شيعت مديرية الأزارق بمحافظة الضالع الى مثواه الأخير الاسبوع قبل الماضي الأخ/ يحيى مثنى علي عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني سكرتير منظمة الحزب في مديرية الأزارق وذلك في موكب جنائزي شارك فيه حشد كبير من أبناء ووجهاء المنطقة وقيادات واعضاء الحزب والحراك الجنوبي يتقدمهم الأخ العزيز فضل محمد الجعدي نائب رئيس اللجنة المركزية للحزب سكرتير منظمة الحزب بمحافظه الضالع وذلك وفاء للفقيد الذي أحبه الناس كواحد من خيرة أبناء المنطقة الافذاذ ورجالها المشهود لهم بالوطنية والنزاهة والثبات على المواقف المنحازة لقيم الحرية والعدالة والمساواة والتطلعات الوطنية الكبرى المناهضة للهيمنة والاستبداد والاقصاء السياسي والاجتماعي والفساد والتعالي السلالي أو المذهبي.
نعم رحل الأستاذ والقيادي الوطني المتمرس يحيى مثنى علي متأثراً بالأوضاع الكارثية الوحشية المقززة التي أفرزتها أحداث الاجتياح الثاني للجنوب وسياسات القمع والقتل والحصار والتجويع التي مورست بحق المواطنين العزل في الضالع والمديريات والقرى المجاورة لها وأدت الى تهجير وترويع السكان على نطاق واسع وحرمانهم من أبسط مقومات الحياه الآدمية واغلاق المؤسسات والأسواق وإيقاف حركة التنقل ومنع ايصال المساعدات الإغاثية للمحتاجين.
بلى لقد عجل هذا الوضع الكارثي برحيل الفقيد وهو يصارع المرض الذي ألم به في الآونة الأخيرة على امل انجاز ترتيبات نقله للعلاج في الخارج, بيد أن مشهد الترويع والعدوان قد دفع الفقيد الى تقدم صفوف المقاومة متخلياً عن النظام الصحي المعتمد والتكيف مع طقوس وعادات المقاومين المرهقة الأمر الذي أوصل الفقيد الى مرحلة الانهيار ومواجهة المصير المحتوم دون أن تشفع جهود رفاقه في أيجاد وسيله أو طريقة لإسعافه هناك أو الانتظار لترتيبات نقله الى خارج المنطقة عبر مديريه يافع للعلاج حيث كان الموت أسرع من كل تلك الجهود.. فارق الحياة واقفا مفضلا هذا الرحيل المبكر ومجسداً بذلك أروع صور التضحية والكبرياء والتحدي المناهض لكل ما يحصل وذلك في اتساق متناغم مع آخر مشاهد الاقتحام والمواجهة والاستبسال التي دارت في ميدان القتال في جبهه الضالع الفولاذية التي أبت ان تنكسر ولن تنكسر. ولا شك أن هذا الترابط والتشابك والاتساق المنتظم بين المشهدين المقاومة والموت (كسبب ونتيجة) قد وضع الفقيد يحيى في قائمه الشهداء الميامين الذين ضحوا بحياتهم على مذبح الكرامة والشرف في جبهات الضالع والحبيل والعرشي والجليلة وغول سبوله والوبح والشعرى والجربا والخزان والضالع ككل.
