دلالته مادية عملية مباشرة محسوسة تنصب على الممارسة في الواقع والمجتمع، وله مهمة وظيفية مباشرة في تفكيك خطاب الاستباحة ومصدر الصراعات السياسية والاجتماعية والدينية انطلاقاً من الأفكار والمفاهيم والقيم والمعتقدات المشمولة بثقافة التسامح والتي يصيغها المفكر والمثقف المنتج الفردي والجماعي للمعرفة والفكر والأدب والفن كنتاج فكري، ويقوم المثقف الحركي الفردي والجماعي بنشرها عبر خطاب التسامح والتصالح وخطاب اللاَّعنف، ومن خلال هذا الجهد بإنتاج ثقافة التسامح وخطاب اللاَّعنف كعنصر جوهري من عناصرها، يكون المفكر والمثقف قادراً على صياغة وبناء المجتمع ومؤسساته المدنية الحديثة بإنتاج ثقافة توسع وتعمق من دائرة اللاَّعنف وإعمالها لمناهضة ثقافة الكراهية وخطاب العنف ومنع ممارسته ضد المجتمع ومشروع الدولة الوطنية، وممارسة ذلك كله من خلال مؤسسات الدولة والمجتمع وخاصة من خلال ما يلي:

1- العنف والصراع الذي يعيشه اليوم العالمين العربي والإسلامي عنصره الأساس التطرف الديني، ومحركه الخطاب الأيديولوجي الديني أو المذهبي أو المناطقي أو القبلي الذي كرس خلال عقود مضت من خلال وسائل مختلفة ومنها التعليم الذي كان مصدراً أساسياً لتغذية التوتر واللاَّتسامح ونشر ثقافة الكراهية للآخر، ومن ثَّم، يعد تغيير مناهج التعليم أولوية لأبد لكل مفكر ومثقف من العمل عليها، وهي مهمة لن تنجز إلاَّ بالشراكة مع الدولة. وعلى المفكر والمثقف العمل على صياغة القيم الإنسانية الكبرى: الكرامة والعدل والحرية والمواطنة وكل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتأكيد على قيم التسامح والقبول بالآخر والعمل على أن تكرس أولاً في التشريعات الوطنية وفي مناهج التعليم وفي أداء السلطات القضائية والإدارية.

2- مواجهة النزعات العدوانية المتوحشة التي غذاها التطرف والإرهاب من خلال المدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الإعلام العامة والخاصة، باستخدام نفس الأدوات والوسائل لنشر ثقافة التسامح وخطاب اللاَّعنف وبمفرداتها الأساسية منها:

أ‌- القبول بالآخر والاعتراف بحقه في الوجود والاختيار والحرية والكرامة والشراكة في السلطة والثروة.

ب‌- النسبية والتخلي عن ادعاء امتلاك الحقيقة والمطلق والقبول بالتعددية السياسية والحزبية وحرية الفكر والمعتقد والرأي والتعبير والتداول السلمي للسلطة، والعمل على تكريس ذلك في الخطاب والممارسة، وغرس هذه القيم والمفاهيم عبر الفنون التشكيلية والموسيقية والرسم والنحت وغير ذلك، لكي يصير مدركاً بالوعي والعقل.

جـ- غرس قيم المواطنة المتساوية وعدم التمييز بين البشر، وإحلال خطاب السلام واللاَّعنف محل خطاب الدعوة للكراهية والحرب، وجعل ثقافة التسامح مسألة جوهرية في بناء السلام المستدام.

د-جعل ثقافة التسامح وخطاب اللاَّعنف موقفاً إيجابياً لمناهضة الاستبداد وقواه سواء كانت سياسية أو دينية ومن أجل التغيير الديمقراطي وحماية حقوق الإنسان.

3- الشراكة مع الدولة لمواجهة التطرف والإرهاب من خلال:

أ‌- توفير شروط التحول الديمقراطي، بما يحقق تداول السلطة فعلاً، والشراكة في السلطة والثروة، وتحقيق تنمية عادلة وشاملة.

ب‌- توسيع مجال الحريات العامة والخاصة والفضاء الوسيط بين الدولة والمجتمع؛ حتى تتسع للنقاشات العامة، وتتنافس الأفكار بما يؤدي إلى تبارها وتطورها.

جـ- إيجاد استراتيجية وطنية وقومية لمحاربة الإرهاب، تشارك فيها كافة الأطراف السياسية والفكرية لمناهضة التطرف والإرهاب، لتشمل هذه الاستراتيجية التدابير القانونية والثقافية والتربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها تجفيف منابع الإرهاب.

د-إضعاف البنى والعلاقات التقليدية، لأن هذه البنى تمثل بيئة حاضنة لجماعات التعصب والإرهاب، كون هذه البنى من المصادر الأساسية لتوليد المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتساعد في إيجاد عوامل الشقاق في المجتمع.

   وسواء توفرت إمكانية التعاون بين المفكر والدولة أو لم تتوفر، فإن المفكر والمثقف الفرد والجماعي يحتاج إلى أُطر وأدوات ووسائل وإمكانيات مادية لمواجهة فتاوى التكفير (خطاب الاستباحة) بنشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وثقافة التسامح واللاَّعنف على وجه الخصوص ومن ذلك:

1- إيجاد إطار جامع لتيار ثقافي فكري، تنضوي فيه شخصيات تنتمي إلى مختلف القوميات في العالم العربي من عرب وكرد وأمازيغ ومن الديانات والمذاهب المختلفة.

2- إقامة تكتل للأحزاب السياسية المدنية والتقدمية على صعيد الإقليم.

3- تعزيز شبكة التسامح وتوسيع عضويتها.

4- توفير مصادر مالية لإقامة مؤسسات ثقافية وإعلامية لنشر ثقافة التسامح واللاَّعنف..

قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet

الخميس, 13 نيسان/أبريل 2017 20:40

الطائفية والإرهاب (الحلقة الرابعة)

الخطاب والشعار:

   شعارات تكثف أيديولوجية التطرف والإرهاب، هي الولاء والبراء، والحاكمية لله والاصطفاء الإلهي، والموت لأمريكا-الموت لإسرائيل-اللعنة على اليهود، وبفعل هذه الشعارات يُقتل البشر وتدمر مقدرات العالمين العربي والإسلامي من أجل احتكار السلطة والثروة.

   الولاء والبراء معتقد أشاعته التيارات السياسية-الدينية المتطرفة، واستخدمته تنظيمات التكفير لاقتراف الجريمة المنظمة والقتل عبر الاغتيالات والأعمال الانتحارية (الجهاد الفردي-حسب التنظيم السروري وفقهه) في اليمن وتونس ومصر. ولإشعال الحروب (الجهاد الجماعي) في ليبيا واليمن وسوريا والعراق والسودان وفلسطين-غزة وغيرها.

    في القرن الثالث عشر كان ابن تيمية قد أعتبر الولاء والبراء من شروط الإيمان ومقتضاه العداوة لغير المسلمين ولمن والاهم من المسلمين، وفي القرن العشرين استخدمه السياسي حسن البنا لتأطير الإسلام في جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة سياسية، وجعله مرتبطاً بفهمه لصحيح الدين ومسخراً لصالحه، وصارت الأمة مختزلة في الجماعة التي سعت للوصول إلى السلطة. وأتى المفكر السياسي سيد قطب بعد تركه لحزب الوفد والتحاقه بالإخوان المسلمين ليكثف هذا الاختزال للدولة والمجتمع وتشكيل تنظيم مسلح للإخوان لمحاربة "المجتمع الجاهلي" وإسقاط "الدولة الكافرة" مضيفاً شعاراً آخرَ مقتبساً من ماضي الصراع على السلطة هو "الحاكمية لله" وبموجبه يمنع عن الناس جميعاً ولاية الحكم عدا جماعته، ورفع نفس الشعار زعيم الحزب الإسلامي أيمن الظواهري-زعيم القاعدة، وعبدالمجيد الزنداني-زعيم التنظيم السروري في اليمن.

ورتبت تنظيمات التكفير على شعاري الولاء والبراء والحاكمية لله خطابا يتسم بما يلي:

1-      الطاعة العمياء للقائد-تقديس القائد.

2-      البراءة من البشرية جمعاء، بما في ذلك، المجتمعات المسلمة نفسها وإعلان الحرب عليها.

3-      التعصب المطلق للجماعة أو التنظيم التكفيري.

4-      ادعاء كل جماعة أو تنظيم أنها مصدر الحقيقة والحق.

5-      استباحة دماء الآخر وأمواله وكل القيم الإنسانية وشن الحروب المتوحشة.

   تآزر مع الشعارين السابقين شعارا الاصطفاء الإلهي، والموت لأمريكا والموت لإسرائيل واللعنة على اليهود، وأصحاب هذين الشعارين يعتبرون أن من عداهم كفار تأويل، وأن الله اصطفاهم لحكم البشر وميزهم عن الخلق أجمعين، وبالنتيجة يشتركون مع تنظيمات الاستباحة في ادعاء امتلاك الحقيقة والحق والتفرد بالحكم، وتقديس قادتهم ورفض التقدم والحضارة، والحرب الدائرة اليوم في اليمن والعراق وسوريا هي نتاج لهذا المنهج المتفق والمتصارع في آن مع التنظيمات المتطرفة والإرهابية وجميعها تنظيمات استباحة.

    دوافع التنظيمات المتطرفة والإرهابية، هي دوافع سياسية تنتفي معها مزاعم الدوافع الدينية، ويستخدم الدين كغطاء في إطار نهج تنظيمات التكفير التي تعتمد القتل والإرهاب والحروب، إما استراتيجية عقائدية لتحقيق أهداف سياسية وتوظيف شعار "الولاء والبراء" لاستخدام الدين غطاء لهذا النهج والاتكاء عليه في خطاب (الإحلال والاستباحة)، وإما تكتيكاً للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها وتوظيف شعار "الموت لأمريكا-الموت لإسرائيل" كأساس للعنف ضد المجتمع للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها، أي أن التنظيمات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة، هي جميعاً تنظيمات استباحة، وتشترك معاً في سمات النازية بالدعوة العنصرية للتميز السلالي أو الفئوي وتقديس القادة. والفرق بين النوعين من التنظيمات، هو أن التنظيمات الإرهابية السنية تعتمد العنف استراتيجية عقائدية معلنة، وتتباهى بوحشيتها ووحشية ممارساتها، بينما التنظيمات المتطرفة الشيعية تستخدم العنف الطائفي تكتيكاً للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها، لكنها تمارس العنصرية السلالية في إطار الطائفية وتدعي التميز والحق الإلهي في الحكم في إطار الطائفة وفي المجتمع.

   تتوحد التنظيمات المتطرفة في خطاب إحلال الدين محل السياسة واستخدامه من حيث الخطاب غطاءً لمصالحها ووسيلة للاستئثار بالسلطة والثروة باسم ورثة الأنبياء أو الولي الفقيه أو ورثة الحسن والحسين، ولتحقيق هذه الغاية وجدت التنظيمات المتطرفة وشبكاتها: المفتون والمخططون والمنظمون والممولون وتنظيمات عنقودية أو مليشيات تتولى التنفيذ، وتمارس التعبئة الأيديولوجية والدعوة للكراهية والتضليل الذي يستخدم الخرافة كإحدى وسائله، في المسجد والمدرسة ووسائل الإعلام ومناهج التعليم.

    تشيع تنظيمات التطرف الخرافة حول نفسها وقيادتها وادعاء القداسة والعصمة والاصطفاء للحكم، مختلقة أموراً وأقوالاً ووقائع لا وجود لها لاستباحة خصومها السياسيين، وبذلك تكون تنظيمات التطرف قد ذهبت إلى ما هو أبعد من التطرف الديني، لأن التطرف الديني، هو تعصب الفرد أو الجماعة لدين أو مذهب معين وليس استباحة الدماء والأموال، كما هو أبعد من الغلو والتشدد الديني، الذي هو التمسك بالفهم الخاص لنصوص الدين وتسفيه آراء من يخالفهم من المذاهب الأخرى، أما اختلاق الأشياء للتكفير والقتل والحروب، فإنه نهج إجرامي يُستخدم كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية، ومن أجل ذلك تهدد القيم: قيم الصدق والأمانة والعدل والمساواة والمحبة ليحل محلها الكذب والغدر والخيانة، وهذا نهج يبتذل القيم النبيلة الأخلاقية والدينية معاً، وتعدٍ سافر على حقوق الإنسان وحرياته، بما في ذلك، الحق في الحياة والحرية والكرامة. إنها دعوة للكراهية الوطنية والقومية والعنصرية والدينية تقوم على التمييز والعداوة والعنف.

قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet

 

السبت, 01 نيسان/أبريل 2017 20:10

الطائفية والإرهاب (الحلقة الثانية)

جذور الإرهاب ومنابعه:

   تعتمد التنظيمات الإرهابية على مرجعين فقهيين رئيسيين وامتدادهما، أولهما بالأسبقية الزمنية، أعمال ابن تيمية وثانيهما الوهابية، وعلى الرغم من أن الوهابية تالية لتطرف فقه ابن تيمية إلاَّ أنها تفوقت عليه بالتأثير ليس بسبب رؤى هذه المدرسة وتطور فقهها، وإنما لسبب خارجي لا يرجع إلى قوتها الفكرية، لأن بنية هذا الفقه جاف وبدوي-صحراوي، ومرد العامل الوحيد لتفوق تأثير الوهابية للدعم المالي للدول النفطية، وهو نفس العامل الذي يقف وراء انتشار التعصب المذهبي الشيعي انطلاقاً من إيران. لكن التطرف الديني للوهابية وقف عند تكفير غير المسلمين والدعوة لمحاربتهم، فأتت المدرسة المصرية ممثلة بسيد قطب لتكفير الجميع وتدعو للحرب عليهم دولة ومجتمع، لأن المجتمع جاهلي، فكانت هذه المدرسة منبعاً فكرياً لتكفير كل المجتمعات، بما في ذلك، الإسلامية منها.

   توقفت الوهابية عند الجهاد الجماعي، فأتى التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين في مصر لجعل الاغتيالات وسيلة للوصول إلى السلطة، وأتت السرورية بفكرة الدعوة لـ"الجهاد الفردي"، وكان ذلك منطلق للتنظيمات الإرهابية للقيام بالأعمال الانتحارية والاغتيالات للخصوم السياسيين.

   وعلى الرغم من أسبقية مصر في التحديث بين البلدان العربية والإسلامية، فقد بدأت فيها الحركة التنظيمية للتطرف والإرهاب وتطورت وتشكلت، فقامت جماعة الإخوان المسلمين بتفريخ عناصر الحركة التي تشكل منها الحزب الإسلامي، حيث كان الحزب الإسلامي (الحركة الإسلامية/الجماعة الاسلامية) المصدر الرئيس للعناصر الحركية والتنظيمية لنشر التطرف والإرهاب في العالمين العربي والإسلامي.

   وكانت باكستان مكان تدريب عناصر الحزب الإسلامي الذين انطلقوا إلى البلدان التي هُيئت لتكون مكاناً آمناً لتدريب المجاهدين، وكان أغلب المجموعة الأولى من المصريين، مثل: سيد إمام عبدالعزيز الشريف، وعلي الرشيدي، وأيمن الظواهري، ومحمد الظواهري، وعصام شعيب محمد، وأسامة صديق أيوب. وكان هؤلاء من المنشقين عن الإخوان المسلمين، ثم شكلوا الجهاد الإسلامي. وكان التمويل من الأثرياء العرب في الخليج ويأتيهم السلاح من السودان وشمال اليمن. وكان اليمن والسودان محطتين رئيسيتين لتجميع المتطرفين من بلدان عربية مختلفة، منها تونس وفلسطين والجزائر والمغرب ومصر وغيرها من البلدان العربية والإسلامية، وتدريبهم على القتال.

   وهكذا فجذور الإرهاب ثقافية-سياسية تتلفع بغطاء ديني استخدمته الأنظمة التسلطية في المنطقة للبقاء في السلطة، واستخدمته الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد المنظومة الاشتراكية وللهيمنة على المنطقة.

   وقد استخدمت الأنظمة التسلطية التنظيمات الإرهابية التكفيرية في صراعها السياسي والايديولوجي مع القوى السياسية والاجتماعية اليسارية والقومية، والقوى الاجتماعية والسياسية الحديثة بشكل عام وتوظيف الفكر التكفيري (الجهادي) في الحرب ضدها.

   ووجدت الأنظمة في البلاد العربية والإسلامية في الحرب الأفغانية فرصة سانحة لتحقيق هدفين في آنٍ واحد، السيطرة على الإرهاب والتحكم به، وفي ذات الوقت التخلص من العناصر الدينية المتطرفة، فدفعت بهم إلى الحرب في أفغانستان، وبعد عودتهم من أفغانستان وجدت غاية أخرى لاستخدامهم في الحروب الداخلية، فتم تهيئة ساحات للحرب، وكانت اليمن الساحة الرئيسية لعودة العناصر الإرهابية التي استخدمت في حرب 1994م، وكان العائدون من أفغانستان إلى اليمن يضمون مصريين وتونسيين وجزائريين وليبيين وجنسيات أخرى، ومن اليمن وبعد إنجاز مهمة حرب 1994م جرى إعادة توزيعهم إلى السودان والشيشان والبوسنة والهرسك، بالإضافة إلى من عادوا إلى بلدانهم الأصلية. وبانتهاء تلك الحروب تم إعادة توزيع العناصر الإرهابية في البلدان العربية والاسلامية، وعاد الخلط من جديد للعناصر المتطرفة في صفوف الحركة الإسلامية وأجهزة ومؤسسات الدولة في بعض البلدان مثل: اليمن والسودان.

    إذن ترجع موجة الإرهاب الديني في العالمين العربي والإسلامي إلى فترة المواجهة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، ولتنميتها التقت إرادتان: إرادة الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا الغربية من ناحية، ومن ناحية أخرى الاستبداد في العالمين العربي والإسلامي، في خلق تنظيمات إسلامية متشددة تعتمد الإرهاب وسيلة لتحقيق غاياتها في احتكار السلطة والثروة أو الاستيلاء على السلطة في البلدان التي كانت خارج هذا التحالف كجنوب اليمن وسوريا والجزائر وليبيا وتونس، فكانت حرب أفغانستان مناسبة لدعم الإدارة الأمريكية يومئذٍ للتنظيمات الإرهابية بهدف مواجهة الاتحاد السوفيتي. والتقت هذه المصلحة مع مصلحة الاستبداد في العالمين العربي والإسلامي لمواجهة القوى اليسارية الاشتراكية والقومية في هذه البلدان.

   جزء مهم من تنظيمات التطرف بدأ يتبنى المواجهة مع الراعين للإرهاب عندما بلغ التشدد والتعصب مداه، وبدأ الإيديولوجيون الدينيون يفكرون بعدم الاكتفاء بالشراكة في الحكم، فبدأوا يسعون للاستيلاء على السلطة والثروة، خاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. واستُخدِم التطرف بوتيرة عالية لإجهاض الثورات السلمية في البلدان العربية، مثل تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا والعراق، وكانت قوى التعصب الديني تمثل النسق الأول للثورة المضادة، وتراجعت لكي تمثل النسق الثاني للثورة المضادة في بعض البلدان، بعد أن صارت إيران مصدر رئيسي في تنمية التعصب الديني للاستيلاء على اليمن والعراق، واستخدمت التنظيمات الإرهابية لمنع التغيير، وشعار الحرب ضد الإرهاب لإشعال حروب إيران في المنطقة خاصة: العراق وسوريا واليمن. 

 

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

@aleshterakiNet

 

الخميس, 23 آذار/مارس 2017 19:37

الطائفية والإرهاب (الحلقة الأولى)

المقدمة:

   يعيش عالمنا العربي اليوم تحت وطأة الحروب الشاملة والجزئية بفعل الهيمنة المريرة لأنظمة الاستبداد، والفساد البنيوي الشامل، الذي طال جميع مفاصل بنيات المجتمع، والسياسة، والمال، وأنتج في سيرورته الطويلة واقع وظاهرة التطرف والتكفير الديني والمذهبي والإرهاب، وهي السمة السائدة اليوم في اليمن، والعراق، وسوريا، والسودان، وتونس، وفلسطين، ومصر، وليبيا والصومال. لكن تتبع مصدر التطرف والإرهاب وجذره الثقافي وخطابه المبالغ في التطرف يظهر أن الجذر سياسي أيديولوجي يتدثر بثوب ديني. ويغطي الإسلام السياسي حروبه ضد شعوبه بشعارات مواجهة الهيمنة الأجنبية، مثل: شعار "الولاء والبراء" وشعار "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل"، ويعلنون الحرب على الآخر كل آخر، وتحت هذه الشعارات تشتعل الحروب في عالمنا العربي. لكن الشعارات الأخرى، مثل: "الحاكمية لله" وخطاب ادعاء "ورثة الأنبياء" أو "الحسن والحسين" ترفع الستار الذي تتدثر به تنظيمات التطرف الديني وتكشف عن الغاية الحقيقية للتطرف والإرهاب وجذره السياسي.

   إن جذر التطرف والإرهاب فكري-سياسي، وغايته احتكار السلطة والثروة بالاعتماد على الفتوى الدينية التي فتحت الباب واسعاً أمام التكفير ونقض التفكير، ونشر ثقافة الكراهية والحقد والثأر.

   لقد غذى الفقه المتطرف للساعين إلى احتكار السلطة والثروة والسياسيين الطامحين للسلطة فكرة الجهاد ضد الآخر غير المسلم تحت شعار "الولاء والبراء" بدءً بابن تيمية ومروراً بالوهابية، وأتى حسن البنا ليجعل الأعداء المستهدفين من الجهاد هم كل من لا يكون في جماعة الإخوان المسلمين أو لا يدينون لهم بالطاعة، وبذلك أطر بصورة مباشرة الإسلام بجماعة سياسية.

   لقد بدأت فكرة الحاكمية عند أبو الأعلى المودودي في الهند حيث كان المسلمون يواجهون الاستعمار الإنجليزي من جهة والخوف من حكم الغالبية غير المسلمة إذا استقلت الهند (كانت باكستان وبنجلاديش ما تزالان جزءً من الهند). وهكذا كانت حاكمية المودودي في بدايتها موجهة ضد غير المسلمين. ولكن مع مرور الوقت التقطها المتطرفون الإسلاميون، وبخاصة منذ سيد قطب في الحقبة الناصرية، لتقضي بجاهلية المجتمع الإسلامي المعاصر، وبذلك يصبح معنى الإسلام والاسلاميين واحداً وما عداهم جاهليون وكفرة، وانتهت هذه الفكرة المغالية بإباحة الجهاد ضد المسلمين المخالفين في الاتجاه السياسي وفي المذهب. 

   وهكذا جاء السياسي الطامح حسن البنا ليؤطر الإسلام بحزب سياسي، وبالتالي جعل الحكم حكراً عليه وعلى جماعة الإخوان المسلمين. ثم أتى الفكر السياسي السروري (نسبة إلى الإخواني السوري محمد سرور) بفكرة الجهاد الفردي، ويقوم التنظيم السروري والتنظيمات الإرهابية الأخرى مثل القاعدة وداعش وأنصار الشريعة بتنفيذ الفكرة بالاغتيالات والتفجيرات الانتحارية، وبهذا اتسعت فكرة التكفير إلى التكفير بطريق اللزوم (ليس كفراً بواحاً كما ينص الفقه الإسلامي، بل استنتاج الكفر من تأويلات فكرية متعسفة وسطحية)، فكل فرد ينتمي إلى المختلف الديني أو المجتمع الذي يعتبرونه جاهلياً أو الحزب السياسي المنافس سواء كان دينياً أم سياسياً مدنياً أو تقدمياً، هو كافر مستهدف بالجهاد الجماعي والفردي، أي بالحروب الشاملة أو الجزئية.

   إن تنظيمات التكفير التي تشمل التنظيمات المتطرفة والإرهابية تستند إلى فقه وفتاوى سخرت الدين لإشعال الحروب وإراقة الدماء، وقامت بإحلال الدين محل السياسة، والغاية احتكار السلطة والثروة من قبل ورثة الأنبياء أو الولي الفقيه أو ورثة الحسن والحسين. وهي تنظيمات لا تستحل دماء وأموال الخصوم السياسيين فحسب، بل القيم الأخلاقية والدينية والمجتمعية، وهدر حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وهي قوى تستطيع هدم الدولة، لكنها غير مؤهلة للحكم والبناء، وتستطيع أن تجلب الموت وهي مع الموت وضد الحياة، وبالتالي ضد كل ما هو جميل فيها. فهذه التنظيمات صراحة أو ضمناً تكفر الأدب والفلسفة وعلم الاجتماع والشعر والرواية والسينما والموسيقى وحرية الإبداع وحقوق المرأة والمساواة والجندر، وينسبون إلى هذه الفنون والعلوم أموراً لا وجود لها لاستباحة دماء المفكرين والأدباء والكتاب والفنانين، كنتيجة طبيعية لتكفير كل أنواع الآداب والعلوم والفنون والثقافة والجندر.

   هذه نقاط ضعف تعاني منها تنظيمات التطرف وثقافتها وخطابها المتسم بالإقصاء والعنف، فهي إذن نقاط قوة للمفكر والمثقف الفرد والجماعي لمحاربة خطاب التطرف وثقافة العنف.

   ولأن الإرهاب عابر للأوطان ومختلط بأرباب سلطة ومال، على مستويات مختلفة، فإن مواجهته تتطلب ائتلافاً واسعاً ليس للمفكرين والمثقفين فحسب، بل وللمثقف الجماعي، وتعاون الدول وأرباب المال الذين يقفون ضد العنف وإيجاد استراتيجية وطنية وقومية تشمل التدابير الثقافية والتربوية والتعليمية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية لتجفيف منابع الإرهاب. ودور المفكر والمثقف محوري في نجاح هذه الاستراتيجية، لأنه سينصب على إنتاج ثقافة وفكر يقودان إلى تفكيك ثقافة العنف وخطاب التطرف والإرهاب بجهد ثقافي وتربوي شامل يستخدم مختلف العلوم والآداب والفنون.

سنتناول هذا الموضوع في حلقات أربع تالية، ويتضمن:

-         جذر الإرهاب ومنابعه.

-         البيئة الحاضنة للإرهاب.

-         الخطاب والشعار.

-         فشل الدولة في محاربة الإرهاب-البدائل  

 

الثورة والثورة المضادة (خلاصة)

   من غير الممكن الإحاطة قبل انتهاء الحرب بكل ما سيترتب عليها من آثار. لكن المؤكد أن هذه الحرب كارثية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وسوف تترتب عليها آثار ضارة أكثر سعة وعمق من حرب 1994م.

   فعلى الرغم من أن حرب 1994م لم تكن ذات طابع طائفي بكل عناصر الطائفية التي أتسمت بها حرب 2014م -2016م، إذ كان العنصر الجيوسياسي لحرب 1994م، أي طابع الحرب على الجنوب في ظل شراكة جنوبية ملموسة ومؤثرة من خلال جزء من الجيش المنتمي منتسبوه إلى الجنوب والذين لجأوا الى الشمال بعد أحداث 1986م وأبناء الجنوب المنتمين إلى التنظيمات الارهابية والذين لعبوا دوراً كبيراً في أن تكون الحرب قاسية على سكان الجنوب بسبب الدعوة للكراهية الدينية للتنظيم السروري في التجمع اليمني للإصلاح وفي الجماعات السلفية، إلاَّ أن وجود هذا العنصر الطائفي قد أدى إلى انقسام جهوي خطير دفع بجزء من أبناء الجنوب إلى السعي لفك الارتباط، أي فصل الجنوب عن الشمال. أما الحرب الدائرة الأن فقد جمعت مختلف العناصر الطائفية، وبالتالي بعثت نوازع طائفية مقابلة. وقد تمثلت عناصر الطائفية في هذه الحرب بالعنصر الجيوسياسي والعنصر السلالي والعنصر المذهبي. ولا شك أن استخدام هذه العناصر مجتمعة يجعل من الثورة المضادة انقلاباً فاشياً يتفجر بطفح قبيح من خلال خروج الحقد والتوحش. وهذا ما عبرت عنه القسوة واستخدام العنف في الحرب التي شنت على المنطقة الجنوبية والوسطى وتدمير مقومات الحياة لسكان هذه المناطق وخاصة مدينة تعز. وبسبب هذا الطابع للحرب أخذ الانقسام نفس السمة، مما جعل أبناء اليمن يواجهون بعضهم بعضاً في كل بقاع البلاد، ابتداءً بصعده ومروراً بالعاصمة ومحيطها وكل المنطقة الوسطى وانتهاءً بأقصى الجنوب. لكن الكتلة الرئيسية من أبناء اليمن اعتبروا هذه الحرب عدواناً طائفياً وخاصة بعد أن تحول الجيش والأمن إلى مليشيات بيد أشخاص لا صفة لهم في القيادة العسكرية.

    وقد شنت الحرب عام 1994م ضد طرف سياسي بعينه، هو الحزب الاشتراكي اليمني. ولكن الأحزاب السياسية عدا حزب التجمع اليمني للإصلاح لم تكن طرفاً في تلك الحرب ولم تنقسم على أسس طائفية كما حدث في حرب تحالف الثورة المضادة، ومن ثم تُظهِر المؤشرات الأولية تفتت القوى السياسية بانقسام المؤتمر الشعبي العام على نفسه وانقسام اللقاء المشترك وانقسام بعض أحزابه. وبغض النظر عن نتائج الحرب وآثارها التي يصعب تحديدها قبل وقفها، من الواضح أن تفتيتاً خطيراً قد أصاب الوحدة الوطنية والكتل السياسية. وعند العودة إلى العملية السياسية سينعكس هذا الواقع سلباً على التوافق الوطني الذي كان قد تحقق حول مخرجات الحوار الوطني، ولاسيما فيما يتعلق بشكل الدولة والحفاظ على وحدة البلاد عن طريق الانتقال إلى إقامة الدولة الاتحادية المدنية الديمقراطية الحديثة.

   لقد كانت خيارات الحزب الاشتراكي اليمني في هذه الكارثة صعبة: رفض الثورة المضادة وعدم قبول الانقلاب على الشرعية واغتصاب السلطة بقوة السلاح والعصبية الطائفية، وفي الوقت ذاته رفض إيجاد تكتل طائفي مقابل، جهوي أو سلالي أو مذهبي، والدعوة إلى إيجاد كتلة تاريخية للتغيير تكون مهمتها الأولى القضاء على الانقلاب واستعادة الدولة وتحقيق السلام ثم العودة إلى العملية السياسية وتحقيق ما تبقى من مهام الفترة الانتقالية.

   ولكي يُستعاد التوافق الوطني تقع على عاتق المجتمع المدني، وفي المقدمة الأحزاب السياسية، مهمة المشاركة الفاعلة بتنظيم حملات فكرية وإعلامية واسعة لمناهضة الطائفية ونشر ثقافة التسامح والقبول بالآخر المختلف سياسياً ودينياً ورفض الانقسام واستخدام الطائفية والصراع الإقليمي والذي وصل في اليمن، بعد العراق وسوريا ولبنان، إلى التدخل المباشر لتغذية الصراع المذهبي. وتقع على عاتق مؤسسات المجتمع المدني السياسية والاجتماعية مهمة منع أي سيطرة طائفية على السلطة وعلى البلاد. وأياً كانت الدوافع الداخلية والخارجية للحرب، وفرت هذه الدوافع بيئة حاضنة للتنظيمات والجماعات الإرهابية. وليست مواجهة هذه التنظيمات مؤجلة إلى ما بعد استعادة الدولة، بل يجب أن تستعاد الدولة منها أيضاً.

    لقد ترتبت على حرب 1994م فقدان الدولة لعامل الوحدة الوطنية الذي يسهم في الدفع بالعملية التنموية، وبالتالي تآكلت بالتدريج فاعلية الدولة وقدرتها على المضي قدماً بعملية التنمية. كانت التنمية قد توقفت عن الحركة قبيل ثورة 11 فبراير 2011م، ووصلت الدولة إلى الفشل في إدارة البلاد والسير في العملية التنموية وتقديم الخدمات الاجتماعية. وترتب على ذلك اتساع رقعة الفقر والبطالة. وعند قيام ثورة 11 فبراير كانت النخبة الحاكمة قد وصلت إلى مرحلة العجز الكلي عن إدارة شؤون البلاد، ووصل المجتمع إلى مرحلة تتسم بعدم القدرة على تحمل هذا العجز وتحمل اعتماد السلطة على الفساد والقوة فقط للبقاء في الحكم. ولم تتح استراتيجية الفشل التي أعتمدها النظام القديم خلال الفترة الانتقالية إمكانية استعادة التنمية والخدمات الاجتماعية والتخفيف من معاناة المجتمع وإيقاف التدهور الاقتصادي واستعادة الروابط الوطنية التي مزقتها حرب 1994م وتعمقت بفعل الفشل التنموي وأوصلتها الثورة المضادة وحربها عام 2014م-2016م إلى الفشل التام.

    وفي هذه الظروف الصعبة اقتصادياً واجتماعياً سعت الثورة المضادة في حربها للاستيلاء على السلطة، وسرت الحرب في البلاد كالنار في الهشيم، فدمرت البقية الباقية من قدرات البلاد، وضربت كل ما بني على مدار السنوات الماضية ومن ثم توقفت العملية الاقتصادية في البلاد، وحوصرت البلاد وأغلقت كل منافذها إلى العالم، وفقدت كل مواردها المالية، بما في ذلك الريعية من عائدات النفط والغاز والمساعدات الخارجية.

    وإذا كان من غير الممكن تحديد مدى الكارثة الاقتصادية والاجتماعية قبل انتهاء الحرب، من المؤكد أن الغالبية العظمى من اليمنيين صاروا دون عمل ودون مصدر عيش ودون أي حقوق اقتصادية واجتماعية أو ثقافية، وخاصة المشردين منهم والذين يبلغ عددهم حوالي ثلاثة مليون ونصف. وهذا الأمر بدوره يؤدي إلى التمزق الاجتماعي وانتشار العنف والجريمة وإيجاد بيئة حاضنة للإرهاب. من هنا يتوجب على المجتمع الدولي ومؤسساته الاستعداد للشراكة في استعادة التنمية ومعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية للمواطنين، وتأهيل أكبر قدر من السكان للمساهمة في إعادة الإعمار واستعادة الروابط الاجتماعية، وتوفير إمكانية عودة المهجرين إلى أماكن إقامتهم واسترداد مساكنهم وأراضيهم وممتلكاتهم. وأتت حرب الثورة المضادة لتدمير ما تبقى من منجزات ثورتي سبتمبر وأكتوبر وأعادت اليمنيين إلى مثلث الجهل والفقر والمرض، وهو تحدي يجعل اليمنيين غير قادرين لوحدهم على تجاوزه ويتطلب جهد إقليمي ودولي.

