إما أن يكون الفكر نقدياً، وإما أن يكون مخصياً

الأربعاء, 24 كانون1/ديسمبر 2014 16:39
قيم الموضوع
(0 أصوات)

هكذا يخلص الرفيق حسن حمدان، إلى ما يتوجب عليه الفكر صيرورته، إما أن يكون فكراً منتصراً للقضية التي يحملها، وإما يسحق قدام الوحشية المالية وظلاميتها واجتياحها اليومي لمواطن أحلامنا الصغيرة. إنه فكرنا الإنساني، إنه حزبنا الاشتراكي اليمني.

نشرنا في عدد سابق من صحيفتنا المناضلة، الثوري، قراءة نقدية لمقال الدكتور ياسين: بقع البارود...، والذي يمثل إضافة نوعية أخرى، والذي لا مانع أيضاً من أن نختلف في جزئيات منه ونتفق في أخرى. نواصل التعزيز من مساحة الجدل الفكري، والممارسة الديمقراطية في حياتنا الحزبية اليومية، لا أمل لنا إلا أن نزيح عن كاهل حزبنا، صدأ الزمن وركود الفكر.

يستوقفنا نص: ... «وما يحدث في اليمن منذ زمن هو احتكاك وصدام بين منظومتي هذه العوامل. أدوات ومظاهر هذا الصدام اختلفت وتماثلت من مرحلة إلى أخرى»...!!!

جميل، الاحتكاك والصدام هو الصراع، أي صراع مصالح مادية مختلفة، بين أطراف اجتماعية مختلفة في البنية الاجتماعية الواحدة. بكل علمية: الصراع هو الحياة، والعكس هو الفناء، «والصراع الطبقي هو القوة المحركة للتاريخ».

لكن هنا، وكأن الدكتور يضفي شيئاً جديداً (يحصل في اليمن)، وكأنه يقول إن (الاحتكاك والصدام)، أي الصراع، طرأ في فترة زمنية معينة مؤخراً، وكأنه ليس لهذا الصراع ديمومة، كون الصراع شرطاً لاستمرار الحياة الانسانية، وليس الصراع بالضرورة هو العنف، فهو لا يأخذ شكلاً واحداً أو حركة واحدة، فمثلاً، نمو جسم الإنسان هو: صراع داخلي بين الحياة والموت، واكتساب المعرفة هو: صراع بين العلم والجهل...، وهذه حقيقة تشمل المجتمع الطبيعة والفكر.

ليس هنالك من حدث مفاجئ أو ظاهرة مفاجئة، يأتي/ تأتي بمعزل عن سياق تاريخي سبقه، إذ أن مسار التاريخ هو مسار تراكمي مترابط في جميع جوانبه محكوم بقوانين تضبط حركته ومساره، وفي محطة معينة منه، أي بعد تراكم كمي معين، يحدث نتيجة لهذا التراكم تحول نوعي لبنيته كلياً أو جزئياً، أي لأطراف هذا الصراع، وللبيئة التي تشكل الوحدة الحاضنة لهذا الصراع، خاضعة في تحولها لشروط الصراع الداخلي والمؤثرات الخارجية عليه.

شهدنا منذ العام 2011 وحتى اللحظة، أحداثاً اجتماعية تاريخية، يتسم مظهرها الخارجي بالتعقيد، واللبس؛ كنتيجة لتركيبة اجتماعية معقدة ومتداخلة ويشوب جوانبها الكثير من اللبس والغموض المعترية محاولات فهمها وبحثها، وأيضاً لحركة الصراع نفسه وما يحكم هذه الحركة.

إن حدثاً اجتماعياً هاماً، كالحراك الاجتماعي المنطلق من صعدة مثلاً، لم يكن بمعزل عن السياق الاجتماعي التاريخي، لكنه في نظر البعض، يُرى بعين اللحظة المجردة، بمعزل عن سياقه، وهو السياق الاجتماعي التاريخي لليمن منذ 62.

هذا الحراك بكل محمولاته ونتائجه، لم يكن سبباً بذاته، بل كان نتاجاً لواقع اجتماعي مفروض. و«ما نعيشه اليوم ليس هو الأسوأ (...)، لكن الزمن الذي أنتج هذا الوضع وراكم شروط ولادته على هذا النحو كان هو الأسوأ على الإطلاق»، فالسلطة بكل تكويناتها، هي من أنتجت هذا الواقع، وهي من تستخدم الطائفية كأداة في الصراع الاجتماعي لتحويره، وهي التي مارست الحروب، وأنتجت الانشقاقات الاجتماعية...، وبالتالي فإن الصراع اجتماعي بامتياز وليس له أن يكون إلا كذلك. لكنه، بحسب حركته، يأخذ أشكالاً مختلفة لمضمون هذه الحركة، فالمظهر الخارجي، هو شكل للحركة وليس الحركة نفسها. إذاً، ليس لنا أن نحاكم الصراع بمعزل عن التربة الاجتماعية التي نتج فيها.

الطائفية خدعة تستهدف إغراق المجتمع بصراع تفضي نتائجه بما لا يمس مصالحه ويعمق أزمته، ولم تكن التركيبة الاجتماعية ونضوج الصراع الاجتماعي ليسمح بذلك، واليوم يسند طرح الدكتور صفنا، مؤكداً علميته، خصوصاً في النقطة: الرابعة والخامسة والتاسعة والرابعة عشر. يتساقط كل أولئك المهووسين بالطائفية أمام سخرية الواقع المؤكد مادية الصراع بين قوى «لا علاقة لها بالسماء ولا بالأمس». إن علمية الفكر وثوريته، تحصنه من التفاجئ بمتغيرات الواقع وبما تصنعه جدليته، فهو بحركته لا سكونه. ولقاء الحوثيين والإصلاح ومحاولة التهدئة أو التحالف ببساطة يمكن فهمه، إن لم نقبل بالزيف اقتحام عقولنا. إنه الصراع والمصالح.

...«إما... أو...»...

يتسيد منطق العجز، ويتجسد عائقاً أمامنا يحجزنا على ضفة المستحيل، يمنعنا من الإبحار بحلمنا بعيداً عن جدارية الموت والانهيار. لكنه ليس أكثر من هالة معتمة في رحاب العقل، تعتري رؤيتنا وتعوقنا عن إنقاذ أحلامنا التي تغطيها (بقع البارود).

إما الحرب، وإما الحل على قاعدة التوافق، التوافق بين من لا تتوافق مصالحهم، إلا إذا كان «الحل على قاعدة التوافق»، لن يخرج عن إطار البنية الفوقية، وبالتالي سيظل فوقياً، أي أبعد ما يكون عن مصالحنا نحن المسحوقين على أرصفة الله..

(أ) هو (أ)، و(ب) هو (ب)، ولا يمكن لـ(أ) أن يكون ( ب)، ولا يمكن لـ(ب) أن يكون (أ). إن منطق التماثل هذا، هو ما يشوب أداة التحليل، شوائب الهيجلية تعتري ركائز الفكر. إن المشكلة الخاطئة، مشكلة يستحيل حلها. حد تعبير مهدي عامل.

لماذا ليست الثورة الاجتماعية هي إحدى الحلول المطروحة؟ والواقع يفرض منطق، لكنه استبعاد تام لهذا الخيار، الذي نجد أنفسنا دائماً أمامه: عشرات المبادرات والاتفاقيات السياسية طيلة عقدين، كل مبادرة واتفاقية تفضي إلى أزمة، وبالتالي تفاقم الأزمة العامة ولا تحلها، وتحتاج هي الأخرى لمبادرات واتفاقيات أخرى، وهكذا.. فالأزمة الآن هي أزمة جذرية، ليس للإصلاحات أن تحلها، وهذه ليست حالة فردية تعيشها الرأسمالية الطفيلية اليمنية، كطبقة مسيطرة بكل تداخلاتها وتشعباتها، لكنها أزمة تعيشها الرأسمالية العالمية..

...«وقوى الصراع التي تحمل هذه المشاريع (...) أدواتها (...) ليست سياسية في الأساس، وإنما هي أدوات أيديولوجية إقصائية في جوهرها وميولها، أو أنها أدوات فساد (...) وجميعها يحميها السلاح والمخاتلة ورفض الآخر»...

إذاً، ووفق هذا الطرح، لماذا يستمر التعويل على حل هو بالتوافق معها؟!. إن الإشكالية ليست في الأداة، لكنها في تركيبة هذه القوى وطبيعتها، وبالتالي فإن هذا الطرح ليس إدانة لها أكثر مما هو تبرير لممارساتها، من وجهة نظرنا على الأقل، كما أن هذا الطرح، لا يعدو عن كونه تبريراً لفشل -على الأقل- جزء من خياراتنا السياسية ومسارنا، والذي جعلنا نتخذ صيغة مضللة، هي صيغة التشفي واللوم: ...«قبل سنتين طلبت من «الإصلاح» (...) ما بعد ثورة التغيير 11 فبراير أن يستخدموا»...، فهو يستثني ذاته منه، وكأنه كلٌ علوي النظرة، منقطع الفعل، في مقاربات أبعد ما تكون عن الواقع وسياقه الموضوعي. إن موقف الناقد، المسجل للمواقف، هو حال المتجنب لمهام تفرضها علينا المرحلة بأن نخلص مصيرنا من أيدي هذه القوى «التي تختزل الوطن بصورة تعسفية في أجنداتها الخاصة»...

«...أفرز بنية اجتماعية مشوهة سحقت فيها كل القوى والفئات الاجتماعية المؤهلة للمبادرة والرافعة للمشروع الاقتصادي التنموي وخاصة البرجوازية الوطنية والطبقة الوسطى»...

وفق هذا التعبير، فليس هنالك من أمل لخلاصنا. هكذا يخلص الدكتور، ولسنا نجتزئ النص من سياقه، لكنه تناقضه، الذي هو فيه، اغترابه عن واقعه.

إن الطبقة المسيطرة، تسحق الطبقات الأدنى منها، فهي بفعل (البلترة)، ضاعفت من حجم الطبقات الشعبية، وبالتالي، فإن تحول «الطبقة الوسطى والبرجوازية الوطنية»، إلى طبقة تحوي المجردين من الملكية الذين يبيعون قوة علمهم، جعل من مهامها تنتقل أيضا بالضرورة، فليس هنالك من عدم، ولذا، فإن انتظار «طبقة وسطى...» ليس أكثر من انتظار للموت.

إن عدونا الداخلي هو هو ذاته عدونا الخارجي، مرتبط فيه، مستمر به، فكانت بذلك مهمتنا الثورية جانبين متلازمين، يسيران بتعاضد، ينتصران معاً أو يسقطان معاً، تحرراً طبقياً وتحرراً من تبعيتنا البنيوية.. إنه واقعنا اليمني، واقع (العالم الثالث).

 

قراءة 8696 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة