الراجح أن وضعاً مغايراً سيكون قد نشأ حين تقع هذه النسخة من «الثوري» في متناول جمهورها, إذ أن ساعة صفر لأكثر من طرف قد حانت.
تتأهب القوات التابعة لجماعة الحوثيين للتحرك من أجل إحكام سيطرتها على السلطة وملء موقع الرئيس بعد أسبوعين من قسر الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي على الاستقالة مع رئيس حكومته خالد بحاح وإخفاق القوى السياسية في التوصل إلى اتفاق لسد الفراغ الرئاسي.
ولا بد أن الجماعة المسلحة التي سيطرت عملياً على القرار السياسي في سبتمبر من العام الماضي بعدما سيطرت على العاصمة قد سوت الأرضية التي ستقف عليها بعد إتمام السيطرة على الحكم وأبرمت تفاهمات مع الأطراف التي كان من المحتمل أن تنافسها على الحكم.
لا يستطيع الدكتاتور المعزول علي عبدالله صالح أن يطل برأسه في التوقيت الراهن أو حتى ينتدب أياً من رجالاته لملء كرسي الرئاسة من طريق القوة المسلحة التي أطاحت بهادي, فمن شأن ذلك أن يعيده إلى المواجهة المباشرة مع القوى التي أزاحته من الحكم ويستفز المجتمع الدولي الذي سيبدو شديد البلاهة.
كان خيار صالح ومن خلفه تياره في المؤتمر الشعبي العام واضحاً بالاحتكام إلى البرلمان لمعالجة الفراغ الرئاسي, ما يعني إسناد السلطة إلى أحد أخلص رجالات الرئيس السابق لكن هذا الخيار قوبل بمجابهة سياسية الأمر الذي دفع صالحاً وفريقه إلى ادعاء اللامبالاة والانسحاب من المحادثات التي يقودها المبعوث الأممي جمال بنعمر.
فبدلاً عن القفز إلى الكرسي الرئاسي عبر تلك القناة الناعمة, سيطيل صالح الانتظار ويسوي للحوثيين الكرسي كي يعتلوه, مانحاً إياهم كل ما يحتاجونه من التسهيلات؛ بدءاً من إعارتهم ولاء أتباعه حتى نيران جيشه الذي ما زال يدين له بالولاء ثم سيتنحى جانباً ليشاهدهم يخفقون ويخفقون, قبل أن يصول هو في ساحة تكون قد خلت من المنافسين والخصوم الأقوياء.
تنطوي الطريقة التي يقدر بها صالح الأمور على سيناريو كهذا الذي يضع المعادلة الشعبية في آخر حساباته, إلا إذا كان قد اتعظ من التحرك الشعبي الأكبر في تاريخ البلاد الحديث عام 2011.
كثيرون يترقبون تفجر الصراع بين الحوثيين وصالح بعدما تكمل قواتهما الإطباق على السلطة, لكن بقدر ما إن هذا المنتهى وارد فهو أيضاً مستبعد لقدرتهما على اقتسام الغنيمة بمرونة.
ذلك أن جمهور العصبية التي وحدتهما للقتال سوياً ضد النظام السياسي الذي قام على أنقاض نظام صالح, شديد التداخل إلى حد أن ما سيذهب من المكاسب إلى أتباع أحدهما سيفيد أتباع الآخر بطريقة ما, من منطلق أنها عصبية طائفية وجهوية.
كان المؤتمر الذي نظمه الحوثيون في العاصمة صنعاء على مدى ثلاثة أيام بدءاً من الجمعة الماضية أخطر القوى السياسية بأن الجماعة المسلحة ستتحرك لتنظيم السلطة وملء فراغها في حال انقضت ثلاثة أيام ولم تتوصل القوى التي تتباحث بشأن الأزمة إلى حل لسد الفراغ في موقع الرئيس.
جاء في بيان صدر عن مؤتمر الحوثيين «يمهل المؤتمر الوطني الموسع القوى السياسية مدة ثلاثة أيام للخروج بحل يسد الفراغ القائم ما لم فإن المؤتمر قد فوض اللجان الثورية وقيادة الثورة باتخاذ الإجراءات الفورية الكفيلة بترتيب أوضاع سلطات الدولة والمرحلة الانتقالية للخروج بالبلد من الوضع الراهن».
ودعم المؤتمر الذي أُطلق عليه «المؤتمر الوطني الموسع» مطالب الحوثيين بتزكيته «تعديل الاختلالات الواردة في مسودة الدستور وفقاً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة ورفض أي مسعى لتمزيق الوطن تحت أي مسمى» في إشارة إلى نظام الحكم الاتحادي الذي كان مقرراً تدشينه بعد الاستفتاء على الدستور وتقسيم البلاد بموجبه إلى أقاليم إدارية.
ولا يبدو أن الأطراف السياسية التي تتباحث للاسبوع الثاني قادرة على إحراز تقدم في وضع حد للفراغ الدستوري الناجم عن استقالة عبدربه منصور هادي بعدما استغرقت الأيام الماضية في بحث توسيع عضوية الهيئة الوطنية لمراقبة تنفيذ مخرجات الحوار الوطني ومجلس الشورى وتطبيق اتفاق السلم والشراكة.
وزاد من تعثر المحادثات انسحاب ممثلي الحراك الجنوبي والمؤتمر الشعبي العام ولحق بهما ممثل التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري الذي انسحب الأحد الماضي, تعبيراً عن رفض حزبه للضغوط الحوثية بعد إمهال الجماعة للقوى المتحاورة ثلاثة أيام للتوصل إلى اتفاق.
حتى في حال أفضت المحادثات الجارية إلى حل للأزمة التي تعصف بالبلاد فهي ستضيف اتفاقاً جديداً إلى قائمة الاتفاقات التي تزدحم بها المرحلة الانتقالية في أفضل الأحوال, أما الأزمة فلن تحسمها غير الطرف المتغلب بالقوة وهو يريد إنضاجها فحسب لتمييع علامات الانقلاب وطبعها بطابع الأزمات السياسية.
على أن أي اتفاقية تعقب حرباً ما, لا تشكل أكثر من وثيقة استسلام الأطراف المنهزمة للأطراف المنتصرة عبر تاريخ الحروب. وما لم يحط به اتفاق السلم والشراكة من مكاسب لجماعة الحوثيين المتغلبة بقوة السلاح, ستتداركه في أي اتفاق مقبل.
فوق ذلك, للأزمة امتداداتها الإقليمية والدولية وهذا أمر له تأثيراته ومفاعيله النافذة.
وفي هذا الإطار, يمكن تتبع الشواهد المتتالية من استئناف الولايات المتحدة الأميركية هجماتها بواسطة الطائرات بدون طيار على نشطاء تنظيم القاعدة في الأراضي اليمنية بعد توقف الغارات وصولاً إلى هجوم المسلحين الحوثيين على قوة مصغرة من الجيش في منطقة الخوخة ضمن القوات التي تتولى تأمين جزيرة حنيش.
فخلال أسبوع مضى شنت طائرات أميركية بدون طيار أكثر من غارة في محافظتي شبوة والبيضاء ضد أشخاص يشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة بعدما كان نشاط الطائرات توقف في أعقاب سيطرة المقاتلين الحوثيين على العاصمة صنعاء يوم 21 سبتمبر من العام الماضي.
والجمعة الماضية, لقي قائد قوة عسكرية تشترك في تأمين جزيرة حنيش حتفه وأصيب آخرون بهجوم لمسلحين حوثيين.
وأي دلالة لهذا الهجوم لا تنفصل عن أهمية المكان بما لجزيرة حنيش من موقع مهم وأطماع متعددة ترنو إليه.
في السياق الدولي, دعا سفراء الدول العشر الراعية للتسوية بالاشتراك مع ألمانيا واليابان وهولندا وتركيا يوم الثلاثاء جماعة الحوثيين إلى السماح للرئيس المستقيل عبد ربه منصور ورئيس الحكومة ووزرائها بحرية التنقل داخل البلاد وخارجها.
وحث بيان للسفراء كل الأطراف على تطبيق مقررات الحوار الوطني و مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية واتفاق السلم والشراكة.
وقال البيان إن هذه الاتفاقات تشكل الأساس الوحيد المتوافق عليه للعملية الانتقالية.
هكذا أدخلت قوة السلاح البلاد في متاهة معقدة, يستطيع الحوثيون الخروج منها لكنهم لن يقدروا على إخراج البلاد منها قبل مراجعة شاملة لما أحدثه حنينهم إلى أدوات الغلبة والتنصل من المسؤولية.
وبينما تقود الأمم المتحدة المحادثات الجارية في الفندق ذاته الذي انتظمت على قاعته جلسات الحوار الوطني, سيكون عليها التذكر بأنها ضبطت أداءها خلال ما انقضى من المرحلة الانتقالية على إيقاع الأطراف القوية ورغبات الرئيس الانتقالي المستقيل.