   ولقد صاحبت الحرب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ومنها جرائم تصنف من الجرائم ضد الإنسانية. ومن ذلك تدمير الأعيان الضرورية للحياة كالكهرباء والماء والمنشئات الطبية وطواقم الإسعاف، والقتل العمد لأكبر عدد من السكان بقصف الأحياء السكنية بالسلاح الثقيل والمتوسط وتشريدهم هرباً من الموت أو بفعل فقدانهم مساكنهم. وشهدت صنعاء والمدن المجاورة لها اعتقالات واختطافات واسعة، وتعرض الضحايا لحالات اختفاء قسري وتعذيب وملاحقات شاملة. وكان من الضحايا قيادات سياسية وإعلامية، بسبب مواقفها السياسية أو معارضتها للحرب واغتصاب السلطة أو للسيطرة الطائفية. وبتكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تسقط الحصانة الممنوحة لرئيس النظام القديم ومن عمل معه بموجب القانون رقم (1) لسنة 2012م بشأن الحصانة، ويجب أن يخضع من قاموا بتكرار الحروب والانتهاكات للعدالة الجنائية في إطار العدالة الانتقالية طبقاً لمخرجات الحوار الوطني.  وتتطلب مواجهة الآثار المترتبة على هذه الانتهاكات معرفة حجمها وضحاياها، عبر الرصد والتوثيق ثم الدراسة والتحليل ليتم تحديد سبل العلاج ورفع الضرر عن الضحايا.

    مما تقدم، نخلص إلى أن تحالف الثورة المضادة لم يعد مؤهلاً للحكم وليس بمقدوره حكم اليمن، كما إن حالة الانقسام التي أدت إليها الحرب تجعل من غير الممكن حكم اليمن من قبل حزب أو تيار سياسي، وإن إنجاز مهمة استعادة الدولة وتجاوز الانقسامات المتعددة لن يكتب لها النجاح مهما كانت حجم القوى المدنية التي تعمل لتحقيق ذلك، بدون قيام ائتلاف وطني واسع يضم الأحزاب والتنظيمات العابرة للطائفية بكل عناصرها، يشكل تحالفاً طويل المدى لمدة لا تقل عن 20سنة للمشاركة في تحقيق السلام وفي بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وبدون دعم دولي لاستعادة المسار، وبدون دعم الإقليم لاستعادة الأمن القومي، والدعم المباشر لإنجاز ما تبقى من مهام المرحلة الانتقالية، ومواجهة المتطلبات العاجلة للسكان وإعادة التنمية والإعمار، وهو دعم لأزم لحماية الأمن القومي وللأمن والسلام الدوليين.

 

اليمن بين الثورة والثورة المضادة (الحلقة الرابعة عشر)

خطة السلام (خارطة الطريق لليمن)*

أ.د.محمد أحمد علي المخلافي

   لقد أدى تعثر جهود الوسيط الدولي في إقناع الانقلابيين بالتوقيع على الاتفاق إلى جعل مجموعة الرباعية ودول مجلس التعاون الخليجي تتبنى خطة للسلام (خارطة الطريق لليمن) أواخر شهر أكتوبر، يستأنف بموجبها المبعوث الخاص للأمم المتحدة المشاورات أو التفاوض مع الأطراف للتوصل إلى اتفاقية كاملة وشاملة للسلام، تشمل الترتيبات السياسية والأمنية لفترة انتقالية مؤقتة تبدأ من يوم توقيع الاتفاقية وتنتهي بمباشرة العودة إلى إنجاز مهام المرحلة الانتقالية المتبقية، والمتمثلة في مناقشة الدستور الجديد والإعداد للانتخابات العامة وإجرائها: النيابية والرئاسية والانتقال إلى الدولة الاتحادية، وتمتد الفترة الانتقالية المؤقتة والمرحلة الانتقالية معاً لمدة عام واحد.

    بحسب الخطة سيتم الإعداد للاتفاقية الشاملة والكاملة عبر التشاور والتفاوض بوساطة المبعوث الخاص للأمم المتحدة، وبدعم من الأمم المتحدة ومجموعة الدول الثمانية عشر، وتلتقي الأطراف على مائدة الحوار لأسبوع واحد فقط لوضع اللمسات الأخيرة على نصوص الاتفاقية والتوقيع عليها.

    لم تتخل خطة السلام عن شرعية الفترة الانتقالية، إذ نصت على أن يكون التشاور والتوصل إلى سلام على أساس:

المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها، ومخرجات الحوار الوطني وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات العلاقة، بما في ذلك القرار رقم (2216).

   المختلف في خطة السلام لمجموعة الرباعية ودول مجلس التعاون الخليجي أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية سيتم من قبل رئيس الوزراء الجديد الذي سُيتفق عليه، وبتكليف من نائب رئيس الجمهورية الذي سُيتفق عليه أيضاً، بعد تخلي رئيس الجمهورية عن مهامه وصلاحياته لنائبه؛ وذلك بعد انسحاب مليشيات صالح والحوثي من صنعاء العاصمة ومحيطها الأمني، وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. ولكي يصير نقل السلطة إلى هذه الحكومة مسئولية وطنية ودولية سوف تعلن الأمم المتحدة عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية خلال مدة أقصاها 30 يوماً من تاريخ التوقيع الرسمي على اتفاق السلام، وبعد أن تكون كل الأطراف قد نفذت التزاماتها. وهذا يعني أن الأمم المتحدة سوف تشرف مباشرة على تنفيذ الأطراف للالتزامات الواردة في اتفاق السلام.

   من هنا، يتبين أن خطة السلام قد سجلت نقطتين لصالح الانقلاب: الأولى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية قبل انسحاب المليشيات من تعز والحديدة، وتسليم السلاح هناك، والذي سوف يبدأ تحت إشراف الحكومة في اليوم الخامس والأربعين من توقيع اتفاقية السلام. والأمر الثاني أو النقطة الثانية، تتمثل بتخلي رئيس الجمهورية عن صلاحياته لنائب رئيس الجمهورية المتفق عليه. والنقطة الأولى لا تعد خروجاً كلياً عن قرار مجلس الأمن، وإنما تأخير في تراتب المهام، واعتبار الانسحاب من صنعاء إنهاءً للانقلاب، وهو ليس كذلك في حقيقة الأمر، أما النقطة الثانية فهي تكرار لما حدث في مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية فيما يتعلق بالرئيس السابق، مع الاختلاف في الإبقاء على الرئيس الحالي مع سحب صلاحياته، دون مراعاة لاختلاف الظرفين.

    بيد أن كل ما ورد في الخطة عدا ما تقدم يصب في مصلحة شرعية الدولة وتحقيق سلام شامل ودائم، من حيث استكمال مهمة نقل السلطة بحل مجلس النواب ومنح صلاحياته للهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وبالقياس يجب أن يرد في الاتفاق النص على حل المجالس المحلية لإنهاء الانقلاب، ومن حيث العودة إلى العملية السياسية وتنفيذ ما تبقى من مهام المرحلة الانتقالية: مناقشة مسودة الدستور والاستفتاء عليه، وتحقيق العدالة الانتقالية، والإعداد لإجراء الانتخابات العامة والانتقال إلى الدولة الاتحادية، أو من حيث تحمل المجتمع الدولي مسئولية توفير الاحتياجات الإنسانية العاجلة، واستعادة العملية الاقتصادية والتنمية وإعادة البناء والاعمار.

   والنتيجة التي تترتب على اعتماد هذه الخطة؛ ستكون حتماً القبول بالعنف أسلوباً وطريقاً للاستيلاء على السلطة، وبذلك تقوض شرعية الدولة والعملية السياسية ومن ثم الانتقال الديمقراطي، مالم يتم تجاوز ثغرات الخطة المتمثلة بجعل شرعية الدولة محل نزاع بسحب شرعية الرئيس المنتخب، وإخراج تعز والحديدة من الخطة الأمنية (أ) واستبعاد الأحزاب السياسية من المشاورات والتوقيع على اتفاقية السلام وحكومة الوحدة الوطنية، وعدم وضوح دور الدول الضامنة لاتفاقية السلام بصورة كاملة.

   من أجل أن توفر خطة السلام (خارطة الطريق في اليمن) أرضية لاتفاقية سلام دائم وحقيقي، فهي بحاجة إلى تجنب الثغرات التي تمثل مخاطر كبيرة أو نواقص تشجع على المزيد من التمترس وراء السلاح. وبصيغتها الحالية تعاني من نواقص رئيسية خمس، هي:

الأولى-تشتمل الخطة أسس اتفاق السلام بمساريه السياسي والعسكري، لكنها تقتصر على اتفاق بين القوى التي تحمل السلاح ومراعية توازن القوى العسكرية، ومستبعدة أطراف التوازن السياسي وهي الأحزاب السياسية التي تمثل جزءً لا يتجزأ من شرعية الفترة الانتقالية ومرجعياتها، فهي موقعة على المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها، فهي الطرف الرئيس في مؤتمر الحوار الوطني والتي أقرت مخرجاته، وبالتالي هي شريك أصيل في السلطة الانتقالية. فكيف يتم الاتفاق على ترتيبات السلطة الانتقالية بدونها؟ وخطر هذا الأمر، هو أن المستقبل سيتحكم به من يحتكم إلى السلاح، وسوف يؤسس لحروب جديدة وليس للانتقال الديمقراطي، وفي نهاية المطاف، يكون المجتمع الدولي قدم هدم إمكانية الانتقال الديمقراطي بدلاً من دعمه.

الثانية-خطة السلام تسقط رابط شرعية الدولة، وما تبقى من رمزيتها، وهو رئيس الدولة، دون أن توجد ضمانات حقيقية تبقي على شرعية الدولة وحماية وحدتها وسلامة أراضيها.

الثالثة-استبعدت خطة السلام محافظتي تعز والحديدة من الخطة الأمنية للمنطقة (أ) وهو أمر يترتب عليه استمرار الانقلاب في منطقتين من أهم مناطق البلاد، مما يجعل مشروع الانقلاب قائماً وعلى الأقل من الناحية المعنوية، وترك أكثر من ربع السكان في ظروف تحقق هلاكهم لمدة إضافية يصعب التكهم بنهايتها.

الرابعة-عدم التحديد المباشر لمسئولية الدول الضامنة في تحقيق السلام ومنع انهياره.

الخامسة-تشكيل حكومة وحدة وطنية من الأطراف المحتكمة إلى السلاح، وهي أطراف تستطيع أن تفشل الحكومة وتستمر في الحرب.

   والنتيجة الحتمية لهذا المسار هي تصويغ العنف وسيلة للاستيلاء على السلطة وتقويض العملية السياسية والانتقال الديمقراطي وشرعية الدولة.

   لذلك، خطة السلام (خارطة الطريق في اليمن) بحاجة إلى أن تشتمل جملة من التدابير والإجراءات والآليات، مثل:

1-    تدابير استكمال نقل السلطة التي كان عدم تحققه من العوامل التي مكنت الثورة المضادة من تقويض السلام ويشمل ذلك: إلغاء التوافق على استمرار مجلس النواب الذي شارك أعضاءه الموالين للرئيس السابق في الثورة المضادة والانقلاب، وذلك بحل مجلس النواب وحل المجالس المحلية التي مارست نفس الدور ووجودها غير قانوني، وإيجاد هيكلة جديدة لمؤسستي الجيش والأمن واستبعاد كل من تم تعيينهم من قبل الانقلابيين في مؤسسات الدولة وأجهزتها.

2-    تحديد تدابير إعادة الإعمار واستعادة التنمية وتحديد مسئولية المجتمع الدولي، وفي المقدمة، دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

3-    تشكيل هيئة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وتحديد مهامها واختصاصاتها بمرسوم رئاسي طبقاً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وتفعيل صندوق جبر الضرر وتمكينه من تنفيذ مهامه وتعويض الضحايا، وتحديد التزامات المجتمع الدولي في تحقيق استرداد الأموال المنهوبة المتواجدة خارج البلاد. ويعمل بهذه المراسيم حتى تتوفر الظروف الدستورية لإصدارها كقوانين من الهيئة التشريعية.

4-    وفيما يتعلق بأطراف التفاوض فقد فضلت الحكومة والأحزاب الداعمة للشرعية في بداية عملية التفاوض، أن تكون على مرحلتين، الأولى-المشاورات التي تؤدي إلى إنهاء الحرب وأن تتم بين وفد من الحكومة وآخر من الانقلابيين، وعند العودة إلى العملية السياسية تبدأ المرحلة الثانية كحوار تشارك فيه كافة الأحزاب السياسية. ولما صار الآن الاتجاه وفقاً لخطط مشاريع السلام إلغاء الفوارق بين مرحلتي التفاوض والجمع بين المسارين الأمني والسياسي، يكون من الواجب إنهاء استبعاد الأحزاب السياسية؛ لأن تشكيل حكومة وحدة وطنية والعودة إلى العملية السياسية والسير في تنفيذ مهام الفترة الانتقالية يعني الجميع، وفي المقدمة، الأحزاب السياسية، الأمر الذي يستوجب أن تحدد اتفاقية السلام الأطراف وتشمل الأحزاب السياسية في المقدمة.

5-    توفير الضمانات الكافية للحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وتجنب مخاطر جعل الشرعية محل نزاع.

6-    تشكيل الحكومة طبقاً للشراكة المتوازنة بين الأحزاب السياسية الشريكة في سلطة الفترة الانتقالية، طبقاً للقاعدة التي وضعتها المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها وضمانات تنفيذ مخرجات الحوار الوطني.

7-    تحديد دور واضح للمجتمع المدني: أحزاب سياسية، نقابات، منظمات غير حكومية وإعلام حر، وطرق دعمه لكي يقوم بنشر ثقافة التسامح وتجاوز الانقسامات.

      أتت ردود الأفعال متباينة من قبل الأطراف المعنية، فكان رد الانقلابيين موارباً بالقبول اللفظي والرفض الجوهري، إذ رحب بالخطة لكنه تحفظ على جوهرها[1]، وبذلك تمكن من التملص من الضغوط بتكتيك لا يخلو من الذكاء السياسي، غير أن هذا التكتيك لم يصمد طويلاً بإعلان رفض كافة مرجعيات الفترة الانتقالية التي لا يمكن تحقيق السلام بدونها[2].

   أما رد الحكومة الشرعية فقد أتسم بالتعجل وعدم الاتزان برفض التعامل مع الخطة، ثم التخلي عن هذا الموقف غير الصائب والقبول بالتعامل معها، مع تقديم الملاحظات عليها لتصويب بعض من نواقصها وثغراتها الناجمة عن خروجها على المرجعيات التي تمثل مصدراً لشرعية الفترة الانتقالية[3].

   كان أول حزب من الأحزاب الداعمة للشرعية تتخذ موقفاً ايجابياً من خارطة الطريق، هو الحزب الاشتراكي اليمني، إذ أصدرت أمانته العامة بتاريخ 22 نوفمبر 2016م بياناً أعربت فيه عن: ((دعمها الكامل لجهود الأمم المتحدة والرباعية الدولية وجهود المبعوث الدولي ولد الشيخ أحمد من أجل الوصول إلى اتفاق سلام دائم وشامل ينهي الحرب ويرفع معاناة الشعب ويزيل مظاهر الانقلاب ويستعيد العملية السياسية ومؤسسات الشرعية التوافقية، ويستكمل المرحلة الانتقالية وصولاً إلى الانتخابات)). وفي ذات الوقت وقف البيان أمام نواقص وثغرات خارطة الطريق، وأقترح التدابير والإجراءات التي يجب أن تتضمنها اتفاقية السلام الشاملة، وكان ضمن ذلك المطالبة بالشراكة الفاعلة للأحزاب السياسية في التفاوض والحوار على المسار السياسي والتوقيع على اتفاقية السلام.

   ثم أتى البيان المشترك الصادر بتاريخ 4يناير2017م عن الحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، ليؤكد أهمية مشاركة القوى السياسية في أي مفاوضات قادمة، مبيناً سبب الطلب بصورة واضحة، وهو أن المسارين الأمني والسياسي معاً مطروحين على طاولة البحث والتفاوض.

   إذن سبب تخلي الحزبين عن موقفهما السابق الذي تمثل بتفضيل أن يقتصر التفاوض على ممثلي الحكومة وممثلي الانقلابيين في المرحلة الأولى؛ هو أن هذه المرحلة لم تكن تشمل المسار السياسي وإنما تقتصر على المسار العسكري-الأمني.

   وفي كل الأحوال، فإن عملية السلام وتحقيق سلام مستدام تتطلب قوى سلام قادرة على تعبئة المجتمع باتجاه مناهضة العنف والحروب، قوى عابرة للعصبيات القبلية والمناطقية والمذهبية والسلالية، وهي القوى القادرة على حشد الجماهير برابطة سياسية وليس عصبية، هذه القوى تتمثل بالأحزاب السياسية، الأمر الذي يتطلب إدراكه من كل الأطراف المعنية بتحقيق السلام وفي مقدمتها الحكومة اليمنية والوسيط الدولي.

هوامش


[1]- صدر بيان عن وفد الانقلابيين بتاريخ 30أكتوبر2016م، ومضمونه أن الجانب الإيجابي الوحيد هو: ((تقديم الأمم المتحدة رسمياً مقترحاً مكتوباً تضمن لأول مرة الجانب السياسي...)). ويرفض البيان كل مضامين خارطة الطريق لأن معظم (تفاصيلها وترتيباتها الزمنية مستوعبة لرؤية طرف واحد) أي أنها لصالح الحكومة الشرعية حسب زعم البيان.

[2]- تصريح زعيم الانقلابيين علي عبدالله صالح يقول فيه: ((لم يعد مقبولاً ولا من المنطق(...) الحديث عن ما يسمى (الدولة الاتحادية) أو (مخرجات الحوار) أو (الأقاليم) أو ما يسمى أيضاً (المبادرة الخليجية) والقرار (2216) فكل هذه المسميات والمصطلحات لم يعد الحديث عنها أو المطالبة بتحقيقها سوى استفزاز...)).

[3]- تقدم الفريق الحكومي المفاوض بملاحظاته على خارطة الطريق في وقت متأخر، وهو الإجراء الذي كان يجب أن تقوم به الحكومة بدون تردد.

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

@aleshterakiNet

الموقف الدولي بعد انقلاب الثورة المضادة (مبادئ النقاط السبع):

   وقفت اللجنة السياسية الحكومية أمام مبادئ النقاط السبع التي بدأ الترويج لها ومحاولة طرحها على مجلس الأمن وإدراجها ضمن بياناته والإشارة إليها بعبارة المبادئ دون تحديد طبيعتها ومجال تطبيقها. فوجدت اللجنة أن تلك المبادئ لا تستند إلى أي مرجعية من المرجعيات المحددة في الدعوة الرسمية التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة للطرفين لعقد لقاء جنيف والمتمثلة بالمبادرة الخليجية وآلية تنفيذها ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن رقم (2216) لعام 2015م، وأن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة قدمها إلى الوفد الحكومي دون مشاورات مسبقة مع الوفد، وهذا يمثل مخالفة لقرار مجلس الأمن رقم (2216) شكلاً ومضموناً.

     من حيث الشكل:

    تم إخراج مضامين قرار مجلس الأمن رقم (2216) من إطارها القانوني الملزم ووضعها في إطار مبادئ عامة لا تحمل صفة الإلزام، لتكون أساساً لأي نقاش أو تفاوض مستقبلي بين الأطراف اليمنية، يتوج باتفاق سياسي، وأن إطلاق عبارة المبادئ على هذه النقاط لا يستقيم مع واقع الحال القانوني، إذ لا يجوز بعد صدور قرار مجلس الأمن الحديث عن مبادئ أو إرشادات تناقض القرار، لأن صدور القرار يثبت واقعاً قانونياً ينبغي أن تصدر بشأنه آلية تنفيذيه تحدد مسار التنفيذ وضوابطه، كما أن محتوى النقاط السبع يتناقض مع ما جاء في القرار.

من حيث المضمون:

المبدأ الأول: نص على انسحاب الأطراف المتحاربة من مناطق القتال[1]:

   تتعارض هذه الصيغة كلياً مع النصوص الواردة في البنود أ، ب و ج من الفقرة الأولى من قرار مجلس الأمن، التي تلزم الحوثيين وحلفاءهم بوقف القتال وسحب قواتهم فوراً دون قيد أو شرط من جميع المناطق التي استولوا عليها، بما في ذلك العاصمة صنعاء.

    المبدأ الثاني: محاربة الإرهاب[2]:

   لهذا المبدأ صلة بالإنقلابيين من حيث أن استمراره واستمرار حرب ميليشياتهم على المواطنين وخطابها الطائفي يعزز وجود الإرهاب ويوسع نطاقه بخلق بيئة حاضنة للإرهاب، لأن النهج الطائفي للانقلاب والعصبية الطائفية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تخلق طائفية مقابلة تستغلها التنظيمات الإرهابية. كما أن أحد طرفي الانقلاب يستخدم التنظيمات الإرهابية في المناطق التي لم تستطع مليشيات الانقلاب السيطرة عليها.

   بيد أن اللجنة السياسية ارتأت أن تصاغ هذه النقطة بصيغة تنفيذية وبما يتفق مع مسؤولية الدولة في محاربة الإرهاب والتزام الحكومة الكامل بمحاربة الإرهاب بكل أشكاله وتجفيف منابعه والتعاون مع المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب وضمان ألاَّ تكون اليمن مقراً للتنظيمات الإرهابية وجماعات العنف.

ورد في المبدأ الثالث النص على إيجاد آلية لوقف إطلاق النار وانسحاب الأطراف المتحاربة ووضع آلية دولية للرقابة على وقف إطلاق النار والانسحاب[3].

     وكانت ملاحظة اللجنة السياسية أن الصياغة قد تغيرت لتجعل الآلية الدولية المتعلقة بالتحقق والرقابة على وقف إطلاق النار وانسحاب المليشيات متزامنة مع الانسحاب.

    وتضمن المبدأ الرابع النص على تفعيل عمل الإدارات الحكومية والمؤسسات الخدمية[4]، دون الإشارة إلى الحكومة الشرعية المختصة أساساً بهذه المهمة. وكان فهم اللجنة السياسية أن ذلك يعني وجود نية لتطبيع سلطة الأمر الواقع الذي تفرضه المليشيات، وأن هذا أخطر المبادئ لتعارضه جملة وتفصيلا مع قرار مجلس الأمن، وخاصة مع البند (د) من الفقرة (1) الذي ألزم الحوثيين وحلفائهم بالتوقف عن جميع الأعمال التي تندرج ضمن نطاق سلطة الحكومة الشرعية.

    وفيما يتعلق بالمبدئين الخامس والسادس المخصصين لتعزيز العمل الإنساني وضمان وصول المساعدات الإنسانية واحترام القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان وحماية المدنيين، وجدت اللجنة السياسية أن المبدئين يتفقان نصاً وروحاً مع قرار مجلس الأمن ومسئوليات الحكومة.

     كما نص المبدأ السادس على: "إطلاق سراح جميع المعتقلين غير المقاتلين". لكن هذه الصيغة تعارضت صراحة مع نص البند (و) من الفقرة الأولى من قرار مجلس الأمن (2216) الذي أوجب على الحوثيين الإفراج بأمان عن اللواء محمود الصبيحي وزير الدفاع وجميع السجناء السياسيين وجميع الأشخاص الموضوعين رهن الإقامة الجبرية أو المحتجزين تعسفياً.

      واختتمت ورقة النقاط السبع بالنص على أن يقوم المبعوث الخاص بترتيب مواصلة العملية السياسية[5]. وهنا رأت اللجنة السياسية أن الحديث عن البدء بإجراء مشاورات سياسية قبل التنفيذ الكامل للفقرة الأولى من قرار مجلس الأمن ومقتضياته وقبل عودة مؤسسات الدولة الشرعية لممارسة مهامها، يعني محاولة الالتفاف على شرعية الدولة ومخالفة صريحة لقرار مجلس الأمن. وذيلت اللجنة السياسية رؤيتها باستراتيجية للتفاوض وآلية لتنفيذ قرار مجلس الأمن. وأنصبت الاستراتيجية على اقتصار التفاوض على المرحلة الأولى والمتمثلة بإنهاء العدوان لاستعادة سلطة الدولة وبسط نفوذها على كل أرجاء البلاد طبقاً لقرار مجلس الأمن ووضع آلية لتنفيذ ذلك. ويجري التعامل مع ما يتصل بنصوص القرار المتعلق بالعودة إلى العملية السياسية واستكمال مهام الانتقال الديمقراطي باعتباره مرحلة ثانية يخصص لها مقترح مستقل بآلية لتنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ومنها القرار رقم (2216)، وبالتالي اقتصرت الآلية المقترحة من اللجنة لتنفيذ قرار مجلس الأمن على المفاوضات المتعلقة بالمرحلة الأولى، مع تأكيد اللجنة على تمسك الحكومة بأن يكون التفاوض بينها وبين الإنقلابيين فقط. وقامت اللجنة بتطوير مقترح الآلية على ضوء المناقشات والمقترحات التالية للأمم المتحدة، ومنها ما سمي "مبادئ مسقط لحل الأزمة السياسية في اليمن"، والتي تضمنت أيضا سبعة مبادئ تقدم بها أساساً تحالف الانقلاب، وجوهرها شرعنة الانقلاب[6]. وقدم فريق التفاوض الحكومي الآلية التي وضعتها اللجنة السياسية الحكومية إلى مبعوث الأمم المتحدة في 1/7/2015م. وفي هذا اللقاء أوضح المبعوث الأممي أنه سبق له أن اطلع على الآلية المقترحة وأرسلها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها بحاجة إلى وقت لدراستها وطرح الملاحظات عليها. وطرح في اللقاء بعض الملاحظات الأولية، وبعد التطوير والتعديل المتكرر لمقترح الآلية من قبل اللجنة السياسية تم إقرار مقترح الآلية في اجتماع برئاسة رئيس الجمهورية ضم نائب الرئيس-رئيس الحكومة ومستشاري الرئيس واللجنة السياسية، في 18اغسطس 2015م، في إطار "صيغة اتفاق للحل في اليمن وتنفيذ قرار مجلس الأمن (2216)"، وحددت الإجراءات الأمنية والجهود الحكومية للمساعدات الإنسانية واستئناف العملية السياسية وإعادة الإعمار. كما وضعت اللجنة السياسية مشروع إطار للتشاور والتفاوض في المرحلة الأولى، وتضمن مقترحاً بجدول الأعمال يجعل التشاور منصباً على آلية تنفيذ قرار مجلس الأمن.

     كما وضعت اللجنة السياسية خطة للتحرك السياسي وإطاراً وخلفية لما يجب طرحه في اللقاءات الخاصة والعامة وكل ما يحتاجه.

     وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلتها هذه اللجنة، كان المعنيون يهملون ما يُقدم عدا ما يتعلق باستراتيجية التفاوض ومضامين آلية تنفيذ قرار مجلس الأمن (2216). ومع الوقت تبين عدم اطمئنانهم إلى رئيس اللجنة -وزير الخارجية حينذاك، وأحد أعضاء اللجنة-وزير الشؤون القانونية، مما أدى إلى استبعاد مشاركتهما في الاجتماعات المخصصة للتفاوض، ثم إلغاء اللجنة واستيعاب أعضائها في فريق التفاوض (الوفد الحكومي والفريق الفني والاستشاري مع استبعاد وزيري الخارجية والشؤون القانونية).

وعلى الرغم من فشل مشاورات جنيف إلاَّ أنها كانت أكثر حيوية وتفاؤلاً من جولات التشاور اللاحقة.

فجولة بيال-سويسرا كانت لأسبوع واحد بين 15-21 ديسمبر 2015م وسرعان ما اعتراها الجمود والفشل. وعلى الرغم من أن مشاورات الكويت قد استمرت لفترة طويلة وعلى مرحلتين الأولى من 21 أبريل إلى 30 يونيو2016م، والثانية من 17يوليو إلى 6 أغسطس 2016م، إلاَّ أنها كانت الأكثر جموداً وفشلاً وكل ما طرح فيها من قبل الأمم المتحدة، عناصر لاتفاقية الكويت في المرحلة الأولى، ومقترح بالاتفاقية في المرحلة الثانية ووقع من قبل وفد الحكومة فقط، وبالتالي، أعلن نهاية التشاور في الكويت.

    تضمنت عناصر الاتفاقية المقترحة من الوسيط الدولي (19) عنصراً يشوب معظمها الغموض والصيغ المواربة من حيث اللغة وتراتيب النقاط، وربما أن الوسيط عندما وضع النقاط لم يكن يقصد بالترتيب الوارد تراتب إجرائي. لكن سوء النية معروف سلفاً، وبالتالي يصير التراتب والخلاف حوله مسألة جوهرية وليست شكلية. إذ ورد استئناف الحوار السياسي أول عنصر وتأتي بعد ذلك العناصر الأخرى وهي: تشكيل اللجنة الأمنية الوطنية، وتشكيل لجان المحافظات والتي ستتولى الاشراف على انسحاب مليشيات الانقلاب من المنطقة الأولى والتي تشمل صنعاء وتعز والحديدة، وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، ومغادرة اللجان الثورية الوزارات والمؤسسات الحكومية، وبعد ذلك يأتي تشكيل حكومة الإنقاذ الوطني، ويليه الانسحاب وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة في المناطق الأخرى وبالتراتب: المنطقة الثانية ثم المنطقة الثالثة. ويتضح أن الترتيب الوارد للعناصر لا يقصد به تراتب الإجراءات، ويتضح هذا أكثر من خلال النص على إصدار مرسوم بتشكيل وتعيين اللجنة الأمنية الوطنية واللجان المحلية في موقع متأخر. لكن الطرف الحكومي توجس من ذلك، وهو توجس في غير محله لأن تنفيذ أي اتفاق لن يتم إلاَّ في إطار المرجعية الرئيسية وهي قرار مجلس الأمن رقم (2016). أما طرف الانقلاب فرفضه لهذه العناصر يتفق مع استراتيجيته-بقاء الانقلاب.

     وقبيل انتهاء المرحلة الثانية من جولة المشاورات في الكويت وتحديداً في تاريخ 31/7/2016م، قدم الوسيط الدولي مقترح بـ (اتفاق الكويت لإنهاء النزاع المسلح في اليمن). ومقترح الاتفاق هذا توسع في بعض التفاصيل، لكنه لم يخرج عن عناصر الاتفاق التي سبق تقديمها في المرحلة الأولى. واشتملت المسودة المقترحة على سبع نقاط محيلاً التفاصيل إلى ملاحق الاتفاق التي تعتبر جزء لا يتجزأ من الاتفاق. ولكن ما أختلف عن اتفاق العناصر، كان ترتيب النقاط حسب إجراءات التنفيذ. الأمر الذي طمأن الحكومة فوقع وفدها على المقترح ورفضه طرف الانقلابيين.

   تضمنت النقاط السبع في الاتفاق الإطار العام لإنهاء الانقلاب والحرب عبر الإجراءات الأمنية الانتقالية التي تتولها اللجنة العسكرية والأمنية الوطنية واللجان العسكرية والأمنية على مستوى المحافظات، والتي تتشكل من ضباط عسكريين وأمنيين رفيعي المستوى يتمتعون بالكفاءة والمهنية مقبولين لدى الأطراف ولم يشاركوا بشكل مباشر في العمليات العسكرية منذ سبتمبر 2014م، ويتم تعيين أعضائها بمرسوم.

    حددت مواصفات أعضاء اللجان ومهامها العامة في الفقرة (3) الخاصة بالإجراءات الأمنية، والمهام العامة والرئيسية تمثلت في الإشراف على انسحاب المليشيات وتسليم السلاح[7]، وأحالت تحديد أعضاء اللجان ومهامها وتفاصيل وآليات تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة خلال المرحلة الانتقالية والجدول الزمني لإكمال هذه العمليات إلى الملحق الأول بالاتفاق. ويقصد هنا بالمرحلة الانتقالية هي فترة الإجراءات الأمنية الانتقالية حتى استعادة الدولة واستلام الحكومة لمؤسساتها وممارسة مهامها الطبيعية. ولكي تتمكن الحكومة من استعادة مهام الدولة حددت مرحلة تمهيدية مدتها خمسة وأربعين يوماً من تاريخ توقيع الاتفاق يتم خلالها تنفيذ الإجراءات الأمنية، بما في ذلك، الانسحاب وتسليم الأسلحة في كل من صنعاء (أمانة العاصمة ومحيطها الأمني) وتعز والحديدة.

   وخصصت الفقرة (4) من مسودة الاتفاق لـ (استعادة وتسليم مؤسسات الدولة) التي أشارت إجمالاً إلى الظروف الواجب توفيرها لتمكين الحكومة من استعادة مؤسسات الدولة وإدارة البلاد، وفي مقدمة ذلك، حل المجلس السياسي واللجان الثورية والشعبية، ومغادرتها لكل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية خلال المرحلة الانتقالية، أي خلال مدة الإجراءات الأمنية الانتقالية. وأحالت إلى الملحق الثاني مهمة تحديد الجدول الزمني والخطوات لاستعادة وتسليم مؤسسات الدولة[8].

   لقد كان مصدر الخلاف بين الطرفين متى تتم العودة إلى العملية السياسية. فالحكومة والأحزاب المؤيدة لها ترى عدم الخروج بأية صورة من الصور على قرار مجلس الأمن رقم (2216) لعام 2015م، ومن ثَّم، لا تكون العودة إلى العملية السياسية إلاَّ بعد انتهاء الانقلاب واستعادة الدولة. بينما الانقلابيون كانوا يتمسكون بالعودة أولاً إلى العملية السياسية ظناً منهم أن ذلك سيشمل اعترافاً بسلطة الواقع، أي الانقلاب. وهنا كان مقترح الأمم المتحدة يتخذ موقفاً متوسطاً لا هو بالمفرط بقرار مجلس الأمن ولا ملتزماً بحرفيته[9]، وتمثل هذا الحل في مسودة الاتفاق بطرح المسارات المتوازية بحيث يبدأ التفاوض على اتفاق سياسي مع بداية المرحلة التمهيدية وفي نهايتها يتم التوصل إلى اتفاق سياسي، وهذا يعني أن الاتفاق السياسي يتم عند انتهاء الانقلاب، وذلك بانسحاب المليشيات وتسليم السلاح ومؤسسات الدولة في كل من صنعاء وتعز والحديدة، وبذلك تكون سلطة الواقع للانقلاب قد انتهت فعلاً وإن تواجدت المليشيات في بعض المناطق.

   وبهذا يكون واضحاً للجميع أن رفض قادة المليشيات للاتفاق يمثل إصراراً على استمرار الانقلاب والحرب، وأن حديثهم على العودة إلى العملية السياسية ليس إلاَّ محاولة للحصول على اعتراف بالانقلاب كأمر واقع طالما هم قادرون على مواصلة الحرب.

 

 


[1]- نص المبدأ الأول على: ((العمل على وقف إطلاق النار والتوصل إلى هدنة متزامنة مع انسحاب الأطراف المتحاربة من مناطق القتال)).

[2]- نص المبدأ الثاني على: ((محاربة كافة أشكال الإرهاب ومنع سيطرته وانتشاره)).

[3]- نص المبدأ الثالث على: ((تطوير آلية لوقف إطلاق النار وانسحاب الأطراف المتحاربة ووضع آلية دولية للرقابة)).

[4]-  نص المبدأ الرابع على: ((تفعيل عمل الإدارات الحكومية والمؤسسات الخدمية من أجل تقديم الخدمات الأساسية للشعب اليمني)).

[5]- ذيلت ورقة النقاط أو المبادئ السبعة بالنص على: ((يقوم المبعوث الخاص بإجراء مشاورات سياسية مع كافة المكونات اليمنية والمجتمع المدني من أجل مواصلة العملية السياسية بناءً على قرار مجلس الأمن رقم (2216) وجميع القرارات ذات الصلة)).

[6]- مبادئ مسقط لحل الأزمة السياسية في اليمن نصت على ما يلي:

1-الإلتزام بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بما فيها القرار رقم (2216)، من جميع الأطراف وفق آلية تنفيذية يتم التوافق عليها، وبما لا يمس السيادة الوطنية، مع التحفظ على العقوبات الصادرة بحق المواطنين اليمنيين.