ومن هذا المنطلق فان اطلاق صفة الفقيد الشهيد على نهاية العزيز يحيى هو عين العقل والمنطق بدون منازع وذلك تجسيداً لثنائيه مركبة (الشهادة والموت) لم تلازم الفقيد عند الممات فحسب, وانما داوم عليها في مختلف مراحل حياته.. كأن يجمع مثلاً بين الوحدة والتعدد في أطار وعيه الذاتي وسلوكه ثم يجسد ذلك قولاً وعملًا في مختلف المواقف والاعمال والوظائف القيادية التي تبوئها طيلة حياته النضالية الزاخرة بالحكمة والنضج. ولئن اتسمت مواقف الفقيد كما أعرفها عن قرب بالصلابة والحسم فقد حرص دوما على أن يصبغها بثنائيه أخرى تجمع بين الحسم والمرونة بعيدا عن الشطط والانفعال والتسرع. وفي ذات السياق فأنه وبالرغم من انتماء الفقيد الى الحزب الاشتراكي اليمني الملتزم لخيار ايديولوجي صارم وفي بيئة اجتماعيه تقليديه محافظه الا أن الفقيد قد رسخ في أسلوب تعاطيه السياسي مع مختلف القضايا ذات الصلة ومن مختلف المواقع والمناصب الحزبية- التي وصل الى أرفعها من خلال انتخابه عضواً في اللجنة المركزية للحزب مفاهيم تلك الثنائيات المبتكرة التي جمعت بين الالتزام لمضامين وجوهر الموقف الحزبي والتصرف في بقيه التفاصيل والخطوات الإجرائية الاخرى التي خضعت لمنطق مختلف من الفعل الذي تطلب وبمؤازرة وتنسيق منظم مع بقيه الحزبيين في الهيئات الحزبية المختصة نوعاً من التعديل تبعاً لخصوصيات الواقع السياسي والاجتماعي واولويات واهتمامات الناس والبيئة السياسية والاجتماعية المعاشة.
استناداً الى نفس المنهج في التعاطي الواعي مع مختلف القضايا حرص أيضاً على أتباع اساليب نوعيه ومبسطه تراعي المجتمع والناس استطاع الفقيد من خلالها ان يعزز دور الحزب وعلاقته بالمجتمع وذلك عبر تأصيل السياسات واعاده تموضعها في النسق والمسار العام للعمل السياسي وبما ينسجم وطبيعة التحديات والتفاعلات المجتمعية الملموسة وفي كل مرحله من المراحل. لذلك من الصعب وفي سياق ممارسه العمل السياسي والاجتماعي النوعي المتقدم للفقيد ان تفصل بين شخصية الاستاذ يحيى كسياسي وقائد حزبي أول في المنطقة وبين شخصيته كواجهة اجتماعيه متفاعله مع الجميع وبدون استثنا.
لعل هذه الصفة قد عززت اهتماماته ومتابعاته المستمرة لتقييم تجربه النظام في الجنوب عقب سلسله من الاجراءات والاخطاء المرتكبة بعد الاستقلال وذلك من خلال استقراءاته المستمرة وعبر الجلوس المباشر لسماع راي الفاعلين والمتأثرين بتلك الاجراءات... الخ حيث علمت من الفقيد كم كانت الفائدة عظيمه وكبيره في هذا الإطار وخاصه عند التحاقه بسلك التدريس ومكوثه المرحب به لدى أحدى الشخصيات من الوجاهات النافذة في المنطقة ولكن المنبوذة سياسياً من السلطات الرسمية بسبب فرمانات الهندسة الاجتماعية حينذاك حيث أضافت تلك الحقبة التي امتدت لسنوات الى معارفه ووعيه الكثير من الدروس والعبر التي مكنته من التفريق بين الصح والخطأ وأوجدت فيه روح المثابرة والعزم على تغيير الأساليب والإجراءات الخاطئة.. وهوما حصل فعلا حيث غير بسلوكه الكثير من الانطباعات والتقييمات وازال الكثير من الأخطاء واكد بالملموس معنى ودور الذات والشخصية في الحياه والفعل وقدرتها على ابتكار الأساليب والأشكال الصحيحة التي تحقق الهدف بأقل كلفه ودون المساس بحريات وكرامة الناس والتركيبة الاجتماعية التقليدية الراسخة التي تتطلب بعض أوجه القصور والسلبيات المرتبطة بها تاريخياً الكثير من العمل والجهد والتراكمات لأحداث التطورات والنتائج المنشودة وذلك عبر سلسله من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبالاستناد الى قاعده اجتماعيه واسعه.
