مأزق القوة والسياسة

  • مع اقتراب السلطة من متناولهما, تزيد إمكانية تصارعهما ونقطة تفوق الحوثي أنه وكيل لقوة إقليمية في وقت لم يعد صالح وكيلاً لأي منها
  • الاشتراكي نت/ الثوري - خاص

الخميس, 29 كانون2/يناير 2015 17:23
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

خلقت استقالة الرئيس عبدربه منصور هادي التي وجهها للبرلمان نهاية الأسبوع الماضي مصالح متناقضة بين القوتين اللتين ألجأتاه إلى الاستقالة بعدما سيطر مقاتلوهما على القصر الرئاسي ومنزل الرئيس.

وكان متوقعاً أن يتمسك تيار الرئيس السابق علي عبدالله صالح في المؤتمر الشعبي العام بتخويل البرلمان بالبت في استقالة هادي ومعالجة الفراغ الدستوري الناشئ عنها وهو ما يعني دستورياً إسناد منصب الرئيس إلى رئيس البرلمان يحيى الراعي أحد رجالات صالح.

أما الجماعة الحوثية المسلحة فلا بد أن هذا الخيار صادم لها, لأنه يحرمها من أرفع موقع تريد حكم البلاد من ورائه, ولذلك ستفضل تشكيل مجلس رئاسي أو مجلس عسكري كي تستمر في الحكم بواسطتهما بعد احتواء أعضائهما واتخاذهم واجهة توافقية للحكم كما فعلت مع الرئيس المستقيل خلال الشهر الأربعة الماضية.

وعودة موقع الرئيس إلى واحد من أخلص رجالات علي صالح يعني دهس الواقع السياسي الذي أرسته ثورة فبراير 2011 بهدوء, وكذلك انطلاق حرب مصالح ونفوذ بين النظام القديم بقيادة صالح والحركة الحوثية بزعامة عبدالملك بدر الدين.

يبدو من الملامح الظاهرية في الوقت الراهن أن الحركة المسلحة التي تتصدر واجهة النشاط العسكري العنيف وتحرز الانتصارات السهلة, وتهيمن على القرار السياسي هي الأقوى بالمقارنة مع نظام صالح القديم الذي يتوارى خلف المقاتلين الحوثيين لتقويض كل الحقائق التي صنعتها ثورة فبراير, وصولاً إلى الإطاحة بنظام ما بعد 2011 وحكوماته ثم تسوية كرسي الحكم للعودة عليها.

تكمن  قوة صالح في قسم لا يستهان به من قوات الجيش التي اتضح أنها مازالت على ولائها له بفعل عوامل كثيرة, أبرزها تأثير القيادات الوسطية والعليا في تشكيلات تلك القوات والإخفاق في تطبيق خطة إصلاح الجيش التي انطلقت مطلع 2013 واضطراب الواقع العام الذي رافق المرحلة الانتقالية المنصرمة وانعكس داخل الجيش نفسه.

كذلك, مازال قسم كبير من الجهاز الإداري الحكومي مشدوداً نحو حقبة صالح, كنتيجة منطقية للأساليب التي اتبعها نظام الرئيس المعزول في تعيين مسؤولي هذا الجهاز وترقيتهم.

أما عبدالملك الحوثي فنقطة تفوقه هي أنه وكيل لقوة إقليمية هي إيران التي يتنامى نفوذها في المنطقة في وقت لم يعد  صالح وكيلاً لأي من القوى الدولية أو الإقليمية التي كان وكيلاً لها إبان  حكمه, إلا في حال استأنفت أي من تلك القوى اكتراءه وتأهيله للحكم مجدداً مقابل وقف المد الإيراني الذي يكتسح المنطقة ويكاد يقوض الأمن القومي لدول الخليج العربية بتغلغله في اليمن.

وعلاوة على ذلك, يقدم الحوثي حركته للعالم كمتعهد جديد لمحاربة الإرهاب وتصفية الفكر الذي انبثق منه تنظيم القاعدة بوصف المذهب الذي تعتنقه حركته نقيضاً مذهبياً لفكر تنظيم القاعدة, مما يضيف محفزاً جديداً لإخلاص الحوثيين في محاربة القاعدة.

ومن شأن هذا العامل إغراء الدول الكبرى بالرضا حيال إعادة تشكيل موازين القوى سواء في اليمن أو المنطقة كلها وهو ما يقود بالضرورة إلى السماح بهيمنة الحوثيين وفق اتفاق مع إيران.

لذلك لا بد من دراسة مواقف القوى العالمية الكبرى من الوضع الذي ترسمه الحركة الحوثية بالعنف, خصوصاً موقف الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بوصفهما الأكثر حضوراً في وارتباط مصالحهما بتغيرات الشأن اليمني, إضافة إلى عدم وضوح مواقفهما الأخيرة إلى حد يشبه الانسياق مع الأحداث المتتالية, بصرف النظر عن البيانات المشتركة للدول العشر الراعية للتسوية السياسية.

وفي إطار التعبئة من الحوثيين وتيار صالح المؤتمري لتدعيم أحقية كل منهما لخلافة هادي, قال تيار صالح والأحزاب الحليفة له إن حل الأزمة الناشئة عن استقالة رئيسي الجمهورية والحكومة يجب أن يأتي عبر البرلمان.

وأضاف اجتماع للجنة المؤتمر العامة وقيادة الأحزاب الصغيرة الحليفة للمؤتمر يوم الثلاثاء أن "أي محاولة للالتفاف على الدستور سوف تضع الوطن أمام تهديدات تعصف بوجوده ومستقبل أجياله".

في المقابل, دعا زعيم الجماعة الحوثية مساء الثلاثاء ذاته إلى اجتماع وصفه بالشعبي والتاريخي والوطني يوم الجمعة المقبل في العاصمة "للوقوف أمام الوضع الراهن وللوصول إلى مقررات هامة وتاريخية".

وتوعد عبدالملك الحوثي في خطاب بثه تلفزيون المسيرة من وصفهم بالفوضويين، في إشارة إلى التحركات الشعبية المناهضة لحكم الجماعة, قائلاً "لن نقف مكتوفي الأيدي ضد الفوضويين".

الحوثي خصً المحافظات الجنوبية وتعز ومارب برسائل في دلالة على أن ذهنية الحاكم صارت تتملكه, فهو يخاطب مواطني هذه المحافظات من موقع الحاكم الذي يخاطب أجزاء من البلاد يراها ما تزال متمردة على حكمه.

وأضاف يقول "لن يفرط شعبنا اليمني بأمنه واستقراره من اجل فوضويين, ونتوقع من كل من يحمل وطنية أن يتحرك في الدفع نحو انتقال سلمي سريع للسلطة".

تقع الحركة الحوثية المسلحة بعدما أكملت الانقلاب على مؤسسات الدولة  في مأزق إدارة الحكم وشرعنته على حد سواء, فلا هي قادرة على إنجاز هذه المهمة المعقدة ولا هي المستقلة بقرارها  لتتخلى عنه وتعيد تمكين الرئيس هادي من سلطاته التي قسرته غطرستها على الاستقالة منها.

هذه الحالة نتيجة منطقية للكم الهائل من المدخلات الجديدة التي أضافها المقاتلون الحوثيون في وقت قياسي ولا تستطيع قيادتهم الآن استيعابها, لأن ما أحرزوه من التقدم الميداني بسرعة فائقة جاء حصيلة عوامل غير موضوعية ولم يرافقه أي تطور سياسي في الجماعة.

ولأن القيادة الحوثية لا تعي هذه المعطيات, فقد بالغت في عجرفتها مستندة إلى القوة الغاشمة فحسب, حتى أن أكثر الصابرين على غلظتها وفظاظتها السياسية بدأوا ينفضون من حولها بعد أن نفد صبرهم حيال ما اقترفته في آخر أسبوع.

فعلاوة على محاصرة منازل رئيسي الجمهورية والحكومة وعدد من الوزراء بينهم وزير الشؤون القانونية, نائب أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني الدكتور محمد المخلافي, قمع المسلحون الحوثيون الاحتجاجات الطلابية والشبابية التي انطلقت من جامعة صنعاء على مدى أيام الأسبوع وخطفت عشرات الشبان المحتجين, غالبيتهم أعضاء في الاشتراكي.

وزادت الجماعة أن جلبت عصابات مسلحة بالخناجر والعصي لقمع المحتجين والإساءة إلى المحتجات ومطاردتهن.

حيال هذه الانتهاكات, أوقفت قيادة الاشتراكي الحوار الذي كان الحزب يجريه إلى جانب القوى السياسية مع أنصار الله الحوثيين من أجل التوصل إلى مخرج للأزمة الطاحنة التي تعصف بالبلاد.

وصرح مصدر رفيع في أمانة الاشتراكي العامة يوم الأحد الماضي أن "قيادة الحزب تحملت كثيراً جراء رغبتها في إنجاح هذا الحوار من اجل تجنيب البلاد الانزلاق نحو المجهول رغم مطالبتها الملحة بشكل دائم مع أنصار الله من اجل رفع مسلحيهم الذين يحاصرون منزل نائب الأمين العام للحزب الدكتور محمد المخلافي وبقية الوزراء وهو إجراء غير مبرر سياسيا وقانونيا ويتنافى مع حقوق الانسان, ومع الأسف الشديد فان تلك الجماعة المسلحة لم تكتف بالبقاء خارج المنزل وإنما حاولت مرات عديدة اقتحامه".

وقال المصدر "اننا في الحزب الاشتراكي اليمني نرفض هذا الأسلوب جملة وتفصيلاً, ولا نقبل استخدام أساليب القوة للوصول إلى معالجات سياسية, ولهذا نعلن توقفنا عن الاستمرار في هذا الحوار" مندداً بقمع التظاهرات واعتقال المحتجين الشبان وفي مقدمتهم شبان الاشتراكي, ودعا أعضاء الحزب وأنصاره إلى التعبير عن رفض "العنجهية المسلحة" بكل الصور المتاحة. 

كما استنكر المصدر منع جماعة الحوثي مسؤولين ووزراء في الحكومة المستقيلة ينتمون للمحافظات الجنوبية من السفر إلى عدن وفرض ما يشبه الإقامة الجبرية عليهم.

في السياق ذاته, أشار سفراء الدول العشر ودول أخرى إلى أن استقالة الرئيس هادي والحكومة جاءت ردة فعل للضغوط التي تعرضا لها من "مفسدين يسعون إلى حرف العملية الانتقالية عن مسارها".

وقال بيان لسفراء الدول العشر إلى جانب اليابان والمانيا وإسبانيا وهولندا يوم الأحد الماضي "ينبغي أن يكون من أوصلوا البلد خلال الأسابيع الماضية إلى هذا الوضع مسؤولين أمام الشعب اليمني الذي يعيش أكثر من نصفه دون مستوى خط الفقر، والذي سيكون أكبر المتضررين بسبب الأحداث الأخيرة".

أضاف البيان الذي دعا كل الأطراف إلى تجنب العنف "يجب أن يكون هدف جميع اليمنيين استمرار العملية السياسية السلمية والشرعية بشفافية ووفق جدول زمني محدد, استناداً على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة الوطنية، والمهام المتبقية في مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي، ومن ذلك الدستور والاستفتاء والانتخابات".

ومع إطلاق الحوثيين سراح مدير مكتب الرئيس هادي الدكتور أحمد عوض بن مبارك يوم الثلاثاء بعد 11 يوماً من خطفه ورفع حصارها على منازل وزراء في حكومة بحاح المستقيلة, إلا أن ذلك لا يبدو أنه سيكون كافياً للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة في ظل اقتراب قطبي القوة المنفلتة, الجماعة الحوثية وتيار صالح من الحكم, إضافة إلى دعوة الحوثي إلى اجتماع لأتباعه.

 

قراءة 3562 مرات آخر تعديل على الخميس, 29 كانون2/يناير 2015 17:37

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة