قرب النهاية يتعثر الجنرال بضحايا جدد وينزلق الى بحيرة من دم ظل يمدها طوال أربعين عاماً بدماء الكثير من الخصوم والأصدقاء ممن سئم صداقتهم ولم يعد يغريه خضوعهم لنزواته البدائية. لعل العام 1990 العام الأبرز في حياة صالح عندما فتحت عدن ذراعيها له وفتحت له باباً للتاريخ لكنه لم يستوعب ذلك وظهرت نواياه السيئة مع الأيام الأولى للوحدة الاندماجية وعمل من لحظته الأولى على تقليص قوة شريكه في الوحدة «الحزب الاشتراكي اليمني» بالوسائل الممكنة واللامشـــروعة كافة، بدأها بإرسال عدد كبير من جيشه الخاص الى عدن والمحافظات الجنوبية مخالفاً لم تم الاتفاق عليه وعمل على تفريخ أحزاب وجماعات دينية مهمتها مهاجمة الاشتــــراكي والتحريض عليه، وصل الأمر الى حد الإفتاء بتكفيره ووجوب مقاتلته، كما عمد صالح ونظامه على اختراق اتفاقية الوحدة وتكييف بنودها حسب هواه ومصالحه الشخصية قبل ان تظهر نواياه واضحة في مسلسل الاغتيالات التي طالت كوادر الاشتراكي بشكل ممنهج حيث عمل على تصفية القيادات الوسطية التي تربط قيادات الاشتراكي بقواعده.
وما ان جاء العام 1994 حتى كان قد سقط في مسلسل الاغتيالات ما يقارب 160 قيادياً من الاشتراكي وهو العام الذي هرب فيه صالح من اتفاقية العهد والاتفاق الى حربه الأولى ضد الجنوب وصولاً الى اجتياحه ولم يكن حينها يعلم انه يدق المسمار الأول في نعش الوحدة ونعشه هو كطرف في إنجاز تاريخي سمح له بدخول التاريخ، والقضاء على المنجز هو خروج من التاريخ.
ولقد أثبت نظام صالح طوال الســـنـــوات القليلة للوحدة مناعة غير عادية ضد التحديث الذي حمله الجنوبيون يومها وكان مصمماً في كل ممارساته على الذهاب باتجاه اجتثاث الجنوب كمشروع وطني تحديثي.
اليوم التاريخ يعيد نفسه في صورة هزيلة ومأســـاوية مؤسفة بإعلان صالح وحليفه الحوثي حربهما على الجنوب دونما اعتبار لمكر التاريخ وهزليته وظروف ومتغيرات العصر حيث أصبحت الشــــرعية هناك في عدن وأصبح هو بلا شرعية ومحاطاً بقوة عارية من أي غطاء تقصف بشكل هستيري عدن التي احتضنته ذات تاريخ كوحدوي وستخرجه من التاريخ كلص.

