ثمة ما يجعل العالم يؤمن ان العمل خير معلم. يقال ان الانسان كان يمشي على أربع كسائر الحيوانات، وفي هذي الأثناء لم يكن قد تعرف إلى ذاته، لم يكن يعرف أنه انسان وبوسعه أن يصبح مختلفا عن بقية الحيوانات. ثم أستشعر الانسان بعض الحاجات، شبيهة بتلك التي يستشعرها أي حيوان آخر، ومختلفة بكونها تحتاج من أجل تلبيتها إلى جهد مختلف. عند هذه اللحظة تماما، بدأ الانسان بالعمل، فعرف أن بوسعه أن يقف على رجليه. لهذا قيل بأن العمل أكتشف الانسان، ومنحه أعظم معرفة بذاته.
أكد ماركس ذلك بقوله، "كل خطوة تخطوها الحركة العملية، أهم من دستة برامج". هناك ايضا مقولات أخرى كثيرة لماركس تؤكد على اهمية الجانب العملي لا يوجد من يختلف معها، كما أن ذلك لم يفهم بأنه نفي للعمل الذي منح ماركس جل حياته في سبيله، أعني الجانب النظري الذي لم يكن بمعزل عن التجارب العملية. معترك الحياة كان بمثابة مختبر كبير يعود إليه ماركس ما بين وقت وآخر، أولا ليمارس حياته الانسانية، وثانيا ليتعلم شيئا جديدا، وفي الغالب ليؤكد شيء كان قد توصل إليه من خلال العمل النظري.
إن الخلاف حول النظري والعملي، بحسب علمي لم يأخذ صيغة التشيع لجانب ونفي الجانب الآخر، وان كانت لا تحضرني مقولات لماركس تمجد النظري، لكن يكفي ان حياته كان اغلبها نضال من هذا النوع، واستطاع من خلاله ان يقلب العالم راسا على عقب.
في مكان ما كنت قد قرأت أن انجلز أثنى على الألمان عمالا ومفكرين لقدرتهم النظرية مقارنة بغيرهم من الأوربيين. اذن "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية" على أن الحركة الثورية هي أزهى صور النضال واعلاها مرتبة على الضفة الأخرى من الصراع. حول النظري والعملي كان الاختلاف ينحصر دائما، حول الاهمية وربما الأولوية في جدول اعمال النضال. في البلدان العربية، سيكون على كل حركة أو توجه أو حتى طموح ثوري أن يعاني الأمرين، غياب العملي والنظري، وعندما يحظر أحدهما؛ فإنه يحظر بطريقة مشوهة.
النضال العملي قد يأخذ جزء منه طابعا ثوريا ولكن بدون نظرية، وقد نجد من ينظّر للثورة والتغيير لكن في ظروف لا يمكن ان تكون ظروف المجتمع الذي نعيش فيه. لهذا اصبحت السخرية سائدة في الأوساط المثقفة من هذا العمل، واصبح كل من يقول كلاما فارغا أو لا يسعنا فهمه منظرا عن استحقاق وجدارة.
لكن يبقى ان غياب النظرية هو السبب الرئيسي الذي يجعل كل نضالات العرب ـ على كثرتها ـ ناقصة. تتراكم الخبرات العملية، ولكن لأن الأساس النظري غير موجود فإن تلك الخبرات تخبو وتتلاشى، حتى أنه يصبح من المتعذر توريثها للأجيال القادمة. كنا بأمس الحاجة لتلك الخبرات أثناء موجات الربيع العربي.
لدى اليمن ميزة ربما لم تتوفر عند البقية من العرب، وهي عدم الاستقرار السياسي وذلك بسبب المحاولات التي لا تتوقف في سبيل تغيير الواقع. الصراع في اليمن يخبو ليشتعل مجددا، وبقدر ما يشكل هذا ميزة، بقدر ما يشكل مصدرا للإحباط لأن هذه الاستمرارية اذا لم تغير في الواقع يفترض أن تكون قد طورت شكل الصراع. يتخذ الصراع في اليمن مظهرا رجعيا، غير أنه لا يبقى المظهر الحقيقي لغياب ما يمكن اعتباره مصدرا باعثا لذلك المظهر، مصدرا في الواقع. اما المظاهر الأخرى التي لها اساسا، فيعوزها الكثير من الجهد ربما العملي والنظري في آن. والآن ليس أمامنا سوى حرف الصراع الحالي ليتخذ شكلا مناسبا وذلك من خلال النضال النظري. يقول هيجل: الشكل هو الجوهر وقد تمظهر. بالعودة إلى الوراء قليلا، أعني للفترة التي سبقت اشعال الحرب الدائرة اليوم من قبل تحالف الحوثي وصالح، سنجد أن المشهد الاعلامي (يختصر الاعلام كلا من المشهد السياسي والثقافي) قد أُحتكر من قبل كتيبتان تابعة لذلك التحالف ما عداه كان رجع صدى وملاسنات وجدال عقيم يدور في نفس هذه المساحة.
بمعنى أن حالة مستقلة ومختلفة كان يفترض ان تتشكل، لكنها لم تتشكل. في مرحلة لاحقة ستنصهر الكتيبتان في جبهة واحدة سيعلن عنها عبدالملك الحوثي في احدى خطاباته. كانت مرحلة وضع اللمسات الاخيرة على التحالف الذي سيظهر للعلن وسيعلن الحرب على الشعب اليمني. الكتيبة الاولى كان مهامها على يبدو الانقسام، طرف يؤيد وطرف يحتكر المعارضة وفي نفس الوقت يختبر ردة فعل الشارع. بالطبع لاقى الصوت المعارض ترحيبا واسعا، غير انه - كما هي العادة - صوت يعارض بسطحية ويأخذ من الصخب وسيلة للانتشار.
في تلك الفترة حامت الشكوك حول حقيقة هذا الصوت، هل هو حقيقي ام مجرد صوت يحتاجه صالح كمقدمة للانقلاب على الحوثي في حال واجه تحالفهما متغيرات من نوع ما.
كان اغلب المعارضين والذين نجحوا في احتكار المعارضة محسوبون بطريقة ما على صالح، اما التغيرات التي من المحتمل انهم مجندون في سبيلها فقد كانت من ذلك النوع الذي كشفت عنه السعودية في الايام الاولى من تدخلها، عندما قالت بأن احمد علي قدم إليها وأبدى استعداده التخلص من الحوثيين.
اﻵن اين ذلك الصوت المعارض؟ ما موقفه من صالح وقد اصبح مسئولا عن الحرب بنفس قدر مسئولية الحوثي؟ ستجد ان المعارضين للحوثي لايزالون ينتقدونه، ولكن بدون ذكر صالح ﻷن المهمة تغيرت طبيعتها، وأصبحت توجيه الراي العام نحو تحميل الحوثيين وحدهم المسئولية وهذا ما حملته مقابلة صالح قبل شهر مع قناة الميادين، أعني الهدف الاساس من تلك المقابلة. الكتيبة الثانية كانت موحدة في عدد من الاتجاهات: شيطنة الاخوان والحديث عن داعش، وفي اتجاه آخر وضع الاساس اللازم الذي من شأنه تحيد الاشتراكي مستقبلا، او على الاقل جذب جزء من جمهوره وخلخلة ما يمكن اعتباره بالقرار والتوجه الموحد للحزب. هنا تحديدا سنعرف لماذا لم تنشأ حالة مختلفة. اما الالية في كل ذلك فهي الامعان في تذكير الاشتراكيين بالجرائم التي ارتكبها الاخوان بحقهم، بالطبع دون ان يذكروا صالح او دوره في ذلك، ولتعزيز النقطة السالفة تذكير الاشتراكيين كم ان تحالفهم مع الاصلاح كان فادحا، من سرق الثورة واقص شركاءه. بالطبع لم يقولوا ولو على سبيل الاشارة ضد من كانت الثورة.
وبالتوازي مع كل ذلك، ذهب بعض افراد الكتيبة لنبش تراث الماركسية وكتب دار التقدم ونقل كل ما يمكن ان يشوش على المشهد العام، كان يرعبهم ان تتشكل رؤية حقيقية عند الاشتراكي المعول عليه دائما في هذا المضمار ومن ثم جعل هذه الرؤية توجها للشعب بكل فئاته. الوضوح النظري ينعكس بالضرورة كقوة فاعلة في الخطوات العملية. نجحت الكتيبة في جر الكثيرين الى مربعها، وجذبت اولئك الذين يحنون الى مفاهيم ألفوها في زمن سابق ولم يعد احد يتحدث بها. أما من يعول عليهم فقد فضلوا السخرية، للسخرية وجاهتها غير أنها ليست الوظيفة المثلى في مثل تلك الظروف.
اﻵن اين هي تلك الكتيبة؟ لقد اصبحت جزء من جبهة واسعة بمهام جديد، من قبيل تأسيس صحيفة (لا) وكتابة دراسات عن ملازم حسين الحوثي. انا واحد من اولئك الذين يشعرون بالعار لأنهم لم يفطنوا للدور المفترض: عدم الانجرار الى مربع السخافات، وايجاد تلك المساحة النظرية التي يجب الاشتغال فيها. بمعنى آخر النضال النظري الذي سيساهم في ايضاح مهمتنا القادمة، تحديد شكل الصراع ووجهته.
لا يكفي ان تقنع الناس بالمقاومة او بحمل السلاح، او تكتفي بأن هذا قد حدث ولكن من المهم ان تناضل من أجل امتلاك الوضوح الذي سيعتنقه الصراع في الفترة القادمة. من شأن الوضوح النظري وجعله في متناول العامة، اولا ان يسهم على نحو فاعل في حسم الصراع سريعا لصالح غالبية الشعب، وثانيا ان يضع خارطة نضال الغد التي قاتل لأجلها الناس اليوم، رؤية واضحة تحملهم على الاستمرار ويحدوهم امل عظيم بدلا من ان يصبحوا ادوات في ايدي مشاريع متخلفة اقصى ما تستطيع فعله هو اعادة الوضع القديم بكل تشوهاته. بنفس القدر الذي تصبح فيه الخطوات العملية مهمة، بنفس القدر النضال النظري مهم. في ثورة فبراير، منذ الشرارة الاولى توقفت كغيري عن القراءة، كانت اوقات مشحونة واستطعنا ان نتعلم ما لا تسعفنا مئات السنين في تعلمه من القراءة.
غير ان اغلبية الشباب كان لديهم فقر نظري وكنت واحد ممن تمنوا لو انه كان لدي فرصة للاطلاع على تجارب سابقة شبيهة بتجربتنا، لو انني اعرف ما العمل اﻵن؟ كان الانهاك قد تغلغل وأصبح المهيمن على نشاطنا اليومي، حاولت ان أقرأ لكني فشلت.
كنت ممن صنعوا هذا الحدث الذي فاق التصور، ومسئول عنه بطريقة ما بل مسئولية مباشرة. قال هاني الجنيد مرة وهو غاضبا في وجه أحدهم: الثورة حقي، نحن من صنعها. كان هاني محقا. كان الجميع يعاني من ضغوط هائلة، نحاول ان نسمع لكل من يتحدث، نحاول ان نبقى في قلب الحدث، ان نسيطر عليه؟ هذا صعب.
ان نوليه الرعاية التي ستمنعه من الانحراف؟ ربما. وكنا نصل الى تلك اللحظة: ما العمل اﻵن؟ كنا نعرف ان اجابة هذا السؤال كفيلة بجعلنا قادرين على صنع معجزة أخرى لا تقل اهمية عن هذه المعجزة التي لم نصدق اننا نجحنا في صنعها. بل ان كل ما حدث حتى اﻵن ينقصه معرفتنا بما الذي يتوجب فعله، بدون ذلك ستنتهي الثورة الى أشبه بلا شيء. في السنوات التي سبقت الثورة كان الخراب قد عم، المجتمع لم تعد له اهتمامات ربما كانت ستساعده في مثل هذه الظروف. نظام صالح كان قد جرف السياسة والثقافة، ميع التعليم وقزم الاحزاب، وكل شيء اصبح مدمرا. بعد سنة ونصف استطعت ان اتخفف قليلا، استطعت ان اعود للقراءة، لكن بعد ان كان الاوان قد فات.
مسار الثورة كان قد حرف في طريق حمل لنا في النهاية كل هذا الذي يحدث اليوم. بالتأكيد انقضت جولة لكن اللعبة لم تنتهي بعد، وكل صراع مهما كان شكله هو فرصة لجعله صراع من اجل الحياة، وهذا باعتقادي لن يتحقق إلا بنضال نظري مكثف، ثم نضال عملي، لتصبح الرؤية مرافقه للفعل وخير مرشد لدفة الصراع. ما العمل الآن؟ هذا هو السؤال...