لا شيء في اليمن ينبئ ولو على استحياء أن العام الجديد سيكون أقل وطأة من سابقيه، فيما أغلب اليمنيون يخشون أن يكون 2015 أكثر كارثية، في ظل هيمنة قوى العنف والتطرف على المشهد الكلي للبلد.
شهدت آخر يوم في العام 2014، ما يمكن وصفه بتلخيص مكثف لأحداث سنة كاملة مليئة بالدماء والأشلاء، خلفت كما من المآسي التي لم يجد الاعلام الوقت للحديث عنها، فالأحداث لم تتوقف ومن الترف أن تظهر ارملة في محافظة عمران على احدى شاشات التلفزيون وتقول بأنها فقدت منزلها بعد ايام من فقد زوجها، والآن أصبحت خارج المدينة تعارك البرد مع طفلها الوحيد.
مأسي من هذا النوع، خلفها صراع جماعة الحوثي مع القوى التي تصدت لها، ومع تمكن الحوثيون من العبور بعد الاطاحة بخصومهم، كانت فصول جديدة من العنف قد كتبت، لكي تمثلها الجماعة مع جبهات متعددة هذه المرة، ابتداءً بالمجتمع، الدولة ومؤسساتها، وليس انتهاء بالقاعدة التي يبدو أن دورها على مسرح الأحداث قد وجد فرصة ليتعاظم.
لا توجد في اليمن بيئة يمكن القول أنها خصبة لكي تأمن القاعدة وتتناسل، غير أن الظروف السياسية، وعدم حلحلة المشاكل أولا بأول، أصاب بعض المجتمعات البعيدة بحالة من الانكفاء، والتوقف عن مناصبة الدخيل العداء لمجرد أن يريد النيل من الدولة الغائبة عن حياتهم.
لم تتعامل الحكومات اليمنية المتعاقبة بجدية مع الجماعات المتطرفة، وهذا بسبب أنها حكومات لم تمتلك يوما قرارها ولم تعرف ما هو الدور المطلوب منها، بينما هذه الجماعات أغرت بعض الأطراف السياسية الممسكة بزمام السلطة، أحيانا لأنها تتشارك معها نفس الايدلوجيا، وأحايين أخرى رغبة في استثمارها سياسيا ضد خصوم قائمين أو محتملين، بما في ذلك الخارج.
طوال السنوات التي سبقت ثورة فبراير 2011م ظل تدخل القاعدة محدودا للغاية، ليس لأن الدولة كانت قوية، ولكن لأن الجماعة لم تكن قد حصلت على فرص مجانية وتسهيلات كبيرة للانتشار، وفي نفس عام الثورة أصبحت الجماعة تسيطر على محافظة أبين الجنوبية، وهو أمر ينافي الصبغة المعروفة عن هذا التنظيم الذي يتبنى عمليات دقيقة، ولم يسبق أن أقترب من عملية المواجهة المباشرة.
قبل ذلك العام، كانت معظم عمليات القاعدة، تستهدف الأجانب الذين يقدمون من خارج البلد، لكون أيدولوجيتها الظاهرة تقوم على معادة أمريكا والغرب، فتم استهداف السياح والدبلوماسيون، وبعض السفارات، إلى جوانب حوادث نادرة شذت عن القاعد، القاعدة هنا التوجه الرسمي لهذا التنظيم وليس أسمه الذي سيتغير بمجرد السيطرة على محافظة أبين.
أصبح الاسم الجديد للتنظيم الذي تمكن من السيطرة على مدينة كبيرة "أنصار الشريعة" وخاض الجيش اليمني، بالتعاون مع الأهالي الذين تكتلون تحت مسمى "اللجان الشعبية" حروب كر وفر مع المتطرفين الذين لا يعرف أحد من أين أتوا، أو كيف تمكنوا من السيطرة على كل مرافق الدولة.
الحديث عن هذه الفترة، سيعني الحديث عن التحول الأبرز في مسيرة هذه الجماعة المتطرفة التي استفادت إلى حد كبير من الاضطراب السياسي، فقد بدأت تستهدف جنود في الجيش اليمني، ثم وصل الأمر إلى استهداف مدنين، كانت عمليات بشعة لا أحد يعرف الهدف منها، ولكن مع تكرر هذه العمليات، أصبح واضحا أن هذه الجماعات تعمل لصالح أطراف سياسية، ترغب في اشاعة الفوضى وعدم حدوث أي استقرار سياسي.
من المؤسف أن اليمنيين لم يتوقفوا كثيرا عند قرار مجلس الأمن الذي فرض فيه العقوبات على الرئيس السابق "صالح"، لم يكترثوا كثيرا لتلك الحيثية التي تقول أن الرجل ضليع في كل الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها القاعدة، بهدف اشاعة الفوضى والانقضاض على الحكم.
مجلس الأمن ليس بذلك الشيء الذي يمكن الاستهانة بما يقوله، ثم أن صالح أصبح يستخدم أيدولوجيات متناقضة لإشاعة المزيد من الفوضى، أو ربما للامعان في الانتقام من هذا الشعب الذي خرج ضده في 2011 وأجبره على مغادرة كرسي الرئاسة.
جاء قرار مجلس الأمن بالعقوبات على صالح، بتهمة أنه يعرقل العملية السياسية، وآخذت هذه العرقلة شقين، الأول عبر تفجيرات وعمليات انتحارية تقوم بها أطراف في تنظيم القاعدة يبدو أنها تعمل لصالحه، والثاني هو التعاون مع جماعة الحوثي ومساعدتها بشكل واضح على اسقاط المدن والتهيئة لإسقاط الدولة.
نفذت القاعدة واحدة من أشهر عملياتها في مستشفى العرضي، ونفذت عمليات أخرى استهدفت جنود ومدنيين في شبوة وحضرموت وعدن وصنعاء، في رداع ايضا، ويوم أمس في إب، وهذا الأمر لم يعد يحدث بسبب سنوات حكم صالح البائسة، بل أن الرجل أصبح ضليع ومشارك مع أطراف أخرين في كل ما يجري.
وفي منحى آخر لأنشطة القاعدة، أصبحت جماعة الحوثي تمثل الهدف الأبرز، ومع أن الامر لن يخلو من الاستغلال السياسي، إلا أن الصراع قد يأخذ منحى أكثر دموية وتراجيديا طالما وهناك أسباب واضحة تدعو الطرفين لجعل العام 2015 عام للاقتتال.