2-وقف دائم وشامل لإطلاق النار من جميع الأطراف، وانسحاب كل الجماعات والمليشيات المسلحة من المدن، وفقاً لآلية يتفق عليها لسد الفراغ الأمني والإداري، ويرفع الحصار البري والبحري والجوي.

3-الاتفاق على رقابة محايدة على تنفيذ الآلية التي سيتم الاتفاق عليها، بإشراف الأمم المتحدة.

4-احترام القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك المواد التي تتعلق بحماية المدنيين وإطلاق سراح المعتقلين والمحتجزين من كل الأطراف، بما في ذلك الأشخاص التي وردت أسماؤهم في قرار مجلس الأمن، وتسهيل أعمال الإغاثة الإنسانية والسماح بدخول البضائع التجارية والمواد الغذائية والطبية والمشتقات النفطية وغيرها من المواد الأساسية بدون قيود.

5-تعود حكومة رئيس الوزراء خالد بحاح المشكلة بشكل توافقي، لتمارس مهامها كحكومة تصريف أعمال لا تتجاوز 60 يوماً يتم خلالها تشكيل حكومة وحدة وطنية، بما لا يتعارض مع الدستور.

6-استئناف وتسريع المفاوضات بين الأطراف اليمنية التي تجري بوساطة الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن.

7-تلتزم كل الأطراف بتسليم السلاح الثقيل إلى الدولة وفقاً لمخرجات الحوار الوطني الشامل.

[7]- نصت الفقرة (3) على: ((1.3.يتم إنشاء لجنة عسكرية وأمنية وطنية بالإضافة إلى لجان عسكرية وأمنية على مستوى المحافظات المنصوص عليها في الملحق الأول لهذا الاتفاق)).

[8]- نصت الفقرة (4) على: ((1.4.يتم احترام التراتبية القانونية داخل مؤسسات الدولة وإزالة أية عوائق أو عراقيل تحول دون عمل مؤسسات الدولة بطريقة سلمية ويشمل ذلك حل المجلس السياسي واللجان الثورية والشعبية ومغادرتها لكل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية خلال المرحلة الانتقالية)).

[9]- تنص الفقرة(1) على: ((1. يمثل هذا الاتفاق الموقع في الكويت بتاريخ.... يوليو تموز 2016م (ويشار إليه فيما يلي بـ"الاتفاق") مع ملحقاته نصاً واحداً منسجماً وغير قابل للتجزئة (اتفاق الكويت))). وتنص الفقرة (7) على: ((1.7.تلتزم الأطراف بالتوصل لاتفاق سياسي كامل وشامل خلال خمسة وأربعين (45) يوماً من تاريخ توقيع هذا الاتفاق ويشتمل على آليات وطنية ودولية للمتابعة لضمان تنفيذ الاتفاق. 2.7.اتفقت الأطراف على استكمال المشاورات في غضون خمسة وأربعين يوماً في مكان يتم الاتفاق عليه وذلك بهدف إكمال الاتفاق من أجل سلام شامل ودائم في اليمن))

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

@aleshterakiNet

 

الموقف الدولي بعد انقلاب الثورة المضادة (قرار مجلس الأمن رقم 2216):

   أستند قرار مجلس الأمن رقم (2216) لسنة 2015م إلى القرارات السابقة وأعاد تأكيد ما ورد فيها. لكن جديد القرار تصرف مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بصورة مباشرة، واتخاذ تدابير عقابية جديدة تضاف إلى التدابير المتخذة في القرارات السابقة. وتحت طائلة العقوبات قرر إلزام الحوثيين وبقية الأطراف بالتنفيذ الكامل للقرار (2201) لسنة 2015م بالامتناع عن اتخاذ المزيد من الإجراءات الانفرادية التي تقوِّض العملية السياسية، وألزم الحوثيين على وجه الخصوص بالتوقف فوراً ودون قيد أو شرط عن استخدام العنف، وسحب قواتهم من جميع المناطق التي استولوا عليها بما في ذلك العاصمة صنعاء، وتسليم جميع الأسلحة التي استولوا عليها من المؤسستين العسكرية والأمنية، والتوقف عن اغتصاب سلطة الحكومة الشرعية، والتوقف عن استفزاز الدول المجاورة وتهديدها، وإطلاق سراح وزير الدفاع وجميع السجناء السياسيين والموضوعين تحت الاقامة الجبرية، وإنهاء تجنيد الأطفال وتسريح المجندين منهم (فقرة 15 من القرار). وحددت الفقرة (2) من القرار مدة التنفيذ بعشرة أيام، وفي حالة عدم التنفيذ يقوم مجلس الأمن بإخضاع المزيد من الأفراد والكيانات للتدابير العقابية المنصوص عليها في الفقرتين (11و15) من القرار رقم (2140) لسنة 2014م وتوسيعها بموجب القرار (2204) لسنة 2015م وهو القرار الذي أخضع أحمد علي عبدالله صالح وعبدالملك الحوثي للتدابير العقابية، إضافة الى عبدالخالق الحوثي وعبدالله يحي الحكيم وعلي عبدالله صالح.

   وفيما يتعلق بالحوار، قررت الفقرة (5) استئناف وتسريع المفاوضات الشاملة التي تجري بواسطة الأمم المتحدة بين جميع الأطراف لمواصلة عملية الانتقال السياسي وفقاً للمبادرة الخليجية وآلية تنفيذها ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

   واعتبرت الفقرة (6) الهدف الرئيس من الحوار العودة إلى العملية السياسية والانتقال الديمقراطي وتنفيذ الحل السياسي طبقاً للمبادرة الخليجية وآلية تنفيذها ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

   وأعتبر القرار في فقرته (7) أن هدف مؤتمر الرياض تقديم المزيد من الدعم لعملية الانتقال السياسي ولتكملة ودعم المفاوضات التي تجري بوساطة من الأمم المتحدة، أي أن مؤتمر الرياض ليس بديلاً عن الحوار الجاري بوساطة الأمم المتحدة.

    وطبقاً للقرار في فقرته (14) أضيف إلى نطاق التدابير العقابية المنصوص عليها في القرار (2140) لسنة 2014م حظر توريد الأسلحة للمشمولين بالتدابير العقابية، بحظر التوريد أو البيع أو النقل إلى أو لفائدة علي عبدالله صالح وعبدالله يحيى الحكيم وعبدالخالق الحوثي والكيانات والأفراد الذين حددتهم اللجنة المنشأة بموجب الفقرة (19) من القرار (2140) لسنة 2014م والكيانات والأفراد المدرجة أسماؤهم في ملحق هذا القرار، وهم أحمد علي عبدالله صالح وعبدالملك الحوثي والكيانات التي يسيطرون عليها.

   لقد كانت عملية نقل السلطة والانتقال الديمقراطي في اليمن محل دعم وإجماع دولي، وصبت في هذا الاتجاه كافة قرارات مجلس الأمن:

(2014)2011م،و(2051)2012م،و(2140)2014م،و(2201)2015م، و(2204)2015م، و(2216) 2015م ومن ثم أتت هذه القرارات جميعها لدعم إنجاز مهام الفترة الانتقالية ودعم الشرعية وإدانة إعاقة عملية الانتقال، وكانت تتخذ بالإجماع عدا القرار(2216) الذي تحفظت عليه روسيا الاتحادية ومع ذلك وقفت الحكومة الروسية مع تنفيذ القرار، والذي أتى بعد الانقلاب وأظهر بوضوح إدانة للثورة المضادة وعبر عن إرادة المجتمع الدولي في القضاء على الانقلاب ودعم مسار العملية الانتقالية وتنفيذ ما تبقى من مهامها التي تشمل صياغة دستور جديد، وإصلاح النظام الانتخابي، وإجراء استفتاء على مشروع الدستور، وتنظيم الانتخابات العامة، إلى جانب المهام التي أُعيق تنفيذها ونص عليها في اتفاقي المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها والمنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن الأخرى، وأهمها إعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية، وإصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وإصدار قانون استرداد الأموال المنهوبة، وغيرها من المهام، معتبراً أن مؤتمر الرياض يأتي "من أجل مواصلة عملية الانتقال السياسي في اليمن وسعياً إلى تكملة ودعم المفاوضات التي تجري بوساطة من الأمم المتحدة"[1].

    وعلى الرغم من أن الحكومة اليمنية قد تمسكت بالشرعية الدولية وبتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (2216)، وهو الأمر المعني به المجتمع الدولي، إلاَّ أن التعاون لم يكن بالمستوى المطلوب.

     فقرار مجلس الأمن رقم (2216) صدر بعد فترة وجيزة من تدخل التحالف العربي الذي بدأ بتاريخ 26 مارس 2014م، وصدر القرار في تاريخ 15/4/2015م. ونصت ديباجة القرار على الدعوة للحوار والتفاوض بوساطة من الأمم المتحدة وأكد مجلس الأمن التزامه بدعم هذا التفاوض الذي خصص له فقراته (7،6،5). لكن الحكومة فوجئت بدعوة الأمانة العامة للأمم المتحدة لعقد لقاء تشاوري في جنيف وبتحديدها موعده وأطرافه ومرجعياته دون التشاور المسبق مع الحكومة والأحزاب الداعمة للشرعية. ورافق ذلك تحرك سياسي ودبلوماسي من دول أعضاء في مجلس الأمن ودول مجلس التعاون، فكانت ردة فعل الرئاسة وبعض الأحزاب في البداية سلبية تجاه الدعوة. وزاد تأثير الموقف السلبي استبعاد رئيس الجمهورية للأحزاب الداعمة للسلام مثل الحزب الاشتراكي اليمني من المشاركة في اتخاذ القرار، وكان للموقف المتشدد من حيث المبدأ مبررات وجيهة لكنها لا ترقى إلى حجب الرؤية عن ضرورة السعي إلى تحقيق السلام، ومن تلك المبررات أن الدعوة تستهدف تجنب القيام بأي تدابير عملية لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (2216) والقفز على هذه المهمة إلى التشاور أو التفاوض المباشر مع الإنقلابيين. لكن اللجنة السياسية الحكومية[2] تقدمت برؤية أخرى جوهرها ضرورة قبول الدعوة، بل وبذل كل الجهود لدعمها ومواصلة التعاون مع المساعي الإيجابية التي تقوم بها الأمم المتحدة ممثلة بالأمانة العامة وأعضاء مجلس الأمن. وتم الأخذ برأي اللجنة السياسية مع وجود تحفظات من بعض ممثلي الأحزاب السياسية، على الرغم من أن رأي اللجنة أكد على التمسك بأن يؤدي التشاور أو التفاوض إلى إنهاء الانقلاب والعودة إلى العملية السياسية وأن يتم على أساس المرجعيات الأساسية لشرعية الفترة الانتقالية وإنهاء الانقلاب وأن يكون أطراف التشاور أو التفاوض: السلطة الشرعية وقوى الانقلاب، وأن تكون عملية الحوار بعد انتهاء المرحلة الأولى بالعودة إلى العملية السياسية بعد زوال الانقلاب، أي أنه يجب أن يكون التفاوض على مرحلتين بغض النظر عن التسمية، تجري في المرحلة الأولى المفاوضات بوفد يمثل الحكومة ويكون إلى جانبه هيئة استشارية من الأحزاب والقوى السياسية الداعمة للشرعية من أجل استعادة الدولة، وفي المرحلة الثانية، عندما يتم الالتزام بقرارات مجلس الأمن واستعادة السلطة الشرعية وممارسة الحكومة لمهامها، تشارك الأحزاب والقوى السياسية مباشرة لاستئناف تنفيذ المهام المتعلقة بالمرحلة الانتقالية .

     واقترحت اللجنة الحكومية الخيارات والبدائل لمواجهة أهداف الانقلابيين في استمرار الحرب، إدراكاً لحقيقة أن قبولهم التفاوض ليس من أجل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، بل حصراً لتحقيق مكاسب سياسية للانقلاب وإحداث اختراق للخروج من الحصار والالتفاف على قرارات مجلس الأمن وإعاقة تنفيذها. وقد أثبت هذا التقدير صحته في الواقع.

    وحددت اللجنة معايير اختيار فريق التفاوض لكي يكون أداؤه على مستوى عال من المهنية.

   وقد أخذت الرئاسة والحكومة بمبدأ القبول بالتفاوض على مرحلتين، لكنها أهملت إستخلاصات اللجنة ومقترحاتها، بما في ذلك معايير اختيار المفاوضين والتعاون مع الأحزاب السياسية ودورها في اتخاذ التدابير السياسية والإعلامية لإنجاح التفاوض، وآليات متابعة وتقييم وتوجيه الوفد، واُستبعدت اللجنة السياسية من الإعداد للتفاوض.

    واصلت اللجنة السياسية العمل لإيجاد وضوح تام قبل الذهاب للتشاور أو التفاوض، ومن ذلك: وضع (إطار للتشاور والتفاوض في المرحلة الأولى)[3] بناء على تصور الحكومة اليمنية لكيفية الحل[4].

وعقدت مشاورات جنيف في 15/6/2015م وتحققت توقعات اللجنة السياسية، إذ تميز المسار في أولى خطواته بالإخفاقات، من خلال سعي الإنقلابيين إلى إفراغ قرار مجلس الأمن من مضمونه لكي يتمكنوا من المساومات خارج الشرعية الوطنية والشرعية الدولية. ففشلت المحاولة بفضل ما أفرزته المقاومة حينها من تقدم على الأرض، ووضوح صياغة قرار مجلس الأمن رقم (2216) لعام 2015م. فقام الإنقلابيون بمحاولة أخرى للاختراق بتقدمهم بما سمي النقاط العشر[5]ومن خلال قنوات متعددة سعت إلى تثبيت مسار يخرج عن الشرعية الوطنية والشرعية الدولية ومقتضيات الحل الصحيح بطرح ما سمي بالنقاط السبع[6]. وفشلت هذه المحاولة أيضاً. وكتب لمحاولتي الاختراق الفشل على الرغم مما كان فريق المفاوضات وصف الشرعية يعانيه من ارتباك وقلة كفاءة وعدم الشراكة في اتخاذ القرارات، والمواقف المربَكة لممثل الأمم المتحدة بإصداره بيانات تتناقض مع قرار مجلس الأمن ودعوة الأمم المتحدة للقاء والتشاور. وانتهى لقاء جنيف دون أي نتيجة. وكانت مبادئ النقاط السبع السبب المباشر لفشل التشاور.

     وكان واضحاً أن الإنقلابيين أرادوا من تقديمها إفشال المفاوضات، لأنها بالأصل ترفض الاعتراف بالشرعيتين الوطنية والدولية وتسعى للاعتراف بشرعية الانقلاب متجاهلة حتى موضوع التشاور وأطرافه المحددين في دعوة الأمين العام للأمم المتحدة التي حددت أطرافها بالسلطة الشرعية والحوثيين وحلفائهم، كما حددت موضوعها بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ومرجعيتها: المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وقرارات مجلس الأمن وخاصة القرار رقم (2216). ومع ذلك تبنى ممثل الأمين العام للأمم المتحدة مبادئ النقاط السبع التي كانت عاملاً آخر لإفشال مشاورات جنيف. ومحاول الوسيط إظهار عدم فشل المشاورات لإبقاء الباب مفتوحاً أمام مواصلة المشاورات وعقد جولة ثانية في سويسرا كانت نتيجتها الفشل أيضاً عدا تشكيل لجان تنسيق.

     وقد وقفت اللجنة السياسية الحكومية أمام مشاورات جنيف ووجدت أنها فشلت فشلاً تاماً. وهذا استخلاص لم يرق لفريق المشاورات الحكومي.

هوامش


[1]- راجع: ديباجة القرار رقم (2216)2015م.

[2]- تشكلت اللجنة السياسية بقرار من رئيس مجلس الوزراء بعد موافقة المجلس، برئاسة الأستاذ/ عبدالله الصائدي وزير الخارجية، وعضوية الدكتور/ محمد سعيد السعدي وزير الصناعة والتجارة، الدكتور/ محمد أحمد علي المخلافي وزير الشئون القانونية، الدكتور/ خالد باجنيد وزير العدل، الدكتور/ رياض ياسين وزير الصحة، الأستاذ/ عزالدين سعيد أحمد الأصبحي وزير حقوق الإنسان، الدكتور/ محمد العامري وزير الدولة، الدكتور/ أحمد عوض بن مبارك مدير مكتب رئيس الجمهورية ثم نائبه الدكتور/ عبالله العليمي، والدكتور/ محمد العوادي مدير مكتب رئيس مجلس الوزراء- نائب رئيس الجمهورية.

[3]-  أشتمل إطار (التشاور) في المرحلة الأولى على مقترح بجدول الأعمال على النحو التالي:

1-تحديد التدابير اللازمة لضمان الكف عن استخدام العنف.

2-سحب ميليشيات وقوات وتشكيلات الحوثي وعلي عبدالله صالح من جميع المناطق التي استولوا عليها، بما في ذلك العاصمة صنعاء، وتوفير سبل الإغاثة والممرات الأمنة.

3-تسليم المليشيات والتشكيلات العسكرية لجميع الأسلحة التي استولوا عليها من مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.

4-وقف جميع الأعمال التي تقوم بها حركة الحوثي والتي تندرج ضمن نطاق سلطة الحكومة الشرعية في اليمن.

5-الإمتناع عن استفزاز أو تهديد الدول المجاورة.

6-الإفراج خلال أسبوع عن اللواء محمود الصبيحي وزير الدفاع وجميع السجناء والمحتجزين أو رهن الإقامة الجبرية من السياسيين والإعلاميين وكل شخص جرى احتجازه تعسفاً. 

7-وضع التدابير اللازمة لإنهاء تجنيد الأطفال في المليشيات الحوثية وحليفهم علي عبدالله صالح وتسريح جميع المجندين من الأطفال.

[4]- نص تصور الحكومة اليمنية لكيفية الحل على النحو التالي:

1-إعلان مليشيات الحوثي وصالح الالتزام بقرار مجلس الأمن رقم (2216) دون قيد أو شرط.

2-قيام الحكومة ومؤسسات وأجهزة الدولة بكافة وظائفها السيادية والتزام جميع الأطراف بتسهيل مهامها وأعمالها.

3-وضع نهاية لعدوان الحوثي-صالح وسحب كافة التشكيلات والمليشيات التابعة لهما من مؤسسات الدولة ومن كافة المدن والمناطق، بما فيها، العاصمة صنعاء وصعدة.

4-إعلان المليشيات الحوثية فوراً ورسمياً قبولها بحل نفسها والتحول للعمل السياسي وتسليم أسلحة الدولة والكف عن ممارسة السلطة في أي مكان من أراضي الجمهورية.

5-تشكيل فريق مراقبين عسكريين، من قبل الأمم المتحدة، للتحقق من انسحاب تشكيلات ومليشيات الحوثي-صالح من مؤسسات الدولة وكافة المناطق، بما في ذلك صعدة.

6-تسليم مليشيات الحوثي وصالح للأسلحة الثقيلة والمتوسطة وتسليم مخازن الأسلحة والمعسكرات بإشراف المراقبين العسكريين الدوليين.

7-تقوم الدولة بممارسة مهامها السيادية على حدود الدولة.

8-الافراج الفوري وبأمان عن اللواء محمود الصبيحي وزير الدفاع وعن جميع السجناء والمخفيين قسراً عبر الصليب الأحمر الدولي.

9-تسريح جميع الأطفال المجندين في مليشيات الحوثي-صالح.

10-وصول المساعدة الإنسانية ومواد الإغاثة دون معوقات أو حواجز إلى المحتاجين، من خلال قيام الأمم المتحدة بتشكيل فريق حماية بالشراكة مع الحكومة.

11-تضع الدولة استراتيجية وطنية لمحاربة التنظيمات الإرهابية: القاعدة، داعش، أنصار الشريعة وما يماثلها من التنظيمات الإرهابية، بمساعدة ودعم المجتمع الدولي.

12-يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً إلى مجلس الأمن، بناءً على إفادات المراقبين العسكريين بشأن التزام تشكيلات ومليشيات الحوثي-صالح في فترة لا تتجاوز الأسبوعين من تاريخ مباشرة المراقبين الدوليين لعملهم.

13-تفعيل العقوبات المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومتابعة الأمين العام للأمم المتحدة للدول الأعضاء لتنفيذ أحكام تلك القرارات.

14-الالتزام بواجبات الجمهورية اليمنية ذات الصلة بالقانون الإنساني الدولي، ويشمل ذلك حماية المدنيين والأعيان المدنية كالكهرباء والماء والمنشئات الطبية وغيرها.

15-يتعهد المجتمع الدولي والإقليمي بمعالجة مخلفات الحرب وآثارها الكاملة وإعادة إعمار شامل لليمن.

16-على مليشيات الحوثي-صالح التقيد بمبدأ الحصانة الدبلوماسية ووضع نهاية للممارسات التي تتعارض مع اتفاقيتي فينا للعلاقات الدبلوماسية (1961م) والقنصلية (1963م).

17-العودة إلى استكمال العملية السياسية التي توقفت إثر اجتياح المليشيات الحوثية للعاصمة صنعاء في 21سبتمبر 2014م فور الانتهاء من إنجاز مهام المرحلة الأولى المنصوص عليها في الفقرة (1) من قرار مجلس الأمن واستعادة دور سلطات الدولة وبسط نفوذها في كافة أنحاء البلاد، بما في ذلك، محافظة صعدة.   

[5]- مبادئ النقاط العشر المقدمة من الانقلابيين نصت على ما يلي:

1-الاستعداد للتعامل الإيجابي مع جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة والتي أخرها القرار (2216).

2-وقف دائم وشامل لإطلاق النار من جميع الأطراف، وانسحاب كل الجماعات والمليشيات المسلحة من المدن، وفقاً لآلية يتفق عليها لسد الفراغ الأمني والإداري، ورفع الحصار البري والبحري والجوي.

3-الاتفاق على رقابة محايدة على تنفيذ الآلية التي سيتم الاتفاق عليها.

4-احترام القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك المواد التي تتعلق بحماية المدنيين وإطلاق سراح المعتقلين والمحتجزين من كل الأطراف، وتسهيل أعمال الإغاثة الإنسانية والسماح بدخول البضائع التجارية والمواد الغذائية والطبية والمشتقات النفطية وغيرها من المواد الأساسية بدون قيود.

5-قيام مؤسسات الدولة في المجالات الخدمية بوظائفها والتزام جميع الأطراف بتسهيل مهامها وأعمالها.

6-استئناف وتسريع المفاوضات بين الأطراف اليمنية التي تجري بوساطة الأمم المتحدة، وفقاً للمادة (5) من قرار مجلس الأمن (2216)، والتي تتناول أموراً من بينها المسائل المتعلقة بالحكم، وذلك من أجل مواصلة عملية الانتقال السياسي بهدف التوصل إلى حل توافقي.

7-وضع خطة وطنية لمواجهة التنظيمات الإرهابية، القاعدة وداعش وأنصار الشريعة وما يماثلها من التنظيمات الإرهابية، بمساعدة ودعم المجتمع الدولي.

8-الاتفاق على آلية تحفظ أمن حدود البلدين وسيادتهما الكاملة، وإزالة المخاوف المشروعة لدى المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية، وعدم تدخل أي منهما في شؤون الآخر.

9-يتعهد المجتمع الدولي والإقليمي بمعالجة مخلفات الحرب وآثارها الكاملة وإعادة إعمار شامل لليمن.

10-تلتزم كل الأطراف بتسليم السلاح الثقيل إلى الدولة وفقاً لمخرجات الحوار الوطني الشامل.

[6]- تضمنت مبادئ النقاط السبع على ما يلي:

1-العمل على وقف شامل لإطلاق النار بما فيه انسحاب القوات المتحاربة من مناطق القتال.

2-اتخاذ إجراءات لمحاربة الإرهاب ومنعه من السيطرة والانتشار.

3-تشكيل ووضع آلية للرقابة على وقف إطلاق النار وانسحاب المتحاربين.

4-الحرص على إعادة تفعيل الإدارات الحكومية والمسئولة عن الخدمات.

5-تسيير الإغاثة الإنسانية بآلية تشرف عليها الأمم المتحدة للتفتيش براً وبحراً وجواً.

6-التأكيد على ضرورة احترام القانون الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين وإطلاق سراح المعتقلين غير المقاتلين.

7-على المبعوث الخاص للأمم المتحدة مواصلة المشاورات مع باقي المكونات السياسية والأطراف.

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

@aleshterakiNet

 

الموقف الدولي قبل انقلاب الثورة المضادة 

   صدر أول قرار لمجلس الأمن لدعم الانتقال الديمقراطي في اليمن بعد اندلاع الثورة الشبابية الشعبية في جلسة المجلس (6634) المنعقدة في أكتوبر 2011م برقم (2014).

   فقد أدان القرار في مادته (2) انتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة التي ترتكبها السلطات اليمنية بالاستعمال المفرط للقوة ضد المتظاهرين السلميين وأعمال العنف والانتهاكات التي ترتكبها الأطراف الفاعلة الأخرى، وأوجب محاسبة كل المسئولين عن ارتكاب العنف وانتهاك حقوق الإنسان والاعتداء عليها[1]. وألزم في الفقرة (3) كافة الأطراف بالامتناع والتوقف فوراً عن استخدام العنف كوسيلة لبلوغ أهداف سياسية[2]. وأكد في المادة (4) سرعة تحقيق انتقال سياسي سلمي، وأوجب على رئيس الجمهورية التوقيع في أسرع وقت ممكن على اتفاق للتسوية قائم على أساس مبادرة مجلس التعاون الخليجي وتنفيذ هذا الاتفاق الذي كان قد وقع من المعارضة ممثلة بأحزاب اللقاء المشترك والمؤتمر الشعبي العام وتنفيذ قرار رئيس الجمهورية الصادر برقم (24) في 12 سبتمبر 2011م الذي يقضي بنقل سلطات الرئيس الى نائبه.

     وكان قرار مجلس الأمن ينص بدرجة أساسية على حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ويوجب على السلطات اليمنية الالتزام بأحكام القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى أن يمكن اليمنيون من ممارسة هذه الحقوق والحريات، ومنها حقهم في التجمع السلمي وحرية التعبير وإيقاف الهجمات التي تشنها قوات الأمن على المدنيين والأهداف المدنية.

كما يؤكد القرار حق المرأة بإشراكها في حل النزاع القائم ومشاركتها مشاركة تامة وعلى قدم المساواة في صنع القرار بمختلف مستوياته[3].

وأبقى هذا القرار المسألة اليمنية قيد النظر الفعلي على أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً عن تنفيذ القرار في غضون 30 يوماً من تاريخ صدوره وكل 60 يوماً بعد ذلك[4].

   وواصل الأمين العام للأمم المتحدة بموجب القرار بذل المساعي الحميدة لدى الأطراف لإنهاء النزاع ومتابعتها عبر زيارات مستشاره الخاص باليمن السيد جمال بن عمر.

   نفذت بعض جوانب قرار مجلس الأمن والمتمثلة بالتوقيع على اتفاق التسوية واتفاق إجراءات نقل السلطةـ آلية تنفيذ العملية الانتقالية على أساس المبادرة الخليجية. لكن انتهاكات حقوق الإنسان تواصلت دون اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الافلات من العقاب، وعدم تنفيذ قرار مجلس حقوق الإنسان الذي أشير إليه في ديباجة القرار، والقاضي بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في الانتهاكات المزعومة عام 2011م، فصدر البيان الرئاسي لمجلس الأمن المؤرخ 29 مارس 2012م والذي جاء فيه:  "ويؤكــد مجلــس الأمــن مجــدداً علــى ضــرورة محاســبة جميــع المــسؤولين عــن الانتـهاكات والإسـاءات لحقـوق الإنـسان، بمـا في ذلـك أعمـال العنـف، كمـا يلاحـظ مجلـس الأمـن بقلـق تواصـل تجنيـد الأطفـال واسـتغلالهم مـن قبـل المجموعـات المـسلحة وبعض العناصر العسكرية، وهو يدعو إلى مواصلة بذل الجهود الوطنية مـن أجـل منـع استغلالهم وتجنيدهم".

   وانطلاقاً من كون المسألة اليمنية قيد النظر، صدر القرار الثاني لمجلس الأمن في 12 يونيو2012م برقم (2051) وأنصب بدرجه أساسية على دعم تنفيذ مهام المرحلة الثانية من الفترة الانتقالية ومواجهة الأعمال الهادفة إلى تقويض الدعم الاقتصادي والإنساني لليمن.

وأكدت الفقرات (5،4،3) على عقد مؤتمر حوار وطني يضم جميع الأطراف، وأن تكون الجماعات الشبابية والنسائية من بين المشاركين فيه، وإعادة هيكلة قوات الأمن والقوات المسلحة في إطار هيكل قيادة وطني موحد وذي طابع وطني، والدفع قدماً بعملية الانتقال عبر سبل منها إصلاح القطاع الأمني وإجراء تغييرات في المناصب العليا في قوات الأمن والقوات المسلحة، وإنهاء جميع النزاعات المسلحة، وإلزام الحكومة بسرعة إصدار التشريع الخاص بالعدالة الانتقالية لدعم المصالحة الوطنية، وإجراء إصلاح دستوري وانتخابي وإجراء الانتخابات العامة.

   كانت الثورة المضادة قد بدأت بأعمال تظهر فشل الفترة الانتقالية مما جعل مجلس الأمن يؤكد في بيانه الرئاسي على وقف جميع الأعمال التي تستهدف تقويض حكومة الوفاق الوطني وتقويض عملية الانتقال السياسي. ومن تلك الأعمال القيام بهجمات مستمرة لتدمير البنية التحتية الخاصة بإمدادات النفط والكهرباء، وعرقلة إعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن والتعيينات العسكرية والأمنية، معرباً عن استعداده لاتخاذ تدابير بموجب المادة (41) من ميثاق الأمم المتحدة إذا استمرت أعمال التقويض هذه[5].

   وفيما يتعلق بحقوق الإنسان أكد القرار على إلزام السلطات اليمنية بإجراء تحقيق شامل ومستقل ومحايد ومستوفي للمعايير الدولية بخصوص ما زُعِم وقوعه من انتهاكات حقوق الإنسان، ومنع الإفلات من العقاب. وكان القرار يقصد على وجه التحديد الانتهاكات التي حدثت أثناء الثورة عام 2011م.

    أخذت التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجه اليمن حيزاً مهماً في قرار مجلس الأمن الذي دعا المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، إلى سرعة تقديم الدعم العاجل لليمن لمواجهة تلك التحديات الكبيرة من خلال مجموعة أصدقاء اليمن على وجه التحديد.

بيد أن القرار لم يطبق في واقع الممارسة على الرغم من انعقاد المؤتمرات المتكررة لأصدقاء اليمن.

   وصدر القرار رقم (2140) لسنة 2014م في ظل زيادة مؤشرات التحضير للثورة المضادة من قبل النظام القديم باستخدام وحدات الجيش والأمن ـ الحرس الجمهوري والأمن المركزي، بدرجة أساسية والقاعدة أو التنظيمات الارهابية إجمالاً بغض النظر عن مسمياتها، مما جعل مجلس الأمن يدرك بصورة أكبر ضرورة إزالة خطر الثورة المضادة، وأن تحقيق الانتقال الديمقراطي يتطلب طي صفحة رئاسة علي عبد الله صالح وعدم تمكينه من توسيع رقعة التحالف ليسير في عملية الثورة المضادة بمشاركة وتعاون جميع الجهات المعنية في اليمن، بما فيها الجماعات التي لم تكن طرفاً في مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآلية تنفيذها بعد أن صار واضحاً "أن الحالة في اليمن تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين في المنطقة"[6]، وكان بهذا يقصد الجماعات التي لم تكن طرفاً في مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآلية تنفيذها، بدرجة أساسية، أي جماعات الحراك الجنوبي وجماعة الحوثي والشباب والمرأة ، كما تبين من الفقرة الثالثة.

فقد أكد في فقرتيه الأولى والثانية على أن طي صفحة الماضي لحكم علي عبد الله صالح يستوجب الإسراع في انجاز مهام الفترة الانتقالية أو ما تبقى من المرحلة الثانية طبقاً لاتفاق المبادرة واتفاق الآلية التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، محدداً تلك المهام بموجب آلية تنفيذ العملية الانتقالية في اليمن وهي:

1ـ صياغة دستور جديد في اليمن.

2ـ إصدار وتنفيذ الاصلاح الانتخابي: إصدار قانون انتخابات جديد، ووضع سجل انتخابي جديد وتشكيل لجنة عليا للانتخابات طبقاً للدستور الجديد، بعد الاستفتاء عليه.

3ـ إصلاح بنية الدولة لإعداد اليمن للانتقال من الدولة البسيطة إلى الدولة الاتحادية.

4ـ إجراء الانتخابات في الوقت المناسب[7].

   ولأن مخاطر انقلاب الثورة المضادة بدأت تطل برأسها بصورة واضحة وتستهدف الفترة الانتقالية القائمة على التوافق ومرجعياته والشرعية الشعبية لرئيس الجمهورية، أكد القرار من أول سطر على شرعية التوافق وشرعية مرجعيتها المتمثلة باتفاق مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية واتفاق آلية تنفيذها ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، مؤكداً أن ولاية الرئيس عبد ربه منصور هادي لا تنتهي إلا بنهاية إنجاز مهام الفترة الانتقالية، وعلى وجه التحديد بعد إجراء الانتخابات العامة النيابية، والمحلية والرئاسية، وعقب تنصيب الرئيس المنتخب بموجب الدستور الجديد، وكان القرار بذلك يؤكد ما ورد في آلية تنفيذ العملية الانتقالية وضمانات مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

   وإدراكاً من مجلس الأمن بأن العدالة الانتقالية وتحقيقها، إلى جانب إعادة هيكلة الجيش والأمن وإقامة الدولة الاتحادية من خلال دستور جديد، تمثل جوهر التغيير في اليمن والضمانة الأكيدة للانتقال الديمقراطي، لم يوجب القرار سرعة إصدار قانون بشأن العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وبما يتفق مع مخرجات مؤتمر الحوار  الوطني فحسب، بل أكد على سرعة إصدار قانون بشأن استعادة الاموال المنهوبة والاستعداد لدعم إنفاذه، وكذا تنفيذ القرار الجمهوري رقم (140) لسنة 2012م بشأن إنشاء لجنة التحقيق، والذي نص على أن تكون التحقيقات في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت في عام 2011م  شفافة ومستقلة وملتزمة بالمعايير الدولية، ويكون التنفيذ من قبل الحكومة اليمنية بتعيين أعضاء اللجنة في القريب العاجل[8].

   وعلى الرغم من إدراك الحكومة اليمنية، كما أسلفنا، لأهمية تحقيق العدالة الانتقالية وإلزامية قرار مجلس الأمن، تجنب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الاصطدام بالنظام القديم، فاستجابا لتعطيل مشروعي القانونين وتعطيل القرار النافذ، بعدم استخدام صلاحيتهما بالموافقة على المشروعين وتسمية أعضاء لجنة التحقيق المستقلة، على الرغم من أن مجلس الأمن في هذا القرار قد أقدم على خطوة أولى لتدابير عقابية ضد المعرقلين لعملية الانتقال الديمقراطي والتي تشمل، العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، حيث أوجبت الفقرة (11) من القرار على جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تجميد جميع الأموال المالية والموارد الاقتصادية الأخرى الموجودة في أراضيها ودون تأخير لمدة سنة أولية، والتي تملكها أو تتحكم فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الجهات من الأفراد أو الكيانات التي تعين أسمائها اللجنة المنشأة بموجب القرار أو الجهات من الأفراد أو الكيانات التي تعمل باسمها أو وفقاً لتوجيهاتها، أو الكيانات التي تملكها أو تتحكم فيها ويشمل ذلك مواطني الدول المعنية[9]، ويشمل التجميد وفقاً للفقرة (13) الفوائد أو الأرباح المستحقة أو الالتزامات[10]. وإلى جانب تجميد أموال الأشخاص الذين تحدد اللجنة أسماءهم، يلزم القرار الدول الأعضاء باتخاذ ما يلزم من تدابير لمنع دخولهم أراضيها أو عبورهم منها[11].

