في ظل استمرار الحرب واستمرار حالة التدهور المعيشي على كافة صعد الحياة، أصبح من المؤكد أن شهر رمضان، سيحمل لليمنيين هذا العام معاناة اضافية، بدأت تباشيرها في الظهور، من خلال انعدام الكثير من المواد الغذائية، وايضا ارتفاع خيالي في سعر المواد المتوفرة نسبيا. يرتبط شهر رمضان عند اليمنيين، كما هو الحال لدى كثير من الشعوب العربية والاسلامية، بكونه شهر السكون والفضيلة، شهر الطمأنينة، يحلو للجميع ان يجعلوا منه فاصلا زمنيا بين حياتيين "بالنسبة لي يعد شهر رمضان بمثابة آلة زمنية تستطيع التخفيف من رتابة السنيين" يقول الشاب المثقف أكرم، ثم يستدرك "لكن ليس هذه المرة". طبقا لأكرم الذي يدرس الفرنسية، فإنه يمكن القول ان شهر رمضان بمثابة محطة يعود اليها المرء في كل عام لكي يستريح، يتعبد، يهتم بأمور استثنائية، قبل ان يستقل قطار الحياة مجددا، غير ان هذا القطار اصبح مؤخرا يشتكي من اعطال كثيرة، يتوقف لأتفه الأسباب، وأحيانا لأن هناك رجال شبه عراة يخرجون من أدغال التاريخ ويحبون مهاجمة أي شيء يتحرك على الأرض. لدى اكرم طريقته في التهكم. ألتقيته مصادفة قبل ايام في شارع جمال وسط مدينة تعز، مسافة ليست طويلة تفصلنا عن ساحة المعركة، حيث يصر مقاتلي الحوثي وقوات صالح على اخضاع المدينة لشرعية انقلابهم المرتبك، يقاتلون في مدخل حوض الأشراف ومناطق أخرى ويقصفون المساكن بالدبابات بينما تجتهد المقاومة الشعبية باستعدادات حربية متواضعة، ومع اقتراب مساء كل يوم وتنجح في صدهم. قال: أنظر لقد توقفت الدراسة منذ اكثر من شهرين (يدرس سنة رابعة)، وتوقف كل شيء، وتعز المدينة الجميلة والمزدحمة، أصبحت شبه فارغة، وفي طريقها لتصبح أثرا بعد عين. ليس أكرم فقط من آخذ يحدثني بعيدا عن سياق السؤال الذي بادرت في طرحه، كنت قد وجدت الفرصة سانحة لادراج وجهة نظره حول شهر رمضان هذا العام وأي معاناة قد يحملها ضمن هذا التقرير، والى أخرين ممن حاولت استطلاع اراءهم حول نفس الموضوع سواء من خلال الحديث وجها لوجه أو عبر الهاتف؛ كان من الغريب حقا انهم قبل ان يشرعوا في سرد المعاناة المتوقعة التي تنتظرهم، أنهم يعودون الى نقطة ابعد، وهي كيف أنهم لم يتوقعوا أن تستمر الأزمة الحالية كل هذا الوقت. بل أنه لم يخطر في بالهم أن الأزمة السياسية التي كانوا يراقبونها عن بعد، قبل ان تتحول الى حرب، لم يكن بوسعهم توقع انها قد تحمل معها معاناة، ستشملهم في النهاية بكل هذه القسوة. (أغلب هؤلاء وهم بالعشرات من العاطلين عن العمل منذ مطلع شهر مارس الماضي على الأقل). الحطب يؤخذ على اليمنيين، بصفة غالبة، أنهم لا يتعاملون مع المخاطر بجدية، قبل أن تحل، وبجدية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بكيفية التعايش مع هذه المخاطر بعد ان تصبح واقعا. يقول صالح الحقب، أن نساء قريته، اصبحن يقطعن كل صباح نحو عشرين كيلو متر بحثا عن الحطب، وذلك بسبب انعدام الغاز المنزلي أو توفره بصعوبة وبأسعار خيالية. هنا تأتي قدرة اليمنيين على التكيف. يضيف صالح " الاستعدادات لاستقبال الشهر الكريم هذا العام مختلفة عن تلك الاستعدادات التي عرفتها قريتنا على مدى العقود الماضية". وبحسب صالح فإن قريتهم القريبة من مدينة دمت التابعة لمحافظة الضالع، كانت قد هجرت الشقاء بصفتها ريفا، والتحقت الى حد بعيد بحياة المدينة، بفضل قربها من المدينة وأيضا مرور الطريق المسفلتة من جوار المساكن. غادرت الكثير من الأسر التي تسكن المدن، نحو الريف هروبا من الحرب، لكنها لم تهرب من المعاناة التي فرضتها الحرب وابرزها غياب الكهرباء، وارتفاع اسعار المواد الغذائية، وايضا غياب المشتقات النفطية. ليست رحلة سياحية اذن. يعود صالح للحديث: نفسية الناس متعبة، وكل الأجواء المبهجة التي كانت تسبق شهر رمضان مختفية تماما، الجميع اصبح عاطلا عن العمل أو هاربا من الحرب، ويجري الاستعداد لاستقبال الشهر الكريم بنفس طرق الجدات. لعل زمن نهاية عقد السبعينيات قد عاد الى اليمن حاملا معه القسوة وبنفس القدر الاستخفاف بالمخاطر، حيث لم يقم احد بدوره لمنعها، وبما يميز اليمنيين عادة، وهو القدرة على التكيف مع الظروف مهما كانت. رمضان في مدن الاشباح والمعاناة تستمر الحرب منذ أكثر من شهرين في عدد من المدن اليمنية، لعل ابرزها تعز، عدن، الضالع، ومأرب، لكن اثارها وان بدرجات متفاوتة تستمر في جميع المدن. تحولت المدن الى موطن للأشباح خلال هذه الفترة، بينما من المعروف هو انتعاشها بشكل مضاعف في موسم سنوي، في العادة يبدأ من منتصف شهر شعبان ويستمر حتى يوم عيد الفطر، لكن الحرب فرضت منطقها. مدن مثل عدن والحديدة، سيكون نصيبها من المعاناة مضاعفا. يقول معمر الذي لم يغادر الحديدة رغم توقفه عن العمل، ان الأمراض بدأت بالانتشار، حمى الضنك على وجه الخصوص وأن غياب الكهرباء يجعل من الحرارة الشديدة جحيما لا أحد يعرف السبيل الى تجاوزه. من الصعب الحصول على قالب من الثلج في الحديدة وان بسعر مبالغ به، أما في عدن فيبدو هذا حلما صعب المنال، وعندما اتصلت ببعض الاشخاص في عدن، لكي اسألهم عن الترتيبات التي سيسيتقبلون بها شهر رمضان، ابدوا ارتباكا واضحا، لعل أمر كهذا قد فاتهم، ربما ق نسوا هذا الشهر أو انهم لا يحبون التفكير بأزمة جديدة تجلب لهم معاناة أخرى. الهدنة كما يتعلق الغريق بأي قشة تمر من أمامه، أصبح لدى اليمنيين املا يتعلقون به، هو أن الهدنة التي يجري الحديث عنها في وسائل الاعلام، تتحقق قبل حلول شهر رمضان. لعل هذا سيمنحهم فرصة لتدارك ما فاتهم. على الاقل استعادة السكينة التي يتطلبها هذا الشهر. لكن محمد وهو شاب يعمل في النجارة، يقرر أنه في حال توقيع الهدنة فإنه سيعقد الرحال نحو مدينة البيضاء، حيث توقف عمله هناك منذ خمسة أشهر. يقول محمد: دائما ما كنت اتمنى ان يأتي رمضان وان في اجازة اضطرارية كهذه، فأنا لا احصل على اجازة الى في النصف الآخر من شهر رمضان، لكني هذا العام لو تحققت الهدنة ودخلت المشتقات النفطية وعادت الحركة، فلن أعود إلا ليلة العيد وقد لا أعود لو استمر العمل. يضيف "اجازة الحرب والقلق النفسي، والعجز عن تلبية اشياء الحياة الضرورية أسوأ ما يمكن أن يحدث للمرء وهو في كامل صحته". وعندما سألته خارج السياق الذي نتحدث عنه: كيف تقضي يومك؟ أجاب: لقد توقفت عن متابعة الأخبار منذ اسبوعين.

