تأتي الذكرى الـ24 لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية والبلاد أبعد ما تكون عن الاندماج الوطني والوحدة والسلام كما هي عليه اليوم. وعبثاً ما تحاوله السلطة اليوم من محاولات لإعادة الحياة لجسد الوحدة الميت عبر دعوة رئيس الجمهورية للاحتفال رسمياً وشعبياً بذكرى تحقيقها على أمل إنعاشها وإعادة تأهيلها دون النظر في ما استجده الزمن وأقره مؤتمر الحوار الوطني والذي كان في حقيقته إقراراً من كل القوى بفشل الوحدة الاندماجية.
يقول الدكتور عبدالله العروي الرقص المحموم حول الجثة الهامدة لا يبعثها من مرقدها. ولعل هذا ما تقوم به السلطة اليوم دون أن تدري أنها تقع كسابقتها في فخ الوحدة التي انتهت عملياً مع حرب صيف94. الوحدة التي كانت هدفاً لكلا النظامين في الشمال والجنوب منذ ستينيات القرن العشرين وكلا الجمهوريتين أنشأتا مؤسسات خاصة لشؤون الوحدة ولكن اختلاف النظام السياسي والاقتصادي كان عاملاً معرقلاً وهو العامل الرئيس مع وجود عوامل أخرى مثل رفض القوى التي تتبع السعودية من مشايخ القبائل وحلفائهم من القوى المحافظة للوحدة مع اليمن الجنوبي من الستينيات ولكن التغييرات الداخلية والخارجية الطارئة ساعدت في قيام دولة الوحدة رسميا في 22 مايو 1990 وسمي علي عبدالله صالح رئيساً للبلاد وعلي سالم البيض نائباً لرئيس الجمهورية اليمنية.
قبل الوحدة في عام 1989 وقبله، كانت القوى القبلية والدينية في شمال اليمن ترفض الوحدة بوضوح بحجة أن الجنوب اشتراكي وسيؤمم الشمال وكانت لهم تحفظات اجتماعية كذلك بالإضافة للضغوطات السعودية الممارسة عليهم، والتي دائماً ما كانت ومنذ عام 1972 تستعمل نفوذها على القبائل للإطاحة بأي حكومة في شمال اليمن تحاول المضي نحو الوحدة. لم تستطع أي من الدولتين فرض نظامها ورؤيتها على الآخر فقامت الوحدة السياسية قبل دمج المؤسسات العسكرية والاقتصادية. وبعد تحقيق الوحدة أعاد علي عبد الله صالح التحالف القديم بينه وبين القوى القبلية والدينية ليكونوا ثقلاً موازناً للحزب الاشتراكي، وفي تلك الفترة تزايدت وتيرة الاغتيالات وأعمال العنف. أول المستهدفين كان الأديب والسياسي عمر عبدالله الجاوي والذي كان ينتقد الأداء الحكومي وبعد الوحدة، انتقد التعبئة والتحريض الديني الممـارس من قبل القوى القبلية والدينية المحافظة والتي كانت معادية للوحدة.
مجهود القوى الدينية والقبلية لم يتوقف عند هذا الحد، فوفقاً للأميركيين، أن أسامة بن لادن كان متواجداً بالسعودية في صيف 1990 وكان يدفع المرتبات للمتشددين الإسلاميين بعضهم كان عائداً من افغانستان ليقيموا المخيمات في مارب وأبين، وكان أسامة بن لادن يردد حديثاً ينسبه للنبي محمد مراده إخراج المشركين من شبه الجزيرة العربية، ابن لادن والفضلي والزنداني وكل هؤلاء كانوا يعتبرون الاشتراكيين في اليمن كفاراً.
وفي الفترة ما بين 1991 و1993 تم اغتيال 158 من كوادر وأعضاء الحزب الاشتراكي وهو ما فاقم الخلافات بين علي سالم البيض وعلي عبدالله صالح، اتهم علي عبدالله صالح السعودية بالوقوف وراء الاغتيالات ولكن الحقيقة هي أن صالح رأى في هؤلاء الجهاديين حليفاً للتخلص من الحزب الاشتراكي، الشريك السياسي في اتفاقية الوحدة اليمنية، فلم يقدم أي من الجهاديين للمحاكمة ولم تبذل الأجهزة الأمنية جهداً يذكر لإيقاف مسلسل الاغتيالات.
في العام 1993 شهدت اليمن الموحد أول انتخابات برلمانية شارك فيها حزب المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني وحزب التجمع اليمني للإصلاح وثلاثة آلاف سياسي مستقل على 301 مقعد وحصد المؤتمر الشعبي بقيادة علي عبدالله صالح على %93 من اصوات ناخبيه من المحافظات الشمالية و%9 فقط من اجمالي الاصوات التي حصل عليها من الجنوب والحال كذلك بالنسبة لحزب الإصلاح بينما الحزب الاشتراكي الذي حصد تقريباً كل مقاعد الجنوب في البرلمان بنسبة %51 من الاصوات في الجنوب تمكن ايضاً من حصد %49 من اجمالي الأصوات التي حصل عليها من المحافظات الشمالية. ومع ذلك ونتيجة استمرار استهداف الاشتراكيين وممارسات الإقصاء والتهميش وصلت الأزمة السياسية بين طرفي الوحدة الى طريق مسدود حتى توسط الحسين بن طلال ملك الأردن ووقع علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض على وثيقة العهد والاتفاق 1994 في العاصمة الأردنية عمَّان في فبراير 1994 قبل أن يقوم علي عبدالله صالح وحلفاؤه بالانقلاب على هذه الوثيقة والشروع في حرب صيف 94.
الوحدة التي تحققت في مايو 90 يقودها توق الجماهير وشغفها وانقياد سياسي أعمى لهذا التوق والشغف دون مراعاة للعوامل الاجتماعية والسياسية والفكرية والتي لم تكن تقف على أرضية واحدة وإنما متنوعة الاتجاهات والأهداف والأسباب في ظل غياب ناظم أو حامل حقيقي يدير هذا التنوع للدولة الوليدة. ولم نكن نحتاج لكثير من الوقت لملاحظة تشوه الجنين وصعوبة استمراريته بعاهة تنفسها وكان ان تحول هذا التنوع الى صراع واضح بين قوى مختلفة انتهى بحرب صيف 94 التي كانت بمثابة الإعلان الرسمي لنهاية دولة الوحدة السلمية والتي قامت بين كيانين مختلفين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية في 22 مايو 90 وطوال سنوات ما بعد الحرب وفي ظل غياب الشـرط الاجتماعي عن برامج ورؤى الأحزاب السياسية بدأ المشـروع الوطني الذي تعرض للكثير من الضربات في الخفوت لصالح مشاريع النظام من قبلية ومذهبية ومناطقية أعاد من خلالها إنتاج نفسه وعمل على الزج بالوحدة في معارك الاستحواذ والسيطرة والتهميش جنوباً والأنكى من ذلك تدمير كل ما له علاقة بالدولة الوطنية وما أنجزته في جنوب الوطن وإحلال الأشكال العصبوية والمناطقية فيه. ونجح في تحويل حياة المواطنين جنوباً وشمالاً الى جحيم حقيقي دفع المواطن في الجنوب والذي ما زالت ذاكرته حاضرة في ان هناك من كان يمثله ويعبر عن مصالحه حتى عام 94 وتحت وطأة الشعور بالألم تحولت الوحدة الى خصم للجنوبيين.
الحرب التي رفعت شعار الوحدة أو الموت لتذهب الوحدة ويبقى الموت. هو ما يعيشه مواطنو جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وجزء كبير من مواطني الجمهورية العربية اليمنية. ويرى كثير من المتابعين والمهتمين السياسيين أن الوحدة الاندماجية فشلت وأن المواطنين لو استفتوا على الوحدة سيصوتون بلا، وهذه حقيقة أصبحت شديدة الوضوح. فقد تناسلت أخطاء البداية التي انطوت عليها الوحدة الفورية حتى بلغنا النفق المسدود.