   وحدد القرار معايير تحديد الجهات الخاضعة للإجراءات من أفراد أو كيانات، والمتمثلة بقيامهم أو مشاركتهم في أعمال تهدد السلام أو الأمن والاستقرار في اليمن أو تقديم الدعم لتلك الأعمال. ومن تلك الأعمال، على سبيل المثال لا الحصر، عرقلة أو تقويض نجاح عملية الانتقال السياسي على النحو المبين في اتفاق مبادرة مجلس التعاون الخليجي واتفاق آلية تنفيذ العملية الانتقالية أو إعاقة تنفيذ النتائج التي توصل إليها مؤتمر الحوار الوطني الشامل، عن طريق القيام بأعمال عنف أو شن هجمات على البنى التحتية أو انتهاك القانون الإنساني الدولي أو أعمال تشكل انتهاكا لحقوق الإنسان أو للقانون الإنساني الدولي أو توجيه تلك الأعمال أو ارتكابها في اليمن الفقرة(18).

   وتشكلت اللجنة طبقا للفقرة (19) من القرار، وقدمت تقريرها إلى مجلس الأمن بتاريخ 20 فبراير 2015م عبر فريق الخبراء المعني باليمن الذي أُنشئ عملاً بقرار مجلس الأمن رقم (2140) لعام 2014م. وكانت اللجنة قد نظرت فيه في 2 فبراير 2015م.

     وقد لفت التقرير انتباه مجلس الأمن إلى أن السلطات تعاني من ضعف في القيادة والسيطرة على القطاعين العسكري والأمني، بالقول إن ثمة تنوعاً في تأثير الجهات الفاعلة والإقليمية. وكان التقرير قد أعِد بعد مرور فترة وجيزة من نيل حكومة الكفاءات الثقة، إذ منحت الثقة من مجلس النواب في ديسمبر 2014م.

    وأشار التقرير إلى أن تحالف النظام القديم مع القاعدة من ناحية ومع الحوثيين من ناحية أخرى يعيق إنجاز الحكومة لما تبقى من مهام الفترة الانتقالية، وأن هذا التحالف يقف وراء تقويض الدولة وضرب المصالح الحيوية كالمنشئات النفطية والغازية والكهرباء، وتوسيع سيطرته في أنحاء البلاد، والاستيلاء على أسلحة الدولة، وسيطرة الرئيس السابق وعائلته على القوات المسلحة والأمن ومؤسسات الدولة بالتحالف مع الحوثيين. وبفعل هذه السيطرة تمكن النظام القديم من إعاقة تنفيذ مهام المرحلة الانتقالية، ومن ذلك منع صدور تشريعات هامة مثل: مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، ومشروع قانون استرداد الأموال المنهوبة. وأكد التقرير أن ما حدث منذ سبتمبر 2014م هو انقلاب عسكري قام به تحالف النظام القديم بزعامة الرئيس السابق مع الحوثيين.

  وأكد التقرير على إخضاع ثلاثة أشخاص من تحالف الانقلاب للعقوبات المتمثلة في تجميد الأموال وحظر السفر وهم: عبد الخالق الحوثي وعبدالله يحيى الحكيم وعلي عبدالله صالح، وأجل إحالة آخرين حتى يتم التحقيق بشأنهم بعد التأكد من قيام تحالف الحوثي وعلي عبدالله صالح بالاستيلاء على عمران في شهر يونيو 2014م وصنعاء في 21سبتمبر 2014. وفيما يتعلق بنهب السلاح، ثبت للفريق نهب علي عبدالله صالح وعائلته والحوثي وأنصاره لسلاح الدولة من معسكرات الجيش والأمن. أما ما يتعلق بالأصول المالية فقد وجهت اللجنة عبر الفريق المختص طلبها إلى 20 دولة تشير المعلومات إلى احتمال أن تكون فيها أصول مملوكة لشخص اسمه مدرج في القائمة. وحسب المعلومات، يقدَّر ما قام علي عبدالله صالح بنهبه (بستين بليون دولار).

   وأكد القرار ما ورد في القرارات السابقة على ضرورة الالتزام بقواعد وتدابير الانتقال الديمقراطي الواردة في اتفاق مبادرة مجلس التعاون الخليجي واتفاق آلية تنفيذها ونتائج مؤتمر الحوار الوطني الشامل واتفاق السلم والشراكة الوطنية وملحقه الأمني والتي تنص جميعها على عملية انتقال ديمقراطي بقيادة يمنية.

   وألزم القرار جميع الأطراف ولاسيما الحوثيين بالعودة الى عملية الانتقال الديمقراطي ومواصلته والتوصل الى حل توافقي وفقاً للقواعد والتدابير السابقة وتنفيذ هذا الحل.

   وألزم الحوثيين بالقيام فوراً ودون شروط بالمشاركة بحسن نية في المفاوضات أو الحوار الجاري بواسطة الأمم المتحدة وسحب قواتهم وإنهاء سيطرتهم على كافة المؤسسات الحكومية والإفراج عن كافة الموجودين رهن الإقامة الجبرية أو الاحتجاز التعسفي، وفي المقدمة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وأعضاء مجلس الوزراء والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أخرى من جانب واحد من شأنها أن تقوض الانتقال السياسي والأمن في اليمن.

   وألزم التقرير جميع الأطراف بوقف جميع الأعمال العدائية المسلحة ضد الشعب وسلطته الشرعية، والتخلي عن الأسلحة التي استحوذت عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية اليمنية، وذلك وفقاً لاتفاق السلم والشراكة الوطنية وملحقها الأمني. وأوجب على الأمم المتحدة المساعدة في وضع آليات لنزع السلاح أو التسريح وإعادة الإدماج وإصلاح القضاء. وبالعودة الى المرجعيات المعتمدة في قرار مجلس الامن بشأن نزع السلاح وحل المليشيات، نجد أن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل واتفاق السلم والشراكة الوطنية وملحقه الامني قد وضعت بدرجة أساسية مبادئ وأسس وآليات تحقيق هذه المهمة.

    فقد نصت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل فيما يتعلق بقضية صعدة على أن يتضمن الدستور حكماً يجرم الحصول على الأموال من الخارج، وأن يعتبر ذلك من جرائم الخيانة العظمى، واعتبار العلاقة الفردية مع الخارج من الجرائم ضد الدولة والأمن الوطني (ف 13). وأوجبت الفقرة (20) نزع الاسلحة الثقيلة والمتوسطة واستعادة أسلحة الدولة المنهوبة من قبل الأطراف والجماعات والأفراد، ويكون امتلاك السلاح منحصراً على الدولة فقط. وأكدت الفقرة (30) على حظر احتواء الأحزاب لأي تشكيل عسكري أو شبه عسكري، وحظر أي تغيير سياسي بالعنف والقوة المسلحة. وهذا ينطبق من باب أولى على الجماعات المسلحة.

ونصت الفقرة (55) على حل مليشيات الحوثي بالنص على ان على أنصار الله سحب نقاطهم، والتوقف عن كل عمل يتنافى مع واجبات الدولة، مع استيعاب عناصرهم في أجهزة ومؤسسات الدولة.

    أما اتفاق السلم والشراكة فقد نص البند (15) منه على أنه: "فور توقيع هذا الاتفاق واعتماد السعر الجديد للمشتقات النفطية وإعلان رئيس حكومة جديد تزال المخيمات التي أقيمت في محيط منشئات أمنية حيوية ومن ضمنها حزيز، والصباحة، والمطار، وببدء تشكيل حكومة جديدة تزيل المخيمات التي أقيمت حول العاصمة صنعاء وكذلك المخيمات في داخل العاصمة ونقاط التفتيش غير التابعة للدولة في صنعاء ومحيطها".

   ونص البند (13) على أن تُعالج الحالة العسكرية والأمنية والقضايا المتعلقة بعمران والجوف ومأرب وصنعاء وأية محافظات أخرى بملحق لهذا الاتفاق.

   وأتى الملحق العسكري والأمني ليقرر تمكين الدولة من ممارسة سلطتها ويوجب وقف جميع أعمال العنف فوراً في العاصمة وعلى أراضيها كافة، ونزع السلاح، واستعادة الاسلحة الثقيلة والمتوسطة المملوكة للدولة من كافة الأطراف والجماعات والأحزاب والأفراد على المستوى الوطني، سواء نهبت أم تم الاستيلاء عليها، في وقت زمني محدد وموحد، وفق خطة مفصلية وجدول زمني للتنفيذ، وفق مخرجات الحوار الوطني، وترتيب السلطات الإدارية والأمنية والعسكرية بما يحقق فرض سلطة الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة وانسحاب جميع المجموعات المسلحة القادمة من خارج المحافظات المستولى عليها.

 

هوامش


[1]- تنص الفقرة(2) من القرار على ان مجلس الأمن: ((يدين بشدة انتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة التي ترتكبها السلطات اليمنية، من قبيل الاستعمال المفرط للقوة ضد المتظاهرين المسالمين، إضافة إلى أعمال العنف واستخدام القوة وانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الأطراف الفاعلة الأخرى، ويشدد على أنه ينبغي محاسبة كل المسئولين عن ارتكاب أعمال العنف وانتهاك حقوق الإنسان والاعتداء عليها)).

[2]- تنص الفقرة (3) من القرار: ((يطالب كافة الأطراف بالامتناع فوراً عن استخدام العنف وسيلة لبلوغ أهداف سياسية)).

[3]- تنص الفقرة (6) من القرار: ((يهيب بكافة الأطراف المعنية أن تكفل حماية النساء والأطفال وأن تعزز مشاركة المرأة في حل النزاع، ويشجع كافة الأطراف على تيسير مشاركة المرأة مشاركة تامة وعلى قدم المساواة على مستوى صنع القرار)).

[4]- تنص الفقرة (12) على: ((يطلب المجلس من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم تقرير عن تنفيذ هذا القرار في غضون 30 يوماً من اتخاذه، وكل 60 يوما بعد ذلك)). وتنص الفقرة (13) على: ((يقرر المجلس أن تبقى هذه المسألة قيد نظره الفعلي)).

[5]- نصت الفقرة (3) من قرار مجلس الأمن رقم (2051) لسنة 2012م على أن مجلس الأمن: ((يطالبكافة الأطراف بالامتناع فوراً عن استخدام العنف وسيلة لبلوغ أهداف سياسية)).

[6]- ورد النص في ديباجة قرار مجلس الأمن رقم (2140) لسنة 2014م.

[7]- تنص الفقرة (1) من القرار على: (( يؤكد من جديد الحاجة إلى تنفيذ عملية الانتقال السياسي بشكل كامـل وفي الوقت المناسب في أعقاب مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وذلك تماشيا مع مبادرة مجلس التعـاون الخليجي وآلية تنفيذها، ووفقا للقرارين (2014) لعام 2011م و(2051) لعام 2012م وفي ما يتعلـق بتطلعات الشعب اليمني)).وتنص الفقرة (2) منه على: ((يرحب بالتقدم المحــرز مؤخراً في عمليـة الانتقال السياسي في اليمن ويعرب عن تأييده الشديد لاستكمال الخطوات التاليـة مـن عمليـة الانتقـال، وذلـك تمـاشيا مـع آلية التنفيذ، بما في ذلك ما يلي:

أ) صياغة دستور جديد في اليمن؛

ب) وتنفيذ الإصلاح الانتخابي، بما يشمل صـياغة واعتمـاد قـانون انتخـابي جديـد يتفق مع الدستور الجديد؛

جـ) وإجـراء استفتاء على مشروع الدستور، بمــا في ذلـك التعريـف بـــه بالشكل المناسب؛

د) وإصلاح بنيـــة الدولـة لإعـــداد اليمن للانتقـــال مـــن دولـــة وحدويـــة إلى دولة اتحادية؛

 هـ)   وإجراء الانتخابـات العامـة في الوقـت المناسـب، علـى أن تنتـهي بعـدها ولايـة الرئيس هادي الحالية عقب تنصيب الرئيس المنتخب    بموجب الدستور الجديد)).وتنص الفقرة (3) على : ((يشجع جميع الدوائر الانتخابية في البلاد، بما في ذلك حركات الشباب والجماعات النـسائية في جميـع المنـاطق في الـيمن، علـى مواصـلة مـشاركتها النـشطة والبنـاءة في عملية الانتقال الـسياسي ومواصـلة روح التوافـق في سـبيل تنفيـذ الخطـوات اللاحقـة في عمليـة الانتقال وتوصيات مؤتمر الحوار الوطني، ويهيب بحركة الحراك الجنوبي وحركة الحوثيين وغيرهما إلى المشاركة البناءة ونبذ اللجوء إلى العنف لتحقيق أهداف سياسية)).

[8]- تنص الفقرة (4) على: ((يرحب بـاعتزام الحكومة اليمنية استحداث قانون استعادة الأصول، ويدعم التعاون الدولي في هذا الشأن، بما في ذلك من خلال مبادرة دوفيل)). وتنص الفقرة (6) على: (( يتطلع إلى الخطوات التي ستتخذها الحكومـة اليمنيـة مـن أجـل تنفيـذ المرسـوم الجمهوري رقم (١٤٠) لعام ٢٠١٢م، الذي ينص على إنشاء لجنة للتحقيق في مـزاعم انتـهاكات حقوق الإنسان التي حدثت في عام ٢٠١١م، وينص على وجوب أن تكون التحقيقات شفافة ومستقلة وملتزمة بالمعايير الدولية، وفقا لقرار مجلـس حقـوق الإنـسان ١٩/٢٩، ويـدعو الحكومة اليمنية إلى تهيئة إطار زمني في القريب العاجل للمبادرة بتعيين أعضاء تلك اللجنة)).وتنص الفقرة (8) على: ((تطلع أيضاً إلى التعجيل باعتماد قانون بشأن العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية يكون متوافقاً مع واجبات الـيمن وتعهداتـه الدوليـة وتَّتبـع فيـه أفـضل الممارسـات عنـد الاقتضاء، ويأخذ بعين الاعتبار في الوقت ذاته توصيات مؤتمر الحوار الوطني((.

[9]-تنص الفقرة (11) على : ((يقرر أن تجمِّد جميع الدول الأعضاء دون تأخير، لمدة سنة واحدة أولية ابتـداء من تاريخ اتخاذ هذا القرار، جميع الأموال والأصول المالية والموارد الاقتصادية الأخرى الموجودة في أراضيها والتي تملكهـا أو تـتحكم فيهـا، بـصورة مباشـرة أو غـير مباشـرة، الجهـات من الأفراد أو الكيانات التي تعين أسماءها اللجنة المنشأة بموجب الفقـرة ١٩ أدنـاه، أو الجهـات من الأفراد أو الكيانات التي تعمل باسمها أو وفقاً لتوجيهاتها، أو الكيانات التي تملكهـا أو تتحكم فيها، ويقرر كـذلك أن تكفـل جميـع الـدول الأعـضاء عـدم إتاحـة مواطنيهـا أو أي أفراد أو كيانات داخـل أراضـيها أي أمـوال أو أصـول ماليـة أو مـوارد اقتـصادية للجهـات مـن الأفراد أو الكيانات التي تعينها اللجنة أو لفائدته)).

[10]- تنص الفقرة (15) على: ((يقرر أن يتخذ جميع الـدول الأعـضاء، لفتـرة أوليـة مـدتها سـنة واحـدة اعتبـارا من تاريخ اتخاذ هذا القرار، ما يلزم من تـدابير لمنـع دخـول أراضـيها مـن جانـب الأفـراد الـذين تحددهم اللجنة المنـشأة عمـلا بـالفقرة ١٩ أدنـاه أو عبـورهم منـها، شـريطة ألا يكـون في هـذه الفقرة ما يلزم أي دولة برفض دخول رعاياها إلى أراضيها)).

[11]- تنص الفقرة (17) على: ((يقرر أن تنطبق أحكـام الفقـرتين ١١ و١٥ علـى الأفـراد أو الكيانـات الـذين تقرر اللجنة أنهم يشاركون في أعمال تهدد السلام أو الأمن أو الاستقرار في الـيمن أو يقـدمون الدعم لتلك الأعمال)).

 

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

@aleshterakiNet

دور الحوار والتفاوض في تحقيق الانتقال الديمقراطي والسلام

   بتاريخ 4 يناير 2017م، صدر بيان مشترك عن الحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، كان جوهره التأكيد على خيار السلام المستدام، وتمسك الحزبين به، واستعادة دور الأحزاب السياسية وشراكتهم في أي مفاوضات قادمة إلى جانب الحكومة الشرعية. باعتبار أن المسارين الأمني والسياسي مطروحين على طاولة البحث والتفاوض، وهو مطلب لا يستثني الأحزاب الأخرى، بل يؤكد على حق الأحزاب في الشراكة على قدم المساواة. وفي بيان الحزبين دعوة واضحة إلى كافة القوى السياسية والاجتماعية والحراك الجنوبي لاستنهاض جهودهم والحوار على قاعدة الشراكة الوطنية، واستعادة العملية السياسية في إطار المرجعيات التي تحكم المرحلة الانتقالية والقرارات الدولية ذات الصلة، والشراكة الفاعلة مع الرئاسة والحكومة في اتخاذ القرار.

   وعلى الرغم من أن البيان قد أوضح أن السياق الجديد للمفاوضات قد أستوجب طرح طلب المشاركة فيها، باعتبار أن المسارين الأمني والسياسي مطروحين على طاولة البحث والتفاوض، وكنا في سياق هذه الحلقات قد أوضحنا سبب قبول الأحزاب باقتصار المشاورات والتفاوض على الحكومة والانقلابيين في المفاوضات السابقة، والمتمثل بتقسيم التفاوض إلى مرحلتين، تقتصر المرحلة الأولى على المسار العسكري والأمني فقط، بينما خارطة الطريق المقدمة من المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن وباتفاق الدول الأربع، قد جمعت بين المسارين السياسي والأمني. غير أن البيان والتوضيح يبدو أنهما لم يكونا كافيين، إذ طرح التساؤل من قبل الداعمين للعملية السياسية والوسيط الدولي سبب طرح طلب المشاركة بعد القبول بعدم المشاركة في المشاورات والمفاوضات السابقة، وفي حلقات خمس تالية نبين ببعض من التفصيل مسار الحوار والتفاوض، والدور الأصيل للأحزاب السياسية، ومبرر استبعادهم في مراحل سابقة وسبب طلب المشاركة في المفاوضات القادمة.

   نجحت الأمم المتحدة ومعها الدول العشر ثم الثمانية عشرة الداعمة للعملية السياسية وعملية الانتقال الديمقراطي في المساهمة بإنجاح مؤتمر الحوار الوطني الشامل. لكن جهدها في إنجاح الحوار لم يتجاوزه إلى التنفيذ وإيقاف اغتصاب السلطة بالتدرج، وخاصة بعد الاستيلاء على العاصمة صنعاء من قبل المليشيات المشتركة (اللجان الشعبية) بين الرئيس السابق وعائلته والحوثيين، عدا توقيع الأحزاب والمكونات السياسية اتفاق السلم والشراكة الوطنية وملحقه الأمني. وتوقف الجهد عند إبرام الاتفاق وامتناع تحالف الثورة المضادة عن تنفيذه على الرغم من الجهود التي بذلها المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن جمال بن عمر من أجل استمرار الحوار بين الأطراف الموقعة على اتفاق السلم والشراكة الوطنية لإيجاد توافق بشأن تنفيذه والعودة إلى العملية السياسية وعملية الانتقال وتنفيذ ما تبقى من مهام الفترة الانتقالية طبقاً لاتفاق المبادرة الخليجية واتفاق تنفيذ العملية الانتقالية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل. لكن هذه الجهود التي استمرت منذ منتصف عام 2014م حتى منتصف شهر مارس من عام 2015م ذهبت أدراج الرياح بسبب شن الانقلابيين الحرب على جنوب اليمن. وهنا توقف الحوار.

   وأثناء الحوار كان مسعى المؤتمر الشعبي العام لتعطيله ظاهراً للعيان، إذ كان يثير يومياً مناقشة أمور حسمت في مؤتمر الحوار الوطني، أي المنازعة في مرجعية الحوار واعتبار الأمور التي جرى التوافق عليها ولم يكن رئيس المؤتمر الشعبي العام راضياً عنها أموراً غير متوافق عليها، ومن ذلك شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية وهيئات الدولة الأخرى: مجلس النواب ومجلس الوزراء لعدم توفر الشروط المقررة في رئيس الحزب وأبنائه. وكان شريكه الحوثي يقبل بمرجعية مخرجات مؤتمر الحوار الوطني لكنه ينازع حول الأساس الذي قامت عليه تلك المخرجات، أي أنه يرفض مرجعية اتفاق المبادرة الخليجية واتفاق آلية تنفيذ العملية الانتقالية.

   كان تحالف الثورة المضادة يواصل الحوار لهدف واحد، هو انتزاع اعتراف الأحزاب السياسية بشرعية الانقلاب وهيئات السلطة الموالية له، مثل مجلسي النواب والشورى والتخلي عن شرعية الرئيس، وبالتالي شرعية الدولة القائمة على شرعية الفترة الانتقالية.

حدثت حينئذٍ صحوة مؤقتة للقاء المشترك، فاتفقت أحزابه على: "رؤية اللقاء المشترك للخروج من الأزمة السياسية" التي تضمنت محورين:

أولاً:تهيئة المناخات والأجواء الآمنة المطمئنة للفرقاء السياسيين، وتضمن هذا المحور خمس نقاط، هي:

1-  تعزيز الثقة بين الأطراف السياسية، من خلال اعتماد الحوار لحل الخلافات وتجريم استخدام القوة أو التلويح بها لتحقيق أهداف سياسية والتوقف عن الإساءة للقوى السياسية في البلاد وعن إظهار التسلط على الجميع. 

2-    ضمان عدم التعرض للمظاهرات والاحتجاجات والمسيرات السلمية واحترام حق التعبير.

3-    رفع الحصار عن الرئيس ورئيس الوزراء والوزراء وإطلاق حريتهم.

4-    وقف الانتهاكات بحق الصحفيين والمعارضين والناشطين السياسيين والإعلاميين.

5-  العودة إلى ما كان الوضع عليه في أمانة العاصمة وبقية المحافظات عند توقيع اتفاق السلم والشراكة، بما في ذلك، الانسحاب من دار الرئاسة ومحيط منزل رئيس الجمهورية والمواقع المحيطة بهما ومن المؤسسات وتغطية الفراغ الأمني من قبل الجهات الأمنية المختصة.

ثانياً: مقترح الحل السياسي (إعادة المسار السياسي):

   تضمن هذا المحور رفضاً واضحاً للانقلاب والتمسك بشرعية رئيس الجمهورية، إذ ورد فيه أنه: "عند توافر المناخات والأجواء الآمنة طبقاً لما ورد أعلاه يتقدم الفرقاء السياسيون كافة للرئيس عبدربه منصور هادي بطلب العدول عن الاستقالة وهو الخيار الذي تتوفر له فرص النجاح(...) ومن خلاله يمكن إعادة الروح للحياة السياسية شريطة الالتزام بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل واتفاق السلم والشراكة وملحقه الأمني والعسكري وكل الاتفاقات الموقعة وصولاً للاستفتاء على الدستور وإجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية". ولا يعني عدم الإشارة هنا إلى المبادرة الخليجية التخلي عنها، وإنما جرى التأكيد على المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها، إذ ورد في الرؤية: "إن أحزاب اللقاء المشترك وهي تتقدم بهذا المقترح لتؤكد على أنها تنطلق من الحرص على وجود شرعية غير متنازع فيها(...) إذ أن القبول باستقالة رئيس الجمهورية(...) سيمثل انقلاباً على العملية السياسية وإجهاضاً لها بما في ذلك مخرجات الحوار الوطني والاستفتاء على مشروع الدستور الجديد...".

خلص هذا الحوار إلى اقتراح الآتي:

1-  يتم توافق المكونات الموقعة على اتفاق السلم والشراكة الوطنية على اختيار أربعة نواب لرئيس الجمهورية وبمعيار التمثيل الوطني، وتلتزم الأطراف الممثلة بمجلس النواب بتعديل المادة الدستورية المتعلقة بنائب الرئيس، وهو تعديل يندرج ضمن صلاحية مجلس النواب، أي لا يحتاج إلى استفتاء شعبي.

2-  تشكيل حكومة إنقاذ وطني من المكونات الموقعة على اتفاق السلم والشراكة الوطنية بالتساوي فيما بينها باختيار ممثلين عنهم بصورة مباشرة في الحكومة يتم اختيار وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية والإعلام من شخصيات مستقلة، ويتم التوافق على تسمية رئيس مجلس الوزراء.

    كان قد تم تلخيص الرؤية شفاهاً لممثل الأمين العام للأمم المتحدة والاتفاق معه على إعطاء ممثلي اللقاء المشترك عرض المقترح المكتوب في جلسة الحوار، وعندما هم ممثلو اللقاء المشترك بعرضه تفاجئوا بمغادرة حامل الورقة وعدم دخوله إلى قاعة الاجتماع[1].   

    في ذات الوقت كان تحالف الثورة المضادة يرفض شراكة رئيس الجمهورية في الحوار وفي العملية السياسية، أي جعل أطراف الحوار محل نزاع. وبعد تمكن الرئيس من الإفلات من الإقامة الجبرية في صنعاء والانتقال إلى عدن صار مكان الحوار محل خلاف أيضاً، إذ طرح رئيس الجمهورية تغيير المكان واختيار مكان آمن لا يجعل الحوار تحت ضغط استخدام القوة والسلاح من قبل تحالف الثورة المضادة. وتم تأييد هذا الطرح من قبل الحزب الاشتراكي اليمني والتجمع اليمني للإصلاح والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري. وظل مكان الحوار محل خلاف حتى دعى الرئيس إلى أن تكون الرياض مقراً للحوار. وأعلنت السعودية قبولها ودعت الأطراف إلى الحوار في الرياض تحت رعاية الأمانة العامة لمجلس تعاون دول الخليج العربية وأيد مجلس الأمن للأمم المتحدة دعوة الرئيس للحوار وقبول المملكة العربية السعودية وذلك في قراره رقم (2216). لم يكن هذا الاختيار في واقع الحال يمثل حلاً للخلاف حول مكان الحوار، بل زاده تعقيداً، إذ ليس من المعقول أن يوافق تحالف الثورة المضادة على الرياض، لاسيما إذا كان لحليفه الإقليمي-إيران-اعتراض. ومن الطبيعي أن يكون ذلك الاعتراض الإيراني قائماً، لأن الصراع الإقليمي أنتقل إلى الساحة اليمنية، وأزداد هذا الخلاف عمقاً بعد التدخل العربي العسكري في اليمن بقيادة السعودية. غير أن اختيار الرياض كان بعد شن الحرب على عدن ومحاولة قتل الرئيس بقصف الطيران وتبرع مليشيات الحوثي بالموانئ الجوية والبحرية لإيران، وإجراء مناورات عسكرية على حدود السعودية، وكان مجلس تعاون دول الخليج العربية يتشاور مع الأحزاب السياسية لاختيار مكان في إحدى دول المجلس وبما يحقق مشاركة كافة الأطراف اليمنية: الشرعية والأحزاب الداعمة لها من جهة، والمتمردون والأحزاب التابعة للانقلاب من جهة أخرى، وكان الخيار يتجه نحو عُمان أو الكويت، ومن ثم أتى اختيار الرياض بعد أن صارت المنطقة مهددة بحرب شاملة تشنها إيران من الأراضي اليمنية.

 

وكانت موضوعات الحوار تتمثل بثلاثة موضوعات رئيسية، هي:

1ـ مناخات التوافق، وتتمثل بإلغاء الإجراءات الانقلابية التي قام بها تحالف الثورة المضادة.

2-الشراكة في إدارة المرحلة الانتقالية والتأسيس للدولة: البرلمان، ورئاسة الدولة، والحكومة، والهيئات المستقلة: الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، اللجنة العليا للانتخابات، وهيئة مكافحة الفساد.

   وكانت المناقشات في الحوار تصطدم بمنطق متناقض، إذ كان تحالف الثورة المضادة يعتبر مجلس النواب يمثل الشرعية الدستورية وهو المجلس الذي انتهت مدته عام 2009م وأستمر فقط بالتوافق السياسي وفي الوقت ذاته يتمسك بعزل رئيس الجمهورية الذي يمتلك وحده شرعية شعبية قائمة على الانتخابات العامة، إذ تم انتخابه في الفترة الانتقالية ويتولى منصبه وفقاً لآلية نقل السلطة التي جرت الانتخابات على أساسها حتى انتهاء الفترة الانتقالية بإنجاز مهامها وانتخاب رئيس جديد وفقاً لشرعية الفترة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاق المبادرة الخليجية واتفاق آلية تنفيذ العملية الانتقالية. ورفضت أحزاب اللقاء المشترك هذا التوجه.

3-استعادة الأمن والاستقرار: بالبدء باستعادة مؤسسات الدولة والسلاح، وانسحاب المليشيات من المؤسسات والمدن، وحل المليشيات، وهذا الموضوع لم يصل الحوار إلى الوقوف عليه، ولكن ثمة موقف سابق يبين أن تحقيق مثل هذه المهام غير ممكن اختيارياً من قبل المليشيات أو اللجان الشعبية. ومن مؤشرات ذلك أنه عند مناقشة مصفوفة خاصة بمعالجة قضايا صعده في اللجنة المشتركة المشكلة من أعضاء في الحكومة وقيادة أنصار الله كان الحوثيون يطرحون فكرة مؤداها أن يتم بسط نفوذ الدولة في كل أنحاء البلاد بعد بناء الدولة، أي تأجيل استعادة الدولة لسلطتها إلى أجل غير مسمى.

نصل مما تقدم إلى أن اتجاهات الحل كانت وتظل متمثلة فيما يلي:

1ـ استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب والحرب.

2ـ التوافق الوطني بالحوار الجامع في مكان آمن.

3-العودة إلى العملية السياسية وعملية الانتقال الديمقراطي لتنفيذ ما تبقى من مهام الفترة الانتقالية، مع إيقاف الأعمال التي تهدد وحدة الكيان الوطني ووحدته الترابية، وإنهاء التدخل الأجنبي لتغذية الطائفية والحرب الأهلية.

   بيد أن هذه الخيارات ليست ضمن برنامج الثورة المضادة التي قبلت فيما بعد بالتشاور أو بالأصح التفاوض خارج اليمن بدءً من سويسرا ثم الكويت، لكن هذا القبول لم يكن يتعدى التكتيكات السطحية بدافع أن التفاوض سيمكنهم من إحلال شرعية الانقلاب محل الشرعية الدستورية -التوافقية، كما تبين لاحقاً.

    وإلى جانب دعم الحوار الوطني، يدعم المجتمع الدولي، خاصة الدول العشر أو الثمانية عشرة[2] جانبين: الأول سياسي من خلال قرارات مجلس الأمن والثاني اقتصادي من خلال اجتماعات أصدقاء اليمن.

 


[1]- كان حامل الورقة هو نائب أمين عام اتحاد القوى الشعبية.

[2]- الدول العشر الداعمة، هي ـ دول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ومجلس دول الخليج العربية ثم ضمت إليها دول أخرى ومنظمات دولية فصارت مجموعة العشر ثم مجموعة الثمانية عشرة.

مسيرة اللقاء المشترك ومآله:

    مثل قيام اللقاء المشترك بُعيد حرب 1994م الملاذ السياسي والوطني الآمن لمواجهة ما ترتب على الحرب من انقسام وطني حاد: سياسي، اجتماعي وجهوي، في ظل اتجاه الدولة نحو الفشل ونظام عائلة علي عبدالله صالح نحو العجز التام، وهي ظروف مواتية لتنامي نفوذ التنظيمات الإرهابية: القاعدة، جيش عدن-أبين وأنصار الشريعة وغيرها من المسميات، وهي تنظيمات يربطها تحالف عضوي مع نظام الحكم، وكلما ضعفت شوكة الدولة وزاد عجز النظام اشتدت عرى هذا التحالف وتنامي أكثر دور الإرهاب. وازدادت أهمية اللقاء المشترك بظهور انقسام جديد غطاؤه عصبية سلالية وجغرافية مذهبية ممثلاً بالحركة الحوثية. بيد أن اللقاء المشترك في الظروف الجديدة يحتاج ليلعب دوره الفاعل على الصعيدين الوطني والقومي وتجاوز الانقسامات إلى تحالف واسع يمتد لعشرين سنة على الأقل ويتخلص من العناصر المعادية للعروبة لصالح التَّسيد الإيراني أو التركي.

      وتطور اللقاء المشترك خلال الممارسة العملية إلى أن صار تحالفاً فريداً من نوعه في الوطن العربي. إذ تأطرت فيه أحزاب تعتنق أيديولوجيات متعارضة: أممية وقومية ودينية، ومثلت أحزابه قوى سياسية واجتماعية كبيرة، وازداد نفوذاً وقوة بفضل توافقه على تصور مشترك للمستقبل: إزالة آثار حرب 1994م، وحل القضية الجنوبية، وإيجاد حل للصراع في صعدة. وإجمالاً مثل اللقاء المشترك يومئذٍ: ضرورة لمواجهة المخاطر الجسام وتحقيقاً لغايات أربع:

الأولى-مواجهة عنف الصراع الأيديولوجي-السياسي:

    وهي مواجهة كتب لها النجاح بفعل وجود الحزبين الأكثر صراعاً وصداماً مسلحاً في هذا الائتلاف، وهما: التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني. وبفضل اللقاء المشترك تحولت العلاقة بين الحزبين من العداء والحرب إلى التنسيق والتحالف. وفي ذات الوقت توارى التناقض بين التيار القومي الذي كان يمثله حينئذٍ: التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري وحزب البعث العربي الاشتراكي من جهة، والتيار الإسلامي ممثلاً في التجمع اليمني للإصلاح، حزب الحق واتحاد القوى الشعبية من جهة أخرى. وكان مكسباً للسمو فوق العصبية المذهبية بوجود أحزاب التيارين الإسلاميين في كتلة سياسية واحدة[1].

الثانية-الارتقاء فوق الحساسية الجيو-سياسية:

   لقد حشد نظام علي عبدالله صالح العائلي كل عوامل العصبية المقيتة لشن حرب 1994م وفرض استمرار نتائج الحرب ومنع التغيير. وأستخدم في سبيل ذلك العصيان والعصبيات المتعارضة في وقت واحد: مذهبية وسلالية وجغرافية. وكانت الوسيلة الوطنية للرقي والسمو فوق هذه العصبيات تبني مشروع وطني موحد للتحديث وإقامة الدولة الوطنية الحديثة-دولة القانون أو الدولة المدنية وقوامها المواطنة المتساوية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، علاوة على توفير شروط الانتقال الديمقراطي. فتبنى اللقاء المشترك هذا المشروع، وصهر أحزابه في إطار برنامج سياسي وطني، ونقل الأحزاب ذات المرجعية الدينية إلى مسار التحول إلى أحزاب سياسية مدنية، كما يتبين في الفقرة التالية.

 الثالثة-التغيير:

 اللقاء المشترك ومراحل تطوره:

أولها-من عام 1996م إلى 2005م، حيث أقتصر العمل المشترك في هذه المرحلة على نشاطات ذات طابع موسمي ومسائل جزئية: نزاهة الانتخابات، استقلالية وحرية مؤسسات المجتمع المدني ممثلة في الأحزابالسياسية، النقابات والمنظمات غير الحكومية، والتصدي لبعض المسائل الطارئة، مثل: مسعى الرئيس وعائلته وحزبه إلى تعديلات دستورية تجعله سلطة مطلقة ومؤبدة ومتوارثة.

ثانيتها-من عام 2005م إلى 2009م، تتطور برنامج اللقاء المشترك وشهدت الأحزاب ذات المرجعية الدينية تحولاً مهماً نحو تشكيل الحزب السياسي المدني، وأدى ذلك إلى توصل أحزاب اللقاء المشترك إلى صيغة تحالف يمتلك أطراً تنظيمية موحدة من خلال اللائحة التنظيمية والبرنامج سياسي: أي مشروع اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني الصادر أواخر عام 2005م.

ثالثتها-من عام 2009م إلى2011م، أنتقل اللقاء المشترك إلى طور التحالف الاستراتيجي لكتلة تاريخية للتغيير اتسعت لتشمل أحزاب وتيارات جديدة، بما فيها، الجماعة الحوثية التي كنا نعتقد أنها تسعى للشراكة وليس لإقامة نظام سلالي طائفي تجمع مصالح وقوى النظام البائد والنظام القديم، وصار لهذه الكتلة التاريخية، بغض النظر عن الخدعة الحوثية، أسساً ومبادئ وثائقية للتغيير والانتقال الديمقراطي: مشروع رؤية للإنقاذ مثلت إطاراً عاماً لانطلاق ثورة 11 فبراير 2011م ولمؤتمر الحوار الوطني.

   وبالعودة إلى الوثيقة نجد أنها تمثل الرؤية المشتركة للمستقبل الذي صار اللقاء المشترك وشركاه نواته الأولى وكانت هذه النواة الداعم الأول لانطلاق ثورة 11 فبراير. وكان لدعم اللقاء المشترك وشركاه للثورة الدور الأول في فرض طموحات الشعب اليمني في التغيير والتحديث والديمقراطية.

    بهذا حقق اللقاء المشترك أثراً عظيماً على برامج وسياسات أحزابه كافة، فتحولت برامج وسياسات أحزابه إلى السير على النهج الديمقراطي ووضعت الاعتبار الأول للمصالح الوطنية وليس للأيديولوجيا، وللمشترك وليس للمختلف، وأصبح أثر ذلك جلياً على مسار الأحزاب ذات المرجعية الدينية، إذ اتجهت أو سارت خطوات مطلوبة وضرورية نحو التحول إلى صيغة الحزب السياسي وتخلت عن خطاب التكفير والعصبية الطائفية والشعارات الدينية في العمل السياسي، وبالتالي قبلت أن تكون أحزاب سياسية شأنها شأن الأحزاب القومية أو الأممية، وهذا بدوره جعلها قادرة على الاستجابة لوحدة الموقف والمطالبة بالتغيير الديمقراطي.

     وهكذا مثل اللقاء المشترك وشركاؤه مصالحة سياسية وإعلان مختلف التيارات السياسية تخليها عن العنف والثأر والتخلص من أوزار الماضي ومن الهويات دون الوطنية والإقرار بضرورة التغيير الديمقراطي وأداته كتله تاريخية من أجل التغيير السلمي على أساس عقد اجتماعي جديد. وبذلك يكون اللقاء المشترك قد جعل من أحزابه وحلفائه السياسيين والاجتماعيين قوة سياسية فاعلة قادرة على التغيير والتعبير عن الهوية الوطنية الجامعة، وتبنت جميع أحزابه النهج الديمقراطي والدولة المدنية الحديثة، مما جعلها قوة للتغيير وليس للتدمير.

    لقد راكمت تجربة اللقاء المشترك رؤية معرفية للتغيير وأدوات ووسائل لإحداثه. وتجسد ذلك، بدرجة أساسية، في وثيقتي: مشروع رؤية للإنقاذ الوطني 2009م ومشروع اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني 2005م.

 الرابعة: تفويت فرص الحرب الأهلية:

     بعد أن عجز نظام علي عبدالله صالح عن إجراء الانتخابات النيابية في 27 أبريل 2009م وعن القضاء على القضية الجنوبية وتمرد الحوثي في صعدة، باشر في اتخاذ تدابير تغطي على هذا العجز، بالاتجاه نحو الانقلاب على النظام الجمهوري وعلى المظهر الديمقراطي وإشعال حرب أهلية. وكان من أخطر تلك التدابير ما يلي:

الإعداد لحرب أهلية في كل أنحاء اليمن بدءاً بتشكيل ما سميت بـ(لجان الدفاع عن الوحدة، وكتائب الجهاد في صعدة) وبالتنسيق مع التنظيم الإرهابي (التنظيم السروري) الذي يخترق أحد أحزاب اللقاء المشترك، وهو تنظيم كان ولا يزال يمثل النسق الثاني للثورة المضادة ويسعى لاستعادة سيطرة عناصره على التجمع اليمني للإصلاح وعلى خارجه.

إعداد مشاريع قوانين تجرم حرية العمل السياسي، وفي مقدمة ذلك: حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، بفرض عقوبات على حرية الرأي والتعبير تصل إلى السجن عشر سنوات والإعدام، ومنح الشرطة صلاحية قمع التجمعات السلمية، بما في ذلك: استخدام القوة المفرطة وتشمل القتل، وإعطاء الجهات الإدارية صلاحية إيقاف نشاط الأحزاب والتنصت على قيادات المعارضة والنشطاء السياسيين[2].

   وواجه اللقاء المشترك مسعى السلطة بتدابير مقابلة كان أهمها وضع رؤية شاملة للتغيير "مشروع رؤية للإنقاذ الوطني" والترتيب لعقد مؤتمر حوار وطني لمناقشة المشروع والتوافق عليه بين مختلف الأطراف والقوى السياسية. واشتملت التدابير على رؤية لمشروع الدولة الوطنية-دولة القانون أو الدولة المدنية وإزالة آثار الصراعات السياسية وفي المقدمة آثار حرب 1994م من خلال هيئة للإنصاف والمصالحة تتولى تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

     وتواصلت جهود اللقاء المشترك لتحقيق مشروعه، ومن ذلك تقديم مبادرة إلى النظام وحزبه للشراكة في مؤتمر الحوار المزمع عقده، ومضمون الإصلاح الديمقراطي وموضوعاته التي يجب طرحها على مؤتمر الحوار الوطني ومن ذلك:

بناء الدولة اللاَّمركزية، والنظام السياسي وتوازن السلطات، والتنمية الاقتصادية المتوازنة بين أجزاء الجمهورية وتوزيع الثروة، وبناء مؤسستي الجيش والأمن على أسس وطنية، والاتفاق على أسس وضمانات نجاح الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة[3]. وقد وافق النظام وحزبه على المبادرة مجبراً بفضل الموقف الموحد لأحزاب اللقاء المشترك، لكن النظام كرر تكتيكي الموافقة والتخلي، حتى تخلى عن موافقته على عقد مؤتمر حوار وطني وعاد إلى تدابيره الانقلابية على النظام الجمهوري وأسس الديمقراطية ووحدة 22 مايو، من خلال إقرار كتلة المؤتمر الشعبي في مجلس النواب من حيث المبدأ تعديل الدستور بما يحقق أهداف الانقلاب، وجميعها في تقديرنا مؤشرات تراكمية كمية لحالة ثورة مضادة، كان النظام يديرها ويعدلها، عنوانها البارز قضية (التوريث) التي بدأ نظام صالح يشتغل عليها منذ النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي.

     وتمكن اللقاء المشترك من إحباط هذا المسعى بإعلان الهبة الشعبية وتنظيم اعتصامات ومسيرات ضخمة في كافة أنحاء الجمهورية، وإقرار السير في التحضير لعقد مؤتمر الحوار الوطني في الثلث الأول من عام 2011م دون مشاركة السلطة. ومهدت هذه الخطوات والتدابير، إلى جانب شروط موضوعية وذاتية عديدة، لاندلاع الثورة الشبابية الشعبية، ولم يمنعها تراجع النظام عن إجراء انتخابات انفرادية وقبوله المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني.

    لقد كان من عوامل نجاح اللقاء المشترك ليس الموقف الموحد فقط، بل تبني مشروع وطني جامع والقبول بالآخر المختلف كالجماعة الحوثية، ورفض العنف. فتحقق بفضل ذلك صمود ثورة 11 فبراير 2011م. وبذلك تمكن اللقاء المشترك من درء الحرب الأهلية وتوفير الأسس والشروط الموضوعية والذاتية لنقل السلطة سلمياً وتحقيق التحول الديمقراطي بالتوافق. ومن هذا المنطلق وقعت أحزابه على اتفاقيتي المبادرة الخليجية وآلية تنفيذ العملية الانتقالية اللتين عبرتا عن التوافق على الانتقال الديمقراطي وبخطوات محددة، واشتملتا على أسس بناء الدولة المدنية وتحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. وكان من أهم نتائج هذين الاتفاقين عقد مؤتمر الحوار الوطني الذي كان اللقاء المشترك يسعى لعقده وكان من ثماره تحقق التوافق الوطني على نهج التغيير، وتحديد أسس الانتقال الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة، والتوافق على أسس ومبادئ العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. ويحسب للمشترك أنه تعامل بأفق مفتوح مع مختلف القوى. وتجسد ذلك بمشاركة الفئات التي كان لها الدور الأساس في الثورة: الشباب والحراك الجنوبي والمرأة وكان متفوقاً بتبني مشاركة الحوثيين الذين لم يكونوا مأمونين الجانب، فكان هذا تصرفاً سياسياً مسؤولاً يحسب للقاء المشترك وليس عليه.

    لقد مثل اللقاء المشترك النواة الصلبة لكتلة تاريخية للتغيير، وتحالفاً فريداً من نوعه في الوطن العربي. وعبر عن مصالح قوى سياسية واجتماعية كبيرة، وجعل هذا التحالف من أحزابه تنظيمات عابرة للطوائف أو مؤهلة لذلك. ولعل هذا كان المصدر الأساس لقوة اللقاء المشترك إلى جانب تبنيه رؤية موحدة للمستقبل والتوافق عليها وعمادها إقامة الدولة المدنية الكفيلة بضمان المواطنة المتساوية وحكم القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

     بيد أن انعقاد مؤتمر الحوار الوطني قد تم في ظرف تشرذم فيه اللقاء المشترك وصارت بعض أحزابه أقرب للنظام القديم ممثلاً بالمؤتمر الشعبي العام، وكانت هذه الحالة فرصة سانحة لتوجيه النظام القديم سهامه إلى اللقاء المشترك لكي يتسنى له الإعداد للثورة المضادة وإشعال حرب أهلية في البلاد وهذا ما تحقق. وفي ذات الوقت أستخدم عناصره في أحزاب اللقاء المشترك للعمل من أجل القضاء عليه وتكبير حجم الخلافات البسيطة.

  عند اندلاع ثورة 11 فبراير 2011م سعى نظام علي عبدالله صالح وعائلته إلى إشعال فتنة طائفية وحرب أهلية، لكن اللقاء المشترك تمكن وبوعي شباب ساحات الحرية والتغيير من تفويت هذه الفرصة. وتم تلقي الرصاص في الساحات دون اللجوء إلى السلاح. ولم يلجأ إلى السلاح حتى أبناء القبائل المسلحة عدا حالات استثنائية قليلة. وهنا لاحت إمكانية تحقيق النظام القديم ما عجز عن تحقيقه أثناء الثورة من تحويل الصراع السياسي إلى صراع طائفي. ومن أجل إنجاح مخططه كان لأبد من تفكيك موقف اللقاء المشترك أولاً والتوسل بالحوثي لاستخدام الورقة الطائفية، ومن أجل تحقيق هذه الغاية لجأ إلى:

حرك النظام القديم وعبر الأجهزة الأمنية حلفائه وعناصره في مختلف الأحزاب ضد اللقاء المشترك وباتجاهات متعارضة فحرك التنظيم السروري في التجمع اليمني للإصلاح ضد اللقاء المشترك بحجة أنه يتعامل مع الروافض ويتبنى الدولة المدنية. ولأجل ذلك دبج هذا التنظيم المحاضرات والندوات والكتب لرفض فخ الدولة المدنية كما يدعون. وتحركت عناصر الأجهزة الأمنية المدسوسة في الأحزاب الأخرى نحو التحوث والدعوة للقضاء على اللقاء المشترك لأن فيه التجمع اليمني للإصلاح الذي يفرض الإيديولوجيا الوهابية أو الطائفية، واستخدمت هذه الحالة في كافة الأحزاب: الاشتراكي، والناصري، وحزب الحق والبعث واتحاد القوى الشعبية، ووصل الأمر في بعض الأحزاب إلى تحوث جل القيادة العليا، مثل: حزب الحق، أو استيلاء المتحوثين على قيادة الحزب بالقوة، مثل: حزب البعث العربي الاشتراكي.

التحالف مع الحوثي وتجنيد الآلاف بمعيار طائفي: سلالي-مذهبي وهنا تشابكت مصالح قوى النظام القديم والبائد، بما في ذلك في أجهزة الجيش والأمن، وصار هذا الاختلاط كلي بعد انقلاب 21سبتمبر 2014م.

    من هنا كان موقف خذلان أحزاب اللقاء المشترك لثورة التغيير ولبعضها البعض من أهم أسباب نجاح الثورة المضادة التي قام بها تحالف النظام القديم والبائد في الانقلاب وإدخال اليمن في حرب أهلية.

    وينبغي التساؤل هنا: هل يعود فشل اللقاء المشترك في الحفاظ على منجز ثورة 11 فبراير 2011م والمتمثل في الإقرار الوطني والدولي بضرورة التغيير وبناء نظام سياسي جديد وإقامة الدولة المدنية عبر التحول الديمقراطي إلى أن مهمة اللقاء المشترك قد استنفدت، وإلى كون الضرورة التي أدت إلى قيام الثورة لم تعد قائمة أو قد انتفت؟

   لا تستطيع الإجابة الموضوعية عن الشق الأول من السؤال إلا أن تعترف بأن نجاح الثورة المضادة في الانقلاب على عملية الانتقال الديمقراطي والاستيلاء على السلطة يرجع إلى استراتيجية الفشل التي تبناها النظام القديم بالتحالف مع النظام البائد. لكن ما كان لهذه الاستراتيجية أن تحقق النجاح لو لم يتخذ اللقاء المشترك موقف الخذلان لبعضه البعض، وتخليه عن مهمة ضمان إنجاح الانتقال الديمقراطي، والانشغال بصغائر الأمور. لأن الطموح عندما يتوقف عند مكاسب آنية وصغيرة يقود حتماً إلى الفشل وفقدان حتى هذه المصالح الصغيرة في نهاية المطاف. غير أن هذا لا يعني أن أحزاب اللقاء المشترك هي المسئول الوحيد عن تمكين الثورة المضادة من الانقلاب، لكنها بالتأكيد المسئول الأول، لأنها كانت المعنية بتحقيق أهداف ثورة فبراير.      

   إذن، الإجابة عن الشق الأول من السؤال، نعم، مع الأسف. وتحتاج الإجابة على الشق الثاني من السؤال إلى استعراض سريع لما يجري اليوم لكي نقول ما إذا كان اللقاء المشترك قد استنفد مهامه أو أن ضرورة وجوده لم تعد قائمة أم لا.

    يتبين مما تقدم أن ثمة مهام محددة وواضحة وضعها اللقاء المشترك على عاتقه، تتلخص في التغيير عبر التحول الديمقراطي وإقامة الدولة المدنية. فهل تحققت هذه المهام حتى يقال إن اللقاء المشترك قد استنفد مهامه؟

   بالطبع، ليس فقط لم تتحقق بعد هذه المهام، بل انزلق اليمن إلى الحرب الأهلية وصار الكيان الوطني ووحدة التراب الوطني مهدداً في وجوده. بل أن المستجدات تجعل اللقاء المشترك أكثر من ضرورة سياسية ووطنية، ولكن في إطار ومحتوى جديد يستوعب المستجدات والقوى الجديدة. ولعل مرد الخذلان الذي مارسته أحزاب اللقاء المشترك، ولاسيما التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، إلى أن هذه الأحزاب لم تقدر خطورة دورها في إنجاح ثورة فبراير وتحقيق أهدافها أو خطر فشل التغيير بسببها. لكن المستجد اليوم أن هذه الأحزاب والتي لم تتخل عن تحقيق أهداف الثورة ورفضت القبول بالثورة المضادة قد وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام نتائج ما مارسته من خذلان، وأخطر هذه النتائج الحرب الأهلية التي فرضها انقلاب تتوفر فيه كل عناصر الديكتاتورية الفاشية، وأهمها ادعاء التفوق والتميز العرقي والجغرافي والمذهبي، وادعاء الحق الإلهي والتاريخي في الحكم، وفرض ذلك بقوة السلاح.

     اليمن اليوم أمام تحدي بقاء الكيان الموحد ووحدة التراب الوطني والهوية اليمنية. وتتولى القيام بهذا التدمير والتمزيق كتل صماء: سلالية-مذهبية-جهوية، وهي عصبيات تتدثر بنشر خرافة التميز العرقي والحق الإلهي أو الجغرافي أو التاريخي في التسيَّد أو التمزيق. وتقوم زعامات هذه العصبيات بنشر هذه الخرافات لاستعادة السلطة المطلقة واحتكارها.

    من أجل إنجاح مسعى التمزيق تضفي الكتل الصماء القداسة على قيادتها ومنها قوى سياسية وعسكرية وتنظيمات إرهابية: المؤتمر الشعبي-زعيمه المقدس علي عبدالله صالح، وأنصار الله-زعيمهم المقدس عبدالملك الحوثي، والتنظيم السروري-زعيمه المقدس عبدالمجيد الزنداني، ولهؤلاء جميعاً مشاريع طائفية-جهوية-تمزيقية، تجاريها مشاريع تمزيقية أخرى تدعي هويات غير الهوية اليمنية، وجميعها برغم التعارض الظاهر تشكل ثورة مضادة بنسقين: ولاية الفقيه-ورثة الأنبياء.

   إذن نحن أمام حالة تمزيقية وهويات غير وطنية وتفتيتيه وعنصرية-فاشية. وتستمد فاشية علي عبدالله صالح والحوثي من موروث مظلم كانت حرب 1994م مناسبة لاستعادته وممارسته في الواقع. وجرى تكرار هذه الممارسة عام 2015م. ونحن الأن أمام دعوات وممارسة للهوية التمزيقية بصورة علنية ودون مواربة، وهي حالة غير مسبوقة في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، بادعاء هويات جنوبية وأخرى شمالية، وسيؤدي القبول بهذه الهويات التمزيقية التدميرية إلى هويات متعددة في الشمال والجنوب، وإلى استمرار الحرب، وتعمق الطائفية-الفاشية، بادعاء التميز السلالي أو الجهوي أو المذهبي.

   أمام هذا الخطر العظيم يحتاج اليمن إلى وجود كتلة تاريخية نواتها اللقاء المشترك بأحزابه التي لا زالت تتبني مشروعاً وطنياً جامعاً-إقامة الدولة الوطنية الحديثة الاتحادية-الدولة المدنية، وهي بالتأكيد مضطرة للتخلص من العناصر والتيارات التي تتبنى الهويات التمزيقية، السلالية والجهوية والمذهبية.

   إذن، لم تستنفد مهام اللقاء المشترك، بل ازدادت تعقيداً وإلحاحاً، وتعاظم الخطر على اليمن ووحدة كيانه وترابه الوطني، الأمر الذي يستدعي استعادة اللقاء المشترك ووضع خطة لكي يتم بناء كتلة تاريخية للأحزاب السياسية تستأنف مهام اللقاء المشترك بكفاءة أعلى وروح جديدة. وهذا أمر يتطلب ما يلي:

التقييم المشترك لمسيرة اللقاء المشترك ومناقشة أسباب الفشل بصراحة ووضوح الحريصين على استعادة هذا التحالف وجعله أساساً لكتلة تاريخية تحمل مشروعاً سياسياً وطنياً جامعاً وتعمل على استعادة الدولة والانطلاق إلى رحاب جديدة وفي مقدمتها العودة إلى العملية السياسية وتنفيذ مهام الانتقال الديمقراطي.

حشد كل الطاقات للقضاء على الانقلاب ونفي كل ممارسة طائفية: سلالية أو جهوية أو مذهبية.

لقد أدت الحرب والتمترس وراء السلاح إلى تراجع دور السياسة ودور الأحزاب السياسية. وسيجد اليمنيون أنفسهم بعد إيقاف الحرب أمام عصبيات متعددة وتعددية عصبوية وفراغ سياسي لا يمكن تجاوز مخاطرهما إلا من خلال تنظيمات سياسية عابرة للطائفية والعصبيات التمزيقية، تأتلف في كتلة تاريخية للتغيير تكون حاملاً لمشروع الدولة الوطنية الحديثة، وتسهم بفعالية ليس في إنجاز ما تبقى من مهام الفترة الانتقالية فحسب، بل وتتصدى للمهام المترتبة على الحرب وفي مقدمتها استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وإزالة آثار الحرب وإعادة إعمار البلاد.

   بيد أن هذه المهام تتطلب مغادرة الأحزاب السياسية حالة الاستكانة والاستسلام للأمر الواقع، وأن تستعيد دورها بنفسها من خلال المبادرة في صنع القرار وتوحيد صفوفها وفعلها، للتأثير على ما يجري في الساحة الوطنية، والقيام بدبلوماسية واسعة على الصعيد الدولي، والعمل للتأثير على مواقف دول الإقليم ودول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة البريطانية والولايات المتحدة الامريكية وروسيا الاتحادية والصين بموقف موحد ومتحد لإنقاذ اليمن من حكم الانقلاب وإنهاء الحرب.

هوامش


[1]- حول التطورات التي أحدثها اللقاء المشترك على الصعيدين البرنامجي والسياسي لكل من الحزب الاشتراكي اليمني والتجمع اليمني للإصلاح. راجع. محمد أحمد علي: التغيير-الإصلاح الديمقراطي في اليمن- ضروراته...معوقاته، صنعاء 2011م، صـــ65ومابعدها.

[2]- حول هذه المشاريع راجع: د/ محمد أحمد علي: التغيير-الإصلاح الديمقراطي في اليمن، مرجع سابق صـــ145.

[3]- راجع. المصدر السابق.

علاقة السلطة بالأحزاب:

   عقد مؤتمر الرياض في الفترة من 17 إلى 19 مايو 2015م تحت شعار "إنقاذ اليمن وبناء الدولة الاتحادية".

   وكانت الأهداف الأساسية لعقد مؤتمر الرياض إعلان الأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية والاجتماعية موقفها الموحد المتمسِّك بالشرعية ورفض الانقلاب عليها واستعادة الدولة وبسط سلطتها على كافة الأراضي اليمنية واستئناف العملية السياسية وفقاً للمبادرة الخليجية وآلية تنفيذها ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ومحاربة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة[1].

   وقد قام مؤتمر الرياض على أربعة مبادئ رئيسية تؤكد طموح ثورة 11 فبراير ونتائج التوافق الوطني، هي الشرعية الدستورية والتوافقية، وعدم الإفلات من العقاب، وإقامة الدولة المدنية الاتحادية والشراكة والتوافق.

    وهكذا أتى مؤتمر الرياض ليؤكد ضرورة التغيير وتمسك المشاركين فيه بشرعية الفترة الانتقالية: الشرعية الدستورية وشرعية التوافق. وكان الجديد فيه أنه جاء في ظل انقلاب يشن حرباً داخلية على مختلف أنحاء البلاد، يقود هذا الانقلاب تحالف كان جزءً من العملية السياسية والتوافق الوطني، ويرفض المشاركة في هذا المؤتمر. وبعد أن فشلت محاولات إقناع الانقلابيين بالمشاركة في المؤتمر جرت مساعي لدعوة ممثلين عن حزب اتحاد القوى الشعبية وحزب البعث، غير أن مصادرة قرار كل من الحزبين منع المشاركة وبذلك اقتصرت المشاركة على الأحزاب والمنظمات المؤيدة للشرعية، والتي كان ممثلوها قادرين على الوصول إلى الرياض، ومن ثم كان وضع معايير المشاركة منطلقاً من الحالة القائمة التي تمثلت بـ:

الالتزام بالشرعية الدستورية، وتمثيل كافة المكونات والفعاليات السياسية المؤيدة للشرعية، والالتزام بحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وألا يكون المشارك خاضعاً لعقوبات أعتمدها مجلس الأمن الدولي[2].

   وكانت الغاية النهائية لمؤتمر الرياض كما حددها الإعلان الصادر عنه العودة إلى العملية السياسية وتحقيق ما تبقى من مهام فترة الانتقال-نقل السلطة والانتقال الديمقراطي-وبالتالي تمحورت مقررات إعلان الرياض حول أسس استعادة الدولة والإغاثة وإعادة الإعمار وإجراءات العودة إلى تنفيذ مهام الفترة الانتقالية وآليات تحقيق ذلك.

    وكانت هذه هي المحاور الرئيسية لإعلان الرياض، والتي تخللتها معالجات لمسائل جوهرية وفي مقدمتها استعادة اللحمة الوطنية وإنهاء الانقسامات وأسبابها.

   من أهم الأسس الواردة في الإعلان لاستعادة الدولة: إنهاء عدوان تحالف قوى الثورة المضادة، والقضاء على الانقلاب، واستعادة الأسلحة، وإخراج المليشيات من كافة محافظات الجمهورية[3]، وضمان عودة مؤسسات الدولة الشرعية لممارسة مهامها من داخل الأراضي اليمنية، ودعم وتنظيم المقاومة الرسمية والشعبية ضد الانقلاب ومليشياته حتى إنهاء التمرد، ومساءلة القيادات العسكرية والأمنية والسياسية الضالعة في الانقلاب وإشعال الحرب وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مختلف المدن اليمنية، وفي نهاية المطاف ضمان عدم عودة منظومة الفساد والتخلف والاستبداد مجدداً. وبهذا الشأن كان الحزب الاشتراكي اليمني قد وضع قبل انعقاد مؤتمر الحوار، وتحديداً بتاريخ 7/4/2015م، تصوراً لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة يتطابق جوهرياً مع ما ورد في إعلان الرياض مع بعض الاختلاف في الشكل والتعبير[4].

    كما تضمن إعلان الرياض الإجراءات التي تحقق استعادة الدولة، موازية لعملية الاستعادة، تتمثل بالإسراع في دعوة الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني لمناقشة مسودة الدستور وطرحها للنقاش العام والاستفتاء، واستكمال تنفيذ النقاط العشرين والأحد عشر وكافة المقررات المتعلقة بالقضية الجنوبية، والشروع في بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية، وإصدار قانون العدالة الانتقالية والقوانين ذات الصلة. ومن القوانين المتصلة بالعدالة الانتقالية وبالفترة الانتقالية، قانون استرداد الأموال المنهوبة، وإصدار التشريعات المتعلقة بالانتقال إلى الدولة الاتحادية وبناء المؤسسات، والشروع في إعداد وتوفير الشروط اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة[5]. وكان الإعلان بذلك يلتقي وإلى حد كبير مع رؤية الحزب الاشتراكي، وإن كانت هذه الرؤية أكثر تفصيلاً وصدرت من صنعاء مراعية الحالة التي استجدت مع نشوب الحرب.

    وأعطى الإعلان اهتماماً رئيسياً لما بعد الحرب وإزالة آثارها بتخصيص الفقرة ثالثاً منه لإعادة الإعمار والتأهيل، عبر حشد الموارد بدعم من مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وإدماج الاقتصاد اليمني مع اقتصاديات دول المجلس، ووضع استراتيجية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية ومكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة[6]، وكانت رؤية الحزب الاشتراكي اليمني قد أشارت إلى معالجة الأوضاع الاقتصادية من خلال استراتيجية وطنية شاملة لوقف حالة التردي الاقتصادي ومكافحة الفساد، واستعادة الأموال المنهوبة[7].

    وتضمن إعلان الرياض ضمن الرؤية للمستقبل مواجهة الآثار السياسية والاجتماعية للحرب، ومعالجة ما أوجدته هذه الحرب من بيئة حاضنة للنزاعات الطائفية وللإرهاب، وذلك في الفقرة (أولاً) البنود (9،7،5) والفقرة (ثانياً) البندين (7،2)[8]. وكان مضمون هذا قد ورد في رؤية الحزب الاشتراكي في الأهداف (4،3)، وفي العناصر(5-ج) والفقرة (7)، وبصورة واضحة[9].

     وحدد إعلان الرياض آليات وإجراءات إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، ومن ذلك استخدام الأدوات العسكرية والسياسية، واستئناف نشاط مؤسسات الدولة الشرعية من داخل اليمن، ومباشرة عمل الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات الحوار الوطني الشامل بعد إجراء التعديل على تشكيلها[10]، وهي آليات وإجراءات كانت قد أوردتها رؤية الاشتراكي على نحو أوضح[11]. لقد أتى إعلان الرياض متوافقاً مع رؤية الحزب الاشتراكي اليمني ولا يوجد تعارض جوهري بين الموقفين عدا فيما يتعلق بالمرجعيات، إذ تجاهل إعلان الرياض اتفاق السلم والشراكة، بل رفض أكثرية الأحزاب المشاركة في مؤتمر الرياض الإشارة إليه. ومرد ذلك، من وجهة نظرنا، أن هذه الأحزاب وقعته تحت ضغط استيلاء مليشيات الثورة المضادة على العاصمة، وبالتالي لم تدرك أن مضمونه لم يكن في صالح الانقلاب، بل في صالح شرعية الدولة والعملية السياسية، وكان قادة المليشيات في تحالف الثورة المضادة قد وقعوا عليه لتجنب الكشف عن استمرارهم في تنفيذ الانقلاب ولحجب ذلك عن الأمم المتحدة التي اقترحت مضمون هذا الاتفاق وتمكن ممثلها -مبعوثها إلى اليمن ـ من جلب الأطراف للتوقيع عليه.

     صحيح أن اتفاق السلم والشراكة الوطنية وملحقه الأمني قد طرح للتوقيع يوم 21 سبتمبر 2014م، أي يوم استيلاء المليشيات على العاصمة، إلا أن رئاسة الدولة باشرت تنفيذ الاتفاق بدءً بتشكيل حكومة الكفاءات بتاريخ 7 نوفمبر 2014م وطبقاً للبندين (2،1) من الاتفاق، وإضافة أعضاء جدد إلى الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات الحوار الوطني ولجان تشارك فيها مختلف الأحزاب والحركات وأخرى تقتصر فيها المشاركة على أنصار الله- الجماعة الحوثية ـ والمتمثلة باللجنة الاقتصادية[12]، ولجنة مشتركة مع أنصار الله خاصة بقضية صعدة، ولجنة خاصة بالقضية الجنوبية[13]، وتشكلت الحكومة ومارست مهامها، ومن ذلك تشكيل اللجان التي بدورها مارست مهامها، إلا أن قرار انقلاب تحالف الثورة المضادة والداعمين الدوليين له كان قد أصبح نهائياً وكانت المطالب مجرد ذرائع لا أقل ولا أكثر.

     وقد أحال اتفاق السلم والشراكة في فقرته (13) إنهاء الخطوات الانقلابية التي كانت قد تمت يومئذٍ إلى الملحق الأمني. وبالعودة إلى الملحق الأمني نجد أن الانقلابين، من خلال التوقيع عليه باسم المؤتمر الشعبي العام وأنصار الله، قد تعهدوا بإنهاء انقلابهم، وذلك بوقف أعمال العنف وإنهاء سلطة المليشيات ببسط سلطة الدولة واستعادة سيطرتها على أراضيها كافة، بدءً بالعاصمة ثم بقية المحافظات ونزع سلاح المليشيات[14].

    وعند المقارنة نجد أن المضمون العام لقرار مجلس الأمن رقم (2216) لعام 2015م يتوافق مع مضمون الملحق الأمني والعسكري وكان الاختلاف يتعلق بالمستجدات التي حدثت بعد 21 سبتمبر واستيلاء الانقلابيين على مؤسسات الدولة وتوسيع نطاق الحرب، وحينئذً تحول الحوار الداخلي إلى التعامل مع ناحيتين:

تغيير المكان من الداخل اليمني إلى خارجه بعد استيلاء الإنقلابيين على العاصمة صنعاء وحصار العاصمة المؤقتة عدن، والانتقال إلى سويسرا لعقد لقاءين، الأول في جنيف من 16 إلى 19 يونيو 2015م، والثاني في منطقة خارج جنيف من 16ديسمبر إلى 21 ديسمبر، وكان اللقاء الثالث في الكويت والتي بدأ في 22 إبريل 2016م وانتهى في 18يوليو 2016م.

 تغيير الحوار إلى مفاوضات سميت من حيث الشكل "مشاورات" لكن حقيقة الشكل كانت مفاوضات بين الإنقلابيين والحكومة بمشاركة فاعلة لدول الإقليم والدول الكبرى والمنظمات الدولية ذات العلاقة، وبالتالي تم تدويل القضية اليمنية وصارت اليمن تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وطبعاً بسبب الإنقلابيين الذين كانوا قبل ذلك يروجون من قبيل التحريض فكرة أن اليمن وضعت تحت البند السابع من الميثاق منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم (2140) 2014م بينما كان هذا القرار والقراران  التاليان له، (2201) 2015م و (2204) 2015م، قد وضعت قيادات التمرد والثورة المضادة ثم الانقلاب تحت تدابير الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وليس اليمن كبلد والتي تمثلها السلطة الشرعية، وأتت هذه القرارات دعماً للشرعية وإنهاءً للتعدي عليها. لكن استمرار انقلاب الثورة المضادة على السلطة وعلى شرعية الفترة الانتقالية أدى إلى وضع اليمن تحت البند السابع من الناحية القانونية والعملية، وكذلك الاعتداء على حرمة المباني الدبلوماسية والقنصلية خلافاً لاتفاقيتي فينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961م وللعلاقات القنصلية لعام 1963م، وتوريد الأسلحة من قبل المشمولين بعقوبات قرارات مجلس الأمن (2140)، و(2201) و (2204). وجاء القرار (2216) بعد أن قاد هؤلاء الأشخاص انقلاباً مسلحاً واحتلال المليشيات للعاصمة وعدد من محافظات الجمهورية، ومن هنا أضطر المجتمع الدولي لمنع جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من توريد الأسلحة إلى الانقلابيين، ومن تلك الدول إيران، وطلب منها أن تتخذ فوراً التدابير اللازمة لمنع القيام بالتوريد أو البيع أو النقل إلى أو لمصلحة هؤلاء الأشخاص أو الكيانات التي حددتها لجنة التحقيق الأممية[15] المنشأة طبقاً للفقرة (19) من القرار(2140)، وخول جميع الدول، ولاسيما الدول المجاورة لليمن، بتفتيش جميع البضائع المتجهة لليمن[16]، وتم إنشاء مركز دولي لهذا الغرض[17]. وبهذه التدابير وهذا التدخل المباشر في المفاوضات صارت اليمن محكومة بتدابير الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحددة أو بتصرف مجلس الأمن بموجب هذا الفصل.

    جرى بعد انتهاء مؤتمر الرياض تجاهل مقررات إعلان الرياض، مع استمرار الهيئة الاستشارية التي أعدَّت لانعقاد المؤتمر كصيغة للتنسيق بين الأحزاب والتنظيمات السياسية والمشاركة في القرار السياسي، لكنها أصبحت مجرد شكل، في ظل ضعف واضح لأداء السلطة الشرعية. فبادرت هذه الأحزاب والتنظيمات، من خلال الهيئة الاستشارية، إلى تشخيص الأوضاع واقتراح الحلول، وخلص التشخيص إلى أن سبب ترهل الوضع السياسي يرجع إلى ضعف التأثير والاستقطاب بسبب انكفاء قوى الشرعية على نفسها، وعدم التكامل، بل والصراع بين الرئاسة والحكومة، وغياب التنسيق بين السلطة الشرعية والقوى السياسية وإقصاء بعض الأحزاب، مثل الحزب الاشتراكي اليمني، وبالتالي انحسار الدور الفعال للأحزاب والقوى السياسية في التأثير على الأحداث وإدارة العملية السياسية، وسوء إدارة السياسة الخارجية والداخلية[18]. وكان مرد ذلك كله رفض الشراكة في صنع القرار. وكان ضعف أداء السلطة الشرعية قد صار موضوعاً للتقارير الدولية، ومنها تقارير الأمم المتحدة التي حملت كافة الأحزاب والقوى السياسية[19] مسؤولية عرقلة وقف الحرب واستئناف العملية السياسية، بينما كانت هذه الأحزاب في الواقع مهمشة. وبدأ بوضوح خطر الإرهاب يظهر في المناطق الخاضعة للسلطة الشرعية أو غير الخاضعة لسلطة الانقلاب، وخاصة في عدن وتعز، حيث تم حشد الجماعات السلفية، ومنها تنظيمات إرهابية، مما جعل قبضة السلطة الشرعية على عدن رخوة وعاجزة عن تخليص تعز من قبضة مليشيات صالح والحوثي. وصارت الجماعات السلفية أكثر تطرفاً وجنوحاً نحو الطائفية بفعل طائفية وفاشية الإنقلابيين وتأجيج خطباء المساجد[20] الموالين للنظام القديم، خاصة في مدينة تعز، للمشاعر الطائفية واستعادة خطاب التكفير الذي ساد في حرب 1994م[21]، إذ ظهر في المدينة التي عرفت بالثقافة عدد كبير من التنظيمات السلفية تستجيب لهذه الدعوات: داعش، والقاعدة وبمسمياتها المختلفة: أنصار الشريعة وغيرها. وكانت العديد من التنظيمات السلفية الأخرى مدعومة من دول التحالف، إضافة إلى أن بعض قياداتها تنتمي إلى أحزاب سياسية. وقد تم تشخيص إدارة الوضع العسكري والأمني، وكان الاستخلاص سلبياً، كما هو الحال في الجانب السياسي.

     وخلصت الرؤية في جانب التوافق والشراكة إلى أنه: "وفي ظل الوضع الخطر الذي تمر به بلادنا اليوم، فإن القوى السياسية والمجتمعية المنضوية في الهيئة الاستشارية ترى ضرورة وضع حد للإخلال بمبدأ الشراكة والتوافق أياً كان مستواه، وتؤكد على أن نجاح مهمة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب مرهون أولاً واخيراً بالعودة الكاملة لهذين المبدئين بين السلطة الشرعية والقوى السياسية المؤيدة للشرعية".

     واختتمت الرؤية باقتراح أطر الشراكة والتوافق في هذه المرحلة على الصعيد الوطني والمحافظات، وبين الرئاسة والحكومة من ناحية وبينهما وبين الأحزاب والتنظيمات السياسية من ناحية أخرى.

     وعلى الرغم من إقرار كل الأحزاب والتنظيمات السياسية المنضوية في الهيئة الاستشارية للرؤية، وبعد استبعاد الوقائع التي تظهر التغول على الجميع وعدم التزامها بالمشروعية القانونية وتهميش دور الأحزاب والتنظيمات السياسية وإقصاء الحزب الاشتراكي اليمني، رفعت الرؤية من الهيئة الاستشارية إلى رئيس الجمهورية. لكن ممثلي بعض المكونات السياسية صوروا لرئيس الدولة أن هذه الورقة كانت نتيجة مؤامرة الحزب الاشتراكي اليمني مع رئيس الحكومة على شرعية الرئيس ومحاولة لسلبها منه، لأن نائب أمين الحزب الاشتراكي تولى رئاسة اللجنة التي أعدت مشروع الورقة.

     ولا زالت هذه الرؤية لدى رئيس الجمهورية منذ 2015م. ولذلك جرت محاولة أخرى لاستعادة فاعلية الأحزاب والتنظيمات السياسية وشراكتها في القرار بعد أن صارت مهمشة على صعيد السلطة الشرعية ومهددة في وجودها ودورها على الساحة الوطنية لإحلال المليشيات المسلحة وتجار الحروب محلها ومن كل الأطراف، بالتوقيع على وثيقة "التحالف الوطني للقوى السياسية" التي حددت المدى الزمني لهذا التحالف بمرحلتين: المرحلة الأولى استعادة الدولة، والمرحلة الثانية استئناف وتفعيل العملية السياسية. وجرت استعدادات لإشهار التحالف وإعداد بيان إعلانه، غير أن الأحزاب والتنظيمات فوجئت بعدم السماح لها بالإشهار. ويعتقد أن سبب ذلك توجس أصحاب القرار من التحالف، رغم أن الدعوة الأولى أتت من قيادة المؤتمر الشعبي العام-جناح الرئيس. وهنا فقدت الأحزاب والتنظيمات السياسية كل إمكانية للفاعلية والفعل.

 هوامش


[1]- المصدر السابق.صــ9.

[2]- المصدر السابق. صـــ9.

[3]- تنص الفقرة أولاً على: ((إن الغاية الأساسية من هذا الإعلان تتمثل بإنقاذ اليمن ومؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كل أرجاء البلاد من خلال:

1-إنهاء عدوان قوى التمرد واسقاط الانقلاب ومحاسبة الضالعين فيه واستعادة الأسلحة وإخراج المليشيات من العاصمة صنعاء ومدينة عدن ومحافظة صعدة وكافة المدن والمحافظات وضمان عدم عودة منظومة الفساد والتخلف والاستبداد مجدداً.

2-دعم وتنظيم المقاومة الرسمية والشعبية تحت القيادة الشرعية في كافة المناطق التي تتواجد فيها مليشيات الانقلاب والتمرد.

3-حشد الدعم والتأييد الإقليمي والدولي لأعمال الإغاثة والعمل الإنساني وتوسيع نطاقها ورفع مستواها وتوفير الخدمات الأساسية والغذاء والدواء ومستلزمات الإغاثة لمستحقيها وإقامة مناطق خاصة للنازحين داخل اليمن وإيجاد حلول عاجلة لمشكلة العالقين في الخارج.

4-عودة مؤسسات الدولة الشرعية لممارسة مهامها من داخل الأراضي اليمنية.

5-الحفاظ على النسيج الاجتماعي والحيلولة دون تفكيك المجتمع اليمني وانزلاقه إلى صراعات وانقسامات اجتماعية على أسس مذهبية وجهوية.

6-مساءلة القيادات العسكرية والأمنية والسياسية الضالعة في الانقلاب على الشرعية المسئولين عن إشعال الحرب والفتنة الداخلية وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مختلف المدن اليمنية وبالذات مدينتي عدن وتعز وإحالتهم لمحاكمة عادلة ومنصفة.

7-وضع استراتيجية وطنية بمشاركة كافة الأطراف السياسية والمجتمعية لمحاربة العنف والإرهاب ومناهضة التعصب (الطائفي والمناطقي والمذهبي والسلالي) والعمل على نشر القيم الوطنية والقومية والإسلامية وثقافة التسامح والقبول بالآخر.

8-الإسراع بإعادة المهجرين وتصحيح أوضاعهم وتعويض المتضررين من جرائم المليشيات في عموم مناطق اليمن وبالأخص محافظة صعدة وحرف سفيان تعويضاً عادلاً والتعجيل بعودة الأمور إلى محافظة صعدة إلى ما كانت عليه قبل الحرب 2004م.

9-الاهتمام بالقضية التهامية، ودعم قوى الحراك التهامي ضد مليشيات التمرد.

[4]- ورد في ((مبادرة الحزب الاشتراكي اليمني لمعالجة مظاهر الأزمة الراهنة واستعادة العملية السياسية)) الصادرة في 7/4/2015م عناصر المبادرة من 1إلى 3 ما يلي:

1-الإيقاف الفوري للحرب على الجنوب وسحب القوات العسكرية والأمنية والمليشيات واللجان الشعبية المسلحة فوراً من عدن ومختلف مناطق الصراع والاقتتال، والافراج الفوري عن المعتقلين والمحتجزين والمخفيين قسراً...

2-الشروع فوراً بإجراءات سحب وتسليم الأسلحة والمعدات العسكرية للدولة من المليشيات واللجان الشعبية المسلحة، واستكمال انسحابها من المؤسسات والأجهزة الحكومية والمواقع العامة والخاصة في كل محافظات الجمهورية وفي مقدمة ذلك صنعاء وعدن، ومباشرة تطبيع الأوضاع السياسية والعسكرية والأمنية والإدارية المأزومة في العاصمة صنعاء وغيرها من المدن اليمنية، وإلغاء كل الإجراءات العسكرية والأمنية والإدارية الانفرادية المتخذة منذ مطلع العام 2015م.

3-عودة حكومة الكفاءات المستقيلة لممارسة مهامها وصلاحيتها خلال المرحلة الانتقالية، أو لتصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة كفاءات وشراكة وطنية جديدة.

[5]- تنص الفقرة ثانياً من إعلان الرياض: بناء الدولة المدنية الاتحادية الحديثة على ما يلي:

1-الإسراع في دعوة الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني لمناقشة مسودة الدستور وطرحها للنقاش العام والاستفتاء.

2-استكمال تنفيذ النقاط العشرين والاحدى عشر وكافة المقررات المتعلقة بالقضية الجنوبية وفقاً لمقررات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وفق جدول زمني محدد.

3-الشروع في بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية ومهنية على أن يتم التمثيل في هذه المؤسسات في المرحلة التأسيسية بواقع خمسين بالمائة للجنوب وخمسين بالمائة للشمال على مستوى المراتب القيادية العليا وفقاً لمخرجات الحوار الوطني وإعلان الرياض.

4-إصدار قانون العدالة الانتقالية والقوانين ذات الصلة بمتطلبات ما تبقى من المرحلة الانتقالية وإطلاق مصالحة وطنية شاملة وفقاً لمخرجات الحوار الوطني.

5-إصدار التشريعات المتعلقة بالانتقال للدولة الاتحادية وبناء المؤسسات وفقاً لمخرجات الحوار الوطني الشامل.

6-الشروع في إعداد وتوفير الشروط اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة على طريق بناء الدولة الاتحادية المدنية الحديثة وفقاً للدستور الجديد.

7-التأكيد على ضرورة جدولة معالجة كافة القضايا اليمنية وخاصة معالجة القضية الجنوبية بصفتها القضية المحورية والجوهرية في الحالة اليمنية، وحق الشعب في تقرير مكانته السياسية وفق ما ينص عليه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وبما يتوافق مع الحلول والضمانات للقضية الجنوبية ومخرجات الحوار الوطني الشامل.

[6]- ورد في الفقرة ثالثاً من إعلان الرياض ما يلي:

تعمل الدولة على توفير كافة الوسائل والإمكانات اللازمة لإعادة الاعمار وفقاً للآتي:

1-       إعادة الاعمار بحشد الموارد اللازمة وبدعم من الأشقاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمجتمع الدولي ومباشرة تنفيذ مشاريع الاعمار في كافة المناطق خصوصاً تلك التي تعرضت لأعمال التخريب والدمار وهدم البنى التحتية وفي المقدمة منها مدينة عدن.

2-       العمل على انجاز استراتيجية وطنية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية لوقف حالة التردي الاقتصادي ومكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة.

3-بناء اقتصاد مستدام وإيجاد بيئة استثمارية في اليمن تحقق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتطلعات الشعب اليمني وتوفر آليات الشفافية والمساءلة وتسهر في عملية اندماج الاقتصاد اليمني مع اقتصاديات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

[7]- نصت مبادرة الحزب الاشتراكي اليمني في العنصر (6/ح) على: ((الشروع في تنفيذ استراتيجية وطنية شاملة-تشارك فيها كافة الأطراف والطاقات الوطنية-لوقف حالة التردي الاقتصادي ومكافحة الفساد والتهريب والتهرب الضريبي والجمركي، واستعادة الأموال المنهوبة، والتصدي لأعمال العنف والتخريب والحروب الأهلية)).

[8]- ينص الإعلان في الفقرة أولاً (9،7،5) على: ((5-الحفاظ على النسيج الاجتماعي والحيلولة دون تفكيك المجتمع اليمني وانزلاقه إلى صراعات وانقسامات اجتماعية على أسس مذهبية وجهوية.7-وضع استراتيجية وطنية بمشاركة كافة الأطراف السياسية والمجتمعية لمحاربة العنف والإرهاب ومناهضة التعصب (الطائفي والمناطقي والمذهبي والسلالي) والعمل على نشر القيم الوطنية والقومية والإسلامية وثقافة التسامح والقبول بالآخر. 9-الاهتمام بالقضية التهامية، ودعم قوى الحراك التهامي ضد مليشيات التمرد)) والفقرة ثانياً (7،2) على: ((2-استكمال تنفيذ النقاط العشرين والاحدى عشر وكافة المقررات المتعلقة بالقضية الجنوبية وفقاً لمقررات مؤتمر الحوار الوطني الشامل ووفق جدول زمني محدد. 7-التأكيد على ضرورة جدولة معالجة كافة القضايا اليمنية وخاصة معالجات القضية الجنوبية بصفتها القضية المحورية والجوهرية في الحالة اليمنية، وحق الشعب في تقرير مكانته السياسية وفق ما ينص عليه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وبما يتوافق مع الحلول والضمانات للقضية الجنوبية ومخرجات الحوار الوطني الشامل)).

[9]- نصت مبادرة الحزب الاشتراكي اليمني في الأهداف (4،3) على: ((3-منع انهيار الدولة وتحويل اليمن إلى ساحة للفوضى والتمزق والإرهاب والحروب الأهلية أو مسرح لتصفية حسابات إقليمية أو جهوية. 4-الحيلولة دون تفكك المجتمع اليمني، وانزلاقه إلى صراعات وانقسامات اجتماعية على أسس مذهبية أو مناطقية أو جهوية)).

[10]- ورد في الفقرة رابعاً من إعلان الرياض ما يلي:

الآليات والإجراءات:

1-استخدام كافة الأدوات العسكرية والسياسية لإنهاء التمرد واستعادة مؤسسات الدولة والأسلحة المنهوبة.

2-الشروع في بناء قوات أمنية في جميع المحافظات والأقاليم لحفظ الأمن والاستقرار وفقاً لمخرجات الحوار الوطني.

3-مطالبة مجلس الأمن بتنفيذ القرار (2216) وكافة القرارات ذات الصلة وفقاً للآليات المتبعة بهذا الخصوص.

4-سرعة إيجاد منطقة آمنة داخل الأراضي اليمنية تكون مقراً لاستئناف نشاط مؤسسات الدولة الشرعية من داخل اليمن.

5-مخاطبة المؤسسات المالية الدولية بوقف التعامل المالي والدبلوماسي مع مليشيات الانقلاب في العاصمة صنعاء ومراقبة التحويلات المالية لليمن وتجميد أموال قادة المليشيات وشركائهم وفقاً لقرار مجلس الأمن (2216) لسنة 2015م والقرارات ذات الصلة.

6-سرعة إجراء تعديل في تشكيل الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل وفقاً لما تم الاتفاق عليه في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وتباشر الهيئة الوطنية للرقابة مهامها على الفور في مناقشة وإقرار مسودة الدستور التي يتم التوافق عليها.

7-يعتبر إعلان الرياض أحد المرجعيات للعملية السياسية في الفترة الانتقالية وتتولى الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل متابعة تنفيذ مقررات إعلان الرياض.

[11]- ورد في رؤية الحزب الاشتراكي اليمني فقرة الآليات على ما يلي:

1- تحت اشراف ممثلي المجتمع الدولي (الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي) والمجتمع الإقليمي (مجلس التعاون الخليجي، الجامعة العربية) تتولى لجنة عسكرية أمنية (عربية/أمنية) مشتركة مشكلة من دول عربية وشخصيات وطنية محايدة للإشراف على التنفيذ الفعلي لوقف الحرب والعمليات العسكرية، وإجراءات سحب الأسلحة من المليشيات واللجان الشعبية المسلحة، واتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بتحقيق الأمن والسلم الأهلي، وتطبيع الأوضاع العسكرية والأمنية، وإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة، وإعادة بناء مؤسسة الجيش والأمن على أسس مهنية ووطنية وفقاً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

2- عودة كل الأطراف السياسية والقوى الاجتماعية إلى العملية السياسية وطاولة الحوار الوطني- الطريق الوحيد الآمن- لمعالجة الأزمة الوطنية المتفاقمة، والشروع باستئناف عملية الحوار المسئول، الجاد والمتكافئ، في المكان الملائم والمحايد المتوافق عليه وبحضور جميع الأطراف السياسية والاجتماعية المشاركة في الحوار وتلك التي لم تشارك في الحوارات السابقة وعلى وجه الخصوص فصائل وأطراف الحراك الفاعلة في الجنوب بممثلين كاملي المشروعية القانونية في تمثيل مكوناتهم ومفوضين باتخاذ القرار عنها، وبإشراف أممي، إيذاناً بعودة الجميع للعملية السياسية، بمرجعياتها التوافقية، ممثلة بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، واتفاق السلم والشراكة الوطنية، وقرارات المجتمع الدولي ذات الصلة، تفضي إلى تسوية سياسية وطنية مستديمة ومتوازنة، تجسد شراكة جميع الأطراف السياسية والمكونات الاجتماعية في عملية التسوية، تلتزم بموجبها كل الأطراف بإنجاز جميع الالتزامات والمتطلبات الضرورية لتجاوز مظاهر الأزمة الراهنة والعودة إلى العملية السياسية وفقاً لمضامين ومسارات هذه التسوية.

وينص العنصر (6) من رؤية الحزب الاشتراكي على:

6-استئناف العملية السياسية الفاعلة من حيث انتهت إليه قبل يناير 2015م، والعمل في سياق آلية تنفيذية فاعلة ومزمنة لاستكمال مهام المرحلة الانتقالية خلال فترة زمنية انتقالية قياسية لا تتجاوز في حدها الأقصى العامين، على إنجاز ما يلي:

1-       إخراج القيادات العسكرية والأمنية والسياسية المتورطة في إجهاض العملية السياسية، وإشعال الحرب على مدن الجنوب وغيرها من محافظات الجمهورية، من المشاركة في العملية السياسية القادمة، ورفع الحصانة عنهم، واتخاذ إجراءات صارمة بحقهم.

2-       البدء بالتنفيذ الفوري لمخرجات الحوار الوطني، واتفاق السلم والشراكة الوطنية، وملحقها الأمني، بما في ذلك البند الخاص بإعادة النظر بموضوع (الأقاليم)، واستكمال تنفيذ مهام النقل السلمي للسلطة وفقاً للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

3-       إعادة تصحيح وضع الهيئات الضامنة لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، ((مؤسسة الرئاسة، الحكومة، مجلس الشورى-بعد إعادة ترتيب وضعه، والهيئة الوطنية للمتابعة والإشراف على مخرجات الحوار))، وتفعيل أدائها للقيام بمهامها المزمنة والمحددة لها وفقاً لورقة الضمانات في مخرجات الحوار، ومبدأي التوافق والشراكة الوطنية.

4-        الشروع بمناقشة وتصويب مسودة الدستور الاتحادي وفقاً لمخرجات الحوار الوطني في إطار الهيئة الوطنية للمتابعة والإشراف على مخرجات الحوار بعد تصويب وضعها وفقاً لما حدد لها في مخرجات الحوار الوطني الشامل، واتفاق السلم والشراكة الوطنية، وإنزاله للمناقشة والاستفتاء الشعبي عليه.

5-       تهيئة البيئة القانونية والأمنية الملائمة، لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة، في سياق عملية بناءً على أسس الدولة المدنية الاتحادية الجديدة، وفقاً لمضامين الدستور الجديد المستفتي عليه.                                                                                                 

6-الشروع في تنفيذ استراتيجية وطنية شاملة-تشارك فيها كافة الأطراف والطاقات الوطنية-لوقف حالة التردي الاقتصادي ومكافحة الفساد والتهريب والتهرب الضريبي والجمركي، واستعادة الأموال المهوبة، والتصدي لأعمال العنف والتخريب والحروب الأهلية.

7-        الشروع فوراً بمعالجة القضية الجنوبية، وفقاً لآلية مزمنة، وبإجراءات عملية ملموسة، تترجم مخرجات الحوار الوطني، ومضامين وثيقة الحل العادل للقضية الجنوبية، والنقاط ذات العلاقة المنبثقة عن مؤتمر الحوار الوطني، في سياق الدولة المدنية الاتحادية والديمقراطية، وبما يجسد الخيارات السياسية المشروعة لإرادة الشعب في الجنوب.

8-       تلتزم كل الأطراف السياسية والمكونات الاجتماعية المنخرطة في هذه التسوية-بحضور وبإشراف ممثلي المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية بتنفيذ بنود ومضامين هذه التسوية، والتوافقات والاتفاقيات السياسية السابقة، بما في ذلك المهام ذات العلاقة بتهيئة البيئة الملائمة لعملية التنفيذ، ودعوة المجتمع الإقليمي والدولي للوفاء بالتزاماته تجاه التسوية اليمنية، وضمانات تنفيذها بصورة أكثر فاعلية، تحول دون الالتفاف عليها أو إعاقة تنفيذها، ودعم كل الجهود الرامية لإنجاحها. ويلتزم الجميع بالموقف المشترك الرافض لكل الممارسات اللامسئولة، وأعمال العرقلة والاعاقة المتعمدة لعملية التسوية السياسية من أي طرف كان، أفراداً كانوا أو كيانات، مع تحديد آليات عقابية صارمة، كفيلة بكشف المعرقلين، ومعاقبتهم، وفضحهم أمام الشعب اليمني والمجتمع الإقليمي والدولي، وتحميلهم كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن تلك الممارسات التي لا ينبغي أن تمر دون مساءلة.

[12]- نصت الفقرة (3) من اتفاق السلم والشراكة على: ((تخفيف المعاناة عن الشعب مسئولية مشتركة ويتطلب تضافر جهود جميع الأطراف. لذلك تشكل الحكومة الجديدة لجنة اقتصادية تضم خبراء مؤهلين واقتصاديين من مختلف المكونات السياسية والوزارات المعنية في الحكومة مع خبرة في التشريع والإدارة المالية والاقتصادية. وتكون التوصيات المتفق عليها في اللجنة ملزمة للحكومة. وتشكل اللجنة في غضون أسبوع من تشكيل الحكومة. وتدرس الوضعين الاقتصادي والمالي في اليمن عبر مراجعة الموازنة العامة للدولة والانفاق، وتقدم توصيات حول كيفية استخدام الوفورات من أجل إعانة الفئات الفقيرة والمناطق التي تعرضت للتهميش.

تضع اللجنة برنامجاً شاملاً ومفصلاً ومزمناً للإصلاح الاقتصادي، يهدف في المقام الأول إلى تخفيف منابع الفساد المستشري وسوء التدبير، وتقترح مع الحكومة الجديدة حلولاً حول الإصلاحات الشاملة المطلوبة في قطاعي النفط والطاقة، بطريقة تحقق مطالب الشعب وتطلعاته.

يتم فوراً إصدار قرار جديد يحدد سعراً جديداً هو 3000ريال لكل 20 لتراً للوقود والديزل. وعلى اللجنة الاقتصادية المشار إليها أعلاه أن تعيد النظر في ذلك، في غضون شهرين، وعلى ضوء تحرير استيراد وتوزيع المشتقات النفطية وإصلاح قطاع الكهرباء، وبما يقود إلى إصلاحات سعرية حقيقية مبنية على أسس علمية واقتصادية ويلبي تطلعات الشعب)).

[13]- نص البند (11) من اتفاق السلم والشراكة على: ((تشكل الحكومة لجنة مشتركة مع أنصار الله، لإعداد مصفوفة تنفيذية لتنفيذ مخرجات فريق عمل قضية صعدة في مؤتمر الحوار الوطني، وتشكل الحكومة لجنة أخرى، بمشاركة جميع المكونات بما فيها الحراك الجنوبي السلمي، لإعداد مصفوفة تنفيذية عاجلة لتنفيذ مخرجات فريق عمل القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني)).

[14]- تنص بنود الملحق العسكري والأمني في البنود م 1-5 على ما يلي:

الحالة العسكرية والقضايا المتعلقة بعمران والجوف ومأرب وصنعاء وأية محافظات أخرى:

البند1: تتعهد الأطراف إزالة جميع عناصر التوتر السياسي والأمني من أجل حل أي نزاع عبر الحوار وتمكين الدولة من ممارسة سلطاتها، ويجب وقف جميع أعمال العنف فوراً في العاصمة صنعاء ومحيطها من جميع الأطراف.

البند2: تؤكد الأطراف ضرورة بسط سلطة الدولة على أراضيها كافة وفق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

البند3: يتم الاتفاق على آلية، بمساعدة فنية من الأمم المتحدة، لتنفيذ توصيات مؤتمر الحوار الوطني الشامل المتعلقة بـ"نزع السلاح واستعادة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من كافة الأطراف والجماعات والأحزاب والأفراد التي نهبت أو تم الاستيلاء عليها وهي ملك للدولة على المستوى الوطني وفي وقت زمني محدد وموحد" وتشمل الآلية تمثيلاً لجميع المكونات، ولا تستثني من عملها أي أطراف أو جماعات أو أفراد. وتتضمن الآلية خطة مفصلة وجدولاُ زمنياً للتنفيذ ووفق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

البند4: بخصوص عمران، يشكل رئيس الحكومة الجديد لجنة مشتركة، في غضون خمسة أيام، مهمتها تطبيع الوضع واستكمال أعمال ترتيب السلطات الإدارية والأمنية والعسكرية، بما يحقق فرض سلطة الدولة ويحقق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.

ويقوم المسؤولون المحليون في عمران بممارسة صلاحياتهم بشكل كامل. وتقوم القوات الأمنية والعسكرية التابعة للدولة بمهامها في ضمان أمن المحافظة واستقرارها.

وتتحمل اللجنة المسؤولية الرئيسية عن الاشراف على الاتفاق وتنفيذه، بما في ذلك سحب جميع المجموعات المسلحة القادمة من خارج عمران.

تتعهد الأطراف إعطاء جميع المعلومات الضرورية إلى لجنة المراقبة والتحقق فور طلبها لتمكينها من القيام بمهامها.

وتوفر اللجنة المشتركة كل الدعم والمساعدة اللازمين إلى المسؤولين المحليين لتمكينهم من ممارسة مسؤولياتهم بشكل كامل، وضمان مبدأ الشراكة الوطنية. وتكون اللجنة المنبر المناسب لمناقشة أي عقبات وحلها من أجل القيام بتلك المسؤوليات.

البند5: وقف جميع أعمال القتال ووقف إطلاق النار في الجوف ومأرب فوراً، وانسحاب جميع المجموعات المسلحة القادمة من خارج المحافظتين مع ترتيب الوضع الإداري والأمني والعسكري.

وتؤسس الأطراف آلية تنفيذ حازمة ومشتركة ومحايدة من أجل المراقبة والتحقق. وتشرح وثيقة مكملة تفاصيل وقف إطلاق النار والآلية المشتركة، وتضع جدولاً زمنياً صارماً. وتقوم الحكومة الجديدة بترتيب وضع محافظتي الجوف ومأرب إدارياً وأمنياً وعسكرياً بما يكفل تحقيق الأمن والاستقرار والشراكة الوطنية. وتقوم القوات المسلحة والأمنية التابعة للدولة بمهامها في ضمان أمن المحافظتين واستقرارهما.

وتضمنت البنود 10،7،6 مسائل متفرقة وعلى النحو التالي:

البند6: تتضمن الوثيقة المكملة القضايا التالية:

أ‌-         مبادئ وقف إطلاق النار.

ب-مجموعة تعريفات من أجل تجنب الالتباس خلال تنفيذ وقف إطلاق النار.

ت‌-      تعريف مراحل التنفيذ.

ث‌-      تشكيل لجنة مشتركة للمراقبة والتحقق، وفرق ميدانية مشتركة للمراقبة والتحقق، وفرق تقنية مشتركة للمراقبة والمراجعة.

ج‌-       التنفيذ الواضح للأعمال التي تعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار.

ح‌-       وجدول أعمال واضح للتنفيذ.

البند7: تلتزم الأطراف تيسير وصول الجهات الفاعلة الإنسانية إلى المحتاجين إلى المساعدة في ظروف آمنة ومن دون عوائق. وتلتزم الأطراف كذلك ضمان سلامة المدنيين، بمن فيهم المدنيون الذين يتلقون المساعدة، فضلاً عن ضرورة كفالة أمن موظفي المساعدة الإنسانية وموظفي الأمم المتحدة والأفراد المرتبطين بها.

البند10: إلغاء كل الإجراءات العقابية إدارية أو مالية أو غيرها على العسكريين أو المدنيين على خلفية المشاركة في المظاهرات السلمية أو تأييدهم بطرق سلمية لمطالب شعبية مشروعة.

[15]- نص قرار مجلس الأمن رقم (2140) في فقرته (19) على: ((يقرر أن ينشئ وفقاً للمادة (28) من نظامه الداخلي المؤقت، لجنة تابعة لمجلس الأمن تضم جميع أعضاء المجلس (يشار إليه أدناه "باللجنة") تضطلع بالمهام التالية:

(أ) رصد تنفيذ التدابير المفروضة في الفقرتين 11و15 أعلاه بهدف تعزيز تنفيذ هذه التدابير من جانب الدول الأعضاء وتيسير ذلك التنفيذ وتحسينه؛

(ب) البحث عن المعلومات المتعلقة بالأشخاص والكيانات الذين قد يكونون بصدد القيام بالأعمال المبينة في الفقرتين 17و18 أعلاه واستعراض تلك المعلومات؛

(ج) تحديد الأفراد والكيانات الذين سيخضعون للتدابير المفروضة في الفقرتين 11و15 أعلاه؛

(د) وضع ما قد يلزم من مبادئ توجيهية لتيسير تنفيذ التدابير المفروضة أعلاه؛

(هـ) تقديم تقرير إلى مجلس الأمن في غضون 60 يوماً من أعمالها وموافاته لاحقاً بتقارير حسبما تراه اللجنة ضرورياً؛

 (و) التشجيع على إجراء حوار بين اللجنة والدول الأعضاء المهتمة، ولاسيما دول المنطقة، بوسائل تشمل دعوة ممثلي هذه الدول إلى الاجتماع باللجنة لمناقشة تنفيذ التدابير؛

(ز) التماس أي معلومات تراها مفيدة من جميع الدول بشأن الإجراءات التي اتخذتها هذه الدول من أجل تنفيذ التدابير المفروضة على نحو فعال؛

(ح) دراسة المعلومات المتعلقة بما يُزعم ارتكابه من انتهاكات أو عدم امتثال للتدابير الواردة في الفقرتين 11و15 واتخاذ الإجراءات الملائمة بشأنها)).

[16]- نص قرار مجلس الأمن رقم (2216) في المواد من 14-17 على ما يلي: ((14- يقرر أن على جميع الدول الأعضاء أن تتخذ فوراً التدابير اللزمة لمنع القيام، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالتوريد أو النقل إلى أو لفائدة علي عبدالله صالح، وعبدالله يحيى الحكيم، وعبدالخالق الحوثي، والكيانات والأفراد الذين حددتهما اللجنة المنشأة عملاً بالفقرة (19) من القرار (2140) (يشار إليها فيما يلي باسم "اللجنة")، عملاً بالفقرة (20) (د) من هذا القرار، والكيانات والأفراد المدرجة أسماؤهم في المرفق الأول لهذا القرار، وكل من يتصرف بالنيابة عنهم أو بتوجيه منهم في اليمن، انطلاقاً من أراضيها أو عبرها أو بواسطة مواطنيها، أو باستخدام سفن أو طائرات تحمل علمها، للأسلحة والأعتدة ذات الصلة بجميع أنواعها، بما يشمل الأسلحة والذخائر، والمركبات والمعدات العسكرية، والمعدات شبه العسكرية وقطع غيار ما سلف ذكره، وكذلك المساعدة التقنية أو التدريب أو المساعدة المالية أو خلافها، فيما يتصل بالأنشطة العسكرية أو توفير أي أسلحة وأعتدة ذات صلة أو صيانتها أو استخدامها، بما في ذلك توفير أفراد المرتزقة المسلحين سواء كان مصدرهم أراضيها أم لا؛   15- يهيب بجميع الدول، ولاسيما الدول المجاورة لليمن، أن تتولى، بما يتفق وسلطاتها وتشريعاتها الوطنية ويتسق مع القانون الدولي، وبخاصة قانون البحار واتفاقات الطيران المدني الدولي ذات الصلة، القيام في أراضيها، بما يشمل موانئها ومطاراتها، بتفتيش جميع البضائع المتجهة إلى اليمن والقادمة منها، متى كان لدى الدولة المعنية معلومات توفر أساساً معقولاً للاعتقاد أن البضائع تتضمن أصنافاً يُحضر توريدها أو بيعها أو نقلها بموجب الفقرة (14) من هذا القرار، بغرض كفالة التنفيذ الصارم لتلك الأحكام؛ 16- يقرر أن يأذن لجميع الدول الأعضاء، وأن تقوم جميع الدول الأعضاء، عند الكشف عن الأصناف المحظور توريدها أو بيعها أو نقلها بموجب الفقرة (14) من هذا القرار، بحجز هذه الأصناف والتصرف فيها (مثلاً من خلال إتلافها، أو جعلها غير صالحة للعمل، أو تخزينها، أو نقلها إلى دولة أخرى غير دول المنشأ أو المقصد من أجل التخلص منها)، ويقرر كذلك أن تتعاون جميع الدول الأعضاء في بل هذه الجهود؛ 17- يطالب أي دولة عضو أجرت تفتيشاً عملاً بأحكام الفقرة (15) من هذا القرار بأن تعجل بتقديم تقرير خطي أولي إلى اللجنة يتضمن، على وجه الخصوص، شرحاً لأسباب التفتيش ونتائجه، وما إذا كانت لقيت تعاوناً أم لا، وما إذا تم العثور أم لا على أصناف يُحظر توريدها أو بيعها أو نقلها، ويطالب كذلك هذه الدول الأعضاء بأن تقدم إلى اللجنة، في غضون 30 يوماً، تقريراً خطياً لاحقاً يتضمن معلومات مفصلة عن تفتيش الأصناف ومصادرتها وإجراءات التخلص منها وتفاصيل تتعلق بنقلها، بما في ذلك وصف للأصناف ومصدرها ووجهتها، مالم تكن هذه المعلومات مدرجة في التقرير الأولي)).

[17]- تم إنشاء المركز بموجب (آلية مراقبة السفن التجارية).

[18]- خلصت ورقة (استعادة وإدارة الدولة) في الوضع السياسي إلى:

1-ضعف التأثير والاستقطاب، حيث انكفأت قوى الشرعية على نفسها ولم تضع استراتيجية واضحة لإدارة الأزمة ولم تتبنى سياسة الانفتاح والاستقطاب للداعمين المحليين والاقليميين والدوليين.

2-ضعف التكامل بين مؤسسات السلطة التنفيذية وغياب التنسيق مع القوى السياسية في ظل غياب الرؤية الشاملة والآليات المناسبة لإدارة المسار السياسي.

3-انحسار الدور الفعال للأحزاب والقوى السياسية في التأثير على مجريات الأحداث وإدارة العملية السياسية.

4-سوء أداء السياسة الخارجية، حيث لم تتمكن خلال هذه الفترة من حشد التأييد والدعم الدوليين لصالح الشرعية، وبناء تحالفات دولية ضد الانقلاب وتفعيل دور الدبلوماسية اليمنية في ذلك.

5-غياب استراتيجية واضحة للعمل على تنفيذ مقررات إعلان الرياض.

6-عدم تجسيد مفهوم الشراكة الوطنية في إدارة المرحلة الراهنة على النحو الذي جاءت به المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني.

[19]- ومن ذلك التقرير النهائي للجنة خبراء العقوبات بشأن اليمن الصادر بتاريخ 30/1.

[20]- هذا ما أكدته المصادر المحايدة، مثل التقرير النهائي للجنة خبراء العقوبات بشأن السابق، السابق ذكره.

[21]- كان من أكثر هؤلاء الخطباء الذين سعوا إلى تفكيك المقاومة بإثارة المشاعر الطائفية والتكفير، هو أحد أعضاء مجلس النواب-عبدالله أحمد علي العديني.

 

 

قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet

الأربعاء, 09 تشرين2/نوفمبر 2016 18:01

خطة السلام (خارطة الطريق لليمن)

   من الواضح أن الفشل في اقناع الانقلابيين بالتوقيع على اتفاقية الكويت للسلام في اليمن،  قد جعل مجموعة الرباعية ودول مجلس التعاون الخليجي تتبنى خطة للسلام (خارطة الطريق لليمن) أواخر شهر أكتوبر، وكان الخطأ الإجرائي الأول أن المبعوث للأمم المتحدة قد تجاهل طرف الشرعية الذي كان قد وقع على اتفاقية الكويت، وذهب بخطة جديدة ليقنع بها الطرف الرافض، وترتب عليه ردة فعل مفهومة ضد الخطة من قبل طرف الشرعية، ولكن بطريقة غير حصيفة، وهي طريقة الرفض، بينما الطرف الانقلابي رفضها كلياً بحذلقة دبلوماسية جنبتهم الضغوط، وذلك بالمطالبة بتعديلها بتشكيل مجلس رئاسي وتشكيل حكومة وحدة وطنية قبل الانسحاب وتسليم السلاح، أي شرعنة الانقلاب أولاً واسقاط شرعية الدولة، إلى جانب رفض تنفيذ ما تبقى من مهام الفترة الانتقالية، ومن ذلك تنفيذ مهام العدالة الانتقالية.

   وبالعودة إلى الخطة نجد أنها خطة تحاول تنفيذ القرار(2216) وعدم الخروج على مرجعيات الفترة الانتقالية، لكن هذه المحاولة لا تحقق هذه الغاية، ويتبين ذلك من القراءة التالية:

يستأنف بموجب هذه الخطة المبعوث الخاص للأمم المتحدة المشاورات أو التفاوض مع الأطراف للتوصل إلى اتفاقية كاملة وشاملة للسلام، تشمل الترتيبات السياسية والأمنية لفترة انتقالية مؤقتة تبدأ من يوم توقيع الاتفاقية وتنتهي بمباشرة العودة إلى إنجاز مهام المرحلة الانتقالية المتبقية، والمتمثلة في مناقشة الدستور الجديد والإعداد للانتخابات العامة واجرائها: النيابية والرئاسية والانتقال إلى الدولة الاتحادية، وتمتد الفترة الانتقالية المؤقتة والمرحلة الانتقالية معاً لمدة عام واحد.

    بحسب الخطة سيتم الإعداد للاتفاقية الشاملة والكاملة عبر التشاور والتفاوض بوساطة المبعوث الخاص للأمم المتحدة، وبدعم من الأمم المتحدة ومجموعة الدول الثمانية عشرة، وتلتقي الأطراف على مائدة الحوار لأسبوع واحد فقط لوضع اللمسات الأخيرة على نصوص الاتفاقية والتوقيع عليها.

    وهكذا نجد أن الخطة لم تتخل عن شرعية الفترة الانتقالية، إذ نصت على أن يكون التشاور والتوصل إلى سلام على أساس:

المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها، ومخرجات الحوار الوطني وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات العلاقة، بما في ذلك القرار رقم (2216).

   المختلف في خطة السلام لمجموعة الرباعية ودول مجلس التعاون الخليجي أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية سيتم من قبل رئيس الوزراء الجديد الذي سُيتفق عليه، وبتكليف من نائب رئيس الجمهورية الذي سُيتفق عليه أيضاً، بعد تخلي رئيس الجمهورية عن مهامه وصلاحياته لنائبه؛ وذلك بعد انسحاب مليشيات صالح والحوثي من صنعاء العاصمة ومحيطها الأمني، وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وهو اختلاف خطير وجوهري، كما يتبين لاحقاً. ولكي يصير نقل السلطة إلى هذه الحكومة مسئولية وطنية ودولية سوف تعلن الأمم المتحدة عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية خلال مدة أقصاها 30 يوماً من تاريخ التوقيع الرسمي على اتفاق السلام، وبعد أن تكون كل الأطراف قد نفذت التزاماتها. وهذا يعني أن الأمم المتحدة سوف تشرف مباشرة على تنفيذ الأطراف للالتزامات الواردة في اتفاق السلام.

   من هنا، يتبين أن خطة السلام قد سجلت نقطتين لصالح الانقلاب: الأولى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية قبل انسحاب المليشيات من تعز والحديدة، وتسليم السلاح هناك، والذي سوف يبدأ تحت إشراف الحكومة في اليوم الخامس والأربعين من توقيع اتفاقية السلام. والأمر الثاني أو النقطة الثانية، تتمثل بتخلي رئيس الجمهورية عن صلاحياته لنائب رئيس الجمهورية المتفق عليه. والنقطة الأولى لا تعد خروجاً كلياً عن قرار مجلس الأمن، وإنما تأخير في تراتب المهام، واعتبار الانسحاب من صنعاء إنهاءً للانقلاب، وهو ليس كذلك في حقيقة الأمر، أما النقطة الثانية فهي تكرار لما حدث في مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية فيما يتعلق بالرئيس السابق، مع الاختلاف في الإبقاء على الرئيس الحالي مع سحب صلاحياته، دون مراعاة لاختلاف الظرفين.

    بيد أن كل ما ورد في الخطة عدا ما تقدم يصب في مصلحة شرعية الدولة وتحقيق سلام شامل ودائم، من حيث استكمال مهمة نقل السلطة بحل مجلس النواب ومنح صلاحياته للهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وبالقياس يجب أن يرد في الاتفاق النص على حل المجالس المحلية لإنهاء الانقلاب، ومن حيث العودة إلى العملية السياسية وتنفيذ ما تبقى من مهام المرحلة الانتقالية: مناقشة مسودة الدستور والاستفتاء عليه، وتحقيق العدالة الانتقالية، والإعداد لإجراء الانتخابات العامة والانتقال إلى الدولة الاتحادية، أو من حيث تحمل المجتمع الدولي مسئولية توفير الاحتياجات الإنسانية العاجلة، واستعادة العملية الاقتصادية والتنمية وإعادة البناء والاعمار.

   غير أن النتيجة التي قد تترتب على اعتماد هذه الخطة بصيغتها الحالية؛ ستكون حتماً القبول بالعنف أسلوباً وطريقاً للاستيلاء على السلطة، وبذلك تقوض شرعية الدولة والعملية السياسية ومن ثم الانتقال الديمقراطي، مالم يتم تجاوز ثغرات الخطة المتمثلة بجعل شرعية الدولة محل نزاع بسحب شرعية الرئيس المنتخب، وإخراج تعز والحديدة من الخطة الأمنية (أ) واستبعاد الأحزاب السياسية من المشاورات والتوقيع على اتفاقية السلام وحكومة الوحدة الوطنية، وعدم وضوح دور الدول الضامنة لاتفاقية السلام بصورة كاملة.

   من أجل أن توفر خطة السلام (خارطة الطريق في اليمن) أرضية لاتفاقية سلام دائم وحقيقي، فهي بحاجة إلى تجنب الثغرات التي تمثل مخاطر كبيرة أو نواقص تشجع على المزيد من التمترس وراء السلاح. وبصيغتها الحالية تعاني من نواقص رئيسية خمس، هي:

الأولى-تشتمل الخطة أسس اتفاق السلام بمساريه السياسي والعسكري، لكنها تقتصر على اتفاق بين القوى التي تحمل السلاح ومراعية توازن القوى العسكرية، ومستبعدة أطراف التوازن السياسي وهي الأحزاب السياسية التي تمثل جزءً لا يتجزأ من شرعية الفترة الانتقالية ومرجعياتها، فهي موقعة على المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها، فهي الطرف الرئيس في مؤتمر الحوار الوطني والتي أقرت مخرجاته، وبالتالي هي شريك أصيل في السلطة الانتقالية. فكيف يتم الاتفاق على ترتيبات السلطة الانتقالية بدونها؟ وخطر هذا الأمر، هو أن المستقبل سيتحكم به من يحتكم إلى السلاح، وسوف يؤسس لحروب جديدة وليس للانتقال الديمقراطي، وفي نهاية المطاف، يكون المجتمع الدولي قدم هدم إمكانية الانتقال الديمقراطي بدلاً من دعمه.

الثانية-خطة السلام تسقط رابط شرعية الدولة، وما تبقى من رمزيتها، وهو رئيس الدولة، دون أن توجد ضمانات حقيقية تبقي على شرعية الدولة وحماية وحدتها وسلامة أراضيها.

الثالثة-استبعدت خطة السلام محافظتي تعز والحديدة من الخطة الأمنية للمنطقة (أ) وهو أمر يترتب عليه استمرار الانقلاب في منطقتين من أهم مناطق البلاد، مما يجعل مشروع الانقلاب قائماً وعلى الأقل من الناحية المعنوية، وترك أكثر من ربع السكان في ظروف تحقق هلاكهم لمدة إضافية يصعب التكهم بنهايتها.

الرابعة-عدم التحديد المباشر لمسئولية الدول الضامنة في تحقيق السلام ومنع انهياره.

الخامسة-تشكيل حكومة وحدة وطنية من الأطراف المحتكمة إلى السلاح، وهي أطراف تستطيع أن تفشل الحكومة وتستمر في الحرب.

   والنتيجة الحتمية لهذا المسار هي تصويغ العنف وسيلة للاستيلاء على السلطة وتقويض العملية السياسية والانتقال الديمقراطي وشرعية الدولة.

   لذلك، خطة السلام (خارطة الطريق في اليمن) بحاجة إلى أن تشتمل جملة من التدابير والإجراءات والآليات، مثل:

1-تدابير استكمال نقل السلطة التي كان عدم تحققه من العوامل التي مكنت الثورة المضادة من تقويض السلام ويشمل ذلك: إلغاء التوافق على استمرار مجلس النواب الذي شارك أعضاءه الموالين للرئيس السابق في الثورة المضادة والانقلاب، وذلك بحل مجلس النواب وحل المجالس المحلية التي مارست نفس الدور ووجودها غير قانوني، وإيجاد هيكلة جديدة لمؤسستي الجيش والأمن واستبعاد كل من تم تعيينهم من قبل الانقلابيين في مؤسسات الدولة وأجهزتها.

2-تحديد تدابير إعادة الإعمار واستعادة التنمية وتحديد مسئولية المجتمع الدولي، وفي المقدمة، دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

3-تشكيل هيئة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وتحديد مهامها واختصاصاتها بمرسوم رئاسي طبقاً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وتفعيل صندوق جبر الضرر وتمكينه من تنفيذ مهامه وتعويض الضحايا، وتحديد التزامات المجتمع الدولي في تحقيق استرداد الأموال المنهوبة المتواجدة خارج البلاد. ويعمل بهذه المراسيم حتى تتوفر الظروف الدستورية لإصدارها كقوانين من الهيئة التشريعية.

4-وفيما يتعلق بأطراف التفاوض فقد فضلت الحكومة والأحزاب الداعمة للشرعية في بداية عملية التفاوض، أن تكون على مرحلتين، الأولى-المشاورات التي تؤدي إلى إنهاء الحرب وأن تتم بين وفد من الحكومة وآخر من الانقلابيين، وعند العودة إلى العملية السياسية تبدأ المرحلة الثانية كحوار تشارك فيه كافة الأحزاب السياسية. ولما صار الآن الاتجاه وفقاً لخطط مشاريع السلام إلغاء الفوارق بين مرحلتي التفاوض والجمع بين المسارين الأمني والسياسي، يكون من الواجب إنهاء استبعاد الأحزاب السياسية؛ لأن تشكيل حكومة وحدة وطنية والعودة إلى العملية السياسية والسير في تنفيذ مهام الفترة الانتقالية يعني الجميع، وفي المقدمة، الأحزاب السياسية، الأمر الذي يستوجب أن تحدد اتفاقية السلام الأطراف وتشمل الأحزاب السياسية في المقدمة.

5-توفير الضمانات الكافية للحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وتجنب مخاطر جعل الشرعية محل نزاع.

6-تشكيل الحكومة طبقاً للشراكة المتوازنة بين الأحزاب السياسية الشريكة في سلطة الفترة الانتقالية، طبقاً للقاعدة التي وضعتها المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها وضمانات تنفيذ مخرجات الحوار الوطني.

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

 

اليمن بين الثورة والثورة المضادة (الحلقة السابعة)

 

مؤتمر الحوار الوطني:

   واصل اليمنيون، منذ عقود خلت ولاسيما العقود الثلاثة الأخيرة من الحكم الفردي-العائلي، التضحية بأرواحهم وحرياتهم وسلامتهم من أجل تجاوز الماضي الأليم وتحقيق التغيير الذي أوقف بحرب 1994م، ومن أجل إزالة آثار هذه الحرب، إذ قدم اليمن آلاف الشهداء والجرحى، خاصة من شبابه وشاباته الذين قتلوا في تجمعات سلمية نظمها الحراك الجنوبي السلمي منذ عام 2007م وشباب ثورة فبراير 2011م. ومن أجل تحقيق طموح اليمنيين في التغيير دون مزيد من سفك الدماء والانزلاق إلى الفوضى والحرب الأهلية قبلت قوى التغيير والثورة بأن يتم تحقيق التغيير ليس بالغلبة وإنما بالتوافق وعبر حوار وطني شامل نصت عليه الفقرة (20) من اتفاق آلية تنفيذ العملية الانتقالية: "مع بداية المرحلة الانتقالية الثانية يدعو الرئيس المنتخب وحكومة الوفاق الوطني إلى عقد مؤتمر حوار وطني شامل لكل القوى والفعاليات السياسية بما فيها الشباب والحراك الجنوبي والحوثيون وسائر الاحزاب وممثلون عن المجتمع المدني والقطاع النسائي وينبغي تمثيل المرأة ضمن جميع الاطراف المشاركة".

   وشاركت مختلف قوى المجتمع السياسية والاجتماعية من خلال مؤتمر الحوار الوطني في وضع مبادئ العقد الاجتماعي وأسسه، وفي مقدمتها تأسيس الدولة الاتحادية المدنية الديمقراطية الحديثة.

   ومثل مؤتمر الحوار الوطني خطوة نجاح عملية للفترة الانتقالية، وكانت مخرجاته انتصاراً لطموح الشعب اليمني ومواجهة عملية لاستراتيجية الفشل وموقف الخذلان معاً، الأمر الذي جعل النظام القديم وحلفائه الحوثيين-النظام البائد يلجئون إلى السلاح للرد على ذلك النجاح. وأياً كان الأمر، وضعت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني معالم لا يمكن طمسها وإن أمكن إعاقة تنفيذها إلى حين، ومن تلك المعالم ثلاثة رئيسية:

الأول-الاعتراف بحق كل القوى السياسية والاجتماعية في المشاركة على قدم المساواة، ويشمل ذلك المرأة والشباب والمهمشين، وإيجاد آلية لاتخاذ القرار لا تسمح لأي طرف مهما كانت قوة نفوذها بالتحكم بنتائج الحوار، بما في ذلك: النظام القديم والقوى المستقوية بالسلاح. وأتت ضمانات مخرجات مؤتمر الحوار الوطني لتؤكد استمرار الشراكة التي لا تنتهي بانتهاء أعمال المؤتمر، أي أن الشركاء في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني سيظلون شركاء في تنفيذ تلك المخرجات.

الثاني-يمثل جوهر نتائج أو مخرجات مؤتمر الحوار الوطني أسس عقد اجتماعي، وفي صدارته مبادئ وأسس بناء الدولة الاتحادية المدنية الديمقراطية الحديثة. فقد تضمنت المخرجات أهم مقومات الدولة الاتحادية: التوزيع العادل للسلطة والثروة، وأهم مرتكزات الدولة المدنية الحديثة: المواطنة المتساوية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتنمية المستدامة والحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية. وأكدت المخرجات في مختلف المحاور على أن تحرير المواطن من الخوف والفاقة وإنهاء احتكار السلطة والثروة الأساس الأول للنظام الديمقراطي بشقيه السياسي والاجتماعي، والذي يتطلع إليه اليمنيون ومن أجله قامت الثورة الشبابية الشعبية في 11 فبراير 2011م. ومن أجل تحقيق هذه الغاية تم تخصيص محور بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية التي تضمنت حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مختلف محاور مخرجات المؤتمر. واستعادت المخرجات مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز لأي سبب من الأسباب، وحددت العقيدة العسكرية والأمنية بحماية الوطن والمواطن وحقوق الإنسان، وأوجبت المخرجات تجريم إنشاء ووجود المليشيات والجماعات المسلحة وأوجبت ضرورة حلها ونزع سلاحها، واحتكار الدولة وحدها لاستخدام القوة وامتلاك السلاح في ظل حكم القانون وسيادته. وفي كل هذا وذاك حددت المخرجات الحلول العاجلة والجذرية للقضية الجنوبية وإزالة آثار حرب 1994م وحروب صعده.

الثالث-الإقرار والاعتراف بآثام الماضي، وبأن الثأر السياسي خاصة بعد حرب 1994م قد طال عشرات آلاف الضحايا، منهم شهداء وجرحى ومبعدين عن أعمالهم أو محرومون من شغل المناصب العامة أو الحقوق الوظيفية أو تم الاستيلاء على ممتلكاتهم. وتم الاعتراف بنهب المال العام-ممتلكات الدولة والأحزاب والنقابات والمنظمات غير الحكومية-الجماهيرية. ولكي نصحح خطايا الماضي وعدم تكرار انتهاكات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية يجب عدم النسيان بهدف العبرة من خلال وضع سجل وطني لحفظ الذاكرة الوطنية والكشف عن الحقيقة وتخليد ذكرى الضحايا وجبر ضررهم وإنصافهم ومساءلة المنتهكين وإصلاح مؤسسات الدولة بما يجعلها ملبية لمقتضيات العدالة الانتقالية وضمان عدم التكرار. ولهذه الغاية أوجبت مخرجات الحوار الوطني إنشاء الهيئة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان. وأوجبت ضمانات المخرجات سرعة إصدار قانون العدالة الانتقالية. واعتبرت المقررات الخاصة بالعدالة الانتقالية أن مقتضيات العدالة الانتقالية والانتقال السياسي لا تتطلب فقط سد فجوات استمرار الفساد، بل وإنشاء هيئة خاصة باسترداد الأموال المنهوبة في الداخل والخارج والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. لأن ما استولى عليه رئيس النظام القديم وحده يقدر بعشرات المليارات من الدولارات.

    هذا هو الجوهر العام لمقررات مؤتمر الحوار الوطني، وهو يمثل رؤية عصرية لبناء الدولة والمجتمع وذلك بفضل التوازن السياسي والاجتماعي الذي مثلته مكونات المؤتمر.

    يُظهر نجاح مؤتمر الحوار الوطني أن قوى التحديث قادرة على الفعل متى اجتمعت كلمتها، وقد نجحت في مؤتمر الحوار الوطني بأن تجعل نتائجه مجسدة لطموحات الشعب اليمني في التغيير الذي عبرت عنه ثورة 11فبراير على الرغم من محاولة الثورة المضادة لمنع خروج مؤتمر الحوار الوطني بتلك النتائج، وعملت الثورة المضادة من داخل مؤتمر الحوار ومن خارجه على حرف المؤتمر عن المسار وكان نسقه الأول تحالف النظام القديم والبائد تحت راية ولاية الفقيه يعمل على نسف مؤتمر الحوار الوطني من داخله بينما يعمل النسق الثاني للثورة المضادة على التحريض على مؤتمر الحوار من خارجه وتكفير نتائجه سلفاً وتمثل هذا النسق بالتنظيم السروري- ورثة الأنبياء، وحتى بعد أن استبعد الانقلاب سياسيي النسق الثاني من صفوفه واضطرهم إلى دعم الشرعية ظلوا يمارسون مهام الثورة المضادة من مواقع التظاهر بدعم الشرعية.

    بيد أن النظام القديم وحلفائه (النظام البائد) كان يعمل من ناحية على إعاقة أعمال مؤتمر الحوار الوطني ومن ناحية أخرى يعد للثورة المضادة بالاستمرار بتفجير المنشئات الحيوية- الكهرباء وأنابيب النفط، ثم الانتقال إلى تفجير حرب طائفية في منطقة دماج بمحافظة صعدة، والانتقال إلى ضرب القوات المسلحة غير الموالية للثورة المضادة في عمران والاستيلاء على المحافظة، ورافق ذلك وعند اقتراب نهاية مؤتمر الحوار الوطني اغتيالات لشخصيات لها وزنها الوطني[1]، وكانت الغاية إلى جانب التخلص من أشخاصهم محاولة إفشال مؤتمر الحوار الوطني الذي ما أن أنفض حتى قرر النظام القديم وحلفائه (النظام البائد) الانقلاب على مخرجاته[2]. ولم يكتف التحالف هذه المرة بضرب الخدمات الضرورية للحياة بهدف إعاقة تنفيذ مخرجات المؤتمر ومنع التحول الديمقراطي، بل لجأ إلى القيام بثورة مضادة وشن حرباً شاملة لتقويض الدولة برمتها لتحقيق مشاريع عائلية أولاً وتحت غطاء العصبية الجيوسياسية والسلالية. وهنا بدأ التطبيق العلني لاستراتيجية الفشل- استراتيجية تقويض الدولة، وبدأت الثورة المضادة تكشف عن خططها خاصة بالاستيلاء على العاصمة والمحافظات الأخرى، وضرب وشائج الوحدة الوطنية ووحدة البلاد بوضع الرئيسين المنحدرين من الجنوب: رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، تحت الإقامة الجبرية، واختيار عدد من الوزراء ووضعهم تحت الإقامة الجبرية أيضاً وبمعيار جيوسياسي ضيق، ثم تم التوجه نحو تعز وشن الحرب على الجنوب وبصورة مقصودة لتحويل الحرب إلى شمالية- جنوبية أملاً في التقسيم على هذا الأساس لكي يتسنى لائتلاف العدوان الاستيلاء على جزء من اليمن وحكمه برعاية دولة إيران ليكون اليمن أو جزء منه شوكة إيرانية في خصر الأمة العربية التي صارت مستهدفة كوجود، وكدول قطرية.

    والمتتبع لسلوك النسقين الأول والثاني للثورة المضادة، يجد أنهما ينطلقان من قاعدة واحدة لاحتكار السلطة والثروة ويختلفون في لون الرايات والقوى التي يتمترسون حولها: ولاية الفقيه-ورثة الأنبياء، واصطفاف النسق الأول خلف إيران والنسق الثاني خلف تركيا، بينما إيران وتركيا يعملان من أجل مصالح بلدهما ومناهضة القومية العربية لاستعادة السيطرة على شعوبها[3].

     وما كان كل هذا ليتم لولا غياب الكتلة التاريخية للتغيير التي كانت نواتها قد بدأت بالتشكل عند قيام ثورة 11 فبراير 2011م وبعدها والتي بدونها لا يمكن تحقيق التحول والانتقال الديمقراطي، وهو غياب يتحمل اللقاء المشترك المسئولية الأولى عنه، ولا سيما أحزابه التي كانت تمثل النواة الصلبة ولا مصلحة لها بالتمزيق وإضعاف الأمة العربية فوق ماهي عليه من ضعف، وأقصد بذلك أحزاب: التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري.

 

 


[1]- أبرز من تم اغتيالهم: الدكتور/ عبدالكريم جدبان والدكتور/ أحمد شرف الدين.

[2]- استمرت الاغتيالات وتم اغتيال الشخصية الوطنية البارزة الدكتور/ محمد عبدالملك المتوكل بتاريخ 2/11/2014م.

[3]- أنظر: هشام النجار. سوريا...التحولات الكبرى، مشكلات الوطن ومستقبل العرب. القاهرة 2016م صـــ 21 وما بعدها.

 

اليمن بين الثورة والثورة المضادة (الحلقة السادسة)

الثورة المضادة ونجاحها في إشعال الحرب الأهلية

اتكأت الثورة المضادة على تحالف قوى النظام القديم والبائد، وهو تحالف عماده التحالف العائلي وغطاؤه العصبية الجيوسياسية، ووسيلته تنظيم ما قبل الدولة الذي يتسم بسمتين رئيسيتين:

الأولى-المقاومة والتغلب بالحيلة: المكر والخديعة.

الثانية-الحدود المقدسة: القبيلة وما زاد عليها فهو غنيمة.

    لقد كشفت الثورة المضادة عن تحالفها بالاستيلاء على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014م والاستيلاء التدريجي على اجهزة الدولة حتى 21 يناير 2015م عندما تم الاستيلاء على دار الرئاسة، والقصر الجمهوري، ورئاسة الحكومة، بعد منع اجتماع الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات الحوار الوطني مخصص لاستلام مسودة الدستور وتدشين مناقشته. وكانت هذه الخطوة اغتصاباً للسلطة بوضع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وعدد من الوزراء تحت الإقامة الجبرية. وكان ذلك سلوكاً واضحاً يحمل سمات تنظيم ما قبل الدولة، وعدم اكتراث بوحدة الدولة وسلامة أراضيها. وتكشف هذا السلوك بصورة جلية بعد أن تمكن رئيس الجمهورية من مغادرة صنعاء الى عدن وإعلان عدن عاصمة مؤقتة للبلاد. وحينما أعلن قائد تحالف النظام القديم والبائد علي عبدالله صالح الحرب على الجنوب بتاريخ 9 مارس2015م توجهت المليشيات الى تعز لمهاجمة الجنوب وظهر أن الحرب ضد الجنوب، وتعرضت عدن ولحج وأبين والضالع للهجوم باستخدام الوسائل غير الإنسانية، القصف العشوائي للأحياء السكنية وتدمير الأعيان الضرورية للحياة التي لا يجوز المساس بها ومنها الكهرباء والمياه والطواقم الطبية وحرمان سكان هذه المحافظات من مقومات الحياة، لإيجاد حالة تجعل إمكان حل القضية الجنوبية وتنفيذ مخرجات الحوار أمر لا يتأتى تحقيقه بفعل ذلك السلوك وغرس كراهية ونوازع جهوية وطائفية يكون من العسير في المستقبل تجاوزها ومن غير الميسور ازالة آثارها الاجتماعية والنفسية. ولذلك كرر علي عبدالله صالح عام 2015م حربه على الجنوب وعدن بالذات بنفس الأساليب التي أتبعها عام 1994م من خلال شن حرب بشعة وقذرة وإظهارها وكأنها حرب بين الشمال والجنوب، وأستخدم نفس السلوك الإجرامي ضد تعز وسكانها، وهو الأمر الذي أثر كثيراً على مقومات الوحدة الوطنية والوحدة اليمنية وأستوجب أن يكرس الجزء الأهم من مخرجات الحوار الوطني لمعالجة القضية الجنوبية، ومن ذلك تغيير شكل الدولة من الدولة البسيطة الى دولة مركبة. والفرق بين شن علي عبدالله صالح للحربين أنه قاد الحرب الأولى بصفته رئيساً للدولة يقود الجيش وأجهزة الأمن التي خاضت الحرب بصفته القائد الأعلى، أما الحرب الثانية فلا صفة قانونية له، ويعد في هذه الحالة رئيس مليشيات وصفها قانون الجرائم والعقوبات باعتبارها عصابات مسلحة لا تطبق قواعد الحرب القانونية ولا تنطبق عليها. ويوجد اختلاف آخر، أنه قاد حرب 94م بتحالف سياسي انضوت تحته التنظيمات الإرهابية دون أن يعلن ذلك، أما حرب 2015م فيقودها بتحالف عائلي كهنوتي تلعب فيه التنظيمات الإرهابية دور حليف المستقبل وتعمل لحسابها ولحساب التحالف العائلي الكهنوتي معاً. لكن هذه الصفة لا تغير من طبيعة المساءلة على الجرائم التي ارتكبها التحالف العائلي في كل أرجاء اليمن، وخاصة ضد سكان مدينتي عدن وتعز، وعلى الأخص جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

لقد أدت عدة عوامل لتنفيذ الثورة المضادة وزج البلاد في حرب أهلية. وأهم تلك العوامل:

موقف الخذلان الذي مارسته القوى الداعمة لثورة 11 فبراير-قوى التغيير-اللقاء المشترك وشركاؤه.

عدم نقل السلطة والحفاظ على مكونات الجيش والأمن بأوضاعها السابقة، خاصة الحرس الجمهوري والأمن المركزي، وهما قوتان لهما تكوين جيوسياسي وارتبطاً بالرئيس السابق وعائلته، وارتبط قادتها بالفساد الذي مارسته العائلة من خلال الاستحواذ على جزء من الميزانية العامة للدولة، بحيث كانت الموازنة العسكرية الأكثر فساداً بين موازنات قطاعات الدولة الأخرى. ومثلت هذه القوة مكوناً رئيسياً من مكونات نظام الفساد والإفساد بعد الانقلاب على نحو أكثر وقاحة ووحشية.

 استغلال الصعوبات التي سببتها مضامين التسوية السياسية، كمنح الحصانة لرئيس النظام القديم ومن عمل معه، واستمرارهم في العمل السياسي وشغلهم مناصب في السلطة، بل احتفاظهم بجل مراكز السلطة، وتمكنهم من إحباط تحقيق العدالة الانتقالية بعدم اصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وعدم تسمية أعضاء لجنة التحقيق المستقلة بانتهاكات عام 2011م. وفي الوقت نفسه تمكن النظام القديم من منع إنجاز مهام نقل السلطة وعرقلة إنجاز المرحلة الانتقالية. وعملت عناصره المتخفية بين صفوف الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني غير السياسية ونشطاء حقوق الإنسان والأدباء والكتاب من استخدام ذلك للتحريض على قوى التغيير، وعلى الجزء الممثل لها في الحكومة بحجة أنها تتساهل مع النظام القديم ولم تنجز الثورة بقوة السلاح.

وحاولت الحكومة التخفيف من المعاناة الاقتصادية واستعادة التنمية والعمل على تهيئة الشروط القانونية بالشروع في إعداد القوانين ذات العلاقة، كمشروع قانون جديد لتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي المباشر الذي أعدت مسودته الأولى، وإقرار قانون شراكة القطاع الخاص، والشروع في إعداد قانون لشراكة مؤسسات المجتمع المدني، وإعداد مشروع قانون انشاء الشركة الوطنية للنفط والمعادن، وإعداد مشروع قانون لاسترداد الاموال المنهوبة، وتثبيت سعر العملة الوطنية، وتحسين بعض الخدمات في مجال الطاقة مقارنة مع الأعوام السابقة. غير أن استعادة التنمية ومواجهة تحديات الفقر والبطالة واستعادة حالة الأمن والاستقرار مهام يتطلب إنجازها وقت وإمكانيات مادية زادت من صعوبتها تلكؤ الداعمين في تقديم الدعم الاقتصادي، بما في ذلك تردد دول الجوار وعدم إقدامها على تقديم الدعم الكافي لمواجهة التحديات الاقتصادية الماثلة أمام الدولة. فاستغلت قوى التحالف العائلي عدم توفر فرص عمل لائق واستعادة التنمية والاستقرار للتحرك العلني للثورة المضادة تحت يافطة مموهة ادعت السعي لتخفيف معاناة الشعب ومحاربة الفساد. فانطلت الحيلة على بعض قطاعات المجتمع التي لم تدرك الخدعة إلاًّ بعد فوات الأوان وبعد أن ألتهم الإنقلابيون الأخضر واليابس، بما في ذلك الاستيلاء على المال العام والخاص والوظيفة العامة وممارسة التمييز العنصري ضد الأغلبية الساحقة من أبناء اليمن والمتاجرة بالاحتياجات الأساسية والضرورية للإنسان في السوق السوداء والاستيلاء على كل مال يضعون يدهم عليه.

    لقد كان انقلاب 21سبتمبر 2014م مقدمة سياسية، وعملية لثورة مضادة شاملة، كان من شأنها تفجير مشروع حرب أهلية، تمددت رقعتها إلى كل الجغرافيا اليمنية (شمالاً وجنوباً)، قاد موضوعياً إلى تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي والوطني بدافع أساس انقاد له تحالف النظام القديم والبائد، وهو ما جعل الحوار الوطني عاجزاً عن حل الانقسامات الجهوية واستمرار فشل الدولة لتحل محلها تنظيمات ما قبل الدولة، وهي غاية قد تتحقق في ظل غياب الكتلة التاريخية للتغيير وحماية الوطن.  وفي تقديرنا أن هذا الغياب قد لا يطول، ولكن ثمة نتائج مترتبة متحققة الوقوع تتمثل في الاتي:

فقدان اليمن لاستقلال قراره السياسي والتنموي.

 سعي تحالف الثورة المضادة وهو التحالف العائلي-الكهنوتي (تحالف النظام القديم والبائد) لنفي من يختلفون معه من أبناء اليمن. ولكي يتمكن من ذلك لجأ الى الاستعانة بالدولة الإيرانية، وتم تسليمها مؤسسات الدولة التي استولت المليشيات المسلحة عليها، كالموانئ البحرية والجوية. وتم الاستعانة بالأجنبي الإيراني لإخراج من يعتبرون خصوماً لتحالف الانقلاب. وباستيلاء هذا التحالف على السطلة تكون اغلبية اليمنيين أُخرجت من العملية السياسية، بل فتحت أبواب البلاد لإخراجهم منها برميهم الى البحر، وهذا ما أعلنه قائد تحالف الانقلاب[1]. 

وبهذا السلوك فتح تحالف الانقلاب أبواب اليمن على مصراعيها للتدخل الأجنبي، وجعل دول الجوار تعلن ذلك التدخل بالحرب دفاعاً عن النفس.

إخراج البلاد من العملية السياسية وعملية الانتقال الديمقراطي والعودة بها الى مرحلة الصراع والحروب.

إيقاف تنفيذ مخرجات الحوار الوطني المتمثلة في المهام العاجلة المتعلقة بالقضية الجنوبية وصعده ومنها:

تنفيذ النقاط العشرين التي كانت الحكومة بصدد اجراءات تنفيذها.

المهام الرئيسية المتعلقة بالفترة الانتقالية والتي كانت ماثلة للتنفيذ، ومناقشة الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني والمجتمع للدستور وإقرار الهيئة له والاستفتاء عليه.

جـ-- إيقاف تنفيذ مهام رئيسية للفترة الانتقالية: إصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وإصدار قانون استرداد الاموال المنهوبة، والإعداد التشريعي والمؤسسي للانتقال الى الدولة الاتحادية، والإعداد للانتخابات، بإصدار قانون الانتخابات وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات وإعداد السجل الانتخابي وإجراء الانتخابات.

 

 


[1]- انظر خطاب علي عبدالله صالح المنشور في موقع المؤتمر نت الناطق الرسمي باسم حزب المؤتمر الشعبي العام.

العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية:

          منحت اتفاقية مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية واتفاق آلية تنفيذ العملية الانتقالية الحصانة لرئيس الجمهورية علي عبدالله صالح ومن عمل معه من الملاحقة القانونية والقضائية خلال فترة حكمه التي امتدت أكثر من ثلاثة عقود، إذ أوجب البند ثالثاً من اتفاق المبادرة على مجلس النواب، بما فيهم المعارضة، أن يقر القوانين التي تمنح هذه الحصانة. وأوجبت الفقرة التاسعة من آلية التنفيذ على الأطراف اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان اعتماد مجلس النواب للتشريعات والقوانين اللازمة لضمان التنفيذ الكامل للالتزامات المتعلقة بالضمانات المعمول بها في المبادرة والآلية. وأوجب البند(21/ح) اتخاذ التدابير لتحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

    إلا أن اليمن أُلزمت بموجب توصية مجلس حقوق الإنسان في دورته الثامنة عشر لعام 2011م بإجراء تحقيقات نزيهة ومستقلة وشاملة تنسجم مع المعايير الدولية إزاء الإساءات وانتهاكات حقوق الإنسان المزعومة عام2011م وأكد قرار مجلس الأمن رقم (2014) لعام 2012م إلزامية هذه التحقيقات.

     ونص البرنامج العام لحكومة الوفاق الوطني، والذي حازت بموجبه على الثقة بتاريخ 20/12/2011م، على قيام وزارة الشؤون القانونية بإعداد الأطر التشريعية لمضامين اتفاق المبادرة الخليجية واتفاق آلية تنفيذ العملية الانتقالية في اليمن، بما في ذلك التشريعات المتعلقة بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

   وأحالت الحكومة مشروع قانون بشأن الحصانة إلى مجلس النواب، غير أن اعتراض أطراف في الحكومة ومنها وزيري الشؤون القانونية والمالية على المشروع بسبب أن مشروع القانون تضمن حصانة مطلقة وشاملة للرئيس وكل من عمل معه، أدى إلى سحب الحكومة لمشروع القانون من مجلس النواب وطرحه للنقاش بين الطرفين الموقعين على اتفاق المبادرة واتفاق الآلية وبإشراف نائب الرئيس والقائم بأعماله ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن السيد جمال بن عمر، الذي كان لجهوده أثر كبير في التوافق على مشروع القانون، وناقش اللقاء المشترك وشركاؤه أمرين:

الأول: إن تقتصر الحصانة على العفو من الملاحقة الجنائية على الأعمال التي ارتكبت أثناء أداء الوظيفة العامة.

الثاني: إن يأتي هذا العفو في إطار قانون للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

    وانتهى النقاش إلى مساومة قضت بأن تمنح الحصانة الشاملة للرئيس وحده ويمنح من عمل معه العفو من الملاحقة الجنائية على الأعمال التي ارتكبوها أثناء قيامهم بمهامهم الوظيفية، وأن يصدر قانون خاص بالحصانة ينص على إصدار قانون آخر بشأن العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. وصدر القانون بشأن منح الحصانة من الملاحقة القانونية والقضائية برقم (1) لسنة 2011م طبقاً لما جرى التوافق عليه بين الأطراف، ونصت المادة (3) منه على إلزام حكومة الوفاق الوطني بتقديم مشروع قانون أو مشاريع قوانين بشأن المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

    وأعدت وزارة الشؤون القانونية مشروع قانون بشأن العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية قدم إلى مجلس الوزراء الذي قرر في جلسته المنعقدة بتاريخ 28/2/2012م تشكيل لجنة وزارية لدراسة المشروع ورفعه إلى مجلس الوزراء. وقررت اللجنة طرح المشروع للتداول العام وقامت وزارة الشؤون القانونية بإعادة صياغة المشروع على ضوء الملاحظات التي قدمت من اللجنة ومن المجتمع المدني: الأحزاب السياسية، الحركات الاجتماعية، الحراك الجنوبي ، شباب الساحات، النقابات، والمنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، ومنها المنظمات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة والأمانة العامة للأمم المتحدة. وقامت اللجنة بمناقشة المشروع بصيغته الجديدة ووافقت عليه وأحالته الى مجلس الوزراء، وبسبب رفض فريق النظام القديم في الحكومة للعدالة الانتقالية، لم يتوافق مجلس الوزراء على مشروع القانون، الأمر الذي ترتب عليه إصدار مجلس الوزراء بتاريخ 29/5/2012م القرار رقم(70) بإحالة مشروع القانون إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لاتخاذ القرار بشأنه وإقراره[1].

    بيد أنه وتحت تأثير المؤتمر الشعبي العام ـ النظام القديم، قام رئيس الجمهورية وبتصرف منفرد بإحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب بعد إفراغه من أهم مضامينه التي كان المؤتمر الشعبي العام يعترض عليها وأهمها تغيير مسمى القانون إلى "قانون المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية". وترتب على تغيير التسمية الإلغاء العملي للعدالة الانتقالية، إذ تم إلغاء الإطار الزمني، والذي كان يشمل فترة الجمهورية اليمنية كتطبيق مباشر لقانون العدالة الانتقالية، ومنح هيئة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية النظر في الانتهاكات التي لازالت أثارها مستمرة، بغض النظر عن زمان الانتهاكات ولكن بطلب من الضحية أو من ذوي المصلحة. غير أن المشروع المحال إلى المجلس أقتصر على عام واحد، وذلك من تاريخ 1 يناير 2011م، كما تم إلغاء الأحكام الخاصة بالإصلاح المؤسسي، وتمثيل الضحايا في عضوية هيئة العدالة ألانتقالية، وصلاحية الهيئة في إصدار القرارات الملزمة للحكومة بإنصاف الضحايا، ومنح الهيئة سلطة الضبط القضائي. تلقفت كتلة المؤتمر الشعبي العام المشروع المعبر عن رغبة حزبها بعدم تحقيق العدالة الانتقالية وقامت الكتلة منفردة بإحالته إلى اللجنة الدستورية دون التوافق مع كتل اللقاء المشترك وشركائه، الأمر الذي أدى إلى انقسام مجلس النواب  وانسحاب كتل اللقاء المشترك وشركائه[2] اعتراضاً على الإجراء المخالف لآلية تنفيذ العملية الانتقالية، والتي لقواعدها أولوية التطبيق على الدستور وعلى القوانين النافدة، إذ تنص الفقرة (8) منها على أن: "يكون اتخاذ القرارات في مجلس النواب خلال المرحلتين الاولى والثانية بالتوافق وفي حالة تعذر التوصل إلى توافق حول أي موضوع يقوم رئيس مجلس النواب برفع الأمر إلى نائب الرئيس في المرحلة الاولى والى الرئيس في المرحلة الثانية الذي يفصل في الأمر ويكون ما يقرره ملزماً للطرفين" [3]، وهو الحكم ذاته تتضمنه الفقرة (12) من الآلية والفرق بينهما يقتصر على أنه في حالة تعذر التوافق في مجلس الوزراء يتم القرار بالتوافق بين رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، وفي حالة التعذر يصير القرار من صلاحية الرئيس حيث تنص على أن: "تتخذ حكومة الوفاق الوطني قراراتها بتوافق الآراء وإذا لم يكن التوافق الكامل موجوداً بشأن أي قضية يتشاور رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية أو الرئيس عقب الانتخابات الرئاسية المبكرة للتوصل إلى توافق وفي حالة تعذر التوافق بينهما يتخذ نائب الرئيس أو الرئيس عقب الانتخابات المبكرة القرار النهائي".

    وأياً كان الأمر، فإن مشروع القانون قد جمد لدى اللجنة الدستورية في مجلس النواب وكان هذا الهدف من الإحالة بالأصل، وتنفيذاً للنقاط العشرين طلبت الحكومة سحب المشروع من مجلس النواب، وذلك بتاريخ 10/9/2013م.

    وفي 16 مارس عقد مؤتمر الحوار الوطني وأنجز بعد عام مبادئ وأسس لعقد اجتماعي جديد. وكان من أهم مخرجاته الاعتراف بأخطاء الماضي وجوهرها: احتكار السلطة والثروة، والانحراف بالسلطة وسوء استخدامها، وصيرورة الفساد في العقود الثلاثة الأخيرة نظاماً فاعلاً يتحكم بجهاز الدولة وبالجماعة الحاكمة مما ترتب عليه صراعات سياسية غير مسبوقة وحروب أهلية نتج عنها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية. ومن نتائج الحوار الاعتراف بخطأ حرب 1994م وحروب صعده وبأن كثير من اليمنيين تعرضوا للتعذيب والاختفاء القسري، وأن كثيرين لقوا مصرعهم في السنوات الأخيرة وهم في تجمعات سلمية، وأن ذلك كله قد خلف ضعفاً شديداً للدولة جعلها من بين الدول الفاشلة في العالم، وسبب معاناة شاملة لليمنيين وانقسامات حادة للمجتمع اليمني.

    وانطلاقاً من كل هذا حددت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني أهم التدابير لتجاوز الماضي وجبر ضرر ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومنع تكرارها في المستقبل، وذلك عبر تحقيق آليات العدالة الانتقالية التي من شأنها أن تخلق مناخات حقيقة للمصالحة الوطنية السياسية والاجتماعية باعتبار "المصالحة الوطنية" هي عملية الوفاق السياسي والاجتماعي المبني على آليات العدالة الانتقالية الشاملة للانتقال من حالة الصراعات السياسية إلى حالة السلم(...) والديمقراطية (....) يعتمد على قيم التسامح لإزالة آثار الصراعات والانتهاكات".

   ولأهمية تجاوز مآسي الماضي اعتبرت ضمانات مخرجات الحوار الوطني أن إصدار قانون العدالة الانتقالية وتحقيقها دون تأخير من تلك الضمانات[4].

     والتزمت كافة الاطراف، بما في ذلك حزب النظام القديم وحلفائه القدماء والجدد المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، بالعدالة الانتقالية بمضامينها العالمية: أي الكشف عن الحقيقة، وتحقيق العدل بعدم الإفلات من المساءلة، وجبر الضرر الفردي والجماعي، وتخليد الذاكرة الوطنية لمداواة جراح الماضي بتحقيق قبول ورضا الضحايا، والتأسيس لمناخ من الثقة بين المواطنين والدولة بالإصلاح المؤسسي والتعهد بعدم تكرار أخطاء الماضي وتحديد التدابير  التشريعية والمؤسسية لمنع تكرار انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في المستقبل.

    وتجدر الإشارة هنا إلى أن مبدأ العدل لا يشمل طبقاً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني مبدأ العدالة الجنائية التقليدي، إذ لا يتم تطبيق العدالة الجنائية إلا في حالة رفض التعاون مع هيئة العدالة الانتقالية وفي حالة استمرار الانتهاكات، وبالتالي، تطبق العدالة الجنائية على رئيس النظام القديم ومن شارك معه بشن حرب الثورة المضادة وما صاحبها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وعدم الإفلات من المساءلة في غير الحالتين، ويقصد به العقاب المعنوي بالاعتراف والاعتذار العلني لتطبيق مبدأ العدالة وليس الانتقام.

    لقد أتت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني متطابقة في الجوهر مع مشروع القانون المحال من الحكومة إلى رئيسي الوزراء والجمهورية. وكان الاختلاف محدوداً ومحصوراً ببعض التفاصيل، أما الجوهر فهو نفسه، الأمر الذي استوجب قيام وزارة الشؤون القانونية بإعادة تقديم مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية إلى مجلس الوزراء بعد مواءمته بصورة كاملة مع مخرجات الحوار الوطني، ومعه مشروع قانون آخر له صلة بالعدالة الانتقالية في مخرجات الحوار الوطني، وهو مشروع قانون استرداد الأموال المنهوبة. وأدى رفض كتلة النظام القديم للمشروعين إلى أن يقرر مجلس الوزراء بتاريخ 6/7/2014م إحالة مشروع القانون الاول الى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء للبت فيه وفقاً لمخرجات الحوار الوطني[5]، وأحال الى رئيس الوزراء مشروع القانون الثاني للتشاور مع الجهات المعنية بالأمم المتحدة[6] لكي يتم مناقشة المشروع على ضوء مشورتها، ولاسيما أن  مجلس الأمن كان قد أعلن في قراره (2140) دعمه لإصدار قانون بشأن استرداد الاموال المنهوبة[7]، لكن حكومة الوفاق الوطني تعرضت للإسقاط بعد استيلاء الثورة المضادة على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر2014م، وأتت حكومة الكفاءات لتؤكد التزامها بإصدار قانوني العدالة الانتقالية واسترداد الاموال المنهوبة في برنامجها العام الذي تم الموافقة عليه في مجلس النواب بتاريخ 18/12/2014م[8]. لكن لم يسمح لهذه الحكومة بأداء مهامها حتى الانقلاب عليها.

    لقد سعت حكومة الوفاق الوطني، أو بالأصح جزء منها، لتحقيق بعض جوانب العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في ظل تعثر إصدار قانون العدالة الانتقالية ثم قانون استرداد الاموال المنهوبة، ومن تلك الجزئيات الاعتذار لأبناء الجنوب وصعده عن حروب1994م وحروب صعده [9]، وذلك بتاريخ 22/9/ 2012م، وإصدار قرار جمهوري بشأن تشكيل لجنة التحقيق ومهامها، لكن رئيس الجمهورية لم يصدر قراراً  بتسمية أعضاء اللجنة إلاَّ بعد أن تمكنت الثورة المضادة من الانقلاب، أي عام 2015م، وإصدار قرار بشأن تشكيل لجنتي المبعدين والأراضي  بتاريخ 8/1/2013م. إلاَّ أن أوضاع البلاد بعد الثورة المضادة أدت إلى إيقاف أعمال اللجنة.

     وفيما يتعلق بالتدابير الخاصة بمنع تكرار انتهاكات حقوق الإنسان في المستقبل، أقرت حكومة الوفاق الوطني الانضمام إلى اتفاقية الحماية من الاختفاء القسري بتاريخ 11/6/2013م، والانضمام إلى اتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما)، لكن هيئة رئاسة مجلس النواب لم تحلها الى المجلس للمناقشة والإقرار[10]. كما أقرت الحكومة بتاريخ 18/9/ 2013م مشروع قانون إنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الانسان، وأحيل المشروع إلى مجلس النواب[11]، ومنع النظام القديم صدور جميع مشاريع القوانين المتصلة بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، إما عبر الحكومة أو عبر مجلس النواب وتخلي بعض أحزاب اللقاء المشترك عن التمسك بها. وكان النظام القديم يحقق غاياته عبر أجهزة الدولة أو عبر الموالين المندسين في مختلف الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني غير السياسية الذين انقسموا إلى قسمين لتحقيق أهداف النظام القديم، قسم أتخذ موقفاً علنياً يرفض العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وقسم آخر أستخدم أسلوب مخاتل للرفض بطرح رؤى متطرفة والمطالبة بالمحاكمة الجنائية لكل عناصر النظام القديم بقصد تحشيد كل من أنتهك حقوق الإنسان أو استولى على مال عام للدفاع عن النظام القديم ورئيسه وعائلته. فقد أدى ذلك إلى الاصطفاف وراء زعيم الفساد وعائلته والقيام بالثورة المضادة. وحينئذٍ ظهر الفريق المخاتل ليتولى مواقع الثقة التي لا تمنح إلاُّ للموالين لعائلة رئيس النظام القديم ومعهم الموالين للحوثي وعائلته-النظام البائد-وفي ظل انقلاب يعتمد عناصر الفاشية أيديولوجية له: أي ادعاء الحق الإلهي أو التاريخي في الحكم وادعاء التفوق العنصري والجغرافي والمذهبي.   

    وفي كل الاحوال، فإن مصير العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية مرهون بما ستؤول إليه الأمور، ولا يمكن حل الأزمة اليمنية والحفاظ على الكيان الوطني إلاَ بإنهاء الحرب الأهلية والعودة إلى مسار العملية السياسية واستئناف عملية الانتقال الديمقراطي، على قاعدة استعادة الدولة، ومؤسساتها، وبالتالي تكون العدالة الانتقالية الآلية الحقيقة لتحقيق السلام، لكن لن يشمل العفو هذه المرة رئيس النظام القديم وكل من عمل معه عدا من لم يرتكب انتهاكات بعد 25 يناير 2012م تاريخ صدور قانون الحصانة ولم يتورط في الثورة المضادة وشن الحرب لتقويض الدولة وارتكاب انتهاكات جديدة لحقوق الانسان والقانون الإنساني الدولي.

    من هنا، يتبين أن خذلان اللقاء المشترك وشركائه وموقف المعنيين في السلطة غير الحاسم إلى جانب شروط الثورة المضادة الكامنة في بنية الدولة العميقة، جميعها قد حالت دون تحقيق أهداف ثورة 2011م ومكنت الثورة المضادة من العمل بحرية للتحضير للانقلاب على التوافق الوطني والشراكة، وعلى التحول الديمقراطي وتحقيق مشروعها بمنع المشروع الوطني في بناء الدولة الوطنية الحديثة وتحقيق مشروع التمزيق، لكن ثورة فبراير هي سيرورة ستحقق أهدافها طال الزمن أو قصر، وستظل العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ضرورة سياسية واجتماعية وقانونية في سيرورة الثورة وتحقيق الانتقال الديمقراطي.

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet



[1]- نص القرار في الفقرة (1) منه على أنه: ((نظراً لعدم حصول التوافق حول مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية يفوض المجلس رئيس مجلس الوزراء بالتشاور مع رئيس الجمهورية)).

[2]- بشأن التوافق حول مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وفقاً لما تضمنته الفقرة (12) من الآلية التنفيذية على أن: ((تتخذ حكومة الوفاق الوطني قراراتها بتوافق الآراء وإذا لم يكن التوافق الكامل موجوداً بشأن أي قضية يتشاور رئيس الوزراء ونائب الرئيس أو الرئيس عقب الانتخابات الرئاسية المبكرة للتوصل إلى توافق وفي حال تعذر التوافق بينهما يتخذ نائب الرئيس أو الرئيس عقب الانتخابات الرئاسية المبكرة القرار النهائي)).

[3]- المقصود بالطرفين طبقاً للفقرة (3/ ت) من أتفاق آلية تنفيذ العملية الانتقالية: ((التحالف الوطني (المؤتمر الشعبي العام وحلفائه) كأحد الطرفين، والمجلس الوطني (أحزاب اللقاء المشترك وشركاؤه)).

[4]- انظر وثيقة الحوار الوطني الشامل، صـ291.

[5]- انظر قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 6/7/2014م.

[6]- انظر قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 6/7/2014م.

[7]- أنظر قرار مجلس الأمن رقم (2140) لسنة 2014م.

[8]- نص برنامج حكومة الكفاءات على((استكمال اجراءات اقرار مشروع قانون استرداد الأموال المنهوبة ومشروع قانون العدالة الانتقالية واحالتهما الى مجلس النواب)).

[9]- انظر قرار مجلس الوزراء رقم (180) لسنة 2013م بشأن الاعتذار للجنوب وصعده.

[10]- انظر قرار مجلس الوزراء رقم (128) لسنة 2013م بشأن الموافقة على إنشاء نظام روما.

[11]- انظر قرار مجلس الوزراء رقم (215) لسنة 2013م بشأن الموافقة على إنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الانسان.

موقف الجيش والأمن من ثورة التغيير ودوره في الثورة المضادة:

تعامل الجيش والأمن مع ثورة 2011م من منطلق عقيدته العسكرية والأمنية والمتمثلة في الولاء للرئيس وعائلته والولاء لقبائلهم الموالية للعائلة. ويعود ذلك لسبب موضوعي يتعلق بفقدان المؤسستين العسكرية والأمنية لطابعهما الوطني وتحول العقيدة العسكرية (القتالية) للجيش، والوظيفة الأمنية (للجهاز الأمني) إلى عقيدة داخلية مكرسة لحماية رأس النظام وعائلته، وليس حتى النظام كمنظومة، بعد أن حولهما الرئيس السابق إلى مؤسستين عائليتين تحميان أمن العائلة، وحدودهما حدود القبيلة التي ينتمي إليها قادة المؤسستين، وإن أمكن التوسع خارج هذه الحدود لجمع الثروة، وخضع الانتماء إليهما لمعيارين:

معيار الولاء للرئيس وعائلته، ومعيار الارتباط الجيوسياسي. ومن هذا المنطلق نظر الجيش والأمن إلى قطاع واسع من الشعب بأنه عدو للدولة، باعتبار الدولة الجهاز الذي يمكنهم من احتكار وتملك السلطة والثروة، وبالتالي، تعامل مع الثورة السلمية بصورة وحشية وصل حد إحراق ساحات الاعتصام بمن فيها، والقتل العمد، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية بصورها المختلفة. ويرجع ذلك، إلى أن الجمهورية اليمنية قامت في مايو 1990م باتحاد دولتين لكل منها مؤسساتها المدنية والعسكرية ذات التوجه السياسي والفكري المتعارض إيديولوجياً، وعدم تجانس المؤسستين من حيث الكفاءة المهنية والعقيدة العسكرية والأمنية ومنهج العمل، ما جعل اندماج المؤسستين أمر غير ممكن، الأمر الذي أفضى إلى بقائهما مؤسسات منفصلة ومتضخمة وانقسام الولاءات. ومارس رئيس الدولة يومئذٍ ومن معه الفساد والإفساد الممنهج للأفراد والجماعات في الجيش والأمن لتغليب الولاء للرئيس وعائلته ولصالح العصبية الجيوسياسية الضيقة، التي يحتمون بها، مما قاد إلى المزيد من التوترات والأزمات السياسية التي أدت إلى حرب 1994م.  وكان من أهداف تلك الحرب تصفية المؤسستين العسكرية والأمنية من القوى القادمة من خارج العصبية الجيوسياسية، وبالتالي، غير الموالية للرئيس وعائلته. وتحقيقاً لهذه الغاية تم إبعاد عشرات الآلاف من منتسبي القوات المسلحة والأمن، خاصة من أبناء الجنوب، مع إقصاء منتسبي المؤسستين المشكوك في ولائهم من أبناء الشمال، وتم الإقصاء  بتدابير انتقامية: التسريح والفصل وعدم الترقية والتعيين والإحالة إلى التقاعد قبل الأوان، أي قبل حلول أحد الأجلين، الأمر الذي ترتب عليه أن أتسمت العقيدة العسكرية والأمنية بالولاء الشخصي للرئيس وعائلته في الدرجة الأولى، ثم الولاء القبلي والمناطقي الذي نخر جسد المؤسستين العسكرية والأمنية وأضعف هيبتهما ودورهما في الحفاظ على أمن الوطن والمواطن، وعطل مهامهما الدستورية- القانونية الناظمة والمحددة لدورهما في أداء الوظيفة الدفاعية والأمنية وحماية المجتمع، وسيادة واستقلال البلاد. ولجأت السلطة بعد حرب 94م إلى ملئ الفراغ الذي خلفه إقصاء شراكة المجتمع السياسي ومنظمات المجتمع المدني بالتمدد في هذا الفراغ عبر قوات عسكرية خارجة عن بنية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مثل الحرس الجمهوري والأمن المركزي، وإيجاد المزيد من الأجهزة الأمنية ذات الولاء لشخص الرئيس وعائلته، مما جعل علاقة هذه القوى العسكرية والأجهزة الأمنية مع الأحزاب والمواطن علاقة عداء وتخوف، وجرى الخلط بين الأمن والقوات المسلحة بحكم توحد المهمة في حماية الرئيس وعائلته وحكمه فقط، وفقدت الرقابة كليةً على أداء أجهزة الأمن والوحدات العسكرية المماثلة وموازناتها، خاصة بعد أن صار حزب السلطة يمتلك، بدون وجه حق، أغلبية كاسحة في مجلس النواب واستمر هذا الحال خلال الفترة الانتقالية.

  وعند اندلاع الثورة الشبابية الشعبية في 11 فبراير 2011م تمترس نظام الفساد والإفساد خلف هذه القوة التي جعلت من نفسها خصماً لدوداً لقطاع واسع من المجتمع وشرائحه المتعددة وقواه السياسية والاجتماعية المختلفة، وبالتالي، كان من شروط نجاح التغيير سرعة إعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن ودمجها فعلاً مع القوات الأخرى من القوات المسلحة وأجهزة الأمن العام.  لكن عدم حدوث هذا الدمج جعل الرئيس السابق يواصل سيطرته على وحدات الحرس الجمهوري والأمن المركزي والحفاظ على ولائهم له ولعائلته، وتمكن من تحويل هذه الوحدات الى مليشيات استخدمها مع حليفه الحوثي في الثورة المضادة. إلى جانب المليشيات القبلية المشتركة.

وكانت الشهور الأولى للعملية الانتقالية حاسمة لتغيير هاتين المؤسستين، بوجود الثوار في الساحات، واستمرار الحالة الثورية وتوهجها، وضعف حظوظ نجاح الثورة المضادة في تلك اللحظة، ووجود ضرورة قصوى لإعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية وإعادة تأهيل كوادرها وتغيير العقيدة العسكرية والأمنية. وكانت الخطوة الأولى تتمثل في إعادة القيادات العسكرية والأمنية من المحافظات الجنوبية والشمالية الذين تم اقصائها بعد حرب 1994م وإجراء تغيير في القيادات العسكرية والأمنية وتحقيق الهيكلة على أرض الواقع. وهذه الفرصة ظلت سانحة خلال عامي 2012 -2013م، لكنها لم تستغل من قبل الرئيس الانتقالي الذي احتكر الملف العسكري والأمني وأضاع بهذا الاحتكار الفرصة السانحة للتغيير بأقل كلفة. فكان ثمن إضاعة الفرصة باهضاً. ولأن تحالف النظام القديم والبائد تمكن من قطع عملية الانتقال وتوقيف العملية السياسية ومنع التحول الديمقراطي باغتصاب السلطة وتكرار حرب 1994م بصورة مأساة وملهاة معاً، إذ كان علي عبدالله صالح ومعه الجيش والأمن يتمتعون بالصفة القانونية في حرب 1994م بينما كانت حربهم الأخيرة على اليمن شمالاً وجنوباً دونما صفة قانونية، وبالتالي، لا ينطبق على المحاربين وقيادتهم إلا الوصف القانوني للعصابة المسلحة، كما ينطبق على أعمالهم وصف الجرائم المنظمة ضد الشعب وممتلكاته، علاوة على فرق جوهري يتمثل في ان الحرب الثانية تمكن تحالفها من إضفاء البعد الأيديولوجي الديني المذهبي (الطائفي) بينما كان منحى التكفير في الحرب الأولى سياسياً وليس مذهبياً.

     لقد اقتصرت التغييرات في الجيش والأمن على إعادة تدوير القيادات العليا للجيش والأمن. وفي حالة التغيير، كانت البدائل من الموالين للنظام القديم، وفي الغالب من الموالين مباشرة للرئيس السابق وعائلته. وجرت بعد ذلك تعيينات ذات بعد سلالي بعد أن قام الجيش والأمن بتمكين مليشيات الحوثي من اجتياح العاصمة صنعاء واجتياح عدد من المحافظات في الشمال والوسط والجنوب، وفي عام 2015م، ازدادت درجة الدمج بين مليشيات الحوثي وصالح والوحدات العسكرية الواقعة تحت سيطرة صالح وتم دمج هذه المليشيات في هذه القوة العسكرية[1]، مما حولها إلى مليشيات من الناحية القانونية والفعلية.

   أما ما سميت بالهيكلة فكانت مجرد تغيير مسميات، على الرغم من أن إعادة هيكلة الجيش والأمن وإصلاح المؤسستين من المهام الرئيسية للفترة الانتقالية بمرحلتيها، طبقا للفقرتين (17,16) من اتفاق آلية تنفيذ العملية الانتقالية، وهي مهمة أنيطت بلجنة الشؤون العسكرية وتحقيق الأمن والاستقرار برئاسة رئيس الجمهورية الذي كان يطمئن ويركن إلى القيادات العسكرية والأمنية المعروف ولائها للرئيس السابق.

فقد حددت الآلية التنفيذية إصلاح القوات المسلحة والأمن بمهمتين رئيسيتين:

الأولى -مهمة عاجلة وهي توحيد القوات المسلحة بإنهاء الانقسام ومعالجة أسبابه وعودتها الى معسكراتها.

الثانية- مهمة مستمرة خلال المرحلتين، وهي بناء القوات المسلحة والأمن بما يحقق تكاملها كل على حده تحت قيادة مهنية وطنية موحدة في إطار سيادة القانون، أي استبعاد الهيكلة القائمة بالأساس على الانتماء الجيوسياسي الضيق، وعلى عقيدة فاسدة قوامها الولاء لعصبية ضيقة. وترتب على ذلك انتهاك حقوق الإنسان وانقسام المؤسستين، واستبدال هذا الهيكل بهيكل جديد يوفر شروط حياد المؤسستين واستقلالهما، وإزالة آثار الهيكلة السابقة بإعادة تأهيل المنتمين إلى المؤسستين، بما يجعلهم قادرين على حماية الوطن والشرعية الشعبية والدستورية وحماية المواطن وحقوق الإنسان.

   لكن لم يتم تحقيق هذه المهمة عملياً، ولم يكن ما تحقق إنجازاً حقيقياً، بل مجرد خطوة شكلية على الورق لم تحقق في الواقع توحيد القوات المسلحة طبقاً للتقسيم التقليدي وضم الوحدات التي كانت تتواجد خارج ذلك التقسيم إلى الهيكل العام للقوات المسلحة وإلغاء الوجود الشكلي أو الرسمي لوحدات الحرس الجمهوري والفرقة الأولى مدرع ووحدة المشاة جبلي مع استمرارها في الواقع تحت قيادة الرئيس السابق وعائلته، وتم أيضاً توحيد قيادات المناطق بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم (104) لسنة 2012م الذي حددت مادته الأولى مكونات الهيكل التنظيمي للقوات المسلحة وقسمتها إلى:

أولاً-السلطة القيادية (رئيس الجمهورية -وزير الدفاع -رئيس هيئة الاركان العامة -نائب رئيس هيئة الأركان العامة).

ثانياً-جهاز الإدارة السياسية والعسكرية (وزارة الدفاع -وزير الدفاع -مساعد وزير الدفاع -هيئة الاركان العامة).

ثالثاً-المكونات الرئيسية للقوات المسلحة (القوات البرية -القوات البحرية والدفاع الساحلي-القوات الجوية والدفاع الجوي -قوات حرس الحدود -الاحتياط الاستراتيجي).

    وتتكون قوات الاحتياط الاستراتيجي من مكونين هما مجموعة الصواريخ التي تتكون من الالوية (8،6،5) والعمليات الخاصة والتي تتكون من: (القوات الخاصة ووحدات مكافحة الإرهاب واللواء الأول مشاة جبلي واللواء العاشر صاعقة)، وجميعها كانت تتبع الحرس الجمهوري. وتم شكلياً ضم باقي ألوية وتشكيلات الحرس الجمهوري والفرقة الأولى مدرع إلى القوات البرية التي قسمت طبقاً لهذا القرار إلى سبع مناطق عسكرية لكن في الواقع ظلت وحدات الجيش على ماهي عليه.

   وفيما يتعلق بإعادة هيكلة الأمن وإصلاحه صدر قرار جمهوري رقم (50) لسنة 2013م بشأن مكونات الهيكل التنظيمي لوزارة الداخلية، لكن هذا الهيكل لم يقترب من إحداث هيكلة جديدة أو تغيير العقيدة الأمنية والوضع القائم، عدا تغيير مسمى الأمن المركزي إلى قوات الأمن الخاصة.

   وعلى الرغم من أنه تم استبعاد أفراد عائلة الرئيس السابق من قيادة الجيش والأمن، حل محلهم في الغالب قيادات موالية لهم، ولم تمس القيادات الوسطى والدنيا، وتمكن أفراد العائلة من الاستمرار في القيادة السرية للمؤسستين بفعل الموقف المتخاذل للقاء المشترك وشركاؤه، وموقف المعنيين في السلطة الذين لم يقدروا مخاطر الثورة المضادة الآتية من هاتين المؤسستين. وترتب على ذلك وجود عوامل ثلاثة:-

الأول-بقاء وحدات الجيش وأجهزة الأمن على ما هي عليه.

الثاني-استمرار القيادات الموالية للرئيس السابق وعائلته في الجيش والأمن.

الثالث-تمكن عائلة الرئيس السابق من الاستمرار في دفع الأموال بفضل ما تم الاستيلاء عليها من أموال الشعب أثناء حكمه والتي قدرها فريق الخبراء المعني المنشأ بموجب قرار مجلس الامن رقم (2140) لسنة 2014م بمبلغ ستين مليار دولار.

    اعتمدت الثورة المضادة على تلك القوات وتحت قيادة علي عبدالله صالح وبمسميات الحرس الجمهوري والأمن المركزي ومشاة جبلي وأن كان من الناحية القانونية لم تعد توجد قوات بهذه المسميات ولم يعد لعلي صالح وأفراد عائلته أية صفة رسمية لقيادتها، مما يجعلها مجرد مليشيات تقوم بأعمال الجريمة المنظمة ضد الدولة والمجتمع.

    نخلص مما تقدم إلى أن القوات المسلحة والأمن في اليمن قد مثلت الأداة الأولى للثورة المضادة والانقلاب على ثورة فبراير 2011م ومنع التغيير والتحول الديمقراطي الأمر الذي يجعل مهمة هيكلة الجيش والأمن بعد استعادة الدولة وبسط سلطتها الشرعية على كل أجزاء البلاد، أولوية مطلقة طبقاً لأسس ومبادئ ومعايير وثيقة الحوار الوطني الشامل.

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

 

 


[1]- راجع: التقرير النهائي للجنة خبراء العقوبات بشأن اليمن الصادر بتاريخ 30/1/2016.

الفترة الانتقالية:

   كان الشباب والمرأة الأكثر تعبيراً عن رغبتهم في المشاركة في صنع القرار، سواء كان أثناء الثورة أم في مؤتمر الحوار الوطني الشامل. واستجابة لذلك نص الاتفاق بشأن آلية تنفيذ العملية الانتقالية في اليمن وفقاً لمبادرة مجلس التعاون الخليجي على: "أن لشعبنا، بما فيه الشباب، تطلعات مشروعة الى التغيير" ف أ – ب. ونصت الفقرة (20) على إشراك الشباب والمرأة في مؤتمر الحوار الوطني وعلى أن تمثل المرأة ضمن جميع الأطراف المشاركة[1].

وبدأت عملية التحو