بحثت الثورة المضادة عن شرعيتها وهي بصدد التشكل، من خلال استثمار أخطاء وفساد حكومة الوفاق، وجميعنا نتذكر كيف أن النائب حاشد أقام الدنيا ولم يقعدها بمناسبة ملف الجرحى الذين أهملوا من قبل السلطة الجديدة. ثم من خلال الانفلات الأمني والتفجيرات الإرهابية، فأجهزة صالح الظاهرة لم تمس عوضا عن الأجهزة الخفية وكلها اضطلعت بادراه العمليات الإرهابية، التي بدأت من ميدان السبعين ولم تتوقف عند مستشفى العرضي، ومنذ الانقلاب انتقلت بشكل شبه كامل إلى خارج صنعاء. حتى مسألة المجاري في الحديدة جرى استثمارها.
المؤسف أن الطرف الذي عليه أن يكترث لمثل هذه الأشياء ويواكبها ليكشف حقيقتها لم يكترث، أما الجريمة الحقيقية فهي أن يستمر عدم الاكتراث هذا حتى بعد عام ونصف من الحرب.
مثلا كانت رؤية الاشتراكي أن يحل مجلس النواب وتتشكل هيئة بديلة، أن يتم بناء شرعية صلبة، أن يُستكمل نقل السلطة، أن يهيكل الجيش على أسس وطنية وصحيحة. وكثير من القضايا الأخرى.
لكن ما حدث هو أن صالح كان وحده من يفهم المغزى من وراء حديث الاشتراكي ورؤاه المتعدد. لهذا افتعل كثير من المشاكل للوزير محمد المحلافي ووصل الأمر إلى تلفيق قضية أخلاقية بحق مرافقيه. أما الدكتور ياسين فقد نال الكثير من الأذى، سواء من خلال التهديدات المباشرة وغير المباشرة، أو من خلال الحملات المنظمة التي قادها عدد كبير من الصحفيين والكتاب. وياللعجب فقد كانت تلك الحملات بمناسبة أن الدكتور ياسين خان الثورة من خلال موافقته على المبادرة الخليجية، لكنهم أصبحوا اليوم في الحضن الدافىء لمن قامت الثورة ضده. الدكتور ياسين سياسي ويتحرك وفقا لشروط الواقع وله تقديراته التي قد تتوافق مع باقي القوى وتفرض نفسها، لكن أولئك الكتاب، نخبة المجتمع الجديدة، الشرفاء المتباكين على ثورة شعب أهدرت، هم أنفسهم المحتفلين اليوم بثورة مضادة تستكمل ترتيب سلطتها وتواصل حربها وعقابها لليمنيين.
بالطبع اعتمدت الثورة المضادة على تكتيكات كثيرة في سبيل إستراتيجيتها التي لابد وأن تشمل ليس فقط استعادة السلطة ولكن تأديب وعقاب الشعب الذي خرج ثائرا ضد الاستبداد.
ولكي تواكب ما يجري في المحيط العربي وله تأثيراته على الصعيد الدولي، أصبحت الثورة المضادة تحارب داعش. لم يكن الوقت قد حان لإعلان المواجهة مع كامل الشعب. داعش ومراكز النفوذ والإصلاح الذي حارب الجنوب وحارب الحوثيين. أية قدرة هائلة في الدعاية والتضليل تملكها الثورة المضادة!
بالمقابل أية عظمة كانت عليه ثورة فبراير عندما قزمت كل تلك الأدوات، بل وجعلت بوق قذر للثورة المضادة مثلا يجامل الثورة ويجامل شباب لمجرد أنهم كانوا في ساحة التغيير!
بعد إن استنفدت كل الأوراق التي أعدتها أو جلبتها من أرشيف الحاجة، لأنها اعتقدت أن المعركة "معركة خاطفة في عدن خلال الأيام القادمة وربنا يستر" وهذا تعليق أحد أقطاب الثورة المضادة قبل أيام من اجتياح عدن، بعد ذلك هاهي الثورة المضادة تريد أن تشرعن لسلطتها من خلال حديثها عن "العدوان السعودي" متكئة على ارث من الحقد الذي راكمته الحركة الوطنية في سبيل نضالها التحرري من الاستبداد المحلي، والتدخلات الخارجية، والتبعية.
البحث عن شرعية، عبر استثمار دماء الضحايا الأبرياء، والذي تصبح الثورة المضادة فيه وكيل الدم الشرعي مجرد وهم آخر ما سيلبث أن يتلاشى، فاليمنيين يعرفون من تسبب لهم بهذا الجحيم، من استدعى السعودية، من اعد للإرهاب مكانا في تفاصيل أيامهم.
أما الوكيل الحقيقي الذي يفرض نفسه الآن وسيفرض نفسه رغما عن الجميع عما قريب، هو الثورة. الثورة هي وكيل دماء الضحايا اليمنيين منذ فبراير 2011، وهي مستودع احلامهم الوحيد.
ويغيب عن بال الوهم أن ثورة مضادة تعني بالضرورة وجود ثورة عظيمة كانت قد تراكمت على مدى عقود طويلة في الصدور، وعندما اندلعت ما لبثت أن تجذرت في كل شبر من أرض اليمن. دماء المتظاهرين السلميين، لن تغسلها السنيين، أو سفالات وجرائم من جعلتهم الثورة المضادة خصومها.
الثورة المضادة ليس لديها خصم حقيقي سوى الثورة. لا الإصلاح، ولا داعش، ولا هادي، ولا تحالف السعودية.
الثورة لم تكن يوما عميلة للسعودية، لم تسجل اسمها في كشوفات اللجنة الخاصة، ولم تتلقى العلاج في مشافي المملكة. كما أن الثورة التي تتألم اليوم لسقوط ضحايا مدنيين أو حتى مقاتلين من الفقراء الذين جرى استثمار معاناتهم والزج بهم للقتال تحت شعارات طائفية ومناطقية. هذه الثورة لن تصبح جريمة إلا في حال أنها تهادنت مع الثورة المضادة وهذا ما لم يحدث حتى الآن وما لن يحدث.
قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية
للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

