أخـــر الأخبــــار

 

الصراع بين مشروعين*

الأربعاء, 28 أيلول/سبتمبر 2022 15:57 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

إن ما وصلنا إليه من أوضاع مأساوية ودماء وتشريد وقتل وتدمير، بكل أسف تحولنا إلى أضحوكة أمام العالم. والمؤسف أكثر، أن الغالبية من اليمنيين يجهلون الأسباب التي أوصلتنا إلى مانحن فيه! وهذه هي المشكلة بحد ذاتها، علينا أولاً كيمنيين أن نشخص المشكلة تشخيصاً مدروسا ففي ظاهر الأمر أمامنا مشاكل  مثل الطائفية والمناطقية والعصبية والعنصرية، وأشكال متعددة من الصراعات وتحت هذه الأسماء نخوض صراعات متواصلة وكل ما هو حاصل من نزاعات ومسميات هو نتيجة طبيعية لغياب الدولة القائمة على الشراكة في السلطة والثروة.

 ظهور القضية الجنوبية بهذا الزخم هو نتيجة طبيعية لحرب ١٩٩٤ الظالمة وغياب الدولة. ظهور الحوثي بما نراه اليوم هو نتيجة لغياب الدولة، وكما يعلم الجميع أن الصراع الأساسي هو بين مشروعين مشروع الدولة ومشروع اللادولة، وكانت بداية هذا الصراع  مع انطلاقة ثورة ٢٦ سبتمبر المجيدة وتلتها ثورة ١٤ أكتوبر المجيدة، اللتين جسدتا مشروع الدولة الوطنية.

الثورتان العظيمتان سبتمبر وأكتوبر، كانتا الميلاد الأول للشعب اليمني نحو الدولة والعزة والكرامة، كما أنهما تجسيد حقيقي لمسيرة اليمنيين نحو التقدم والتحرر ومواجهة مشروع اللادولة، وكانت الإمامة بكل تجلياتها أساس له، قبل أن يبرز مشروع الدولة ممثلا بالصف الجمهوري الذي عمل على إسقاط الإمامة.

واجه مشروع الدولة الوطنية منذ فجر السادس والعشرين من سبتمبر، إرهاصات كثيرة وتعقيدات كبيرة، فجرى الانقلاب عليه في الخامس من نوفمبر 1967 ليعود مجددا بقيادة الشهيد إبراهيم الحمدي، الذي تم اغتياله في محاولة للقضاء على مشروع الدولة، ليعاود هذا المشروع بإصرار من جديد مرافقا لتحقيق الوحدة اليمنية عام ١٩٩٠ والتي توجت بالاتفاق على وثيقة العهد التي بكل أسف تم الانقلاب عليها وعلى مشروع الوحدة السلمية عام ١٩٩٤م.. وهكذا يستمر الصراع بين هذه المشروعين.. الصراع الذي تجلى مؤخرا بالانقلاب على مشروع مخرجات مؤتمر الحوار الوطني في 2014م، ومشروع الدولة، بالرغم من أن قيام الدولة هو بدرجة أساس مصلحة حتى لأصحاب مشروع اللادولة.

ما دفعني لكتابة هذا المقال، هو الزيارة التي قمت بها لعدن قبل أسابيع والتقيت خلالها البعض من ابناء الجنوب ومن ضمن اللقاءات، مقيل في منزل المناضل الدكتور سيف صايل خالد وكان موضوع النقاش حول الحوار الجنوبي – الجنوبي، تحدث فيه الحاضرين بإمعان عن الحوار، وأعطيت الفرصة لي بعد ترحيب الجميع بي وقلت يا أعزاءي نحن نرحب بالحوار الجنوبي ونعتبر أي حوار، مقدمة لحوار على مستوى اليمن وكذلك مفيد في خلق ثقافة في أذهان الناس باعتماد ثقافة الحوار في حل مشاكلنا، كما أن القضية الجنوبية أصبحت قضية القضايا وهذا بفضل شعور الشارع الجنوبي ووعيه ماذا تعني الدولة. وقلت بالحرف الواحد إن كل ما يعانيه اليمنيين من صراع وتصدع هنا وهناك هو بسبب غياب الدولة، التي بغيابها ظهرت كل هذه الصراعات بِأشكالها المختلفة. وقلت أيضا إن المهمة الآن هي كيف نصل الى قيام الدولة وما هي الآلية للوصول إليها. وأبدوا تفهما لما طرحته ولا أخفيكم أنني ومن خلال لقاءاتي عاد الأمل من جديد في عروقي بِأن هناك من يمثل القضية الجنوبية إن أحسنا في التقاط الفرصة الأخيرة إن توفرت.

