كان بوسع المشجع اليمني أن يشاهد المباراة من التلفزيون، كما هو حال المشجع السعودي والمشجع الخليجي بشكل عام، على ما يوفره هذا النوع من المشاهدة من راحة ومتعة، لكن المشجع اليمني فضل أن يحج إلى ملعب الملك فهد مع كل مباراة جديدة لمنتخبنا الوطني، ليؤازر اللاعبين عن قرب، ليضفي على المباراة تلك الهالة، وأيضا لكي يرفع العلم الوطني في مهمة لانعاش الهوية اليمنية المنكسرة في الداخل والخارج.
"يصبح وليد الجيلاني نجما عربيا في الغناء، في الوقت الذي تحرم فيه الميليشيات الدينية في اليمن الاغاني وتطارد الفنانين! ويتألق منتخب كرة القدم اليمني خليجيا، في الوقت الذي تحتل فيه الميليشيا الطائفية ملاعب كرة القدم وتمنع المشجعين من الحضور! هذا قد يفسر سر هذا التعلق الجماهيري الطاغي بهذين النجمين". كان هذا تعليق الكاتب والناشط الحقوقي حسين الوادعي، على أهم حدثين وقعا في اليمن مؤخرا.
نعم اليمنيين لا يتحدثون اليوم سوى عن الرياضة وعن أداء منتخبنا الوطني المذهل بحق. يتحدثون عن وليد الجيلاني وتأهله في أرب أيدول إلى مرحلة متقدمة، لقد أفلتوا من السياسة لبعض الوقت، مع ذلك سيكون من المؤسف القول أن هذا التقرير سيذهب في اتجاه استحضار السياسة، ومحاولة تفسير دورها في كل ما يحدث.
للشعوب طرقها المتنوعة في قول كلمتها، في التعبير عن أمالها أيضا، أو حتى في ممارسة فعل الاحتجاج.
هناك الكثير من التحليلات التي حاولت تفسير عزوف الجمهور الخليجي عن حضور المباريات ومؤازرة فرقها، كلها تنحصر في الجانب الرياضي بالطبع، وتفتقر للدقة. إذا ما نظرنا إلى الاهتمامات اليومية للمواطن الخليجي، فسنجد أن كرة القدم تأتي في صدارة هذه الاهتمامات.
مهما بدت هذه التحليلات موفقة فإن السبب الذي يقف وراء حضور الجمهور اليمني سيظل مبهما، أو هكذا يبدو الأمر على الأقل، بالنسبة للتحليلات الرياضية. أحد هذه التحليلات تقول أن عزوف الجمهور الخليجي يأتي بسبب أن هذا الجمهور "وصل لمرحلة متقدمة جدا من التشبع الكروي نتيجة متابعته القوية للدوريات الأوربية والعالمية التي رفعت مستوى الذائقة لديه". ولهذا فهذا الجمهور أصبح لا يفضل الذهاب لمشاهدة مباراة مستواها الفني لا يرقى لمستوى الدوريات الأوربية.
لكن باعتقادي الشخصي مهما يكن فإن المباريات التي يكون طرفها المنتخب الوطني فإن الحديث عن الجوانب الفنية يصبح ثانويا بينما الأساس لأي جمهور هو تشجيع منتخب بلاده. إذن الأمر لا يخلو من السياسة، فالجمهور الخليجي لم يذهب إلى الملعب لأنه يريد أن يعبر عن احتجاجه اللاواعي اتجاه سياسة بلدانهم. على الأقل بهذه الطريقة يمكننا فهم اندفاع الجمهور اليمني.
نعلم جميعا أن السياسة الخارجية في دول الخليج، لم تعد هي نفسها السياسة الخارجية التي كانت تنتهجها هذه الدول قبل العامين الأخيرين، الحديث سينطبق إلى حد كبير على السعودية والامارات وقطر، حيث لم يسبق لهذه الدول أن مارست سياسة خارجية تجعلها تتدخل في شئون الأخرين إلى هذا الحد، أو على الأقل بهذا القدر من الوضوح.
تغيرت أنظمة وحلت أخرى بدلا عنها، اشتعلت حروب وأخرى في طور الاشتعال، وهذا كله بسبب التدخل الخليجي في شئون بعض الدول العربية، على نحو جلف، لا يضع في الاعتبار ارادة الشعب الداخلية وموقفه من هذه التحركات. رغم أنها أنظمة غير ديمقراطية إلا أن الشعب السعودي، الشعب الاماراتي، الشعب القطري، شعوب بوسعها الاحتجاج كما يثبت خليجي 22 في الرياض.
سنفهم الأمر على أنه نوع من التضامن مع الشعوب التي قامرت هذه الدول بمستقبلها، ونقلت خلافاتها لها، بينما سنفهم الحضور القوي للجمهور اليمني خارج أرضه، بأنه احتجاج من نوع ما، اعلان حضور، والقول بصوت واضح: أيها الأوغاد، أيها السياسين التافهين، يامن تلهثون خلف السلطة وتقدمون الشعب ضحية لهوسكم، مهما يكن، فلن تنالوا من عظمة هذا الشعب.
لن أفهم الأمر بطريقة أخرى، فاليمني اليوم من المكان الذي يتواجد فيه مطالب بأن يقول: أنا موجود. كانت الأحداث التي جرت خلال الأربع سنوات الأخيرة، قد راكمت ارادة الحياة بقدر ما نبشت أسباب الخراب التي كانت قد تراكمت على مدى عقود طويلة، ومؤخرا لم يجد اليمني في الداخل الطريقة المناسبة لإعلان وجوده، غير أن الدور جاء على اليمني الذي يعيش خارج اليمن، وكانت الطريقة هذا الحضور المشرف والسابق على أداء المنتخب حتى لا يقال بأن الأداء هو من جذب الجمهور.
لا أجد سببا أخر لكل هذه الحماسة، كما لا يعقل أن اليمني القلق على وضعه داخل السعودية، المترقب لأي قانون يصدر فجأة ويصادر منه حق البقاء والعمل، هذا اليمني الذي يتوجب عليه عدم لفت الانتباه دائما، لا يعقل أن تكون كرة القدم وحدها هي من حثته على الظهور بهذا الشكل، وبالنظر إلى المشاركات السابقة، سنعرف بأن التشجيع ليس هو كل الهدف، فهناك هدف ضمني، وجدوا أنفسهم في موقع من عليهم التعبير عن هذا الهدف، انعاش الهوية والوطنية وترميمها، لأن هذه الهوية لم يسبق ان عانت من الهشاشة المهددة بالتشظيات كما هو حالها اليوم.
نعم مشاركات السنوات الماضية كانت مخجلة بحق، وحسن الأداء في هذه الدورة ليس السبب، فالجمهور اليمني أندفع قبل أن يعرف شيء عن المنتخب. ثم لماذا عليه أن يعرف بينما هناك أهداف كثيرة يمكن التعبير عنها بهذا الحضور.
انهمرت المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب المباراة الأولى مع البحرين، جميعها عبرت عن الفرحة اليمنية بهذا الانجاز، وأيضا بحضور الجماهير اليمنية، الناشط راشد محمد، كتب على صفحته يقول:"اثناء المباراة وبعد هجمة فاشلة للبحرين قال احد الأطفال المشجعين بجواري بكل فخر وحماسة وبدا متحدي بقدرات وامكانيات لاعبي بلاده: "هذي اليمن" شعرت بحرارة الوطنية وعمق الانتماء لليمن من كلمة هذا الطفل الذي قاوم البرد ليثبت ان هذه اليمن كبيرة."
الجماهير اليمنية هي من أرادت لحضورها وتفاعلها أن يحمل معنى سياسي، حسين الوادعي في منشور له على "فيس بوك" أعتبر أن الحضور الجماهيري هو في الأساس تحرك ضد كل الأعمال التي تستهدف الهوية الوطنية والحداثة والسلم الاهلي. في كل مرة تظهر أعمال من هذا النوع إلى السطح، فإن "اليمني الذي لا يقبل بالهزيمة" يبتكر لنفسه موقعا يستطيع من خلاله اعادة الاعتبار للهوية الوطنية وأيضا للحياة.