بهذا المستوى في الوعي والإدراك حرص الفقيد على ان يكون حاضراً في قلب الحياه المجتمعية عبر المشاركة في حل النزاعات القبلية والعشائرية ومشاركه الناس كل الناس افراحهم واحزانهم وفي كل المناطق بدون استثنا وذلك حتى وأن كان ذلك على حساب وقته وصحته ومعيشه أسرته الشحيحة أصلاً.. كما اهتم كذلك بالتواصل مع مختلف القوى السياسية والسلطات المختصة, بما يحقق التعايش والعدل والوئام ويرسخ الامن والاستقرار السياسي العام في المنطقة. وفي هذا الاطار شهدت منظمه الحزب الاشتراكي في منطقه الأزارق وطيلة فتره قياده الفقيد لها منذ نهاية الألفية المنصرمة الكثير من الأنشطة التي أتسمت بالنضج السياسي في التعامل مع مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والانتخابية عامة.
بالرغم من حساسيه هذه الفترة وشدة الاستقطابات والتحولات التي افرزتها تباعاً وشكلت للحزب الاشتراكي تحديداً وبقيه الاحزاب بشكل عام امتحانا صعبا في ميدان الصراع والتنافس والاداء السياسي والانتخابي العام, فضلا عن الضغوطات والتهديدات والملاحقات التي طالت أعضاء الحزب الاشتراكي منذ حرب 1994م مروراً بنشوء الحراك السياسي الجنوبي وانتهاءً بالربيع العربي واجتياح الجنوب المستمر الأن.. فقد ضرب الفقيد وفي كل هذه الأحداث اروع الأمثلة في المقاومة والتحدي واستطاع استنباط نماذج وتجارب جديده للتعامل مع مختلف الاوضاع الناشئة وصولا الى تعزيز حضور الحزب في المنطقة والحفاظ على هيكليته التنظيمية وقاعدته الاجتماعية التي لم تخل من مبادرات رفد جديده من بين الشباب والوجاهات الاجتماعية المختلفة. وفي هذا المقام لعل ثنائيه التحرك التي قام بها الفقيد والتي جمعت بين مقتضيات التفاعل مع متطلبات وواجبات الدفاع عن الجنوب من خلال الانخراط في الحراك السلمي الجنوبي بما في ذلك حضور الفقيد المباشر مؤتمر القاهرة الاول للحراك الجنوبي في عام2011م وبناء هيئات الحزب بصوره تجعل منها هيئات وآليات عمل مدافعه عن قضيه الجنوب والحراك الجنوبي والدفاع عن حقوق وتطلعات الجنوبيين وذلك خلافاً للارباكات التي طالت منظمات حزبيه عده قريبه وبعيده لم تستطع أن تكيف عملها مع الواقع الجديد. وفي المحصلة أستطاع الفقيد تكييف نشاط المنظمة والحزبيين لمواكبه مختلف التطورات التي شهدها الحزب الاشتراكي ومنها القضية الجنوبية وتأييد المشروع السياسي الوطني العام للحزب واستغلال كل الادوات والمؤتمرات والأنشطة ذات الصلة لهذا الغرض بما يعزز من حضور القضية الجنوبية ويعزز من وزن الحزب السياسي والاجتماعي في اطار المعادلة الوطنية السياسية الشاملة كطرف معني بالجنوب وملتزم تجاهه وتجاه قضاياه مبدئيا واخلاقيا على الاقل لأنه الحزب الذي حكم الجنوب وقدمه الى الوحدة المغدورة. كم هي الصفات والمبادئ والاخلاقيات التي تمتع بها الفقيد وتفرد فيها كثيره حيث لا يتسع الحيز هنا لسردها والالمام بكل جزئياتها وتفاصيلها المختلفة وهي صفات حقيقيه وجدت في الفقيد وأمكن لي ولغيري ربما ملاحظتها في حياته.
ويبدو لي أن لنشأه الفقيد والظروف المحيطة بها أذا ما أردنا معرفه حجم تأثير كل ذلك على هذه الشخصية الهادئة والواعية والمعتدلة التي تميزت كذلك بصفات النباهة والحنكة والإيثار والصدق والوفاء وربطت كل شيئ مع بعضه بإحكام وفق منطق واقعي وموضوعي قوامه الاعتدال والتعايش والاحترام المتبادل الذي لا يلغي أحداً أو طرف بذاته.
واذا ما اعتبرنا أن انتماء الفقيد لقريه (جمال الدين)كقريه فريده من نوعها في المنطقة تقع على حافه ونقطه التقاء الخمس القبائل الرئيسية في مديريه الأزارق وتمثل من خلال قاطنيها موزاييك حقيقي لهذا التعدد والتشابك والتواجد العام في المنطقة ويسكنها افرادا وعائلات وبيوت تنتمي الى كل القبائل والمناطق منذ زمن بعيد.. ولعل هذه الحقيقة هي واحده من الحقائق التي زرعت في الفقيد نمط خاص من السلوك مبني على قيم التسامح والتعايش والحوار مع الجميع في مراحله العمرية المبكرة وجسدها قولا وفعلا في حياته اللاحقة وعبر مختلف المحطات والتحولات التي عايشها كما سبق وأشرنا.
هذا فضلاً عن ان معطيات وشواهد الزمان والمكان وخلفيات النشأة والتفاعلات التي شكلتها قريه الفقيد كما سبق واشرنا التي تحتضن أوسع الارض وأخصبها في المنطقة وتقع في قلب التفاعلات والأحداث المجتمعية للمنطقة بدون منازع وحافظت على مسافه واحده مع بقيه القرى وكل مكون من المكونات التي تتعايش في المنطقة قد انعكست على الفقيد وطريقه تعامله التي حافظ عليها حتى اخر يوم من حياته وسعى الى ترسيخها بين زملائه ورفاقه واقاربه اينما كانوا. لقد كان الفقيد ديمقراطياً ومستمعاً جيداً يراقب ويستمع باهتمام ويتعرف بسرعة بديهته ونباهته على ما يدور.. لا يتكلم كثيراً وان تكلم أوجز دون ثرثرة او تطويل. كان اجتماعيا وصادقاً ووفيا مع كل من يستحق الوفاء غير مجامل واذا ما احس باي تصرف او خطأ فانه سرعان ما يتدخل لحسمه بدون ضجيج او بلبله.
قد لا يتصور احداً ان شخصيه بهذا القدر من النضج والنباهة والحسم والوجاهة والمسئولية فيها من الخجل وسمات التواضع والشهامة ما يحير الكثيرين وانا اولهم. هذه بعض ملامح وسلوك الفقيد أوردتها على عجل وقد لا أفيها حقها او بالغت او قصرت لا ادري اترك استكمال ذلك للزملاء وللرفاق الذين داوموا على صداقه الفقيد ومعايشته أكثر. لا شك ان رحيل الفقيد الشهيد" المفاجئ يشكل خسارة حقيقيه من الصعب تعويضها في هذه الظروف الصعبة والحساسة, بيد أن ثقتنا في زملاء ورفاق الفقيد الذين عملوا معه طيلة ثلاثة عقود واكثر كبيره لسد الفراغ الناشئ واختيار القيادي البديل والمناسب.
رحل عنا الفقيد دون ان يودعنا او نودعه ودون ان ننفذ ما تواعدنا عليه في اخر لقاء في شهر ديسمبر2014م ثم في آخر مكالمه هاتفيه في شهر فبراير من العام الجاري على ان نجلس ونقيم معا مختلف التطورات والوقائع بعد ان نكون قد تمكنا وبمساعده عدد من الجهات ايجاد حل نهائي وعاجل لعلاجه في الخارج لولا التطورات المتسارعة التي اوقفت كل شيء وقبل كل شيئ قلب هذا الصديق والرفيق الغالي علي شخصيا وعلى كل رفاقه ومحبيه وذويه بدون استثناء. لم أكن اتصور أن أغيب عن مراسم الدفن والعزاء وأبقى مستسلماً في صنعاء ضحيه الوضع الامني وانعدام الوقود وقبل ذلك أن أحرم من لحضه الوداع ولو على قبره.. لا اجد ما أبرر فيه موقفي هذا امام الفقيد الا بأن أقول حسبنا الله ونعم الوكيل.. رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته وصادق المواساة لأهله وذويه وقيادات وأعضاء الحزب في الضالع والأزارق ونعاهده بأن نبقى اوفياء له ولأسرته وعزاؤنا فيما ترك لنا من سيره حافله بالعطاء والإيثار والاخلاق الانسانية الرفيعة.
وانا لله وإنا اليه راجعون..
النصر للقضية العادلة التي ضحى الفقيد الشهيد من أجلها.
*عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي