في ذروة تعطيل انتقال السلطة في العام 2012، قلنا ان المشكلة التي تعيق الانتقال بتمظهره السياسي التوافقي تكمن في ان مفاعيل الشرعية والقوة تقفان على طرفي نقيض.
فعبد ربه منصور هادي، الذي جاءت به المبادرة الخليجية، وتوافقات الفرقاء الرئيسيين والاحزاب والمكونات السياسية، امتلك شرعية صندوق، اؤمل منه الخروج من عنق زجاجة2011 ،غير ان هذه الشرعية ستتعطل امام تمترس القوة ،التي كانت تتواجد في الطرف النقيض (بيد صالح واركان نظامه المنقسم) التي اُستخدمت كلها لابتزاز الرئيس المنتخب توافقياً، وعطلت كل امكانيات ان يكون قائد قوي وفاعل، حتى ممن حسبوا عليه كحلفاء رئيسيين واعني علي محسن والاصلاح ، ولعبت شخصية الرجل الضعيفة والمترددة فعلها المعزز ايضاً.
بعد ثلاثة اعوام، ستنحصر القوة كلها بيد جماعة، خرجت من معمعة السنوات الثلاث العجاف كبديل للجميع، الذين غرقوا في مستنقع الفساد والتكالب على المال والوظيفة العامة، واستطاعت التقاط اكثر اللحظات مفصلية لفرض سيطرتها على الارض.
اما هادي سيجد نفسه مرة اخرى محاصرا ومستقيلاً بالإكراه، لكنه حين استعاد حريته (بهروبه الى عدن)، سيعيد الاشتغال تحت لافتة الشرعية ،معولا على دعم سياسي خارجي وداخلي كبيرين !!
الرئيس الموجود بمدينة عدن، يمتلك الشرعية، وقوى (الانقلاب الطائفي) بصنعاء تمتلك القوة وتسيطر على الجيش بما فيها المعسكرات والالوية ،التي تحوط عدن وبقية مدن الجنوب، كون هذه الالوية والمعسكرات وبسبب تركيبتها المناطقية لم تزل تدين بالولاء للنظام السابق ورئيسه (علي صالح ) المتحالف مع الحوثي، ويشكلان معاً قوى السيطرة الفعلية !!
حالة الانقسام الشديد، التي تتغذى من الاستقطاب الحاد، والتحشيد القائم في البلد، لا يمكن قراءتها بمعزل عن التنازعات الاقليمية شديدة الوضوح، التي تستخدام الحالة اليمنية كورقة تفاوضية لطرفي التنازع الرئيسين (السعودية وايران) ،اللذين باتا يتحكمان بالقرار السياسي والسيادي داخل دوائر اتخاذه الضيقة ، وان قوى التناحر في الداخل ليست اكثر من ادوات (فجة) تعمل مع احد الطرفين، لأسباب كثيرة لا تخلو من التكسب و(التطييف) ،والذي غدا في الآونة الاخيرة مشغلا مخيفاً داخل هذا الانقسام .
في اسبوع واحد، رأينا كيف ان السفارات الخليجية، وعلى رأسها سفارتا السعودية وقطر، اعادت فتح مقار لها في عدن، بعد ايام من استقبال هادي لأمين عام مجلس التعاون الخليجي، ولاحقاً بعض السفراء بمن فيهم السفير الامريكي، الذي باتت سفارته المغلقة في صنعاء تمارس عملها من القاهرة، (عدا الملحقية العسكرية التي فتحت ابوابها في عدن !!)، وتابعنا كيف ان الطيران الايراني دشن اولى رحلاته الى صنعاء وعادت اولى طائراته ـ التي شبه هبوطها في مطار صنعاء احد الحوثيين بناقة الرسول حال وصولها يثرب ـ محملة بوفد الجماعة الى طهران ،تمهيدا لإطلاق جسر جوي بين العاصمتين، سيضرب الرقم القياسي في عدد الرحلات الاسبوعية في تاريخ مطار صنعاء !!
اذا هناك عاصمتان ورأسا حكم، وهناك قوتان رئيسيتان تتحكمان بخيوط اللعبة، التي تلوح في صورتها القريبة بوادر حرب ضروس، تصاغ مقدماتها بذات تنميط الحالة السورية، من حيث الاصطفاف الاقليمي الى جانب احد طرفي التنازع. فتركيا التي اعادت تمتين علاقتها بالرياض ـ حفاوة استقبال اردوغان في الرياض واجتماعه المغلق الطويل الذي جمعه بالملك سلمان الاسبوع الفائت حسم عديد قضايا منها الملف اليمني ـ ستكون في ذات الصف مع دول الخليج الي جانب هادي وحلفائه وهو الحال الذي ستتبعه مصر لإثبات حسن نواياها مع الخليج، والذي بدأته فعلا بنفي خارجيتها استقبال وفد رفيع لجماعة الحوثي تواجد في الآونة الاخيرة في القاهرة .
اما ايران ـ التي دعا فيها احد فقهاء الحرس الثوري الايراني الشعب الايراني الى اقتسام طعامه مع المجاهدين الحوثيين ـ بحليفها الروسي وبعض دول الاقليم المحسوبة عليها سيكونون في الطرف الاخر مدافعين عن (الثورة الشعبية) كما يحبذ اعلامهم تسميتها .
السعودية سترمي بكل ثقلها بذريعة دعم الشرعية، لإضعاف الحوثي وحلفائه والعمل على حصره في حدود الاقليم (الزيدي) ، دون تمكينه من بسط سيطرته وتفرده كسلطة تامة ، لخشيتها من تفسيل وانبات الانموذج الحوثي في مدن جنوب وشرق السعودية التي بدأت تستهويها الظاهرة الحوثية .
وبالمقابل ستجاهد ايران من اجل تقوية الحركة الموالية لها، لتتحول الى الشوكة السامة في الخاصرة الرخوة لخصومها (السعودية والخليج) بهدف خلق حالة توازن ،ومكاسب سياسية في ملفاتها التفاوضية مع الغرب.
اما الراعيان الكبيران (امريكا وروسيا) سينتظران حتى تدير الحرب طواحينها، من اجل تحريك دواليب شركات صناعة وتسويق الاسلحة في بلديهما ،لخلق سوق تنافسي جديد، ستدفع فواتير بضاعته المكلفة كالمعتاد دول النفط .