ومن هذا المنطلق، أتوجه بالنداء والمناشدة لِأغلب النخب في الشمال والجنوب وخاصة الذين تسببوا في ما وصلنا إليه وذلك لرفضهم المتواصل لقيام الدولة دون إدراك العواقب، أن يتداركوا الموقف والوقت.. فأبناء الجنوب يريدون دولة بالمعنى الحقيقي للجميع أو أنكم تتركوهم وشأنهم.

وللتذكير.. بعد حرب ٩٤ الظالمة، التي دمرت الوحدة في النفوس وعلى الواقع طرح موضوع إصلاح مسار الوحدة وكنت أول من أيد ذلك، مدركا بأن إصلاح مسار الوحدة هو الأساس في حينه وكان العناد والتخوين هو ما تعاملت به السلطة حينها، وعليه اتمنى أن يقبل الجميع بمشروع الدولة دون مواربة أو التفاف عليها.

بات اليوم الصراع واضحا في اليمن بأنه بين مشروعين الدولة واللادولة، فعلى الأخير أن يرفع الراية ويقبل بقيام الدولة كحل حاسم نحو حل كل المشاكل، قيام الدولة بقدر ما هو مصلحة لليمنيين فهو مصلحة للإقليم، قيام الدولة في اليمن  ضمانة وعامل أساسي لاستقرار المنطقة، وأحد الضمانات لمنع استخدام اليمن منطلقا لمشاريع أخرى ليست في صالح الجميع. اليمن بحاجة إلى قيام دولة ذات مشروع وطني.

إلى هنا وكفى يجب أن نصنع النصر الحقيقي وهو في اتفاقنا على تأسيس اللبنات الأولى لقيام الدولة، نحن بحاجة الى أن نصنع تلك المعجزة بتعاون من الإقليم والعالم أجمع، ونبدأ مرحلة تأسيس الدولة لفترة وجيزة يشترك فيها كل القوى وأطياف اليمن وصولاً إلى تسليم السلطة للشعب ليقرر من هو مستقبلاً المخول بإدارتها.

ولتحقيق ذلك، علينا العمل أولاً وقبل كل شيء خلق وعي مجتمعي حول ماذا تعني الدولة وشرح مراحلها التي ناضل اليمنين من أجلها وتوعية الشعب بماذا تعني الدولة وماذا يعني قيامها وهذه المهمة تقوم بها القوى السياسية المقتنعة بقيام الدولة والمثقفين والإعلاميين و الوجهاء والعلماء ولجان السلام ومنظمات المجتمع المدني، حتى تتخلق جبهة عريضة من الوعي بمشروع الدولة، كما يتطلب خروج الجميع من دائرتهم المغلقة إلى الشارع، إلى المسجد، إلى المقيل، وإلى إنشاء مجموعات متنوعة مع المواطنين لشرح ماذا تعني الدولة ماذا تعني الشراكة في السلطة والثروة ماذا تعني المركزية والاتحادية، فصدقوني إذا أقنعنا كثير من اليمنيين بمشروع الدولة ستكون الجماهير هي الأساس الضاغط القوي في القبول بمشروع الدولة، ولنبدأ من الآن التشاور حول الآلية وأشكال التحرك بهدف خلق وعي شعبي عام حول ماذا تعني الدولة، والنتيجة ستكون خلق جبهة عريضة واعية وخلق عقيدة سياسية وطنية متسلحة بالإيمان والتضحية من أجل مستقبل زاهر وعزة وكرامة اليمنيين.. وعليه أتمنى من الله أن يهدينا إلى القبول بقيام الدولة.

 

*عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني ورئيس منتدى التنوير الديمقراطي.

قراءة 331 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 28 أيلول/سبتمبر 2022 16:01

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة