طباعة

الانتخابات وتأبيد منطق الكيد

الأحد, 23 تشرين2/نوفمبر 2014 17:54
قيم الموضوع
(0 أصوات)

هناك عدد من الكتاب اليمنيين، أظل أتمنى أن لا يتوقفوا عن الكتابة، وفي كل مرة أقرأ مقال جديد لأحدهم، فإن يومي يصبح مختلفا، أظل أتتبع كل عبارة، كل كلمة، تتجدد في عروقي روح المعرفة والشغف، وأحصل على خضة مجانية.

 لا يتوقف الأمر على الأفكار، في الغالب تكون طريقة الكتابة الأنيقة هي عيدي الأبهى، وعندما أقرر بأني سأكتب شيء ما، فإن ما قراته مؤخرا، يكون قد ترك أثرا واضحا على ما أكتبه. لا أعتبر الأمر تقليدا، بقدر ما أشعر بالزهو لأني نجحت في الاقتراب من شيء أحبه، سيتكرر هذا الوضع كثيرا، لن أهتم بالطبع حتى مع شدة حرصي على أن يكون لدي صوتي الخاص. أحد أولئك الكتاب الذين أتعلم منهم شيئا جديدا في كل مرة، هو الكاتب علي الضبيبي، هو صديقي من قبل أن أعرفه، كما أنه، وهذا لا يحدث إلا نادرا، شخص بمستوى أناقة ما يكتبه، طيب القلب، صادق، لا يحب الطرق الملتوية لكي يقول ما يعتقده.

بدافع كل تلك الأشياء، قررت التعليق على مقاله الأخير، المنشور يوم الخميس الماضي في أخيرة صحيفة الأولى، بعنوان "غادروا منطق الكيد". في البداية فاجأني الفقر الفني الذي وسم به المقال، وهذا ما لم يكن بوسعي توقعه مع كاتب بحجم الضبيبي، وعند اعادة القراءة، شعرت بالحسرة وعرفت أن موضوع المقال هو السبب، لأن الموضوع يترك أثره على طريقة الكتابة، عندما نختار موضوعا جيدا، سيكون لدينا كتابة جيدة، وعندما نكتب ما نعتقده بصدق ستكون الكتابة أكثر من جيدة، هنا تحديدا كانت نقطة ضعف أخيل.

اذا كنت قد فهمت المقال بشكل صحيح، فإن الأفكار الرئيسية تتلخص في القول: بأن مخرج الطوارئ الوحيد من الوضع الذي تعيشه البلد سيكون في الذهاب نحو عملية انتخابية، وأن هذا المخرج أيضا كفيل بإنقاذ العملية السياسية التي وصلت إلى ذروة أزمتها. وأيضا محاولة تصوير المؤتمر الشعبي العام بأنه الحزب الوحيد الذي نأى بنفسه وفضل عدم الاشتراك في وليمة الفشل التي أقامتها الأحزاب الأخرى وفي مقدمتها الاصلاح. وأن صالح هو ذلك الحمل الوديع الذي يستقبل ضيوفه في منزله ويبادلهم أنخاب القهوة، وفي الوقت نفسه يستقبل التهم بصدر رحب. وضمنيا فإن صالح هو الناجي الوحيد من سفينة الفشل التي تغرق في الوحل كل يوم، وضمنيا أيضا يجب أن يذهب الجميع نحو الانتخابات لتكريمه على طول باله ومنحه الفرصة لاستثمار ما تبقى لديه من مال، دون أن يشير إلى أنه فعلا كان قد جرب الاستثمار ولكن في حقل تشعيب الفوضى.

جبل صالح على ممارسة السياسة الشريرة، وحتى الآن هو لا يعترف بأن هذا أمر أمر مضني ونتائجه غير مضمونة، لأنه يرغب كما يتأكد كل يوم في مواصلة العمل بالتوازي، تصدير الفوضى وممارسة السياسة بنفس الأدوات القديمة.

 لهذا يصبح من الغريب القول أن الأحزاب السياسية بذهابها للانتخابات ستكون قد غادرت منطق الكيد. سيكون عليّ أن أشير بأن هذا المقال لا يدافع عن فشل أحزاب المشترك، لاعتقادي بأنها فشلت بشكل مريع، لكن هذا لا يعني أن صالح ملاكا أو أن حزبه أفضل، لأن الفشل حلقة مترابطة وكان من المتوقع أن يمتد إلى هذه الأحزاب التي كانت جزء من بنية النظام السابق، أو على الأقل كانت فاعلة في الواقع المريض الذي أنتجه ذلك النظام.

من المؤسف حقا أن يذهب كاتب كبير إلى تقرير وصفة النجاة الوحيدة (الانتخابات) دون أن يذكر المقدمات التي دعته لتبنيها، فحتى القول بأن الانتخابات ستحافظ على الأحزاب والعملية السياسية في ظل الوضع الراهن لا يعدو عن كونه مغالطة مفضوحة دأب كتاب الدرجة الثالثة على ترديدها طوال الفترة الماضية.

بدون أمثلة وشروحات، يمكن لأي شخص أن يفهم بأن الديمقراطية والانتخابات إذا لم تستند لقواعد متينة تحميها وتسمح بتطورها، لا يمكن أن يكون لها معنى، وستصبح ضربا من العبث، وصالح كان قد تبرع كثيرا في الماضي في اثبات ذلك.

واذا كنا حريصين على عدم تكرار ذات الأخطاء فإنه يصبح من المهم قبل الدخول في أي انتخابات، العمل على تسوية الأرضية السياسية.

ان أي انتخابات تجري بينما الأرضية السياسية هشة إلى هذا الحد، فهي بالتأكيد ستعمل على تعميق المشاكل الوطنية بدلا من حلها، غير أن الاشكالية الجديرة بالمناقشة هي أن الوضع القائم اليوم والمسار الذي يبدو أننا نمشي عليه، لا يبشر بأننا ماضون إلى الوضع الذي يمكننا الاطمئنان إليه في النهاية، لكي نبدأ الانخراط في عملية ديمقراطية حقيقية.

كان مؤتمر الحوار الوطني قد جلب فرصة جيدة لتعبيد الأرضية السياسية، ولكن بدلا من استغلالها في تخليق قواعد جديدة من شأنها أن تضبط العملية السياسية، فإن الأطراف السياسية تفننت في اهدار هذه الفرصة وراحت تمارس المكايدات وفقا للقواعد القديمة التي بالطبع جعلتنا نصل إلى ما وصلنا إليه، وأتوقع أن يستمر هذا المارثون العبثي، طالما ونحن لا نكترث للمقدمات ولدينا الاستعداد لتكرار ذات الأخطاء ألاف المرات.

 أستطيع أن أخمن دوافع المتحمسين للانتخابات في ظل الظروف الراهنة، الأمر لا يخلو من الدوافع النبيلة، كما هو حال الضبيبي، غير أن النتائج لن تكون بذات النبل اذا ما تفحصنا التجارب السابقة، أما الدوافع الأخرى التي تظهر الحرص على العملية السياسية، بالتركيز على الانتخابات فقط، فهي لا تعدو عن كونها انتهازية ذميمة تسعى بلا كلل لاستثمار ضعف هذه العملية، من أجل خلق واقع جديد بلباس شرعي للامعان في سلب البلد أي فرصة للنجاة، وبالتالي قتل ما تبقى من أمال ازاء الديمقراطية.

تنطلق هذه الدوافع، من استثمار اللحظة المؤاتية، فحزب الاصلاح، الحزب الأكبر في اليمن يمر بظروف صعبة تجعله غير قادر على خوض معركة انتخابية تتناسب مع حجم تواجده، وهناك أنصار الله الذين يراد لهم أن يظلوا بمنأى عن العملية السياسية، واستثمار عدم قدرتهم الحالية في التحول إلى كيان سياسي، وأيضا استثمار حالة السخط الشعبي اتجاههم الذي تولد بفعل الممارسات الخاطئة التي رافقت تحركاتهم الأخيرة.

هناك الجنوب أيضا، حيث لا يزال يرفض الدخول في أي عمل سياسي، وسيظل رافضا طالما وأن الحلول المفترضة للقضية الجنوبية تفتقر للجدية اللازمة بينما الجنوبي يبحث عن شيء ملموس لكي يثق بأن الزمن لن يعود إلى الوراء على الأقل، والدخول في انتخابات دون تحقق ذلك معناه اعادة الزمن إلى الوراء. وبالطبع استثمار أن الرئيس أصبح بلا سند سياسي، واستثمار ضعف الأحزاب الأخرى.

والآن بوسعكم تخمين من هو الطرف الوحيد المستفيد من الذهاب نحو الانتخابات!

في السياسة من حق أي كيان استثمار ضعف وأخطاء الكيانات الأخرى، لكن ليس قبل أن نعرف أن هذا الكيان هو السبب الرئيسي في وجود كل ذلك، ويكفي أن نعرف بأن أموال الاشتراكي لم تعاد حتى اليوم، وأن المخفيين قسريا وكل المظالم التي حدثت أيام حكمه لم يتم الاعتراف بها ومعالجتها، عوضا عن القضية الجنوبية وحروب صعدة، بل المضحك أن صالح وحزبه لا يزال يستميت وهو يحاول الغاء فكرة قانون العدالة الانتقالية، وهي أبسط حق للضحايا، وأغلبهم من السياسين.

وبالطبع فالكثيرون حاولوا طوال الفترة الماضية تصوير صالح بأنه أصبح ضعيف وجزء من الماضي. لقد نجح هؤلاء في انجاز مهام التعمية وادخال صالح إلى منطقة الظل.

وفي منطقة الضوء ظلت المواجهات مشتعلة بين القوى الثورية والمدنية من جهة وبين القوى التي تشكل مراكز النفوذ والحكام الجدد من جهة أخرى، كانت مواجهات شجاعة وامتداد حقيقي لثورة فبراير، ونجحت إلى حد كبير في تعرية تلك القوى في وقت قياسي، وعندما قدم الحوثي كانت قد اصبحت مجردة من الغطاء الشعبي ومن مبررات البقاء، فكان من السهل هزيمتها. من المؤسف القول أن هذه الهزيمة التي كان يمكن لها أن تصبح انتصارا وطنيا، اتخذت لنفسها طابع ثأري، وعملت على سلب كل الجهود السابقة والحق في انجاز تراكم ثوري، فهي قوضت كل الانجازات السابقة تقريبا خصوصا بالتحالف مع النظام السابق، والتمهيد لعودته.

لم يكن صالح في الظل اذن، كما اعتقدنا وصور لنا، فعندما استرسلت الفوضى، كان هو الوحيد المستعد للانقضاض على السلطة مرة أخرى، لولا أن قرار مجلس الأمن الذي كبح جموحه في اللحظات الأخيرة.

 الحديث عن الانتخابات ليس ترفا، كما هو حال الديمقراطية كمنظومة متكاملة، فالأساس هو تساوي فرص الجميع، ووضع قطيعة مع تاريخ طويل من الاقصاءات والحروب السياسية والعسكرية، لا نريد أن نعيد الاستبداد بحجة أن هذه هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ البلاد، كما أن الانتخابات في المرحلة الراهنة من شأنها أن تؤبد منطق الكيد وتمنحه شرعية بينما لا تزال الفرصة متاحة أمامنا لهجر هذا المنطق. لن يعني هذا تخلينا عن انتقاد الوضع القائم بشدة، فهو بالتأكيد لا يضعنا على الطريق الصحيح نحو الديمقراطية، بل لا يكترث إلى أن البلد تسير نحو طريق مجهول وكارثي.

قراءة 9041 مرات آخر تعديل على الأحد, 23 تشرين2/نوفمبر 2014 18:25

من أحدث